Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
تصفيق النساء وزغردتهن في الأعراس
السؤال
هل التصفيق للنساء في العرس محرم؟
الجواب
لا، فالتصفيق للنساء في العرس مباح، بل يستحب لهن، وقد قال الرسول ﷺ في نصٍ عام -وإن كان ورد في الصلاة-: (إنما التصفيق للنساء) ، وقال ﷺ لـ عائشة رضي الله تعالى عنها: (ماذا عندكم من اللهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو) .
السؤال: هل الزغاريد حرامٌ في العرس؟ الجواب: الزغاريد لا أعلم في منعها حديثاً صحيحاً، وحديث: (صوتان ملعونان) ، فيه نظر من ناحية الإسناد، وإن صح فدخول الزغاريد ليس واضحاً فيه، والكلام في الزغاريد مبني على المفسدة والمصلحة، فإن كانت النساء فيما بينهن فليزغردن وليصفقن كما شئن، وأما إذا كنّ سيفتن الرجال فهذا نوع من أنواع الفساد، والله لا يحب الفساد.
стр. 1122
عقوبة الأمة المحصنة عند زناها
السؤال
هل ينصف الرجم على الأمة المحصنة؟
الجواب
الرجم لا يتنصف، والجمهور على أن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة؛ لقوله ﷺ : (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، فإذا زنت فليجلدها، فإذا زنت فليجلدها، فإذا زنت فليبعها ولو بحبل من ظفير ولا يثرب) أي: لا يوبخها ويعيبها.
والحكمة في الأمر ببيعها إذا زنت في الرابعة هي أنَّ سيدها قد يكون ضعيفاً لا يستطيع إعفافها، فيشتريها من يستطيع إعفافها، أو ربما كان ضعيف الشخصية لا تهابه، فيبيعها من شخص مهاب لا تستطيع عنده أن تلتفت يمنه أو يسرة.
стр. 1123
الزواج بواسطة التلفونات
السؤال
هل يجوز الزواج بواسطة التلفون الحديث المرئي؟
الجواب
يجوز بالمرئي وبغير المرئي إذا كان التلفون له سماعة يسمعها الشهود كذلك، فيجوز الزواج بهذه الطريقة.
стр. 1124
لفظ النكاح الوارد في قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ... ) والمراد به
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣] ؟
الجواب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن النكاح هنا المراد به: الزواج.
لكن يرد عليه أن نقول: كيف تقول -رحمة الله عليك-: إن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة؟! فأنت بهذا تحل للزاني المسلم أن يتزوج بمشركة، وتحل للزانية المسلمة أن تتزوج بمشرك، وهذا لا يقره الشرع، فالزانية ما زالت مسلمة، فإذا قلت: إن المعنى أن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة اختل عليك المعنى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] ، وقال: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] .
فالذي عليه الجمهور وهو رأي الحافظ ابن كثير وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى- أن الزاني لا يطاوعه على زناه إلا زانية ترضى بالزنا، أو مشركة لا تعتقد حرمة الزنا أصلاً، والزانية لا يطاوعها على الزنا إلا زانٍ أو مشرك.
стр. 1125
الصلاة عند القبر
السؤال
ما حكم الصلاة في المقابر، أو في حجرةٍ بها مقبرة؟
الجواب
القبر إذا نُبش جازت الصلاة عليه، فإن النبي ﷺ بني مسجده على نخيلٍ قد سوي وقبور نُبشت، فإذا نبش القبر جازت الصلاة، أما إذا لم ينبش القبر فالنبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) ، وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) ، وقال: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) ، وقال: (لا تجلسوا إلى القبور ولا تصلوا إليها) ، إلى غير ذلك من النصوص، وأقوال العلماء رحمهم الله تعالى في الصلاة على القبور دائرة بين التحريم والكراهة.
стр. 1126
تأويل الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته)
السؤال
على أي شيءٍ يرجع الضمير في قوله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) ؟
الجواب
من أهل العلم من يقول (على صورته) ، أي: على صورة المضروب؛ لأن لفظ الحديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمنّ الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته) .
أي: خلق آدم على صورة هذا الذي ضربته؛ لأنك ضربت هذا فكأنك ضربت آدم ﷺ ، لكن هذا التأويل شيء، وإثبات أسماء وصفات الرب من نواح وأدلةٍ أخر.
стр. 1127
قبض تعويض شركات التأمين
السؤال
شخص يعمل في شركة قطاع خاص مُؤمَّن عليه، وأصيب في حادث إصابة شديدة، وعلم أن شركة التأمين تصرف مبلغاً كتعويض إصابة عمل، وهو متخوف من قبضه، فماذا يعمل؟
الجواب
اقبضه.
ونسأل الله تعالى أن يتم شفاءك.
стр. 1128
الزواج من المشركة أو الكتابية
السؤال
هل الزواج من مشركة جائز؟
الجواب
الزواج من مشركة لا يجوز، ولكن الزواج من يهودية أو نصرانية عفيفة جائز؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥] .
فإن قيل: إن الله وصف النصرانية أو اليهودية بأنها مشركة، فقال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] .
فأفادت هذه الآية أنهم أهل شرك، وكذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] .
قلنا: إن كل عام في الشرع تأتيه تخصيصات.
فقول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ، ليس على عمومه؛ فهناك زناة لا يجلدون في الأصل وهم المجانين، وهناك زناه يرجمون، وهناك زناه يجلدون خمسين جلدة وهم العبيد والإماء، فكل عام له استثناءاته.
فعلى وجه الإجمال لا يجوز لك أن تتزوج بمشركة، لكن استثني من أهل الشرك النصارى واليهود بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] أي: العفيفات.
وفهم ذلك أصحاب رسول الله ﵊، فقد تزوج حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه بيهودية، فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فكأنه نهى عن ذلك، فلما بلغ حذيفة أن عمر يشير إلى النهي ولم يأت صريح النهي قال له: أحرامٌ هو يا ابن الخطاب؟ قال: لا، ولكني خشيت أن تتعاطوا المومسات منهن، أي: خشيت أن تتزوجوا الزواني.
كما أن آية المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] بعد آية البقرة: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١] .
فمن أحب نصرانية، وكانت تريد الزواج به، ويريد الزواج بها وواجهتهما مشكلة إشهار الإسلام لخوف المرأة، فممكن أن يتزوجها على حالها هذه وهي نصرانية، ولكن يتأكد من عفتها؛ لأن الله تعالى لما أباح نكاح الكتابية قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥] أي:: العفيفات من الذين أتوا الكتاب.
فإن ذكرها بالإسلام فإنه يؤجر على إسلامها.
وأما مقولة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، فقد بناها على أنه كان هناك من بعض السلف من يقول: إني آكل ذبائح كل النصارى إلا ذبائح بني تغلب.
وقول الشيخ أحمد شاكر ليس بصحيح، بل مصادم للآية الكريمة، فهل أهل الكتاب على عهد رسول الله ﷺ كانوا مسلمين؟ والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥] .
فالذين أوتوا الكتاب كانوا كفاراً على عهد رسول الله، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة:١] ، فمقولة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى التي بثها في كتبه، وتلقفها الشباب الذين عندهم شدة في المسألة ليست بصحيحة، وإن كان قد صح أنه ورد عن ابن عمر ﵄ المنع، إلا أنه ورد عن حذيفة رضي الله تعالى عنه الزواج فعلا بيهودية.
كما أن التفريق في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] ، يفيد أن أهل الكتاب شيء وأهل الشرك شيء آخر، ولكن لا يمنع هذا من دخول أهل الكتاب في ضمن المشركين بنص آية براءة، إلا أن الذي يحسم مثل هذه القضية هو أفعال أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 1129
كلمة حول كثرة الجماعات واختلافها
السؤال
أنا متحير بين كثرة الجماعات الموجودة، فماذا أفعل؟
الجواب
لا تدخل لتتحير بين جماعة من الجماعات، بل تعلم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، واحضر مجالس العلم ومجالس الفقه في الدين، وآخ كل المسلمين فيما تستطيعه وتطيقه، وفيما يقره الشرع، أما أن تلزم نفسك بجماعة وأمير فهذه بدعة أصبحت بالية والحمد لله تعالى، فقد استنار المسلمون، ولنتعاون مع المسلمين على البر والتقوى فيما يقره الشرع، وفيما تطيقه وتتحمله.
стр. 1130
مدى صحة حديث: (زمزم لما شرب له) ، وحديث: (الدال على الخير كفاعله) ، والأحاديث الواردة في ليلة نصف شعبان
السؤال
ما صحة حديث: (زمزم لما شرب له) ؟
الجواب
حديث: (زمزم لما شرب له) لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، فإسناده إلى النبي ﷺ ضعيف، وله شاهد من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه موقوفاً عليه، وبعض أهل العلم يجعل الموقوف شاهداً للضعيف، ويرقيه به إلى الحسن، وبعض العلماء يرى أن الضعيف يبقى ضعيفاً، ونحن نقول: الصحيح أنه موقوف على معاوية رضي الله تعالى عنه، ونحن مع الرأي الأخير.
السؤال: ما صحة حديث: (الدال على الخير كفاعله) ؟ الجواب: حديث صححه بعض أهل العلم.
السؤال: ما صحة الأحاديث الواردة في فضل ليلة النصف من شعبان؟ الجواب: الأحاديث الواردة في فضل ليلة النصف من شعبان كلها ضعيفة، وقد تكلم صاحب (سنن المبتدعات) عليها كلاماً جيداً، فليراجعه من شاء.
стр. 1131
استحلال قتل النفس
السؤال
ما الحكم فيمن قتل نفسه مستحلاً لذلك؟
الجواب
المستحل يكفر، ولكن ما أدراك أنه مستحل أو غير مستحل؟!
стр. 1132
حلول للتائب عن المعصية المجاهد لنفسه
السؤال
شابٌ تاب عن المعصية، وأصبح يعاني من المجاهدة في غض البصر، فماذا يفعل؟
الجواب
يبحث عن زوجةٍ يتزوجها بكراً كانت أم ثيباً على قدر سعته، وعليه أن يكثر من الصيام، ويعتقد تمام الاعتقاد أن تعالى الله رقيب عليه.
стр. 1133
مدى صحة حديث الأوعال
السؤال
هل يصح حديث الأوعال؟
الجواب
حديث الأوعال ليس بصحيح.
стр. 1134
الشطرنج وأقوال العلماء فيه
السؤال
هل الشطرنج حرام؟
الجواب
لم يرد في مسألة الشطرنج حديث عن رسول الله ﷺ ثابت أو غير ثابت فيما علمت، وورد عن علي رضي الله تعالى عنه بإسناد فيه ضعف: أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ولكن بنى العلماء قولهم في الشطرنج على أنه نوع من أنواع اللهو المضيع للأوقات، والمذهب للصحة والأذهان، فذهب الجمهور إلى منعه لهذه الأسباب؛ للعمومات الشرعية، ثم منهم من قال بالتحريم، ومنهم من قال بالكراهة، والله أعلم.
стр. 1135
سلس الريح وحكمه
السؤال
أحتاج بشكل دائم إلى إخراج الريح، وهذا ينقض الوضوء، فماذا أفعل؟
الجواب
إذا كانت مصاباً بسلس الريح فلك حكم، وإذا كان خروج الريح منك وقتياً فلك حكم آخر، فإذا كنت تكثر إخراج الريح كما لو كان في كل دقيقة يخرج الريح، ويأس الأطباء من علاجك، فستكون مصاباً بما أطلقوا عليه (سلس الريح) ، وحينئذٍ من العلماء من سيسلك معك مسلك من به سلس البول، وسلس البول ليس فيه دليل أصلاً، وإنما سلكوا بمن به سلس البول مسلك المستحاضة، ويقول: تتوضأ وتسد الدبر بشيء أثناء الصلاة حتى لا يخرج منك شيء، وإن خرج بعد السد بالقطن شيء، فلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، والله أعلم.
стр. 1136
مسائل متعلقة بكفارة اليمين
السؤال
هل يجوز إخراج قيمة الطعام في كفارة اليمين؟ وهل هي وجبة أو أكثر؟ وما صفة هذا الطعام؟ وهل يجوز تقديم الصيام على الإطعام؟
الجواب
إما إخراج القيمة في كفارة اليمين فجمهور العلماء على أن القيمة لا تجزئ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] .
أما الأحناف فذهبوا إلى أن القيمة تجزئ، لكن هناك تعليل يطرح في هذه المسألة لتقرير رأي، ولا لترجيح رأي على آخر، وهو أن الجمهور الذين قالوا بإخراج الطعام قد يكون من توجيهاتهم أن المال قد يكون متوفراً عندك، بخلاف الطعام، فرأى الجمهور إخراج الطعام لهذه العلة، فإذا توفر المال ولم يتوفر الطعام ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] ، والآية صريحة في إخراج الطعام دون المال.
أما إن كان المال متوفراً والطعام متوفراً، فإن حدة القول بأن القيمة لا تجوز ستخف قليلاً وهذا رأي له وجاهته من ناحية المعنى، وقد قال به الأحناف، فنكون بهذا وقرنا قول الأئمة الثلاثة بقولنا: كفارته إطعام عشرة مساكين في حالة عدم توفر الطعام.
فإذا كان الطعام متوفراً والأموال متوفرة، ومن الممكن أن الفقير يختار مكان الطعام الذي سيأتي إليه أي نوع هو يشتهيه، فهل سيصبح في فسحه أم في غير فسحة؟ وهذا كله لا يقاوم النص: (فكفارته إطعام عشرة مساكين) ، ولكن القضية في فهم هذا النص، وهو الإطعام عند عدم الاستفادة من العملة.
يوضح هذا: أنك تكون أمام الحرم لتخرج زكاة الفطر، وتخرجها في الغالب أرزاً، فتجد أمام الحرم من يبيع أكياس أرز، والكيس بثمانية ريال، فتأخذ الكيس منه ثم تسلمه لواحد من الفقراء، فيعود الفقير إلى البائع ويبيعه منه بستة ريال، ثم يذهب لمتصدق آخر؛ إذ يجوز للفقير أن يبيع زكاة الفطر ويستفيد منها، فلقائل أن يقول: لو أنا أخذنا برأي الأحناف وسلمنا الرجل ثمانية ريال كاملة لكان لذلك وجهه! وخلاصة المقال أن الجمهور على أن الكفارة إطعام فحسب، ولكن نحن نورد أن مخرج كلام الجمهور في أزمنة قد تكون الأطعمة فيها أقل من الأموال، كما نقول: إن حالة وجود المال والطعام الجمهور فيها على أن الكفارة كذلك لا تكون إلا طعاماً.
وأما مقدارها فهي وجبة واحدة لكل فرد أي: عشر وجبات.
وأما صفتها فقد قال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] .
وأما تقديم الصيام على الإطعام فلا يجوز ما دمت تستطيع الإطعام.
стр. 1137
قبض تعويضات حرب الخليج
السؤال
ما حكم تعويضات حرب الخليج؟
الجواب
خذها واستمتع بها.
стр. 1138
الزيادات الواردة في أحاديث افتراق الأمم
السؤال
ما صحة حديث: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار) .
الجواب
كل الزيادات التي وردت في هذا الحديث بعد قوله ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة) فيها نظر، فالحديث: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة) إلى هذا القدر حسنٌ، وكل زيادة بعد ذلك، كزيادة (وكلها في النار) ، و (الجماعة) ، و (السواد) ، متكلمٌ فيها، ليست متكلماً فيها من المعاصرين، بل من الأوائل رحمهم الله تعالى، وقد أفردت رسائل لبعض إخواننا في بيان ذلك كله، فليراجعها من شاء.
стр. 1139
عورة المرأة المسلمة عند النصرانية وحدودها
السؤال
ما هي عورة المرأة المسلمة بالنسبة للمرأة النصرانية؟ وهل المراد بالنساء في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] جنس النساء، أو المراد بالنساء نساء المؤمنين؟
الجواب
فيه قولان لأهل العلم، والذي يترجح أن المراد جنس النساء؛ لأن أم المؤمنين عائشة ﵂ دخلت عليها يهودية فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فقال الرسول ﷺ : (كذبت يهود) ، ثم أوحيَ إليه أن هذه الأمة تبتلى في قبورها.
ففي هذا الحديث كانت اليهودية تدخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
فالحاصل أن عورة المسلمة بالنسبة لغير المسلمة على هذا التأويل الثاني تكون كعورتها بالنسبة لسائر النساء، وهو ما يظهر غالباً من المرأة للمرأة، والله أعلم.
стр. 1140
السنة في لبس العمائم
السؤال
كيف كان النبي ﷺ يلبس العمامة؟
الجواب
لا أعلم كيف كان النبي ﷺ يلبس العمامة، إلا أن هناك حديثاً أورده ابن القيم في زاد المعاد من طريق مجاهد عن أم هانئ قالت: (دخل الرسول ﷺ مكة وله عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه له أربع غدائر) ، إلا أن مجاهداً لم يسمع من أم هانئ، فالبس العمامة كما تيسر لك، إلا أن ما يتعمم به جماعة التبليغ كأنه الأقرب إلى السنة، والله تعالى أعلم.
стр. 1141
الصغار وخواتيم الذهب
السؤال
هل يجوز إهداء الطفل الصغير خاتم ذهب؟
الجواب
يجوز إهداء الطفل الصغير خاتماً من ذهب؛ لما جاء في الحديث (أن النبي ﵊ أتاه خاتم من عند النجاشي فناوله أمامة بنت ابنته زينب كالكاره له) .
لكن هل يلبس الصغير ما يحرم على الكبار؟ الجواب: ورد في الصحيح: (أن رسول الله ﷺ قال لـ أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:، فقال له: ادع لك الصغير -أي: الحسن أو الحسين - فذهب أبو هريرة ﵁ يدعوه، فإذا بـ فاطمة رضي الله تعالى عنها تخرجه وقد ألبسته سخاباً) ، والسخاب -كما يقول بعض العلماء- هو كالعقد، فالطفل يُتجوّز في حقه بعض التجوزات في مسائل الملبس خاصةً، وإن كان العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى يكره الذهب للأطفال حتى لا ينشأوا على هذا، والله أعلم.
стр. 1142
معنى ورود جهنم المذكور في سورة مريم
السؤال
ما معنى الورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] ؟
الجواب
قال فريق من أهل العلم -ويكاد ينعقد قول الجمهور على ذلك-: إن المراد بالورود: المرور على الصراط، والله أعلم.
стр. 1143
أذان الفجر ولقمة الصائم في فمه
السؤال
إذا نوى رجلٌ الصيام، وكان في فمه طعامٌ فأذن لصلاة الفجر هل يلفظ ما في فمه أم يأكله؟
الجواب
يأكله ولا حرج.
стр. 1144
إحباط العمل بترك صلاة العصر ومعناه
السؤال
هل ترك صلاة العصر يُحبط العمل؟
الجواب
نعم.
فقد قال رسول الله ﷺ : (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) .
السؤال: ما معنى إحباط عمل تارك صلاة العصر؟ الجواب: إحباط عمل تاركها ينبني على أشياء.
فإن كان ترك صلاة العصر جحوداً لها فتحبط جميع الأعمال ويكفر بذلك، وإن كان ترك صلاة العصر تكاسلاً فقد قال فريق من أهل العلم: يحبط عمل يومه ذلك.
والقواعد الكلية لأهل السنة والجماعة تفيد عدم التكفير إلا عند الجحود، وهذا رأي الجمهور.
стр. 1145
صلاة سنة الفجر بعد الفريضة
السؤال
هل يجوز أداء ركعتي سنة الفجر بعد صلاة الفجر؟
الجواب
نعم.
يجوز ذلك؛ لحديث النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها) .
стр. 1146
إيثار الدعاء بين الأذان والإقامة على السنة القبلية
السؤال
هل يجوز ترك السنة القبلية لأجل الدعاء بين الأذان والإقامة؟
الجواب
لا يشرع ذلك، بل يكره كراهية شديدة.
стр. 1147
الجمع بين ملك النخل وقوله تعالى: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير)
السؤال
إذا كان الإنسان يملك النخل بأكمله فما الجواب على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] ؟
الجواب
السائل بعيد، فالإنسان لا يملك شيئاً، بل يموت ويترك كل شيء لله .
стр. 1148
مدى صحة النهي عن صيام يوم السبت، وما ورد مما يخالفه
السؤال
ما صحة ومعنى حديث: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) ؟
الجواب
الحديث ضعيف حكم عليه خمسة من الأئمة الأولين بالضعف، فقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى فيه: هذا حديث كذب، وقال أبو داود رحمه الله تعالى: هذا حديث مضطرب.
فضعفه خمسة من الأوائل، وإن كانت له أسانيد يُحكم عليها في الظاهر بالحسن إلا أن هؤلاء الخمسة الأئمة على تضعيف هذا الحديث.
وأما من ناحية المعنى فإن المعنى ضعيف كذلك؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا يصومن أحدكم الجمعة إلا ويوماً قبله أو يوماً بعده) ، واليوم الذي بعده هو السبت يقيناً، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوما) ، فمن حافظ على هذا فسيصوم السبت يقينا، وقال ﷺ : (عليكم بالثلاث البيض من كل شهر) ، وبالمحافظة عليها يأتي فيها السبت يقيناً على مدار العام.
أما أن يفهم من هذا الحديث أنه لا يصام السبت حتى وإن كان يوم عرفة فهذا فهم خاطئ، ولم يقل به السلف، بل جماهير السلف رحمهم الله تعالى على خلافه، والله أعلم.
فإن صح الخبر فهو منزلٌ على من يخصص يوم السبت لاعتقاد منه على أن في ذلك خيراً، فسيكون قد خصص السبت وشابه اليهود في تخصيصهم السبت من دون الأيام؛ إذ اليهود يسبتون يوم السبت، ويؤخرون الأعمال فيه، ويعتقدون أن في السبت فضيلة، فإن فعلت وأنت تعتقد هذا الاعتقاد اليهودي فلا شك أنك مذموم.
стр. 1149
تفسير سورة الحديد [٢]
الصدقة من أعظم أعمال البر، لكنها لا تقبل إلا بشروط يجب توافرها، والمؤمنون يحرصون على تحقيق هذه الشروط، ولذا فأعمالهم الصالحة يقبلها الله منهم، ويكون لهم بذلك نور يوم القيامة، بخلاف المنافقين الذين ينطفئ نورهم على الصراط، وهم في أمس الحاجة إليه، فيقعون في جهنم وبئس المصير.
وقد رغب الله عباده في الخشوع، وعاتبهم على ضعفه في قلوبهم، وحذرهم من قسوة القلوب، ومن كمل إيمانه فهو من الخاشعين الصديقين، والصديق أعظم رتبة من الشهيد، فعلى المسلم أن يتعاهد قلبه بأسباب الخشوع.
стр. 1150
تفسير قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: يقول الله في كتابه الكريم: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١١] .
هذه الآية فيها حث وترغيب على الإنفاق في سبيل الله، فيقول الله سبحانه: ((مَنْ ذَا الَّذِي)) أي: من هو هذا الرجل؟ ومن هو هذا الشخص ((الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)) ؟
стр. 1151
شروط القرض الحسن
والقرض الحسن ضبطه العلماء بضوابط، فقالوا: كي يكون القرض حسناً ينبغي أن تتوافر فيه شروط: منها: أن يكون هذا القرض من كسب طيب؛ فإن النبي ﷺ قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لمثل ذلك؟!!) ، وفي مطلع هذا الحديث قال ﵊: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) ، فمن شروط القرض الحسن أن يكون من كسب طيب.
ومن شروط القرض الحسن: أن يبتغى به وجه الله ؛ فإن الله قال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] .
ومن شروط القرض الحسن: ألا يتبعه منٌ ولا أذى؛ فإن المنّ والأذى يبطلان الصدقات، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] .
وأيضاً: ألا يكون مع هذا القرض الحسن هتك ستر ولا فضيحة لمن تُصدق عليه، ولذلك جاءت الأوامر بإخفاء الصدقات، قال الله : ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] ، وقال النبي ﷺ : (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فللقرض الحسن شروط، وقد فهم هذه الآية الكريمة صنفان من الناس، فصنف فهمها على الوجه اللائق بها، وعلى مراد الله ، وصنف آخر جاهل فهمها على وجه آخر، وهذا الصنف الغبي الجاهل هم اليهود، جاءوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا محمد! إن ربك فقير يسألنا الصدقة.
وفيهم يقول ربنا سبحانه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨١-١٨٢] .
والصنف الآخر الذي فهمها على الوجه اللائق بها هم أهل الإيمان، فلما سمع أبو الدحداح الأنصاري رضي الله تعالى عنه هذه الآية قال لرسول الله ﷺ : إن الله يقول: ((مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ)) وإني أشهدك -يا رسول الله! - أن حائطي -أي: بستان له كان به نخل كثيرة- صدقة لله ورسوله أرجو برها وذخرها عند الله سبحانه.
فأثنى النبي ﷺ عليه بقوله: (ربح البيع أبا الدحداح) ، فانطلق هذا الرجل إلى زوجته وأولادهما في البستان، فقال لهم: إني قد أقرضت ربي هذا الحائط.
فخرجت تجمع عليها ثيابها وتأخذ بين يديها أولادها، مثنية على فعل زوجها، راضية بهذا الفعل، وتركوا الحائط لله ورسوله! فالله سبحانه يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ .
والتضعيف قد يصل إلى سبعمائة ضعف، وقد يزيد على السبعمائة ضعف، وقد يكون إلى عشرة أضعاف فقط، فإن الله قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] ، وقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] ، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] ، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من تصدق بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها منه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوّه، حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم) ، ولا اعتراض على أفعال الله سبحانه، ولا على رزق الله سبحانه، فقد تتصدق بجنيه واحد، ويتصدق أخ لك بجوارك بجنيه، وثالث يتصدق بجنيه، لكن ربنا يضاعف لهذا صدقته إلى ملايين، ويضاعف لذاك صدقته إلى سبعمائة، ويضاعف لهذا صدقته إلى عشر أمثالها، وذلك كله مرده إلى الله ، فجدير بمن تصدق أن يطلب من الله سبحانه تضعيف الأجر ومزيد الثواب.
стр. 1152
تفسير قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] ، وهذا يكون يوم القيامة كما قال جمهور المفسرين، فأهل الإيمان يتقدمهم نورهم إلى الأمام وعن الأيمان، وهذا النور على قدر الأعمال، فمن كانت أعماله الصالحة كثيرة فإن النور يشتد له، ويمر بهذا النور على الصراط، ويجتاز بهذا النور الظلمات، ومن قلّت أعماله قلّ نوره، ومنهم من يطفأ نوره مرة.
ويضيء أخرى، فالله سبحانه يقول: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨] ، ومعنى: (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي: أمامهم، ودعاؤهم بقولهم: ((رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) إذا تدبرته وعلمت ملابساته، لم تفارق الدعاء به في حياتك الدنيا، فمتى يصدر هذا الدعاء من أهل الإيمان؟ ومتى يقول أهل الإيمان هذا الدعاء؟ ما ذكر المفسرون في هذه الآيات أن النور يقسم على كل من قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، في مكانٍ ما، وكلٌ يأخذ حظه من هذا النور على قدر أعماله، وينطلق بهذا النور كي يجتاز به الظلمات، ويمر به على الصراط، فيمرون على الصراط، فمنهم من يمر على الصراط كالبرق، ومنهم من يمر على الصراط كالريح، ومنهم من يمر على الصراط كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر مسرعاً، ومنهم من يمر ماشياً، ومنهم من يمر بطيئاً، ومنهم من يمر زاحفاً، ومنهم من يتعثر مرة ويمر مرة، ومنهم من يسقط مكدوساً في جهنم والعياذ بالله، فهذا النور على قدر الأعمال، فهناك مكان تقسم فيه الأنوار، وكلٌ يأخذ نوراً على قدر عمله، فينطلق أهل الإيمان ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وينطلق معهم أيضاً من قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بلسانه من أهل النفاق، ففجأة تطفأ أنوارهم، فيقولون لإخوانهم من أهل الإيمان -كما حكى الله تعالى عنهم- ((انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)) قد فقدنا الأضواء التي كنا نستضيء بها.
وفي قراءة: (انظرونا) ، وفي قراءة: (أمهلونا) ، وفي ثالثة: (ارقبونا نقتبس من نوركم) .
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣] .
اختلف العلماء في القائل: (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً) ؟ من أهل العلم من قال: إن الله هو القائل.
ومنهم من قال: إن الملائكة هم الذين يقولون.
ومنهم من قال: إن أهل الإيمان هم الذين يقولون.
لكن أُبهم القائل في السياق، فلا معنى للبحث عن القائل، وعلى كلٍ لا يقال شيء بغير أمر الله .
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ فيذهب أهل النفاق إلى حيث كانت الأنوار تقسم فلا يجدون أنواراً، فيرجعون مسرعين إلى أهل الإيمان؛ كي يستضيئوا بنورهم مرةً ثانية، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي: تجاه أهل الإيمان ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٣-١٤] ، فهذه الخدعة يخدع الله بها أهل النفاق، كما قاله كثيرٌ من أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ، فهذه أكبر خدعةٍ يخدع بها أهل النفاق في الآخرة والعياذ بالله، فلما يرى أهل الإيمان أن أنوار أقوام أطفئت يتوسلون إلى ربهم، ويتجهون إلى ربهم، ويجأرون إلى ربهم بالدعاء قائلين: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨] .
فقوله تعالى: ((يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى)) أي: أهل النفاق ينادون أهل الإيمان: (ألم نكن معكم) ؟ ((قَالُوا بَلَىوَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ)) أي: شككتم في البعث وشككتم في التوحيد، قال تعالى: ((وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ)) ، أي: تلك الأماني الكاذبة التي تضل أهلها، قال تعالى: ((حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)) .
قال تعال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد:١٥] ، أي: فداء، ﴿وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٥] .
стр. 1153
تفسير قوله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)
ثم قال تعالى حاثاً عباده المؤمنين على الإيمان، ومستبطئاً لهم في عدم مبادرتهم إلى الخشوع: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] ، أي: ألم يحن لهذه القلوب القاسية أن تلين لذكر الله وما نزل من الحق؛ فإن هذا الذي نزل من الحق، يليّن الحجارة إذا نزل عليها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤] ، وكما قال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١] .
فيقول الله لأهل الإيمان: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ، وبهذا يكتشف المؤمن نفسه، ويعرف المسلم نفسه، وقد قدمنا أنه لم ينزل عليك وحيٌ يفيدك أنك على خير، ولكن ثم نصوصٌ تستطيع بها قياس نفسك ومعرفة أمرها، فالله ذكر أهل الإيمان فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] ، فقس نفسك على هذا، فهل أنت من هذا الصنف الذي قال تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] ، أم أنك لست منهم؟ كذلك قال النبي ﷺ : (وأهل الجنة ثلاثة -وممن ذكر منهم-: رجلٌ رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم) ، فانظر هل أنت هذا الرجل الرحيم رقيق القلب، تحزن إذا أصيب أخوك المسلم بمصيبة، وتحزن إذا حلت بأخيك المسلم فضيحة، أم أنك لست من هذا الصنف؟ فهذه مقاييس تقيس بها نفسك، قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣] ، فانظر إلى نفسك واكتشفها في حياتك الدنيا، فهل دمعت عينك لله سبحانه؟ وهل رقّ قلبك لذكر الله سبحانه؟ وهل رق قلبك للأيتام وللأرامل وللمساكين؟ أم لست من هذا الصنف؟ قس نفسك فأنت بها أخبر، وأنت لها طبيبٌ بإذن الله، قال الله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] .
وفي قوله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ قولان مشهوران لأهل العلم: أحدهما: طال عليهم الأمد في النعيم، فلما طال عليهم الأمد في النعيم نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً.
أي: نعّموا وأغدقت عليهم النعم، فلما نعّموا وأغدقت عليهم النعم كفروا ربهم وخالقهم سبحانه، فلم يقوموا بشكره، ولم يتضرعوا إليه، كما قال الله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] ، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء:٨٣] ، إلى غير ذلك من الآيات.
فعلى هذا القول يكون المعنى: طال عليهم الزمن في النعيم، فمتعوا متاعاً طويلاً، ولم يصابوا بالمصائب، ولم يبتلوا بالبلايا، ولم يتضرعوا إلى الله، ولم يشعروا بحال الضعفاء وبحال المساكين وبحال المرضى؛ فإن المصائب وأنواع الفقر وأنواع البلايا التي يصاب بها الإنسان تردّ الإنسان رداً جميلاً إلى الله ، وتذكره بأحوال إخوانه الجائعين، وبأحوال إخوانه العارين، وبأحوال الأيتام، وبأحوال المساكين، وقد قال ربنا جل ذكره: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧] .
فهذا هو المعنى الأول في تفسير قوله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ أي: فطال عليهم العمر في النعيم، كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [الأنبياء:٤٤] ، فطال عليهم العمر في النعيم؛ فنسوا ذكر الله، ولم يرفعوا أيديهم إلى الله سبحانه، ولم يسألوه ولم يرجوه.
والمعنى الثاني في قوله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ أي: طال عليهم زمن البعد عن التذكير، فكان النبي ﷺ يقول: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما هلك نبيٌ خلفه نبيٌ آخر) ، فكان الأنبياء من بني إسرائيل يذكرون بني إسرائيل إلى أن جاء عيسى ﵊، فرفع الله عيسى ﷺ ، ولم يكن بين عيسى صلوات الله وسلامه عليه وبين نبينا محمد ﵊ أنبياء، فهذه المدة التي لم يأت فيها أنبياء بين عيسى ﵇ ونبينا محمد ﷺ قل فيها المذكرون بالله، فطال على بني إسرائيل وعلى أهل الكتاب الأمد -وهو الزمن- وبعدوا عن التذكير وعن الذكرى، فلما طال عليهم الأمد في البعد عن التذكير قست قلوبهم.
فيؤخذ من هذا أن الذي يبتعد عن التذكير، ويبتعد عن مواعظ الذكر يقسو قلبه، ولذلك يتعين على كل مسلم أن يحافظ على الواعظ التي فيها تذكير بالله سبحانه، وفيها تذكير بلقاء الله، وفيها تذكيرٌ بالموت، وبذلك وعلى ذلك حثنا نبينا محمد ﷺ ، وفي كتاب ربنا الحث على ذلك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦] ألا وهي تذكر الدار الآخرة.
وكان النبي ﵊ (يتخول أصحابه بالموعظة كراهية السآمة عليهم) أي: يعظهم بين الحين والآخر، قال العرباض بن سارية ﵁: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون) ، وفي الحديث (أن موسى ﵇ قام خطيباً في بني إسرائيل فوعظهم موعظةً بليغة حتى أبكاهم) ، وقال : ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣] ، فينبغي أن يحافظ المرء منا على المواعظ التي فيها وعظ وفيها تذكير بالله وفيها فوائدٌ، وفيها تذكير بلقاء الله وبالموت، وقال رسول الله ﷺ : (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) ، فينبغي أن تحافظ في هذا الجانب بين الحين والآخر، واستمع إلى المواعظ حتى يرق قلبك؛ فإن الله سبحانه ذكر سبب قسوة القلب في هذه الآية فقال: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: لما ابتعدوا عن الذكر قست هذه القلوب؛ فإن التذكير يطهر القلوب ويحييها، وكذلك المصائب تحيي القلوب، فلذلك هذه الآية الكريمة جمعت المعنيين معاً، فطال عليهم زمن البعد عن التذكير، وطال عليهم الأمد في النعيم، فقلت عليهم المصائب، فماتت قلوبهم لقلة البلايا والمصائب، والبلايا والمصائب قد تحرك القلب، فقد لا يتحرك القلب أحياناً بموعظة ولكنه يتحرك بابتلاء، وقد لا يتحرك القلب بسماع آية من كتاب الله أو حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ، لكن إذا فوجئ الشخص -مثلاً- أن المصباح قطع فإنه حينئذٍ يبدأ بالتضرع والرجوع واللجوء إلى الله ، وقد لا يتحرك الشخص من موعظة، ولكنه لما يرى أولاده مرضى أو جياعاً أمام عينيه يتحرك قلبه! قال تعالى: ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] أي: خارجون عن الطاعة.
وقد روي أن هذه الآية كانت سبباً في هداية طائفةٍ من السلف، ومن أشهرهم الفضيل بن عياض العابد المشهور في تاريخ المسلمين، كان يقطع الطرق، ويسطو على البيوت، ويغازل النساء، ويفعل المحرمات والموبقات، ويرعب الناس المارة في الصحاري وفي البراري وفي القفار، فسطا يوماً على منزل من المنازل، وبينما كان يصعد الجدران للسطو على منزل لإيذاء أهله سمع تالياً يتلو هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] ، وأراد الله له الهداية، فقال: بلى -يا رب! - قد آن أن يخشع قلبي لذكرك.
وعاهد الله ألا يعصي بعد ذلك، ولا يسفك دماً، ولا يقطع طريقاً، فنزل عازماً على التوبة، فمر به قومٌ وهو مستترٌ عن أعينهم فقالوا: أسرعوا في المسير؛ فإن هذا المكان به قاطع الطريق المشهور الفضيل بن عياض، فازداد حسرةً وندامة على ما صنع، وعندما سمع منهم هذه المقالة عزم على العكوف في بيت الله الحرام يتلو آيات الله آناء الليل ويركع ويسجد، واستقام على ذلك إلى أن قبضه الله ، وثم قصص لغيره أيضاً.
стр. 1154
تفسير قوله تعالى: (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها)
قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] .
اختلف العلماء في وجه الربط بين قوله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) ، وقوله تعالى: ((اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) ؟ فمن أهل العلم من قال: لا يلزم أن يكون هناك ربطٌ بين الآية والآية التي تليها، لكن أحياناً يكون هناك ارتباطٌ وثيق، وهنا ارتباط وثيق بين هذه الآية والتي تقدمتها، فالله يقول: ((اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) أي: فكما أن الأرض يحييها الله بالماء الذي ينزل من السماء فكذلك القلوب يحييها الله بالوحي الذي ينزل من السماء.
وقد شبه النبي ﷺ ما نزل عليه بالغيث في قوله: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضاً) .
الحديث، فكما أن الأرض يحييها الله بالماء فكذلك القلوب يحييها الله بالإيمان، ويحييها الله بالوحي وبالقرآن، قال الله سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢] .
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: أحياها الله سبحانه بهذا الوحي، قال جبير بن مطعم: مررت برسول الله ﷺ وهو يقرأ سورة الطور، وكنت آنذاك مشركاً، فلما قرأ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] كاد قلبي أن يتصدع، وفي الرواية الأخرى: أن يطير، ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧] .
стр. 1155
تفسير قوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٨] .
اشتملت الآية على ذكر النساء أيضاً لحثهن على الصدقة، وكان يكفي أن يقال: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ) ويدخل فيهم النساء، لكن نص على ذكر النساء أيضاً لحاجتهن إلى التصدق، فقد خصهن رسول الله أيضاً بذلك، وبعد أن خطب خطبة العيد اتجه إلى النساء فقال: (يا معشر النساء: تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار.
قلن: بم يا رسول الله؟! قال: تكثرن اللعن، وتكفرنّ العشير ... ) .
стр. 1156
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ .
في هذه الآية يقال: هل الوقف على قوله تعالى: (الصِّدِّيقُونَ) أم على قوله: ((وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) ، فهل يقال: إن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ، ثم جاء أجرٌ آخر للجميع: فقال تعالى: ((لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)) ، أم يقال: إن الوقف عند قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ، وتم المعنى، ثم قال تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ ، ثم ذكر صنفاً ثالثاً فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ .
فالوقف كثيراً ما يكون للعلماء فيه وجهان، ولذلك نقول: إن علامات الوقف الموضوعة في المصاحف لا تؤخذ -فقط- من أهل التجويد ومن أهل القراءات، بل أيضاً من علماء التفسير، فعلماء التفسير يستطيعون ضبط المعاني، ومن ثم ضبط علامات الوقف، فأحياناً يكون عالم من علماء القراءات -مثلاً- يفهم الآية على معنىً من المعاني، ويكون في التفسير متسع، فيقول بوضع علامة الوقف على كلمة، ويخالفه آخرون في موضع الوقف لفهمهم الآية على معنى آخر.
مثال ذلك: علامة الوقف اللازم عند قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦] ، فمن العلماء من يضع فوق قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ، علامة الميم التي تعني: الوقف اللازم، وهذا ينبني على أن الذي قال: (إني مهاجرٌ إلى ربي) ، هو إبراهيم ﷺ ؛ لأنك إذا وصلت فقرأت: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ ، فالضمير يرجع إلى أقرب مذكور وهو لوط ﷺ ، فيكون القائل: إني مهاجرٌ إلى ربي، وهو لوط ﷺ ، وأكثر العلماء على أن الذي قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ ، هو إبراهيم ﵊؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩] ، لكن هذا أيضاً ليس بنافٍ أن يقول لوط ﵊: (إني مهاجر إلى ربي) ، خاصةً أن لوطاً ﷺ كان في بلدة ليست له فيها قبيلة، وهذا أحد الأقوال في تفسير قول لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠] ، قال فريق من المفسرين: لم تكن له قبيلة في هذه البلدة؛ فقال هذه المقالة، والله أعلم.
وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ، يقال: هل كل مؤمن بالله ورسله يعد صديقاً من الصديقين، أم أن في هذا الأمر تفصيلاً؟ والجواب لاشك أنه لا يقال: إن كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يعد صديقاً من الصديقين.
وذلك لأن النبي ﵊ وصف بعض أصحابه فقط بالصديقية، فقال ﵊ لما صعد جبل أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان: (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) ، وقال ﵊: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء.
قالوا: تلك منازل الأنبياء -يا رسول الله- لا يبلغها أحد غيرهم! قال: كلا.
والذي نفسي بيده.
رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) .
والمؤمنون في الجنة، لكنهم في درجات دون هذه الدرجات العلى.
والرسول ﷺ يقول: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً) ، ففيه إشعار بأنه لا يكتب كل شخصٍ صديقاً، إنما الذي يصدق ويتحرى الصدق، يؤول به التحري للصدق إلى أن يكتب عند الله صديقاً، وكذلك قال الله سبحانه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] ، فوصفت مريم ﵍ بالصديقية، فلا يقال يقيناً: إن كل من قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) صديق من الصديقين.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ)) ؟ قلنا: المعنى: والذين كمل إيمانهم بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم.
ويؤيد هذا المعنى قول الرسول ﵊: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع، وذكر منهن مريم ﵍ ، فقد كمل إيمانها فكانت صدّيقة، وأبو بكر ﵁ لما كمل إيمانه، وصدق الرسول ﵊ في خبر الإسراء والمعراج بلا تردد وصف بالصديقية.
فيقال في قوله تعال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ أي: الذين كمل إيمانهم بالله ورسله أولئك هم الصديقون.
стр. 1157
أيهما أرفع الصديق أم الشهيد ؟
جاء ذكر الشهداء فقال تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ ، فهل الصدّيق أرفع درجة أم الشهيد؟ والظاهر من سياق الآيات أن الصديق دائماً يقدم على الشهيد في الذكر، قال الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] ، وقال تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ ، وقال ﵊: (اثبت أحد! فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) ، وقد وصف في القرآن يوسف ﷺ بالصديقية، وهو نبي ﷺ ، ولم يرد أنه قُتل شهيداً ﵊، قال تعالى حكاية عن رسول الملك إلى يوسف: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف:٤٦] ، ووصفت مريم بالصديقية وهي كاملة الإيمان ﵍، فأحياناً قد يفوق الشخص الشهداء وهو لم يقتل في سبيل الله، فإذا كان الإيمان في قلبه كبيراً هائلاً فقد يفوق الشهداء في الرتبة.
وإن لم يقتل فـ أبو بكر ﵁ لم يقتل شهيداً ﵁، فلم يقتل بضربة سيف ولا بطعنة رمح، ومع ذلك فـ أبو بكر -باتفاق أهل السنة- أفضل أصحاب رسول الله ﷺ ، وأفضل من الصحابة الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ ، فمرتبة أبي بكر أعلى من مراتبهم، بدليل حديث النبي ﵊: (أبو بكر وعمر سيدا شيوخ أهل الجنة) ، وقال ﵊: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم) رضي الله تعالى عنهما، وفي الحديث: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله: هذا خير.
فإن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد) .
الحديث، وفيه أن أبا بكر يدعى من تلك الأبواب جميعها.
فهذا يفيد أن أعمال البر -سواء أعمال القلوب أو أعمال البدن- قد تدخل الشخص عالي الجنان وإن لم يقتل شهيداً، بل ويفوق مراتب الشهداء، فهذا لا بد أن يوضع في الاعتبار، فلا تأخذ الأحاديث الواردة في فضل الشهيد في سبيل الله وتترك سائر الأحاديث الواردة في أصناف أُخر من الدعاة إلى الخير، ومن القائمين على الأيتام، ومن القائمين على الأرامل، ومن القائمين على مشاريع الخير، ومن العاملين لأعمال البر، فهذه أبواب، (وكلٌ ميسر لما خلق له) ، كما ورد عن رسول الله ﷺ .
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ .
أبهم ذكر أجرهم لعظمته، فلهم أجرهم الذي تكفل به ربنا .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ، كأنه قد عقدت صداقة بينهم وبين الجحيم، فقيل عنهم: إنهم أصحاب الجحيم.
أي: أصدقاء الجحيم بينهم وبينها صداقة، فهي تتولاهم، وهم نزلاؤها وهم سكانها، وهي مولاهم وبئس المصير.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1158
الأسئلة
стр. 1159
فضيلة العمرة في رمضان
السؤال
ما حكم العمرة في رمضان؟
الجواب
تفاصيل العمرة لا يتسع الوقت لذكرها، لكن ما يصنعه إخواننا المصريون على وجه الخصوص من الذهاب إلى مسجد التنعيم ليأتوا بعمرة أخرى بعد أن يعتمروا عمرتهم التي أهلوا بها من الميقات، وكلٌ يأتي من مسجد التنعيم بعمرة، أو بعمرتين، أو بعشر عمرات عن أمه، أو عن أخته، أو عن خالته لم يرد عن أصحاب رسول الله ﵊، والذي يقول بذلك عليه أن يثبت لنا ذلك بآثار عن الصحابة تفيد ذلك، فما ورد إلا فعل أم المؤمنين عائشة، وكان لعلة لا تخفى، فإن أم المؤمنين عائشة خرجت حاجة، فلما أهلت بالحج واقتربت من مكة حاضت، فلما حاضت انتظرت، فقال لها الرسول ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) ، فانتظرت ودخلت عليها أيام الحج، وقد أهلت بعمرة، وقالت في الميقات: (لبيك اللهم لبيك، لبيك عمرة) ومشت، وعلى المعتمرة أن تطوف وأن تسعى، لكنها حاضت، فلما حاضت ونهاها الرسول ﷺ عن الطواف حال حيضها لم تطف طواف عمرتها، فدخلت عليها أيام الحج، وجاء يوم التروية فبدأ الناس يهلون بالحج: (لبيك اللهم لبيك، لبيك حجاً) ، وعائشة ﵂ أهلت بالعمرة، تكن انتهت منها بعد، فإن انتظرت حتى تطهر، فقد لا تطهر إلا بعد يوم عرفة، فيفوتها الحج، فسألت النبي ﵊: ماذا أصنع؟ قال لها ﵊: (ارفضي عمرتك) ، أي: انقضي عمرتك.
وفي رواية أنه قال لها: (أهلي بالحج) ، فرفضت العمرة، أو أقرنت بالحج -أي: أدخلت على عمرتها الحج- فقالت: (لبيك اللهم لبيك، لبيك حجاً) ونقضت العمرة التي لم تنته منها، فذهبت إلى عرفات، ورجعت من عرفات إلى منىً، ورمت الجمار مع المسلمين، وبعد أن طهُرت طافت بالبيت طواف الحج، وبعدها أراد الرسول ﵊ وأصحابه أن ينصرفوا، فدخل عليها فإذا هي تبكي، فقال: (لم تبكي؟!) .
قالت: كل أزواجك يرجعن بحجة وعمرة، وأنا أرجع بحجة يا رسول الله! قال: (اذهب بها يا عبد الرحمن إلى التنعيم فأعمرها من التنعيم) ، فذهب بها عبد الرحمن إلى التنعيم، فأعمرها من التنعيم، ولم يرد أن عبد الرحمن نفسه أحرم معها بالعمرة، ولو كان فيه خير لاعتمر معها رسولنا عمرة لنفسه إضافية، فالعمرة مأجور فاعلها، فجاءت عائشة بعمرة أخرى من التنعيم، فقال رسول الله ﷺ : (هذه مكان عمرتك التي نقضتيها) ، فتمسك بهذا بعضهم وقالوا: يشرع أن تعمل عمرة من التنعيم؛ لأن أم المؤمنين فعلت ذلك، ويذهب إخواننا كل يوم -وأنت في المسجد الحرام معتكف- من مكة إلى التنعيم، وبعضهم يأتي في اليوم بخمس أو ست عمرات، أو بعشر عمرات، فبأي دليل هذا؟ ومَن مِنَ الصحابة فعل ذلك؟! وأين الأسانيد إليهم بهذه الأفعال؟! وهل فعلها الرسول محمد ﷺ أو لم يفعلها؟! والرسول ﵊ اعتمر أربع عمرات، فاعتمر ﵊ عمرة القضية، ويسمونها عمرة القضاء، وهي العمرة التي كانت بعد العمرة التي صد فيها عن المسجد الحرام يوم الحديبية، فصده أهل مكة عند الحديبية، ووقع بينهم الصلح المشهور، واتفقوا أن يأتي من العام القادم بعمرة مكان تلك العمرة التي صد فيها عن المسجد الحرام، وسميت عمرة القضية للمقاضاة التي وقعت بين الرسول وبين أهل الشرك، وسميت عمرة القضاء لأنها قضاء عن العمرة التي صُدّ عنها الرسول ﵊.
والخلاف في هذه التسمية -أي: تسمية عمرة القضية قضاء- ينبني عليه أن يقال: من ذهب إلى عمرة وحيل بينه وبين تمامها، فهل يشرع له أن يعتمر من العام المقبل مكانها، أم لا يشرع؟ فالذين قالوا: سميت بعمرة القضاء لأنها قضاء عن العمرة السابقة.
قالوا: يستحب له أن يقضي العمرة التي فاتته.
ومن قال من أهل العلم: سميت بعمرة القضية للمقاضاة التي دارت بين رسول الله وبين المشركين قالوا: لا يشرع له القضاء عن التي أحصر عنها، بل يتحلل ولا شيء عليه.
стр. 1160
حكم تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة
السؤال
هل يصلي تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة؟
الجواب
قد أتى نص عن رسول الله: (إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين خفيفتين) ، فهذا نص عن النبي ﵊ في جواز تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة.
следующие страницы →