Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
تفسير سورة الحشر [٣]
من رحمة الله تعالى بعباده بيانه لهم ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة، فبين أيدينا آيات حث الله تعالى العباد فيهن على تقواه، وبين لهم كيد الشيطان في انتزاع التقوى من قلوب العباد، وذكر المؤمنين بيوم القيامة، ووصفه بما يفيد قربه، ونهاهم عن نسيانه تعالى والغفلة عنه، وذكر عباده بأن سبيل المؤمنين أهل الجنة هو سبيل الفوز والفلاح دون سبيل أهل النار، ثم وصف لخلقه كلامه وهو القرآن الكريم، وعقبه بذكر بعض أسمائه الحسنى الدالة على عظمته وإلهيته، كل ذلك ليسلك العباد طريقاً موصلة لهم إلى رضا ربهم ﵎.
стр. 1332
تفسير قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ .)
يقول الله في كتابه الكريم في شأن اليهود: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦-١٧] .
أي: مثل اليهود في انخداعهم بأهل النفاق، وذهاب وعود أهل النفاق عنهم كانخداعهم بالشيطان وذهاب وعود الشيطان عنهم وتبرؤه منهم، فكما أن أهل النفاق خدعوا اليهود وقالوا لهم: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) ، فكذلك خدع الشيطان الإنسان وقال له: (اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) ، وقد ساق العلماء عند تفسير هذه الآية آثاراً، وهي لا تثبت عن رسول الله ﷺ ، وهي من الآثار الإسرائيلية التي قال فيها النبي ﷺ وفي أمثالها: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا) الآية) ، أو كما ورد عن النبي ﷺ ، فالإسرائيليات منها ما يُحكى ولا يصدق ولا يكذب، ومنها ما يصدق قولاً واحداً، ومنها ما يُكذَّب قولاً واحدا.
فالإسرائيليات التي تصدق قولاً واحداً هي: الأخبار التي أقرّها ربنا وأقرّها نبينا محمد ﷺ ، فما وافقه الشرع منها فإنه يصدق؛ إذ قد حكاها رسولنا محمد ﷺ .
والتي تكذب قولاً واحداً هي الإسرائيليات التي خالفت كتاب الله تعالى، وخالفت سنة رسول الله ﷺ ، وطعنت في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والتي بين ذلك هي: أخبار إسرائيلية لم يكذبها الله في كتابه، ولا رسوله محمد ﵊ في سنته، ولم يرد في الكتاب والسنة ما يثبتها، فهذه تُحكى ولا تُصدق ولا تكذَّب.
ومن هذا القسم الذي لا يصدق ولا يكذب: ما ورد عند تفسير هذه الآية أنه كان في بني إسرائيل عابد من العباد يعبد الله في صومعته، وكان في بلدته فتاة حسناء، ولها إخوة أربعة، فأراد إخوتها السفر، فقالوا: لن نأمن على أختنا أفضل من هذا العابد، فذهبوا إليه في صومعته، فأبى أشد الإباء أن يقبلها أو يتفقد أحوالها، فأصروا عليه، فآل الأمر إلى أن قبل رعاية أختهم وهي في بيتها، فانطلقوا مسافرين، وذهب يتفقد أحوالها اليوم بعد الآخر ويطمئن على حالها، فزيّن له الشيطان سوء العمل، وقال: سلها، فلعلها مستوحشة من فقدان الرفقة، فصار بعد أن كان يترك الطعام على باب دارها يسألها عن حالها، ثم آل به الأمر إلى أن دخل وخلا بها وارتكب معها الفاحشة، فلما حملت خشي من الفضيحة فقتلها ودفنها، فلما جاء إخوتها سألوه عن أختهم، فقال لهم: قد ماتت، وقد أحسنت إليها وقمت بدفنها وبالصلاة عليها فصدّقوه، ثم إن الشيطان أتى إخوتها في منامهم، وأوعز إليهم بالذي كان وحدث، وقال: إن أختكم في مكان كذا وكذا، فذهبوا واستخرجوها، فأتوا به إلى الملك فقرر قتله بعد أن اعترف، فأُخِذ ليقتل فجاءه الشيطان وهو في طريق القتل وقال: أنا الذي حملتك على الخلوة بها، وأنا الذي حملتك على الزنا بها، وأنا الذي حملتك على قتلها، فإن أطعتني الآن أنجيتك، قال: وما تريد مني؟ قال: تسجد لي سجدة واحدة، فسجد له فقتل وهو ساجد للشيطان، قال تعالى: (فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) .
وهذه القصة -كما أسلفنا- ليست واردة عن النبي ﷺ ، وإنما هي من الإسرائيليات، والعبرة منها مأخوذة، فالشيطان يغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه يوم القيامة، كما قال تعالى عنه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٦-٣٩] ، فقوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) أي: الشياطين، وقرناء السوء، وقوله تعالى: (جَاءَنَا) وقرئ: (جاءانا) ، فكل خليل مبطل وقرين سوء يتبرأ من خليله وقرينه يوم القيامة، وقد جاء من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ وصححه السيوطي أن ابن عباس قال: كان عقبة بن أبي معيط رجلاً حليماً لا يؤذي رسول الله ﷺ مع كفره، وكان مشركو مكة إذا جلسوا إلى رسول الله ﷺ آذوه ونالوا منه، وكان لـ عقبة خليل غائب بالشام، فرجع خليله من الشام فسأل امرأته: كيف حال فلان وفلان من أهل مكة؟ فأخبرته، فقال لها: وكيف حال أخي عقبة؟ قالت له: لقد صبأ، ثم إن عقبة أتى يحيِّي صاحبه القادم من السفر، فدخل عليه يحييِّه فلم يرد عليه التحية، فقال: مالي أحييك ولا ترد علي تحيتي؟ قال: كيف أرد عليك التحية وقد صبأت؟! أي: دخلت دين محمد، وتركت دين قومك، قال: فماذا يرضيك عني حتى ترد علي تحيتي؟ قال: لا أرضى عنك بحال حتى تذهب إلى محمد في مجلسه فتسبه بأقبح ما تعلم من سبٍّ، وتشتمه بأقبح ما تعلم من شتائم، وتبصق في وجهه، فذهب الغويُّ إلى الرسول ﵊، فسبّه بأقبح السب، وشتمه بأقبح الشتائم، وبصق في وجهه، فما زاد الرسول ﷺ على أن مسح البزاق عن وجهه وقال: (لئن أدركتك خارج جبال مكة لأقتلنك صبراً) ، فلما كان يوم بدر أراد المشركون أن يُخرجوا عقبة بن أبي معيط معهم، فأبى وتذكر مقولة رسول الله ﷺ ، فأعطوه أفضل الإبل وقالوا: إن كانت لنا الدولة والدائرة شاركتنا المغنم، وإن كانت علينا فررت على هذا الجمل، فشاء الله أن يقع عقبة بن أبي معيط في الأسر، فقدِّم كي تضرب عنقه من بين الأسارى الذين قدموا الفداء، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: (نعم بما بزقت في وجهي) ، ونزل قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧-٢٩] ، فكل خليل يتبرأ من خليله يوم القيامة، وكل قرين يتبرأ من قرينه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] .
فجدير بكل واحد منا أن ينظر في أصدقائه وخلانه قبل أن يأتي يوم القيامة، فيلعن بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] .
стр. 1333
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ .)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يا من آمنتم بالله وصدقتم المرسلين، (اتَّقُوا اللَّهَ) أي: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، والوقاية تكون بكل أعمال البر، كما قال النبي ﷺ : (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) ، وقد تلا النبي هذه الآية مع آية النساء الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١] في قصة، وقد تنزل الآية من عند الله في عدة وقائع، وقد تنزل عدة آيات في واقعة واحدة.
جاء وفد من غطفان إلى رسول الله ﷺ عليهم أثر الفقر والفاقة مجتابي النمار، أي: يلبسون جلود النمور من الفقر والفاقة، فخرج عليهم رسول الله ﷺ ، فرأى ما بهم من فاقة، ورأى الفقر الشديد يعلوهم، ورأى حالة المسكنة والانكسار تخيم عليهم، فخرج على أصحابه فتلا هاتين الآيتين: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ، فعمَد رجلٌ إلى صدقة فتصدق بها، فتبعه الناس على ذلك، فتهلل وجه النبي ﷺ وأشرق وأضاء، ثم قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) .
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) أي: ليوم القيامة، وعُبِّر عنه بالغد لقرب وقوعه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:٧٧] .
وقوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) تأكيد على الأمر بتقوى الله، وآيات الكتاب العزيز متعددة وفي غاية الكثرة تأمر بتقوى الله، فهي وصية ربنا لنا، ووصية الأنبياء لأممهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] .
وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) هذا الختام يعظم مراقبة العبد لربه، وينبغي أن يكون العبد على هذه الحال من المراقبة، وهي مرتبة الإحسان التي قال عنها النبي ﷺ : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وكما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٧-٢١٩] ، أي: ويرى تقلبك مع الساجدين، فجدير بالعبد أن يعبد الله على هذه الصفة كأنه يرى ربه، فإن لم يكن يرى ربه فإن ربه يراه، وكما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩] .
стр. 1334
عاقبة نسيان الله تعالى
ثم قال سبحانه محذراً إيانا من التشبه بأهل الكفر الذين نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] ، أي: تركوا العمل للقائه سبحانه، ونسوا ذكر ربهم كذلك.
ومن العلماء من حمل النسيان هنا على الترك، أي: تركوا العمل للقاء الله، وتركوا ذكر الله ، فأنساهم الله العمل لأخراهم.
стр. 1335
تمايز أهل الجنة وأهل النار
قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] هذه الآية قد تكرر معناها في جملة آيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] ، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ، وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ، إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 1336
عظمة القرآن ومقصد ضرب الأمثال
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١] .
قوله تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ) أي: لو جعلنا للجبل إدراكاً، وأنزلنا هذا القرآن عليه وأوحيناه إليه لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، بعكس بني آدم، قال بعض أهل العلم: إن الجمادات لها إدراك يعلمه الله، ويعلم صفته، فإن الله قال في شأن الجبال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب:٧٢] ، فدل ذلك على أن للجبال إدراكاً، وقال النبي ﵊: (أحدٌ جبل يحبنا ونحبه) ، وقال الله جل ذكره في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨] ، وقال النبي ﵊: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن) ، وقد حن الجذع لرسول الله ﷺ ، وقال ابن مسعود ﵁: (كنا نسمع للطعام تسبيحاً وهو يؤكل على عهد رسول الله ﷺ ، فاستُدِل بهذه الآيات مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤] على أن الجمادات لها إدراك يعلمه الله، ويعلم ماهيته، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤] ، وقال تعالى في شأن الجبال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠] .
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١] ، فهذا المقصد من وراء ضرب الأمثال للناس، ولذلك قال كثير من المفسرين: ينبغي أن نفكِّر في الآيات وفي الأمثال، ونبحث عن معانيها الغامضة، فإن القرآن نزل ليُتدبر، ونزل ليُتأمل ويُتفكر فيه، كما قال تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، وكما قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] ، وكما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] .
стр. 1337
أسماء الله الحسنى
قال الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢] .
هذه إحدى آيات توحيد الإلهية، وهي في كتاب الله في عدة مواطن، قال الله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨] ، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:٢-٣] ، إلى غير ذلك من الآيات.
فقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: عالم الظاهر والباطن، ويعلم ما ظهر ويعلم ما استتر ، كما قال تعالى حكاية عن لقمان في موعظته لولده ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] ، فهو يعلم ما لطَف أي: ما دَقَّ، خبير بموطنه ومكانه .
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢] قال فريق من العلماء: رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ومن أهل العلم من قال: إن الرحمن أعم من الرحيم، فالرحمن رحمته عامة بالمسلمين وبالكافرين في الدنيا، أما الرحيم فأخص من الرحمن؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] ، وعلى هذا بعض المآخذ، تأتي في محلها إن شاء الله.
واسم الرحمن قد اختص به ربنا ، فقد قال فريق من أهل العلم إن مسيلمة الكذاب لما تشدق وتطاول، وأطلق على نفسه (رحمان اليمامة) وُسِم بالكذب ووصِف به إلى يوم الدين، فلا يُقال إلا: مسيلمة الكذاب، مع أن هناك كذابين آخرين، ككذاب اليمن الأسود العنسي، والمختار بن أبي عبيد الثقفي، وكلهم كذابون، لكن لفظة (الكذاب) كانت أشد التصاقاً بـ مسيلمة؛ لدعواه أنه رحمان اليمامة.
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٣] الملك: هو المالك المتصرف في كل شيء، والقدوس: هو المطهَّر، ومنه قولهم: لا قُدِّست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها، أي: ما طُهِّرت، ومنه قولهم: العاصمة المقدسة، أي المطهَّرة، وقوله تعالى: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ [طه:١٢] ، أي: المطهَّر، فالقدوس هو المُطَّهر.
وقوله تعالى: (السَّلامُ) للعلماء في المراد به أقوال: فمنهم من قال: هو المسلَّم من كل عيب ومن كل نقص، ومنهم من قال: هو الذي يسلِّم عباده المؤمنين من النيران، ويدخلهم الجنان، إلى غير ذلك من الأقوال.
وقوله تعالى: (الْمُؤْمِنُ) في معناها أقوال لأهل العلم كذلك، فمنهم من يقول: هو الذي يؤمِّن عباده المؤمنين، وقيل: هو الذي يصدق المؤمنين فيما ينقلونه عن ربهم ، وثم أقوال أخر.
وقوله تعالى: (الْمُهَيْمِنُ) هو: الرقيب والشاهد، وقوله تعالى: (الْعَزِيزُ) أي: الذي لا يغلبه شيء ولا يُمانَع من شيءٍ أراده، وقوله تعالى: (الْجَبَّارُ) أي: الذي أجبر الخلق كلهم على أي شيء يريده، (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٤] (البارئ) بمعنى الخالق، ومن العلماء من أضاف إليها معنى وهو: إظهار ما برأ، بخلاف أهل الدنيا، فقد يخترع الشخص شيئاً، أو يأتي بفكرة الشيء ولا يستطيع إظهاره، أما ربنا تعالى فليس كذلك، فهو الذي ينفِّذ ما أراد، ويُخرِج ما خلق.
وقوله تعالى: (لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الحسنى: جمع الأحسن.
والتحرير يقتضي أن أسماء الله الحسنى لا يعلم عددها إلا هو، بدليل حديث النبي ﷺ : (ما أصاب أحداً هم ولا حزن فقال: اللهم! إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) ، فالله سبحانه استأثر عنده في علم الغيب بأسماء له لا يعلمها إلا هو .
فأسماء الله الحسنى لا يحصيها إلا هو، وأما قوله ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسماً -مائة إلا واحداً- من أحصاها دخل الجنة) ، فهذا في فضيلة تسعة وتسعين اسماً من الأسماء من أحصاها دخل الجنة.
ومعنى قوله ﵊: (من أحصاها دخل الجنة) اختلف فيه العلماء، قال بعضهم: أي: من عمل بها مع معرفته لها، فتعرض من اسم التواب لأفعال تجلب له توبة الله عليه، وتعرَّض من اسم الرحيم لأفعالٍ تجلب له رحمة الله عليه، فليس مجرد العلم هو المعني بقوله ﵊: (من أحصاها دخل الجنة) .
وهنا فائدة ينبه عليها، وهي أن الله جل ذكره قال في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] ، فإذا جئت تدعو باسم من أسماء الله الحسنى فعليك أن تأتي باسم يوافق المسألة التي تريد، ومن هنا لم يستحب العلماء أن تقول عند الذبح: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن الرحيم في هذا الموطن لا يتناسب مع الألم الذي جُرَّ إلى البهيمة، وإنما تقول: باسم الله، والله أكبر.
أي: إن كنت تظن أنك كبيرٌ على هذه المذبوحة، فالله أكبر منك، وأعظم منك، كما قال تعالى في شأن النساء: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤] أي: كبيراً عليكم إذا أنتم طغيتم على نسائكم وظلمتموهن، فالدعاء باسم من الأسماء الحسنى ينبغي أن يوافق المسألة التي تريد، مثال ذلك: (اشف أنت الشافي) ، (هازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم) ، (ارزقنا وأنت خير الرازقين) ، (اغفر لنا وأنت خير الغافرين) ، ولا تقل كما يفعل المقلدة من أئمة المساجد: اللهم! أذل الشرك والمشركين برحمتك يا أرحم الراحمين.
فكيف يذل الشرك بالرحمة؟! إنما يقال: وأذل الشرك والمشركين بعزتك يا رب العالمين! فالاسم ينبغي أن يوافق المسألة كما قال عيسى ﵊: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة:١١٤] ، وكما قال موسى ﵊: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٥] .
ومن آداب الدعاء أن تتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى بين يدي الدعاء.
وقوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) العزيز: منيع الجناب، عظيم السلطان، الذي لا يُغالب ولا يُمانع، والحكيم: الذي يفعل كل شيءٍ بحكمة، وأصل الحكمة: المنع، ومنه قيل للعاقل: (الحكيم) ؛ لأن عقله يمنعه من ارتكاب المحاذير، ومنه قولنا للحبل الذي تربط به الدابة: (الحَكَمَة) ؛ لأنه يحكِمها، ومنه قول الشاعر: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكمو أن أغضبا
стр. 1338
الأسئلة
стр. 1339
الدعاء عقب الصلوات المكتوبات
السؤال
هل الدعاء دبر الصلوات المكتوبة جائز أم غير جائز؟
الجواب
الدعاء دبر الصلوات المكتوبة بعد الأذكار فيه شيءٌ من النزاع، وأكثر أهل العلم على جوازه؛ لحديث النبي ﷺ : (يا معاذ! لا تدع أن تقول دبر كل صلاة: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك) ؛ ولأن النبي ﷺ كان إذا انصرف من الصلاة قال: (رب! قني عذابك يوم تبعث عبادك) ، وورد من حديث علي ﵁ أنه أيضاً كان يقول: (اللهم! اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت) .
стр. 1340
تكبير الإمام سراً في نفسه بعد تكبيره جهراً
السؤال
إمام كبّر مرة جهراً وكبر الناس خلفه، ثم كبر مرة ثانية سراً، فما حكم الصلاة؟
الجواب
الصلاة صحيحة، وإن كان خالف المسنون، لكن الصلاة صحيحة لا غبار عليها.
стр. 1341
فوات الظهر مع إدراك الإمام في صلاة العصر
السؤال
رجل أدرك صلاة العصر جماعة ولم يصل صلاة الظهر، فكيف يصلي الصلاتين؟
الجواب
الأئمة الأربعة يقولون: يصلي مع الإمام الذي يصلي صلاة العصر، ثم بعد أن ينصرف من صلاة العصر يصلي الظهر الذي فاته.
стр. 1342
ترك سجدة في الصلاة، والانتباه لها بعد السلام
السؤال
إمام نسي السجدة الأخيرة في آخر ركعة، ثم سلم، وبعد الصلاة نبهه المصلون، فماذا يفعل؟
الجواب
رأى بعض أهل العلم أنه يأتي بركعة جديدة؛ لكونه نسي ركناً من أركان الصلاة، ومن العلماء من يقول في هذه الحالة خاصة: يسجد ثم يتشهد.
стр. 1343
حكم الوصية قبل الموت
السؤال
ما حكم من لم يوص قبل موته بوصية؟
الجواب
الوصية ليست بواجبة، وإنما هي في حق من له شيء يوصي فيه، فقد قال ﵊: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) .
فالوصية ليست بواجبة على كل أحد.
стр. 1344
حكم ترك سنة العشاء والوتر
السؤال
ما حكم ترك سنة العشاء وصلاة الوتر؟ وهل يقضيهما؟
الجواب
ترك سنة العشاء وترك صلاة الوتر مكروه، لكن لا إثم فيه؛ لأن النبي ﷺ لما قال الأعرابي: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص -أي: الخمس الصلوات- قال: (أفلح إن صدق) ، أو (دخل الجنة إن صدق) .
أما قضاء سنة العشاء الأخيرة فإنها تقضى قياساً على قضاء النبي ﷺ سنة الظهر بعد العصر.
стр. 1345
الشراء لشخص مع الزيادة في السعر دون علمه
السؤال
شخص قام بشراء أشياء لأشخاص دون سابق تحديد السعر، فهل له أن يزيد على السعر الأساسي نتيجة التعب والسفر وتكاليف السفر، علماً بأنه ليس بتاجر، ولكنه كلِّف بالصداقة؟
الجواب
هذا المشتري لا يخلو من أمور: فإما أن يكون وكيلاً فلا يزيد على السعر بحال من الأحوال، بل يقول: اشتريت بكذا، وسافرت بكذا، وأتعابي كذا، فيكون صريحاً، فله أن يزيد أو ينقص في أتعابه، ولكن يوضح أنها أتعاب، أما أن يغش، ويقول لهم: السلعة بكذا، وهي ليست بهذا الثمن! فهذا حرام.
فيحدد السعر الذي اشترُيت به السلعة، ويناقشهم في أمر الوكالة وأجرتها.
وأما إذا كان تاجراً يبيع لهم ويشتري منهم، فله أن يزيد، ولكن يخيرهم، فيقول: السلعة أمامكم، فإن شئتم خذوها بمائة، أو إن شئتم بخمسين، لكن هذه ليست مسألتنا، فالسائل قال: إنه ليس بتاجر.
стр. 1346
الوصايا الجاهزة المبيعة في المكتبات
السؤال
ما حكم الوصايا الجاهزة المكتوبة في بعض الأوراق التي تبيعها المكتبات؟
الجواب
لا يلزم أن تكون وصية كل شخص مثل هذه الوصية التي في الورقة التي تبيعها المكتبات، فهذه الوصية برمتها ليست ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وإنما كل شخص تختلف وصيته عن الشخص الآخر، وإن كان هناك أمور عامة، لكن لا يلزم أن توصي بها عند الموت، فيعقوب ﵊ وصَّى عند الموت جميع أبنائه، وقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣] ، وإبراهيم ﵇ وصّى عند الموت أبناءه، فقال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] ، وجاءت وصية الرسول ﷺ عند الموت لأمته بالصلاة فقال: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) ، ووصى بأهل بيته ﵊، وأوصى ابنته فاطمة ﵂ وقال لها: (اتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك) .
أو كما قال ﵊، وعبد الله بن حرام قال في غزوة أحد لابنه جابر ﵄: أراني يا جابر! غداً مقتولاً، فاستوص بأخواتك خيراً، فاستشهد ﵁، وعمل جابر بوصية والده، فتزوج امرأة ثيباً، وضحى براحته من أجل أخواته.
فكل شخص تختلف وصيته عن الشخص الآخر، فكوني آتي بورقة مكتوبة مسجلة مسطرة وأُلزِم بها الناس، أو أفشيها في الناس؛ لا يصح أن أفعل هذا، إلا إذا كانت مأثورة عن النبي ﵊، وتلك الوصايا منها المأثور ومنها غير المأثور، ومنها الثابت ومنها غير الثابت، فليست بلازمة على كل شخص، وإنما لك أن تُجمل القول عند الموت، فتقول: اتبعوا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ عند دفني، أو توصي بقضاء الديون إذا كان عليك ديون.
стр. 1347
رضاع الرجل من زوجته
السؤال
ما حكم رضاع الرجل من زوجته؟
الجواب
يرضع كما يشاء، ففي الحديث: (إنما الرضاعة من المجاعة) ، أي: الرضاعة المحرمة هي التي كانت في الصغر، والتي إذا تخلفت حدثت للطفل مجاعة، فالرضاعة المحرِّمة هي ما دون الحولين.
وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم.
стр. 1348
اشتراط حل المطعم لإجابة الدعاء
السؤال
ما المقصود بقول النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص ﵁: (أطب مطعمك تُجب دعوتك) ؟
الجواب
الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ ، ولكن استجابة دعوة سعد بن أبي وقاص على وجه الخصوص قد وردت في عدة مواطن، فلما دعا على من ظلمه وقال: (اللهم أطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، واجعل فقره بين عينيه) استجيبت دعوته في هذا الرجل -كما في صحيحي البخاري ومسلم رحمهما الله- حتى طال عمره، وسقط حاجبه على عينه، وكان مع هذا الكبر يمشي في الطرقات يغمِّز الفتيات، ويقول: أصابتني دعوة المبارك سعد.
وكان هذا شيئاً مشهوراً بين الصحابة ﵃، حتى إن بعض بني مروان عوتِبوا في تصرفهم غير السديد في أموال المسلمين، فكان ممن عاتبهم سعد بن أبي وقاص ﵁، فقال له مروان: إن هذا المال مالنا نعطي من شئنا، ونمنع من شئنا! فقال سعد: بل هو مال الله يعطيه الله من يشاء ويمنعه الله ممن يشاء، فقال: بل هو مالنا نعطيه من شئنا، ونمنعه من شئنا! فاتجه سعد ورفع يديه إلى السماء كي يدعو، فوثب مروان من على السرير، وقال له: لا تدعُ، هو مال الله يعطيه الله من يشاء، ويمنعه الله ممن يشاء.
وفي مستدرك الحاكم بسند صحيح أن سعداً ﵁ رأى رجلاً يدعو على علي بن أبي طالب ﵁، أو يسب علياً، فقال له: يا هذا! أتسب علياً؟ قال: نعم، قال: أتسب ختن رسول الله ﷺ -أي: زوج ابنته-؟ قال: نعم، قال: أتسب رجلاً شهد بدراً؟ قال: نعم، فقال سعد: اللهم! لا تفرق هذا الجمع حتى ترينا فيه آية، فاضطربت به فرسه في الحال وأسقطته، وداست عليه فمات في الحال.
وعلى كل حالٍ فالحديث المذكور معناه أن من لوازم إجابة الدعاء، أو من شروط إجابة الدعاء -وإن كان الله يستجيب بدون شروط، وإنما هي الأسباب والمسببات- تطييب المطعم، فإن النبي ﷺ : (ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له؟) .
стр. 1349
أحاديث متفرقة، ومدى صحتها
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فحديث: (يؤتى يوم القيامة بناكح يديه ويداه حبلى) لا يثبت.
وحديث: (الجهاد مختصر طريق الجنة) لا يثبت.
وحديث: (لعن الله العقرب! لا تدع نبياً ولا مصلياً إلا لدغته) يحتاج إلى مراجعة.
وحديث: (تشهد يوم القيامة كل قطرة مني، وتقول لصاحبها: أين أبي وأمي؟) لا أعلم له أصلاً.
стр. 1350
ترك طواف الوداع بعد العمرة
السؤال
قام والداي بأداء عمرة في رمضان، وأديا المناسك، وعند مغادرة مكة لم يطوفا بالبيت، فما حكم ذلك؟
الجواب
طواف الوداع للعمرة مستحب وليس بواجب، والعمرة صحيحة.
وأما طواف الوداع للحج فهو واجب؛ لقول الرسول ﵊: (لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) .
стр. 1351
الاختلاف اليسير بين الإمام والمأموم في جهة القبلة
السؤال
هل الاختلاف -ولو كان قليلاً- في اتجاه القبلة بين الإمام والمأمومين يفسد الصلاة؟
الجواب
الاختلاف القليل في اتجاه القبلة لا يفسد الصلاة؛ لحديث النبي ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة) .
وهذا القليل يبعدنا عن الوسوسة، حتى لا يأتينا من يقول: أنتم انحرفتم نصف درجة أو درجة! فالتشديد في الاتجاه بهذه الدرجة، أو التشديد في أوقات الصلاة، فيقال: نصف دقيقة حتى يجيء العِشاء، أو بقي ربع دقيقة، فكل هذه التشديدات في غير محلها، وغير محمودة.
стр. 1352
تفسير سورة الممتحنة [٢]
في هذه السورة العظيمة يثبت الله لعباده المؤمنين مبدأ الولاء والبراء كيف يكون في الإسلام؟ وأن من آمن بالله فلا يجوز له أن يتعاطف مع المشرك والكافر الحربي وإن كان أقرب قريب، وضرب لنا مثلاً بإبراهيم ﵇ حيث تبرأ من أبيه وقومه ومن أفعالهم، ثم ختم الله تعالى السورة ببيان أنواع الكفر، ومن هم الذين يجب التبرؤ منهم والذين يجوز برهم وصلتهم، وبيان كذلك بنود البيعة للنساء والأحكام المتعلقة بها.
стр. 1353
تفسير قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة:٤-٥] .
стр. 1354
عدم الاقتداء بإبراهيم في استغفاره لأبيه المشرك
قال الله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] ، أي: لا تتأسوا بإبراهيم في قوله لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] ، هذه الجزئية لا تتأسوا بإبراهيم ﵊ فيها، وفيه دليل على أن الرجل الصالح إذا فعل فعلة ليست وفق الكتاب والسنة لا يتبع فيها ولا يتأسى به فيها أياً كان شأنه، فهذا خير البرية كما ورد عن النبي ﷺ : (أنه دعاه رجل فقال: يا خير البرية! فقال: ذاك إبراهيم ﷺ ، فمع إن إبراهيم خير البرية، لكن لما استغفر لأبيه -والاستغفار لأبيه خطأ إذ هو استغفار للمشرك- عن موعدة وعدها إياه، أمرنا ربنا ألا نتأسى بإبراهيم ﵊ في هذه الفعلة.
إذاً: إذا جاء شيخ وفعل فعلة مخالفة للكتاب والسنة فمن باب أولى ألا يتبع أبداً، والكتاب والسنة هما الحكم على كل شخص، وليس الشخص هو الحكم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله، أصحاب نبينا محمد عليهم رضوان الله فعلوا واجتهدوا، فعلوا جملة أفعال واجتهدوا جملة من الاجتهادات، ولكن صدرت من بعضهم فتاوى جانبت الصواب، فلا يتبع أحدهم على هذه الفتيا.
فمثلاً: صدر عن ابن عمر القول بإباحة إتيان المرأة في دبرها! وهذا خطأ، ولا يتبع عليه ابن عمر ﵄، وسائر أصحاب الرسول ﵊ خالفوه في ذلك، وجماهير أهل العلم على خلافه في هذه المسألة؛ لأن حديث: (لعن الله من أتى امرأة في دبرها) بمجموع طرقه يصح، والحرث ما هو إلا موطن الزرع، فلا يتبع في مثل هذه الزلة مع فضله وورعه وعلمه وكثرة اتباعه للسنة، لكن هذا لا يمنع أن تزل قدمه في بعض المسائل.
وابن عباس ورد عنه الأمر بجواز نكاح المتعة، وخالفه في ذلك سائر الصحابة حتى قال له علي: (إنك رجل تائه) ، فلا يتبع في هذه الحيثية.
وأبو طلحة كان يرى أن البرد لا يفطر الصائم أي: الثلج النازل من السماء، لكن لا يتبع على هذه الفتيا، كان يقول: إنه ليس بطعام ولا بشراب، وهكذا كل من فعل فعلة وإن كان صالحاً من أفضل الصلحاء، لكن فعلته تخالف هدياً عاماً في الكتاب أو في السنة لا يتبع في هذه الجزئية، وليس هذا بخادش في عموم فتياه، فكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه.
فربنا نهانا أن نتأسى ونقتدي بإبراهيم ﵊ في قوله لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] ، فمن مات أبوه على الشرك لا يحل له أن يستغفر لأبيه المشرك، والدليل على ذلك قول الرسول ﷺ : (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، فاستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فبكى وأبكى من حوله) ﵊، ودليل آخر: قول الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] .
وإذا احتج أحد باستغفار إبراهيم لأبيه حين قال: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] ، وقال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٨٦] ، فيرد عليه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤] .
فليس في الدين مجاملات حتى مع أقرب الأقربين، حتى مع الآباء والأبناء، نوح لما سأل ربه: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥] عوتب أشد عتاب بقوله تعالى: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] فتاب نوح وأقلع: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧] ، فمع أقرب الأقربين لا مجاملة في أصل المعتقد بحال من الأحوال.
قال الله سبحانه: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة:٤] ، هذا القول: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة:٤] قول من؟ من أهل العلم من يقول: إنه قول إبراهيم والذين معه.
ومنهم من يقول: إنه أمر للمؤمنين، أي: فقولوا: أيها المؤمنون! ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة:٤] ، أي: اعتمدنا في أمورنا عليك، ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة:٤] ، أي: رجعنا، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤] ، أي: يوم القيامة.
стр. 1355
التأسي بإبراهيم ﵇
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة:٤] الأسوة: هي القدوة التي يقتدى بها، أي: لكم قدوة في إبراهيم ﷺ ، فاقتدوا وتأسوا بإبراهيم ﵊، فإن قال قائل: هل الأمر بالتأسي بإبراهيم ﵊ عام في كل شيء أم في أشياء مخصوصة؟ هذا سؤال مطروح.
الآية التي بين يدينا تفيد أن التأسي بإبراهيم ﷺ إنما هو في شيء مخصوص: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ما هو الشيء المخصوص؟ ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤] أي: في تبرئه من المشركين ومن الآلهة التي يعبدها المشركون، لكن هناك آيات أخر تعمم التأسي بإبراهيم ﷺ ، كقول الله بعد أن ذكر إبراهيم: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام:٨٣-٨٤] إلى آخر الآيات، ثم قال الله سبحانه عقبها: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] أي: تأسى واتبع.
وكذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥] أي: اسلك طريق من رجع إليَّ، وممن أناب إلى الله بالإجماع إبراهيم ﷺ .
فأمرنا أن نتأسى بإبراهيم ﵊ أمراً عاماً، ولذلك لما أثار العلماء مسألة: هل شرع من قبلنا شرع لنا أم أن شرعنا فيه أحكام ملزمة لنا وشرع من قبلنا فيه أحكام ملزمة لهم؟ فمن العلماء من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا إلا إذا جاء في شرعنا ما ينسخه، يعني: أي شيء كان في شريعة إبراهيم أو في شريعة موسى أو في شريعة عيسى أو في أي شريعة سبقت، هو شرع لنا، إلا إذا جاء في شرعنا حكم آخر ينسخ الحكم الموجود في الشرائع السابقة، فنصير مع الحكم الجديد لكون شريعة محمد ﵊ مهيمنة على كل الشرائع، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] ، فالهيمنة دائماً لكتاب الله الذي نزل على رسول الله ﷺ ، أما إذا لم يأتِ في شرعنا شيء ينسخ ما جاء في شرعة من قبلنا فلنأخذ به.
ومن العلماء من منع ذلك وقال: إن الله قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] .
وقال آخرون: إن شرعة إبراهيم خاصة تلزم أمة محمد ﷺ ، وقد قال الله جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] .
стр. 1356
الولاء والبراء في الشرع
قال الله: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة:٤] أي: تبرأنا منكم: ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤] ، لقد ذكرنا من قبل بحثاً في مسألة التبرؤ: أن المسلم إذا فعل خطيئة في الشرع يتبرأ من فعلته، أما الكافر فيتبرأ منه ومن فعلته على وجه العموم، يعني: في الجملة وإن كانت هناك بعض الاستثناءات، فإذا تبرأت من شيء فعله المسلم تتبرأ من الفعل، وإذا تبرأت من شيء فعله الكافر يجوز أن تتبرأ من الفعل وأن تتبرأ من الكافر ومن فعله، دل على ذلك قول إبراهيم: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤] أي: لكفركم.
أما بالنسبة للمسلم؛ فلأن النبي ﵊ لما أرسل خالداً إلى بعض البلاد في بعض الغزوات، فخرج أهلها يقولون: صبأنا صبأنا، إذ لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، وقد عنوا بقولهم: صبأنا أي: دخلنا في الإسلام، أسلمنا! أسلمنا! فطفق خالد يقتل فيهم، ويأسر، فبلغت هذه الفعلة رسول الله ﷺ ؛ فمد يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) فلم يقل: إني أبرأ إليك من خالد، إنما قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ، ولا يؤثر على هذا ما ورد في حديث الرسول ﷺ : (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة) ، فالصالقة مسلمة هنا، والحالقة كذلك؛ لأن التبرؤ هنا ليس من معين إنما هو في الجملة، واللعن في الجملة جائز: (لعن الله الكاسيات العاريات، لعن الله النامصة) ، فاللعن في الجملة جائز، لكن التبرؤ من الأعيان أو لعن الأعيان هو الذي عليه هذا التحفظ.
﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] فإذا آمنتم بالله وحده، وأقررتم بشرعته، ووحدتموه، فقد زالت العداوة والبغضاء التي بيننا، أما إذا بقيتم على كفركم فها نحن نعلن البراءة منكم ومن آلهتكم التي تعبد، فهي قوة في الصدع بالحق، وقوة في اتخاذ طريق الحق المستقيم، ليس فيها ضعف وليس فيها هوان، إنما هو خط واحد واضح، أنا مؤمن بالله كافر بالطواغيت، وكافر بكل ما يعبد من دون الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود:١١٢] ، ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦] ، ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣] ، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣] فهو خط واحد واضح في التبرؤ من الشرك، والتمسك بالإيمان: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] .
فجدير بكل مؤمن وكل مسلم أن يتخذ هذا الخط، موالاة الله وموالاة رسل الله، واعتناق شرع الله والرضا بقضاء الله وبشرعه وبسنة نبيه، ورفض كل شيء مخالف لكتاب الله وسنة رسول الله، وإعلان هذا بوضوح بلا غموض، فهو خط واضح صريح سلكه الأنبياء من قبلنا عليهم الصلاة والسلام، فلا يليق بنصراني أن يعلق صليباً في عنقه مظهراً نصرانيته وأنت كمسلم تستحي أن تظهر نفسك متمسكاً بالإسلام، ومتمسكاً برسول الإسلام محمد عليه أفضل صلاة وأتم سلام، فتأسوا بإبراهيم في هذه الأفعال.
стр. 1357
المراد بالذين آمنوا مع إبراهيم في الآية
يقول الله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ، أي: تأسوا بإبراهيم وبالذين مع إبراهيم ﷺ ، ومن هم الذين مع إبراهيم ﵊؟ لأهل العلم فيها قولان مشهوران: أحدهما: أن المراد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ، الأنبياء الذين جاءوا من بعده وهم من ذريته.
القول الآخر: أنهم قوم آمنوا مع إبراهيم ﷺ ، ورجح الأولون قولهم بأن الذين آمنوا مع إبراهيم ﵊ قلة لا تكاد تذكر، بل لم يذكر أي شخص آمن لإبراهيم ﵇ إلا لوط وسارة، وسائر أبنائه الذين هم من ذريته كإسحاق وإسماعيل ﵉، أما لوط فلقول الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] ، وأما زوجته سارة فإنها لما أوشكت أن تدخل على الجبار، قال لها: (إنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فإن سألني عنكِ فسأقول: إنكِ أختي، فأنت أختي في الإسلام، فليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك) ، فهذا الحديث حمل فريقاً من المفسرين على أن يفسروا: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ، أنهم الأنبياء الذين اتبعوه على ملته وشريعته ﷺ ؛ لأنه لم يكن هناك قوم آمنوا مع إبراهيم ﵊، فلما ألقي في النار خرج منها وما معه أحد من الذين آمنوا به، وقال حينئذٍ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦] ، ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩] ، فهو ترك البلاد وغادرها، وكان هو وزوجته فقط ﵇.
стр. 1358
تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا .)
﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة:٥] ما المراد بقوله سبحانه حاكياً قول أهل الإيمان: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة:٥] ؟ أشهر الأقوال في تفسير هذه الآية: لا تنصرهم -يا ربنا- علينا، فيغتروا بهذا النصر ويظنون أنهم على الحق، لا تنصرهم علينا فإنك إذا نصرتهم علينا قالوا: لو كان هذا نبياً حقاً ما هزم، وما قتل وما قتل أصحابه، فيفتنون بذلك ويثبتون على كفرهم، فهو -إذاً- دعاء مضمن لجزئيتين: أولهما: ألا نكون فتنة للكفار فيستمروا على كفرهم.
الثاني: ألا نهزم من هؤلاء الكفار.
﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة:٥] ، ويلتحق بها أيضاً سوء التصرفات التي تزل فيها بعض أقدام أهل الإيمان، فأنت -يا مؤمن- في ظاهرك مؤمن ملتزم، وإذا زلت قدمك في مسألة ونظر إليك أهل الفسق وقدمك قد زلت ارتدوا على أدبارهم، يعني: إذا رآك أهل الكفر -وأنت مسلم في ظاهرك- تعبث بالفتيات، أو ترتكب المحرمات، أو تشرب الخمور أمام الناس انتكسوا وفتنوا بفعلك، وتركوا الطريق الذي أنت عليه لهذه الأفعال الشاذة الصادرة منك، فهذا أحد الأوجه أيضاً في تفسير قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾ [الممتحنة:٥] ، أي: واغفر لنا يا ربنا! فهذه دعوات يستحب لك أن تدعو بها، فعلى قول بعض المفسرين كما سمعتم أن: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة:٤] هو أمر من الله لنا نحن المؤمنين أن نقول هذه الكلمة، قولوا أنتم يا أتباع إبراهيم: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة:٤-٥] أي: يا ربنا! فهو أمر لنا أن نقولها على أحد الأوجه في التفسير.
стр. 1359
تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .)
قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الممتحنة:٦] ، فالتأسي بهم قد يجلب لك بعض ما جلب إليهم، التأسي بالخليل إبراهيم، والتأسي بأهل الفضل والصلاح؛ قد يجلب لك نوعاً من الابتلاء الذي ابتلوا به، لكن هذا الابتلاء يهون إذا ذكرت اليوم الآخر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الممتحنة:٦] ، فالتأسي بأهل الفضل والصلاح يجلب للعبد كثيراً من الابتلاءات، فتهون هذه الابتلاءات عليه إذا علم أن هناك حساباً، وأن هناك ثواباً على الصبر، وعقاباً على النكول عن الطريق، ولذلك قال ربنا سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] ، فهذا تهييج وتحريض على التأسي مع التذكير باليوم الآخر.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة:٦] ، من تولى فكما قال الرسول فيما يرويه عن ربه ﵎: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) .
فالشاهد: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [الممتحنة:٦] ، عنه وعن عبادته، ﴿الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة:٦] ، الحميد لأفعال عباده الذين آمنوا به وصدقوه وارتضوا شرعه ومنهجه، فإنك إذا صليت حمد الله لك صلاتك، وإذا تبرأت من عدو الله حمد الله لك تبرؤك، إذا سعيت بين الصفا والمروة فإن الله شاكر لفعلك عليم به، إذا حججت فإن الله عليم بك وحامد لفعلك، فلذلك هو الحميد يحمد أفعال عباده المؤمنين التي فعلوها، وغني عن أهل الشرك والكفر، حميد يحمد للمؤمنين أفعالهم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة:٦] .
стр. 1360
تفسير قوله تعالى: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)
قال تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة:٧] ، فهؤلاء القوم الذين عاديتموهم لله قد تكون عداوتكم لهم سبباً في إخراجهم من الزيغ والضلال الذي هم فيه، واتجاههم إلى الإيمان، فهذا الفعل تدل عليه القاعدة التي تقول: (الزجر بالهجر) ، فاهجروهم وتبرءوا منهم، فإنكم إن فعلتم ذلك سيفكرون في أمرهم: لماذا هجرنا إخواننا؟! لماذا قاطعونا وابتعدوا عنا؟! لماذا فاصلونا ولم يحضروا مجالسنا؟! فكل هذه التساؤلات تثار في أذهان العقلاء، وتثار في أذهان من أراد الله لهم الهداية، فيفكروا، فقد يرجح رجل منهم وجهتكم التي أنتم عليها، فيأتي إلى طريقكم: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:٧] ، على ذلك، فالذي يقذف العداوات هو الله، والذي يقذف المحبات في القلوب هو الله .
وفي الحديث الذي حسنه بعضهم وإن كان في التحسين نظر لكن المعنى له وجاهته: (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما) ، يعني: لك أن تعادي، لكن لا تبالغ في العداوات كل المبالغة بل اترك شيئاً لعله يرجع منه، وكذلك في أبواب المحبات، والناظر في السير سواءً في أبواب المحبات أو العداوات أو الحروب أو القتال يرى العجب من هذا! ذكرنا في الدرس السابق أن رسول الله ﷺ أرسل علياً والمقداد والزبير إلى روضة خاخ، حتى يأتونه برسالة حاطب التي أرسلها مع امرأة إلى المشركين، فانطلقوا جميعاً: علي والزبير والمقداد تعادي بهم خيولهم، حتى ينفذوا أمر رسول الله، وأتوا برسالة من المرأة إلى رسول الله، فانظر إلى اتحاد الزبير مع علي في هذا الموقف.
وأيضاً لما قتل حمزة في أحد، ومثل به أيما تمثيل، حزنت أخته صفية بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنها، وهي عمة علي بن أبي طالب، وأم الزبير بن العوام ﵄.
فالشاهد: من الذي أخبر صفية بما حل بـ حمزة، وقد جاءت تسأل عن حمزة وتبحث في القتلى عن حمزة، فإذا رأته بهذه الصورة ربما انزعجت؟ فقال علي: أخبر أمك يا زبير! وقال الزبير: بل أخبر عمتك أنت يا علي! الشاهد: أنهما متحدان في الموقف، وكلٌ منهم يقول: إني أخاف على عقلها.
وأيضاً لما ترك عمر الأمر شورى في ستة وهم: علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، تنازل الزبير بالخلافة لـ علي، ومع ذلك يشاء الله سبحانه أن يقتتلان فيما بعد، وأحد جنود علي يقتل الزبير! فهذه أمور يدبرها ربنا.
كذلك في باب العداوات وكيف تقلب، هذا سهيل بن عمرو أتى إلى صلح الحديبية ممثلاً عن المشركين، والرسول يقول لـ علي: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) ، فوقف سهيل معترضاً على هذه اللفظة وقال: لا تكتب: (الرحمن الرحيم) ، اكتب: باسمك اللهم، ثم يكتب علي: (هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فيقول: لا تكتب: رسول الله، لا نصدق لك برسالة!) ، وعمر ينظر إلى هذا الرجل الذي صدرت منه هذه المقولات ويريد أن يقطع لسانه، ويعرض عمر لـ أبي جندل كي يقتل أباه، ويقول: لو كان أبي لفعلت به، يهيج أبا جندل كي يقوم ويقتل أباه أمام رسول الله ﷺ .
وفي بعض الروايات والآثار وينظر في أسانيدها أن الرسول قال لـ عمر: (لعل الله أن يسمعك منه مقالة تقر بها عينك) ، ويشاء الله أن يكون هذا، فبعد ذلك أسلم سهيل، ولما مات النبي ﵊، أراد أهل مكة أن يرتدوا، فقام سهيل فيهم خطيباً وثبتهم.
فربنا سبحانه قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة:٧] .
وكذلك ورد في بعض الآثار أن أول من حارب المرتدين هو أبو سفيان بن حرب لما كان راجعاً من بعض الأسفار، وعلم أن قوماً قد ارتدوا بعد وفاة رسول الله فحاربهم كما ذكر ذلك صديق حسن خان في فتح البيان وغيره.
стр. 1361
تفسير قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ .)
قال الله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] نزلت هذه الآية في أسماء بنت أبي بكر وأمها قتيلة، أتت وهي مشركة إلى أسماء تزورها، فذهبت أسماء إلى رسول الله ﷺ تستفتيه فقالت: (يا رسول الله! إن أمي أتتني وهي راغبة -وهي مشركة- أفاصل أمي يا رسول الله؟! قال: صلي أمكِ) وقولها: (وهي راغبة) فيه قولان: أحدهما: راغبة عن الشرك، أي: تطمع في الإسلام.
والآخر: راغبة في الدخول في الإسلام، وكلا القولين محتمل، لكن قوله: (وهي مشركة) يفيد أنها ما زالت على شركها، فقال لها الرسول: (صلي أمكِ) .
стр. 1362
مسائل في التعامل مع أهل الكفر
فنأخذ من هذا الحديث جملة من الأحكام في التعامل مع أهل الكفر، فأهل الكفر منهم طوائف محاربون، ومنهم طوائف ليسوا بمحاربين، وينسحب على النصارى أو اليهود الذين يجاوروننا في بعض البيوت أو بعض البلاد، فما هو الحكم مع النصارى الذين لا يحاربوننا، باعتبارنا أشخاص ليس على مستوى الدول، فليس لنا في الدولة شيء، والسياسات ليست بأيدينا، إنما نتكلم عنا كأفراد فـ أسماء فرد تتعامل مع امرأة مشركة فرد.
ففي الحقيقة أن لهذا جملة من الأحكام: فتجوز عيادة اليهود أو النصارى إذا مرضوا، وكذلك تجوز عيادة المشركين إذا مرضوا، فإن غلاماً يهودياً كان يخدم رسول الله ﷺ ، فمرض فعاده رسول الله ﷺ كما في البخاري، وقال له: (أسلم، فنظر الولد إلى أبيه فقال: أطع أبا القاسم! فأسلم، ثم مات فقال الرسول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) .
فتجوز عيادة مرضاهم، ويجوز الإصلاح بينهم إذا تخاصموا، مثلاً: لك جار نصراني حدثت خصومة بينه وبين زوجته، هل يجوز لك أن تتدخل لكي تصلح بين النصراني وبين زوجته؟ التحرير يفيد الجواز؛ لأن الآيات الآمرة بالإصلاح آيات عامة: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فهو عام ﴿إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤] ، وأيضاً قال رسول الله ﷺ : (تصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، تعدل بين اثنين صدقة) ، وأطلق النص ولم يقيد، كذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٨١] فهو أمر بالعدل عام، ويقول النبي ﷺ : (إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة الذين يعدلون في حكمهم) ، وهو عام، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] ، وقيل: إن الإعراض عنهم منسوخ، لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] ، فيجوز التدخل للإصلاح بينهم.
ويجوز الإهداء لهم وقبول الهدية منهم، قال الرسول ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، وهو نص عام لعموم الجيران، وكذلك العموم في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦] ، فهي نصوص عامة.
وفعل عبد الله بن عمر الخاص لما ذبح ذبيحة وقال لأبنائه: أأهديتم لجارنا اليهودي؟ أأهديتم لجارنا اليهودي؟ أأهديتم لجارنا اليهودي؟ ثلاث مرات.
وعموم قوله الله : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] ، يفيد أننا نتخاطب معهم بأدب وبإحسان أيضاً، لكن لا يُبدءوا بالسلام كما جاء بذلك النص عن رسول الله ﷺ ، فهذه بعض الأحكام المتعلقة بهم.
أما قبوله هداياهم، فقد قبل النبي مارية من المقوقس ملك مصر، كما أهدى إليه بغلة فقبلها منه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، فالإهداء لهم، والإصلاح فيما بينهم إذا تخاصموا، والصلح أحياناً معهم؛ كله جائز، فالرسول ﷺ قال: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم) ، وكل هذه المسائل مبنية على مسألة المفاسد والمصالح العامة، لكن أنت كفرد عليك أن تفرق بين الكتابي المحارب لك، وبين الكتابي المسالم الذي لا يحارب: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة:٨] ، وهنا تقييد: ﴿لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨] ، فإن قاتلوك في الدنيا، مثل: تخاصم رجل من المسلمين ورجل من النصارى في ثمن ثلاجة مثلاً؛ فهذه المسألة لا تنسحب عليها الموالاة والمعاداة الكلية.
إنما: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة:٨] ، أي: عن برهم: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] ، (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن يوم القيامة، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا) ، والمقسطون غير القاسطين، فالقاسطون هم الظالمون: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥] ، فالإقساط في الحكم بين المسلمين والكفار مطلوب شرعاً، وقد ورد بإسناد فيه ضعف أن ابن رواحة أرسل إلى اليهود يحكم في قضية بينهم وبين رسول الله، فقال لهم: (والله يا معشر يهود لقد جئتكم من عند أحب خلق الله إليَّ، والله يعلم أنكم أبغض خلق الله إليَّ، ولكن لا يمنعني حبي لرسول الله ﷺ وبغضي لكم أن أقول فيكم بالحق الذي أراده الله، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض يا ابن رواحة!) .
قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا﴾ [الممتحنة:٩] أي: عاونوا ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم:٤] أي: تعاونا عليه ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] أي: معاوناً، ﴿وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٩] أي: الذي يتولى الحربي من الكفار من اليهود أو النصارى أو غيرهم ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٩] .
стр. 1363
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ .)
ثم جاء حكم آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] ، وهذا قبل الفتح، إذ الآية نزلت بعد صلح الحديبية، (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) ، ما هي صورة الامتحان في قوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) ؟ من العلماء من قال: تقسم المرأة المهاجرة بالله أنه ما أخرجها من بيتها بغض زوج ولا حب رجل آخر ولا كره ديار وحب ديار أخرى، ولكن الذي أخرجها هو حبها لله ولرسوله ﷺ ، فكان الرسول ﷺ يمتحن النساء في هذه المسائل، فتقسم بالله على هذه الأشياء.
ومن الممكن أن تمتحنهن، ولكنك قد تخطئ في التصحيح، فقال الله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] ، فأنت تحكم بالظاهر فقط، أنت عليك أن تحكم بالظاهر الذي صدر لك، (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) ، فالاحتراز يفيد أن الشخص الذي يمتحن قد يخطئ في النتيجة التي يصل إليها حتى وإن كان من الصالحين، فالرسول يقول: (إنكم تختصمون لديَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه فأقضي له بحق أخيه، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعة من النار، فإن شاء قبلها وإن شاء ردها) .
فكان من شروط الصلح كما في البخاري أن سهيل بن عمرو قال للرسول ﵊: لا يأتيك رجل منا أو أحد منا -أي: من المشركين- مسلماً إلا رددته إلينا، ولا يأتينا منكم -أيها المسلمون- رجل مشرك ارتد فلن نرده إليكم، أي: إذا جاءنا منكم شخص قد ارتد لن نرده، أما أنتم إذا أتاكم منا شخص أسلم فلابد أن تردوه، فوقع الرسول على هذه الاتفاقية، وعمر ممتلئ غماً كما قال عن نفسه، كيف هذا الظلم في الظاهر؟ لكن الرسول أقر.
فبعد أن وقع الرسول على هذه المعاهدة وهذا الصلح، والحبر ما قد جف كما قال فريق من العلماء، جاءت امرأة يقال لها: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت عاتقاً أي: لم تتزوج، فألقت بنفسها عند المسلمين تشهد: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فجاء في إثرها أخواها الوليد وعمارة يطالبان بها رسول الله ﷺ ، ففي بعض الآثار التي فيها كلام من حيث الإسناد قالت: (يا رسول الله! إني امرأة لا أتحمل ما يتحمله الرجال، لعلي أفتن وهم يضربونني ويؤذونني، فنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠] ، فمنع النبي هذه المرأة أن ترد إلى المشركين، قالوا: كيف وقد اتفقنا معك؟ لكن الآية منعت) .
وقال كثير من أهل العلم: إن هذا مثال للقرآن الذي نسخ السنة، فهذا المثال الوحيد للقرآن الذي نسخ السنة، فكانت السنة تقتضي أن كل من هاجر من المشركين إلى رسول الله يرد، فجاءت هذه الآية تمنع النساء من أن يرجعن إلى أهل الكفر.
قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة:١٠] ، يعني: الكافر الذي دفع مهراً لهذه المرأة يعطى المهر الذي دفعه لها، فقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة:١٠] ، أي: من المهور ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠] أيها المسلمون ﴿أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] ، يعني: لكم -أيها المسلمون- أن تتزوجوهن إذا آتيتموهن أجورهن، ففيه أيضاً دليل على وجوب الصداق.
﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] أنتم أيضاً إذا كانت تحت رجل منكم امرأة كافرة فليطلقها وليطردها: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] ، فطلق عمر يومها امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان وكان آنذاك كافراً، وتزوج الأخرى صفوان بن أمية، ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] أي: عصمة المرأة الكافرة، اتركوها تذهب.
﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة:١٠] ، يعني: المهور التي دفعتموها، لكم أن تطالبوا الكفار بها، والكفار كذلك لهم أن يطالبوكم بالمهور التي أعطوها لنسائهم، هذا معنى قوله: ﴿وَاسْأَلُوا﴾ [الممتحنة:١٠] ، أي: طالبوا ﴿مَا أَنفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة:١٠] ، أي: ما أعطيتم من مهور وصداق لأزواجكم اللواتي طلقتموهن ﴿وَلْيَسْأَلُوا﴾ [الممتحنة:١٠] ، أي: الكفار أيضاً لهم أن يطالبوكم بمهور النساء اللواتي تزوجوهن وفارقوهن ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠] ، هذا الحكم حكم الله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٠] .
стр. 1364
تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ .)
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة:١١] ، أي: أنتم -يا مسلمون- لو ذهبت امرأة رجل منكم إلى الكفار فعاقبتم، والعقاب هنا المراد به: المجازاة، أي: فجازيتم ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة:١١] يعني: عوضوا الرجال الذين هربت أزواجهم إلى بلاد الكفر بشيء من المال، ففيه أيضاً مواساة ومشاركة في المصائب، يعني: إذا كان منكم واحد زوجته شردت عليه وهربت، فهذا أصبح بدون زوجة، فساعدوه وعوضوه عن المال الذي أنفقه لهذه الزوجة التي هربت ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الممتحنة:١١] .
стр. 1365
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ .)
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ [الممتحنة:١٢] ، هذه هي البيعة التي كان الرسول ﷺ يبايع بها النساء، يبايعهن على ما ذكر الله في كتابه، دون أن تمس يد امرأة منهن يد رسول الله، روت أميمة بنت رقيقة قصة البيعة وفيها: (ألا تصافحنا يا رسول الله؟! قال: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة) ، وفي الصحيح عن عائشة: (والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط) .
فبايع الرسول ﷺ النساء على هذه الأمور المذكورة في كتاب الله: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة:١٢] ، الشرك بالله معروف، والسرقة معروفة ﴿وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٢] ، وهذا الذي قد يكون غامضاً بعض الشيء.
فمن العلماء من فسر البهتان الذي تأتيه المرأة من بين يديها ومن بين رجلها: الولد الذي تنسبه إلى زوجها وهو ليس له بابن، يعني: امرأة تزني، ثم تقول لزوجها: هذا ولدك، هذا بهتان تأتي به من بين رجليها، أو تلتقط ولداً بيديها من الطريق وتقول لزوجها: هذا ولدك.
إذاً: البهتان المفترى بين الأرجل هو الذي ارتكبت فيه المرأة جريمة الزنا، وأتت بولد من الزنا فتلحقه بالزوج، والبهتان المأتي من بين الأيدي هو الملتقط الذي تلحقه الزوجة بزوجها، فكانت المرأة تلتقط ولداً من الطريق إذا خشيت مثلاً أن يطلقها الزوج لعدم الإنجاب وتقول له إذا سافر ورجع: هذا ولدك.
ومن العلماء من قال: البهتان المأتي من بين الأيدي والأرجل هو السحر.
ومنهم من قال: إنه النميمة، لكن على الأول جمهور المفسرين.
﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] ، نص عام في جواز أخذ البيعة من النساء، على عدم العصيان في أي معروف يأمر به الشخص.
وهناك أمور أُخر لم تذكر في كتاب الله وذكرت في سنة الرسول ﵊، فقالت أم عطية: (أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة ألا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا خمس نسوة فقط) ، وفي هذا الحديث أن الرسول ﵊ ولم يمد يده لبيعتهن، ولم يصافح أحداً منهن ﵊، وقال: (إني لا أصافح النساء) ، وفي الحديث الآخر أنها قالت: (يا رسول الله! إن فلانة أسعدتني) أي: أريد أن أذهب فأنوح معها أيضاً، يعني: واحدة كانت تنوح معي عند وفاة زوجي أو عند وفاة ابني فأريد أن أذهب فأقضي لها أو أفعل لها، فالرسول ﵊ لم ينكر عليها، فقالت: أم عطية: (أخذ علينا رسول الله عند البيعة ألا ننوح، فما وفت منا إلا خمس نسوة) ، فتخيل من المبايع؟! الرسول يبايع النساء، ومع ذلك كلهن نقضن البيعة ولا وفى منهن بالبيعة للرسول إلا خمس نسوة فقط، فهذا يدل على قلة التزام النساء بالعهود والمواثيق.
أيضاً تقدم أن الرسول أسر إلى عائشة وحفصة وقال: (لا تخبري بهذا السر أحداً) ، فهي توافق وتقول: لن أخبر أحداً، فإذا هي تخبر بالسر الذي كان بينها وبين الرسول ﷺ ! فالشاهد: أن تعرف كيف تتعامل مع النساء في هذه الأمور، فالتثريب والتعيير يكون عليهن أقل.
وأوردوا قصة هند في هذا الباب في بيعتها للرسول ﵊ عندما أخذ عليها البيعة وقال: ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة:١٢] ، فقالت: وهل تزني الحرة يا رسول الله؟! ثم قال: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٢] قالت: قد ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً، تعني: قتلى بدر وما بعدها من المشركين، وفي هذا السند نوع من الضعف، لا نسترسل في إيراده من أجل هذا.
قال الله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٢] .
стр. 1366
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا .)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ [الممتحنة:١٣] ، أي: لا تتخذوا قوماً، ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [الممتحنة:١٣] ، أي: أنكروا البعث وشكوا في أمر البعث، ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] ، فقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] من العلماء من قال: كما يئس الكفار من بعثة أصحاب القبور مرة ثانية، فإذا مات الكافر يئس الكافر الآخر من لقائه، فلا لقاء عندهما على الإطلاق، لا دنيا ولا آخرة، فهم لا يعتقدون بالآخرة.
ومنهم من قال: إن قوله: ﴿يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] وصف للكفار الذين هم أصحاب القبور، فالكفار الذين هم في القبور يئسوا من الرحمة، ويئسوا من النجاة من النار: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] .
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1367
الأسئلة
стр. 1368
حال حديث: (بشر قاتل ابن صفية بالنار)
السؤال
حديث: (بشر قاتل ابن صفية في النار) ؟
الجواب
في تصحيحه بعض النزاع.
стр. 1369
حكم دعوة النصارى لطعام الوليمة
السؤال
هل يجوز دعوة النصارى للطعام والوليمة وغيرها؟
الجواب
نعم يجوز، وحديث: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) فيه نظر من الناحية الإسنادية، وإن حسنه بعض العلماء، لكن على فرض تحسينه فالرسول ﷺ أطعم ثمامة إذ كان أسيراً، ودعته امرأة يهودية إلى شاة مسمومة فأكل منها الرسول ﵊، أما مشاركتهم في الأعياد فلا تجوز، فالرسول لم يشارك اليهود ولا النصارى في أعيادهم.
стр. 1370
القتال الذي بين علي والزبير لم يكن عن بغض
السؤال
هل كان الزبير يحارب علياً بغضاً له؟
الجواب
لا، ما وجد أي شيء يدل على أن الزبير كان يبغض علياً أو أن علياً كان يبغض الزبير أثناء القتال، إنما خرج الزبير ﵁ في بداية أمره للإصلاح مع طلحة، ولكن ذلك كان شاهدي في إيراد القتال الذي دار بين الأحبة، والله أعلم.
следующие страницы →