Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
تفسير قوله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٠-١٥] .
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ [القلم:١٠] الحلاف: هو كثير الحلف، فهل يستفاد من الآية أن كثرة الحلف مذموم، أو لا يستفاد ذلك منها؟ من العلماء من قال: إن كثرة الحلف مذموم لهذه الآية الكريمة: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ [القلم:١٠] ولقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] ، ولأن النبي ﷺ لم يكن يكثر من الأيمان، ولأن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، فإذا أكثر الشخص من الحلف أوشك أن يقع في الحلف على الحرام، أو الحلف المحرم، أو الحلف كاذباً، أو الوقوع فيما حلف عليه وينسى -لكثرة أيمانه- فلا يكفِّر وأيضاً: لأن الله وصف أهل النفاق أنهم يكثرون من الأيمان كي يصرفوا الناس عنهم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة:١٦] أي: وقاية يتقون بها أقوال الناس فيهم وأحكام الناس فيهم، فهذه حجج من قالوا بكراهة ذلك بأن كثرة الحلف مذموم.
ومن أهل العلم من قال: إن كثرة الحلف لا بأس به إذا كان الشخص يحلف بحق، ويحلف على حق؛ وذلك لأن الحلف بالله فيه ذكر لله سبحانه، فالذي يقسم بالله يذكر الله أثناء القسم، قالوا: وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١] .
قالوا: وأيضاً قد أقسم النبي ﷺ جملة أيمان دون أن يطلب منه القسم، ففي قصة العسيف -أي: الأجير- الذي كان مستأجراً عند رجل فزنى بامرأته: أتى أبوه وأتى زوج المرأة إلى رسول الله ﷺ كي يقضي بينهم، قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لأقضينّ بينكما بكتاب الله ، دون أن يطلب منه هذا القسم.
وأيضاً لأن النبي ﷺ لما جاءه أسامة بن زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، قال ﵊: (والذي نفس محمد بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) ، دون أن يطلب منه أيضاً القسم.
فهذه حجج من قالوا بعدم الكراهية إذا كان الشخص محقاً في قسمه، وحجج الذين قالوا بكراهية الإكثار من القسم لغير حاجة، والله أعلم.
لكن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] على ذم الإكثار من الحلف لا يتم؛ لأنها لم تنفرد بالحكم، وإنما أردفت بصفات أخرى.
(مَهِين) المهين: هو الحقير، والكذَّاب أيضاً، فالحلاف المذموم في هذه الآية هو الحلاف المهين.
стр. 1612
تفسير قوله تعالى: (هماز مشاء بنميم)
قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] ، أما الهماز فهو الذي يهمز الناس، أي: هو الذي يعيب الناس بأقواله كما يعيب الناس بأفعاله.
والعيب بالقول فمعلوم، أما العيب بالفعل فهو أن يتهكم بفعله كأن يمشي شخص وهو يعرج، فيأتي ساخر يمشي ويعرج خلفه ويحاكي مشيته كي يضحك الناس منه، أو شخص في لسانه شيء، فيتعمد ليَّ لسانه سخرية من أخيه.
فالهمز قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وقد يأتي بمعنىً أوسع، فإذا جاء مقترناً باللمز، كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] ، فالهمز بالقول واللمز بالفعل، ومن العلماء من عكس، لكن إذا جاء مستقلاً غير مصحوب باللمز فقد دخل فيه أيضاً معنى اللمز.
(مَشَّاءٍ) من المشي، (بِنَمِيمٍ) ، يمشي بين الناس بالنميمة للإفساد بينهم، وينقل الحديث من شخص إلى شخص آخر على سبيل الوشاية والإفساد بينهما، والمشي بالنميمة من الكبائر على رأي جمهور العلماء؛ وذلك لحديث النبي ﷺ لما مرّ بالقبرين (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) ثم قال: (بلى -أي: لا يعذبان في كبيرٍ في أنظاركم، ولكنه كبير عند الله- أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة) ومن الأدلة على كون النميمة من الكبائر أيضاً: قول النبي ﷺ إضافة إلى هذه الآية الكريمة ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] حدت هذه الأدلة ببعض أهل العلم إلى أن يحكموا على النمام بأنه مرتكب لكبيرة.
ومن العلماء من فصل في الذي ينُمُّ كمسألة الاغتياب، فهل الاغتياب كبيرة أو أن الاغتياب صغيرة من الصغائر؟ من العلماء من قال: إن الغيبة من الكبائر، ومنهم من قال: إنها من الصغائر، ومنهم من فصل.
فمنهم من فصل بناء على حجم المغتاب، وقدر المغتاب، ومنهم من فصل بناء على الشيء المنقول، فمثلاً: إذا كنت تغتاب رجلاً من أهل الصلاح، ليس كما لو كنت تغتاب الفسّاق، فإذا اغتبت رجلاً صالحا الحكم يختلف عما إذا اغتبت رجلا فاجراً، والأدلة تشهد لذلك كحديث: (بئس أخو العشيرة) الذي قاله الرسول ﵊.
إذا كنت تغتاب شخصاً كريماً لا كمن يغتاب شخصاً بخيلاً.
إذا كنت تغتاب على سبيل الشكوى ليس كمن يغتاب على سبيل الحاجة، فإن هنداً قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، ولم ينكر عليها رسول الله ﵌.
إذا كنت تغتاب الجاهل، فلست كمن يغتاب العالم، فإن النبي قال كما في البخاري: (ما أظن أن فلاناً وفلاناً يعرفان عن ديننا شيئاً) .
فكذلك الحكم في النميمة؛ يختلف من منقول إلى منقول آخر، ومن شخص إلى شخص آخر، ومن ثَم يقرر الحكم هل هي من الكبائر أو هي من الصغائر؟ هذا تفصيل جنح إليه عدد كبير من أهل العلم والله أعلم.
﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] (مشاء) : أي: ماشٍ (بنميم) أي بالنميمة، فـ (لا يدخل الجنة نمام) كما قال الرسول ﷺ ، وهذا في النميمة التي تفسد بين الأحبة، وتقطع المودة بين الأرحام، وأيضاً تسبب ضرراً للمسلمين، وتسبب عذاباً على مسلم وأذى لبعض أهل الإيمان.
стр. 1613
تفسير قوله تعالى: (مناع للخير معتد أثيم)
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم:١٢] كما أسلفنا أن كثيراً من العلماء قال -وأطلق بعضهم ذلك-: إذا ذكر الخير في كتاب الله، فالمراد به دوماً المال، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] أي: لحب المال لشديد، فمن العلماء من أطلق وقال: كل خير في كتاب الله يراد به المال، لكن وإن سلم لهم هذا القول كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:١٨٠] أي: إن ترك مالاً، إن سلمنا بذلك في مواطن، فلا نسلم به في مواطن أخرى، كقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤] (خير) هنا لها معنىً أخر تماماً.
فالحاصل أن الأولى أن يقال: إن أكثر ورود الخير في كتاب الله بمعنى المال، لكن لا يتمنع أن يأتي الخير بمعنىً آخر.
قال الله ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم:١٢] هل المراد بها مناع للمال، أو المراد بها نوع مخصوص من المال؟ فمن العلماء من قال: إن المراد بالخير هنا: الزكوات المفروضة.
ومنهم من قال: إن المناع للخير هنا مناع لأوجه الخير بعمومها.
وقيل: نزلت هذه الآيات -وليس لدينا شيء عن رسول الله ثابت الإسناد- في الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد رضي الله عن خالد، فكان أبوه ينفق المال الكثير، وينحر مئات من الإبل في الحج، ويرسل مناديه ينادي: من كان يريد اللحم فليأت إلى الوليد بن المغيرة فيأمر الناس بإطفاء النيران أيام منى، وإذا طلب منه شيء لله منع؛ لأنه كان لا يفعل ذلك إلا على سبيل الرياء والمباهاة، وإذا طلب منه شيء للفقراء وذوي الحاجة والمسكنة لله منع، ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ [القلم:١٢] أي: على غيره ﴿أَثِيمٍ﴾ [القلم:١٢] أي: أثيم في نفسه، يعني: بينه وبين الله آثم ومرتكب للذنوب في حق نفسه وفي حق ربه، وعلى الخلق معتدٍ أيضاً، فمعتدٍ أثيم جمعت المعنيين؛ فهو في نفسه آثم، ولخلق الله ظالم، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فجمع بين الإثم في النفس، والظلم للغير.
стр. 1614
تفسير قوله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم)
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم:١٣] (بَعْدَ) بمعنى: مع، وهذه لغة عدة بلاد، يقولون عن شخص: هو كذا وكذا وبعد هو كذا، ومعنى ذلك: ومع هذه الصفات هو كذا، فقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أي: مع هذه الصفات المذكورة كلها هو معها عتل، ومع ذلك كله هو زنيم، والعتل: هو الجلف الجافي الغليظ واسع البطن كما قال فريق من العلماء أي: كأنه في مطعمه ومشربه رحيب الجوف، أكول شروب ومع ذلك فهو جلف جافٍ غليظ، فتخيل شخصاً بهذه الصورة أكولاً شروباً منوعاً جموعاً للمال، ومع ذلك هو جلف في طباعه غليظ في أقواله وأفعاله، هذا تأويل العتل عند كثير من أهل العلم، (بَعْدَ ذَلِكَ) أي: مع ذلك كله هو (زَنِيمٍ) وفيها أقوال: أحد الأقوال في تفسير الزنيم أنه الدعي أي: ولد الزنا الذي نسب إلى غير آبائه، وقد قيل هذا في الوليد بن المغيرة، والله أعلم فأحد الأقوال بمعنى أن (زَنِيمٍ) بمعنى: دعي إلى غير أبيه.
والقول الآخر: أن الزنيم من له زنمة وهو الشيء البارز في الرقبة كزنمة الشاة، فجمع بين الوصف السيئ في الخلق وأيضاً في الخلق فهو ذميم، فوصف بما يقتضي الذم سواء في خلقه أو في أن الله جعل فيه هذه الصفات الذميمة من الخلق لحكمة يريدها الله .
стр. 1615
تفسير قوله تعالى: (أن كان ذا مال وبنين .)
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٣-١٥] هل (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) مرتبطة بما بعدها، أو مرتبطة بما قبلها؟ إن قلت: إنها مرتبطة بما قبلها، فالمعنى: فلا تطع كل حلاف مهين وإن كان ذا مال وبنين يعني: وإن كان ثرياً، وإن كان له أولاد، وإن كان من أهل الجاه فلا تطعه أيضاً، فلا تطع كل حلاف مهين وإن كان هذا الحلاف من أهل الثراء ومن أصحاب المناصب والجاهات، وممن رزقهم الله الأولاد، فلا تطعه أيضاً، وإذا كان مرتبطاً بما بعده فالمعنى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٤-١٥] أي: أن ماله وبنيه الذين رزقه الله إياهم حملوه على أن يكفر بالله ويكذب بآياته فقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٥] فالذي حمله على الكفر والتكذيب هو الرزق بالمال والرزق بالبنين، كما قال تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم:١٤] أي: أئن كان ذا مال وبنين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٥] هل هكذا تشكر النعم؟ والآية معناها ثابت في جملة آيات ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣] ، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٢٧] والآيات على هذا المنوال كثيرة، فالمعنى: أئن كان ذا مال وبنين يقابل هذه النعم ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٥] .
стр. 1616
تفسير قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم)
﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٦] الوسم: هو العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] أي: علامات الصلاة وآثار الخشوع في وجوههم من أثر السجود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] فالسيما هي العلامة، (سَنَسِمُهُ) أي سنعلمه بعلامة (عَلَى الْخُرْطُومِ) أي: على الأنف، الذي هو رمز للأنفة والكبر، فالمتكبر يرفع أنفه متعالياًَ، فهذا الأنف المرتفع سيعلَّم بعلامة سوداء، وهذا يوم القيامة، إذ في ذلك اليوم يأتي الناس بعلامات تميزهم، والمستكبر علامته أنه يأتي يوم القيامة وعلى أنفه سواد والعياذ بالله.
وأهل الغدر -كما أسلفنا- يأتون ولهم ألوية عند أستاههم كما قال الرسول ﵊: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه يقال: هذه غدرة فلان بن فلان) والمتكبرون يحشرون أمثال الذر، ومانعوا الزكاة يأتون والحيات تطوّق رقابهم، هذه أوصاف ذكرها رسول الله ﷺ وبعضها في كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٠] فهذا المتكبر علامته يوم القيامة أنه يأتي موسوماً أي معلماً على أنفه بعلامة.
ومن العلماء من قال: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٦] وإن حملت معنى العلامة على الأنف؛ لكن المراد بها تسويد الوجه كله، وتسويد الوجه كله مأخوذ من آيات أخر ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] لكن مع كون وجهه يكون أسود فمع هذا السواد يعلم بعلامة أيضاً على الأنف ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٦] .
стр. 1617
تفسير قوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة .)
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم:١٧] هذه القصة والآيات التي تحملها تبين شيئاً، بينته كثير من آيات الكتاب العزيز، حاصله أن الشخص كما يثاب على عمله الصالح، فإنه يثاب أيضاً على نيته الصالحة، وكما يعاقب على عمله السيئ يعاقب أيضاً على نيته السيئة.
وبهذا تكون قد تفتحت أمام العبد أبواب من أبواب الخير، فمن لم يجد مالاً ينفقه في سبيل الله، ومن لم تسعفه صحته للصيام وللقيام فليصلح النية فإن النبي قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) وقال ﵊: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له من الأجر ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) وقال ﵊: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شركوكم في الأجر حبسهم العذر) ولما نزل على رسول الله ﷺ : ((لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) نزلت هكذا، وابن أم مكتوم بجوار رسول الله ﵌ فشكا ضرره إلى الرسول ﷺ ، فنزل والرسول جالس ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] فدعا الرسول زيد فأملى عليه ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ والأدلة في هذا الباب لا تكاد تحصى، فإذا خرج العبد يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا كتب له أجر الجماعة، فباب الخير مفتوح لمن لم يسعفه ماله للصدقة، ولمن لم يسعفه جهده للصدقة، ولمن لم يسعفه جهده للصيام ولا للقيام، فيكفيه أن يصلح نيته وينوي نية حسنة، وكذلك النيات الخبيثة.
قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ [القلم:١٧] أي: اختبرناهم، اختبرنا من؟ اختبرنا القرشيين، (كَمَا بَلَوْنَا) ، أي: كما اختبرنا (أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) ، فهذا الابتلاء كان بالسراء أو بالضراء؟ فيه الوجهان، فإن قيل: إنه اختبار بالسراء، فالله قد ابتلى أصحاب الجنة بجنة -بحديقة أو بستان- وهذه نعمة وابتلى القرشيين بنعمة مثلها، وهي بعثة رسول الله ﷺ فيهم، فهذه نعمة.
وإن كان بالعقوبة، فكما أن أصحاب الجنة كفروا النعمة فحلت بهم العقوبة، فكذلك أهل مكة كفروا بالنعمة، وهي رسول الله ﷺ فحلت أيضاً بهم النقمة، كما قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل:١١٢] وهي مكة بالإجماع، ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] .
فسواء قلنا: إن الابتلاء كان بالسراء أو بالضراء فلكل وجه.
فإن قال قائل: هل في كتاب الله ما يشهد للقول بأن الابتلاء قد يكون بالسراء؟ فالإجابة: نعم؛ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] ولما رأى سليمان ﵇ عرش ملكة سبأ مستقراً عنده ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] .
فالابتلاء قد يكون بالسراء وقد يكون بالضراء.
قد يكون الابتلاء بالصحة والعافية وقد يكون الابتلاء بالمرض وبالسقم.
قد يكون الابتلاء بالجمال الزائد، وقد يكون الابتلاء بالدمامة الزائدة.
قد يكون الابتلاء بارتفاعك في المنصب وقد يكون الابتلاء بانخفاضك في المنصب، كل هذه ابتلاءات، إذ الحياة الدنيا كلها ابتلاءات، والله هو ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] .
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم:١٧] لم يرد شيء عن رسول الله ﷺ ثابت صحيح في تحديد من هم أصحاب الجنة، ولا ما هي بلادهم، ولكن الجنة بصفة عامة هي الحديقة والبستان الذي تكاثرت فيه الأشجار وتشابكت حتى جَنَّت من بداخلها، أي: حتى غطت على من بداخلها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام:٧٦] ومنه إطلاق الجِنّة على الجن لاستتارهم، ومنه إطلاق الجنون على المجنون لأنه جُنّ، أي: غطي على عقله.
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم:١٧] أسلفنا أنه لم يأت نص صحيح عن رسول الله ﷺ يوضح من هم هؤلاء القوم، ولكن العبرة حاصلةً على أية حال، ولو كان في تحديدهم وذكر أسمائهم وبلادهم نفع لذكروا في كتاب الله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] ، ولما أكثر المفسرون في تحديد هؤلاء الأشخاص، لم يكن إكثارهم من التوفيق بمكان إلا محبتهم للأثر الوارد عن السلف فقط، وإلا فالأولى أن تستبعد لكن محبة الآثار الواردة عن السلف حدت ببعض المفسرين أن يورد أقوالاً في هذه التحديدات هل هم بمصر؟ أو باليمن؟ أو بنجران؟ أو أماكن أخر؟ أقوال عدة، والأكثرون على أنها باليمن، والله أعلم.
فالتفاسير التي حشيت بمثل هذه الأقوال كتحديد اسم أصحاب الكهف وقبائلهم، واسم كلبهم، وتحديد مكان العزير وتسمية حمار العزير، وتحديد البلاد التي نزل بها ذو القرنين إلى غير ذلك من هذه التحديدات التي أطال فيها المفسرون، الأولى عدم ذكرها، لكنها فقط من باب محبة الأثر، وهي التي حدت ببعض المفسرين وحملتهم على ذلك.
قال جمهور المفسرين: هم قوم باليمن، كان أبوهم رجلاً صالحاً، وكان يعمل في أمواله في حياته بما يرضي الله، فيعطي المساكين حقوقهم، بل ويتصدق فوق الواجب أيضاً، فلما مات هذا الرجل الصالح، اجتمع بنوه وقالوا: قد كان أبونا يفعل ذلك والمال كثير، أما الآن فقد تقسم المال على الورثة، فقلت الأنصبة وأبناؤنا أحق من هؤلاء الفقراء، وبعضهم طعن في أبيه وفي تصرفاته الشعواء في ظنه، واتفقوا وبيتوا النية الخبيثة على عدم إعطاء الفقراء شيئاً من الحقوق، وأقسموا بالله، وتعاقدوا في فيما بينهم، وتعاهدوا على أن يجنوا ثمارهم في الصباح قبل أن يراهم الفقراء وقالوا فيما بينهم: قد مضى هذا العهد الذي كان الفقراء يتوافدون فيه علينا من كل مكان، وقد مات أبونا ولا حاجة لنا في هؤلاء الفقراء وأقسموا فيما بينهم وتعاقدوا على هذا.
﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:١٧] أي: ليقطعن ثمارها في الصباح الباكر، ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٨] في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٨] قولان: أحدهما -وهو الذي عليه الجمهور-: (لا يَسْتَثْنُونَ) أي: لا يقولون إن شاء الله، فقالوا: نقسم بالله أن نجز الثمار صباحاً ولا نعطي الفقراء أي شيء، ولم يقولوا: إن شاء الله، فقد قال الرسول ﷺ في شأن سليمان: (أما إنه لو قال: (إن شاء الله) لم يحنث) وذلك لما قال سليمان: لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة منهن ولداً يجاهد في سبيل الله، قيل له: قل: (إن شاء الله) فلم يقل، فما ولدت منهن إلا امرأة واحدة ولدت نصف إنسان، فقال ﵊: (أما إنه إن قال: (إن شاء الله) لم يحنث، وكان أرجى لحاجته) ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أن من قال: أقسم بالله ألا أذهب إلى القاهرة، وأتبعها بكلمة (إن شاء الله) على التوالي ليس على التراخي؛ فذهب لم يحنث، ولا يكون عليه كفارة، فلذلك يكون مخرجاً للأم التي تهدد ولدها الذي لا يفهم، وتقول له -إن اضطرت إلى القسم-: أقسم بالله لأضربنك إن شاء الله، فإن قالت: (إن شاء الله) ارتفع عنها التكفير، ولأي شخص أن يتبع اليمين بقوله: (إن شاء الله) .
فالقول الأول قول الجمهور في تفسير: ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي: لا يقولون: (إن شاء الله) .
والقول الثاني: أن المراد بقوله: ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي: لا يقتطعون حق الفقراء ويجنبونه على جانب كما كان أبوهم يفعل.
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا﴾ [القلم:١٩] تآمروا هذه المؤامرة، واتفقوا هذا الاتفاق، وهذا درس يؤخذ منه عبرة لكل شخص ينوي شراً، فالموسع عليه إذا أراد عمل الخير فليحذر من تثبيط الشيطان، فهم فكروا هذا التفكير السيئ، وتعاقدوا هذا العقد الخبيث، ولا يدرون ما الذي يدبره الله لهم، ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩] ما هو هذا الطائف؟ من العلماء من قال: هي آفة تسلطت على الأرض فأبادتها، ومنهم من قال: ريح صرصر شديدة أحرقت الأشجار جميعها.
والشاهد أن الأرض أبيدت ودمرت واحترقت ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم:١٩] العقوبة من الله، هو الذي يسخر السحب، وهو الذي يأتي بالبرد، وهو الذي يأتي بالحر، وهو الذي يسلط الآفات، الشاهد: أنه طائف ليس من أحد من البشر بل هو ﴿طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩] .
﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:٢٠] والصريم: هو الشيء الذي صرم، أي أصبحت كأنها قطعت وحصدت، ومنهم من قال: إن الصريم الأسود البهيم شديد السواد أي: أصبحت كالليل المظلم، فأصبحت كالصريم، هذا الذي فعله الله بهم وهم نائمون.
﴿فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:٢١] تأمل في الآية، وتخيل منظرهم أمام عينيك، كلٌ ذهب ينادي الآخر من بيته، (فتنادوا مصبحين) ، قم يا فلان! قم يا فلان! قبل أن يستيقظ الفقراء، الفقير الفلاني بجوارنا قم وامش رويداً رويداً حتى لا يسمع، فتنادوا مصبحين، ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ [القلم:٢٢] أي: انطلقوا في الغداة ﴿عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم:٢٢] إن كنتم ستصرمونها بسرعة فقوموا،
стр. 1618
تفسير قوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين .)
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ﴾ [القلم:٣٥-٣٦] ! ما هذه العقول التي فكرت هذا التفكير السيئ؟! وهذا الظن السيئ بالله؟! هل ربك سبحانه ظالم حتى يجعل المسلم كالمجرم؟! هل المصلي الصائم الطائع لله كالفاجر الفاسق المفتري الكذاب؟! هل الذي يأكل أموال اليتامى ظلماً كالذي يمسح على رءوس الأيتام ويقتطع لهم من ماله ويعطيهم؟! هل يستوي هذا وذاك؟! هل يستوي المجاهد في سبيل الله مع المحارب لدين الله ولسنة رسول الله؟! أبداً لا يستويان مثلاً.
هل يستوي من قام من الليل يتهجد وتذرف عيناه دمعاً خوفاً من لقاء الله وخوفاً من ظلمات القبر كرجل سهر طول الليل أمام الراقصات والفاسدات والأغاني؟! ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] ؟! ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨] ؟! ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ،؟! ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ؟! ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨] هل يستوي هو ورجل قائم خائف وجل من الله ؟!.
أصول الشرع كلها تنفي هذه المساواة، فلا تظن بالله ظناً سيئاً، فمن ظن أن الله يسوي بين المسلم والفاجر، ظن بالله ظن السوء، وظن أن الله حكم غير عدل، فالحكم في هذه الأمور -يا إخوان- ليست بالارتجال، فرجل قام آناء الليل حتى تورمت قدماه ليس كرجل جرى في ملعب طول النهار حتى تكسرت قدماه، هذا له شأن وهذا له شأن آخر.
من كظم غيظه وعفا عن الناس ليس كمن سبَّ الناس وآذاهم، وأطلق لنفسه العنان، أبداً لا يستويان، من كظم الغيظ وعفا عن المسلمين، ليس كمن انهال على المسلمين بالسباب والشتائم والضرب واللعن.
وهذه أصول لابد أن تفهم حتى لا تظن بالله ظن السوء وأنت لا تشعر.
قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] أيعقل؟! (مَا لَكُمْ) ما الذي حدث للعقول، ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٦] .
стр. 1619
تفسير قوله تعالى: (أم لكم كتاب فيه تدرسون .)
﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم:٣٧] هل لكم كتاب نزل من عند الله درستم فيه أن الله يقول: المسلم كالكافر، والظالم كالعادل المنصف، هل نزل عليكم كتاب من الله فيه هذا الكلام، ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٧-٣٨] من العلماء من قال: (إنَّ) هنا بمعنى أنَّ وأرجعها إلى الآية التي قبلها فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم:٣٨] أن لكم فيه لما تخيرون أي: هل نزل عليكم كتاب من الله درستم فيه يفيدكم أن لكم الشيء الذي تريدونه تريدون الدنيا متعتم بها تريدون الأمن في الآخرة تمتعون به، ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٨] .
стр. 1620
تفسير قوله تعالى: (أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة)
﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٩] هل أقسمنا لكم أيماناً وعقدّناها وهذا فيه جواز تعقيد اليمين وتكرير اليمين، وقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩١] قال التوكيد تكرير اليمين، ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾ يعني: هل أقسمنا لكم أيماناً بالغة إلى يوم القيامة أنكم ستعيشون آمنين مطمئنين إلى يوم القيامة، أو ستأتون آمنين مطمئنين يوم القيامة.
стр. 1621
تفسير قوله تعالى: (سلهم أيهم بذلك زعيم)
(سَلْهُم) أي: يا محمد! سل هؤلاء القرشيين المشركين، (أَيُّهُمْ) ، من منهم (بِذَلِكَ زَعِيمٌ) ، أي: من منهم الكفيل أو الضامن الذي يضمن لهم أنهم يعيشون آمنين في حياتهم، فكما سلبنا النعمة عن أصحاب الجنة الذين قصدنا لك ذكرهم، فنحن قادرون على سلب النعمة من هؤلاء الذين أمددناهم بأموال وبنين فاستغلوا الأموال والبنين فكذبوا بآياتنا وقالوا عنها أساطير الأولين.
كيف فعلنا بأصحاب الجنة، الذين تعاقدوا على منع المساكين، وحرمان المساكين، وسقنا لك قصتهم مثالاً، فأخبرهم به، وسلهم أيهم ضامن وزعيم أنهم يعيشون ممتعين إلى الممات، ويأتون آمنين يوم القيامة بعد البعث والنشور، ﴿سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم:٤٠] أي: ضامن وكفيل، ومنه قوله ﷺ : (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، ولو كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن حسن خلقه) الحديث إلى آخره، فزعيم معناه: ضامن وكفيل.
стр. 1622
تفسير قوله تعالى: (أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم .)
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤١-٤٢] من أهل العلم من قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ متعلقة بما قبلها، فليأتوا بشركائهم في هذا اليوم الذي يكشف فيه عن ساق.
ما المراد بقوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ؟ من أهل العلم من قال: إن المراد بقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: يوم يشتدّ الأمر، كما يقال: كشفت الحرب عن ساقيها، أي اشتدت واشتعلت، وأبى هذا كثير من أهل السنة والجماعة بل جمهورهم، وقالوا: إن هذا يفسر بحديث رسول الله ﵊ الذي أخرجه البخاري وغيره، وإذا جاء قول رسول الله ﷺ بطلت معه سائر الأقوال، فلا قول فوق قول رسول الله ﷺ .
دعوا كل قول غير قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر فجاء الحديث عن رسول الله ﵊ في تفسير هذه الآية، فيما أخرجه البخاري وغيره، ذكر النبي ﷺ حديثاً طويلاً وفيه: (ينادي منادٍ: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، فتبقى هذه الأمة فيها مؤمنوها ومنافقوها، فيأتيهم ربهم في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: لست بربنا، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فيقول: وبم تعرفونه؟ فيقولون: بالساق، فيكشف رب العزة عن ساقه، فيخر من كان يسجد له في الدنيا ساجداً، ويأتي من كان يسجد رياء وسمعة كي يسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً فيخر لظهره) فهذا هو الراجح في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] أي: ذليلة، ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] أي: في الدنيا.
стр. 1623
تفسير قوله تعالى: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث .)
﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ ، آية تحمل كل معاني التهديد، فالذي يقول: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ ، هو الله، والمعنى: اتركني مع هذا المكذب، كما في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] هنا يقول سبحانه: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤] قال النبي ﷺ : (إن الله ليملي -أي: يؤخر- للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم تلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٢-١٠٣] وفي الحديث الذي نوزع في تصحيحه: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه؛ فإنما ذلك منه استدراج) ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ، أي: سنرفعهم درجة درجة إلى الخير في ظنهم وفي زعمهم ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [القلم:٤٤-٤٥] أي: أؤخر لهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٥] وفقنا الله لما يحب ويرضى، والسلام عليكم
стр. 1624
الأسئلة
стр. 1625
تحديد المدة بين القسم والتعليق بالمشيئة
السؤال
نريد تحديد التراخي الذي يكون بين المشيئة والقسم؟
الجواب
ليس هناك حد للتراخي إلا الإتباع المباشر، فمثلاً إذا قال الشخص: اقسم بالله العظيم ألا آكل، وسكت هنيئة ثم قال: إن شاء الله، فالوقت بين القسم وبين مقولة (إن شاء الله) ليس هناك دليل على تحديده، وإنما مرده إلى العرف السائد، ولا نستطيع أن نقول: خمس دقائق، أو خمس ثوان، وإنما مرده عرفي.
стр. 1626
حكم الزواج بغير إذن الولي
السؤال
ما حكم زواج شاب بفتاة وهي لم تبلغ إلا ثمانية عشر سنة دون إذن وليها، وذلك عندما رفض أبوها تزويجه إياها، ولكن بعد ذلك وافق استسلاماً للأمر؟
الجواب
الزواج الأول باطل لحديث النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) ولحديثه ﵊: (أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) فالعقد يفسخ.
стр. 1627
حكم من سلم بعد التشهد الأوسط في الصلاة ذات التشهدين
السؤال
صليت صلاة رباعية فسلمت بعد الركعة الثانية، وبعد ذلك قمت لإكمال الصلاة فهل أكبر جالساً أم أقف ثم أكبر للصلاة؟
الجواب
إذا انتهيتَ من التشهد وسلمت قم مباشرة مكبراًَ وائت بالركعتين الباقيتين ثم اسجد للسهو.
стр. 1628
مسألة: متى يكون على الرجل عدة
السؤال
هل على الرجل عدة ينبغي أن يلزمها كما أن للمرأة عدة؟
الجواب
السؤال من الأسئلة التي تنقل بمثابة (الفوازير) لكن في الحقيقة أنها لا تسمى عدة، لكن إن شئت أن تسميها عدة من باب المجاز فذاك، للرجل أن يتربص ولا يتزوج، حتى تنقضي العدة إذا كان متزوجاً بأربع ثم طلق الرابعة، ولم تنته عدتها؛ فلا يتزوج الخامسة إلا إذا بت طلاق الرابعة، أو انتهت عدتها.
أو كان متزوجاً بامرأة وطلقها ويريد الزواج بأختها؛ فلا يتزوج بالأخرى إلا إذا انتهت عدة الأولى، أو بت طلاق الأولى، وكذلك في عمتها وخالتها.
стр. 1629
تفسير سورة القلم [٣] وسورة الحاقة [١]
تضمنت سورتا القلم والحاقة أخباراً لبعض الأمم الماضية، وذلك تسلية للنبي ﷺ وعبرة وعظة لأمته.
واشتملت سورة الحاقة على قاعدة عظيمة ومعادلة كونية لا تتغير ولا تتبدل، وهي أن المعصية تجلب العقوبة والدمار والانتقام، والطاعة تجلب الرحمة والرضوان وشواهد هذه السنة الكونية كثيرة.
стр. 1630
تفسير قوله تعالى: (وأملي لهم إن كيدي متين .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٥] ، الإملاء: هو التأخير، فقوله تعالى: (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي: أؤخرهم وأنظرهم وأمد لهم في أعمارهم، فالإملاء: هو التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران:١٧٨] ، (نملي لهم) أي: نؤخرهم.
(وَأُمْلِي لَهُمْ) أي: أؤخرهم، (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) إن تدبيري محكم، وأخذي شديد، والمعنى يحتمل كل هذا.
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [القلم:٤٦] أي: على دعوتك لهم، ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ [القلم:٤٦] ، المغرم: هو الدين، ﴿مُثْقَلُونَ﴾ [القلم:٤٦] أي: متعبون مرهقون.
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧] .
стр. 1631
تفسير قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك .)
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨] ، (فاصبر لحكم ربك) أي: اصبر لقضاء ربك يا محمد! ولا تضجر.
(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) ، وصاحب الحوت هو يونس بن متى ﵊، نهى الله نبيه ﷺ عن التشبه بيونس ﷺ في جزئية، لكن سائر سيرة يونس ﵊ يتأسى به فيها، كما أن ربنا نهانا عن التشبه بالخليل إبراهيم في جزئية، لكن سائر سيرة إبراهيم ﵊ أمرنا أن نتأسى به فيها، فإن الله ذكر إبراهيم في طائفة من الأنبياء ﵈، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] ، فأمرنا الله أن نقتدي بإبراهيم ﷺ وسائر الأنبياء، لكن ثمّ جزئيات لا يقتدى بهم فيها نُص عليها في كتاب الله، كما في قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] ، قوله لأبيه المشرك: (لأستغفرن لك) ، والاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) أي: لا يكن لكم أسوة في إبراهيم في قوله لأبيه المشرك: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة:٤] .
لكن بُيّن السبب في آية أخرى، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤] .
الشاهد: أن الله قال لنبيه محمد ﵊: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ، فظاهر الآية الكريمة غير مراد؛ لأنه ليس المعنى: لا تكن كصاحب الحوت وهو ينادي ربه: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] ، فقد حثنا نبينا ﷺ إذا وقعنا في كرب أن نقول: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) ، وهي من الدعوات التي ذكر بعض أهل العلم أنها من الدعوات المستجابات، فما المراد -إذاً- بقوله: (وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) ، ونبينا يعلمنا نداء ذي النون ويحثنا على أن ندعو بندائه ﵊؟ قال كثير من أهل العلم: إن معنى (ولا تكن كصاحب الحوت) : أنه خرج من بلده عن غير إذن ربه، فلا تكن مثله في هذا التصرف الذي ألجأه أن ينادي في الظلمات بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: لا تفعل الفعل الذي آل بيونس إلى أن دعا بهذا الدعاء، لكن إذا وقعت في كرب، فلا مانع أن تقول كما قال يونس، بل هو من الخير أن تقول كما قال يونس ﷺ ؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام:٤٣] ، لا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضباً فخرج من بلدته بغير إذن ربه، فآل به هذا الخروج إلى أن ركب في السفينة وساهم، وكان من المدحضين، والتقمه الحوت وهو مليم، فلا تتشبه بيونس في هذا كله، ولكن إذا وقعت في كربٍ فنادِ كما نادى يونس ﷺ ، فعلى هذا فالآية فيها مقدرٌ محذوف، وهو: لا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضباً وخرج من البلدة بغير إذن ربه، يعني: اصبر يا محمد! على دعوتك لقومك، ولا تضجر من دعوتهم وتفعل كما فعل يونس ﷺ : بل اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن الرسل بينهم تفاوت في الصبر في الدعوة كذلك، فنوح ﷺ لبث في قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً ﵊، وقصة يونس ﵇ فيها دلالة على شيء ذي أهمية وهو أن الهداية ليست بيد أحد؛ لا بيد نبي، ولا بيد شيخ، ولا بيد عالم ولا بيد أي شخص.
فعلى ذلك: علينا أن نعلق آمالنا بالله ، لا بشيخ ولا بعالم، بل ولا بأي شخصٍ كائناً من كان، فيونس لما كذبه أهل بلدته وامتنعوا من الإيمان، خرج بغير إذن ربه فآمن أهل القرية كلهم أجمعون، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] ، فهذا المعنى لابد أن يستقر في الأذهان أن الهادي هو الله، وأن الآمال معلقة بالله ، ولذلك فهم هذا خيرُ صحابة النبي ﷺ ألا وهو أبو بكر الصديق، لما قال عمر بعد وفاة رسول الله ﷺ : إن الرسول ﷺ لم يمت، إنما هذه مقولات أهل نفاق يقولونها وسيرجع الرسول ﷺ ، فقال له أبو بكر: على رسلك، ثم قال: (يا أيها الناس! من كان يعبد محمداً؛ فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإن الله حيٌ لا يموت) ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] .
فلابد أن تتعلق الآمال بالله سبحانه لكشف الضر عن المسلمين جميعاً، أما أن تتعلق الآمال بشخص كائناً من كان، فالشخص مآله إلى زوالٍ، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي: مكروب ممتلئ غماً وحزناً لمعصيته لربه وللبلاء الذي حلّ به ﷺ .
стр. 1632
تفسير قوله تعالى: (لولا أن تداركه نعمة من ربه .)
﴿لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [القلم:٤٩] ، لولا أن الله رحمهُ ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم:٤٩] ، فإن قال قائل: كيف يقال: ﴿لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ ؟ أليس يونس قد نبذ بالعراء؟ الإجابة: بلى قد نبذ يونس ﷺ بالعراء؛ لأن الله قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٥] ، فإذاً: كيف يجاب على هذا الإشكال؟ ﴿لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ، فالإجابة: أنه نبذ بالعراء، لكنه نبذ بالعراء وهو غير مذموم، فقد تاب الله عليه، فحينئذٍ يندفع الإشكال، فيونس ﷺ نبذ بالعراء وهو سقيم أي: مريض، لكن وإن كان مريضاً في بدنه فقد غفر الله له ذنبه، كما قال تعالى: في كتابه الكريم: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧-٨٨] ، فهو قد نبذ بالعراء، لكن نبذ بعد أن تاب الله عليه، ولم ينبذ وهو مذموم، ولولا رحمة الله لنبذ بالعراء وتبعه مع هذا النبذ المقت والذم، والله أعلم.
стр. 1633
تفسير قوله تعالى: (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين)
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم:٥٠] ، أي: اختاره ربه فجعله من الصالحين، ولذلك صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى) ، وهل الضمير في قوله: (أنا خيرٌ من يونس) يرجع إلى العبد؟ أي: لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا -نفسي- خيرٌ من يونس؛ لأن يونس ما صبر وأنا قد صبرت، أم أن الضمير يرجع إلى رسول الله ﷺ ؟ سيكون المعنى: لا ينبغي لعبد أن يقول: إن النبي محمداً ﷺ خيرٌ من يونس بن متى؟ فلكل قولٍ وجه: فالقول الأول: لا ينبغي لعبد أن يقول عن نفسه: أنا خيرٌ من نبي الله يونس؛ لأن الأنبياء هم أفضل الخلق، وأعقل الخلق وأكمل الخلق عليهم الصلاة والسلام، وقد يتأيد هذا المعنى بالوارد من قول رسول الله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) ، فقوله: (أنا سيد ولد آدم) يجعل المفسر يقول: لا ينبغي لعبد أن يقول عن نفسه: أنا خيرٌ من يونس؛ لأن الرسول ﷺ بلا شك خيرٌ من يونس بن متى، إلا أن بعض العلماء يقول: إن هذا من باب النهي عن التخيير بين الأنبياء على السبيل التي تجلب الشحناء؛ مثال ذلك: لما قال أحد الصحابة: والذي اصطفى محمداً على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فقام المسلم إلى اليهودي فصفعه على وجهه، فأتى اليهودي رسول الله ﷺ وشكى إليه المسلم، فقال ﵊: (لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذاً بقوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم أُخذ بصعقة الطور؟!) ، فالشاهد أن لقائل أن يقول: إن قوله (أنا) يرجع إلى العبد، فلا ينبغي للعبد أن يقول عن نفسه: أنا خيرٌ من يونس، وإذا نزلناها على رسول الله ﷺ ، فلا ينبغي لعبد أن يقول: إن النبي محمد ﵊ خيرٌ من يونس، فهذا يحمل على أنه ﵊ قاله على سبيل التواضع، أو قاله قبل أن يعلم: أنه سيد ولد آدم ﷺ ، والله تعالى أعلم.
وإلا فأصل تفضيل بعض الأنبياء على بعض وارد في كتاب الله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وقال ربنا سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] فمن الرسل من هو من أولي العزم، ومنهم من ليس من أولي العزم، والله أعلم، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥] .
وفي قصة يونس ﷺ فوائد منها -وقد تكرر ذكرها مراراً-: أن السيئة -أو حتى الكبيرة- إذا ارتكبها العبد لا تطيش بكل محاسن عمله، بل توضع أيضاً محاسنه في الاعتبار، وقد قدمنا أن موسى ﷺ قتل نفساً لم يؤمر بقتلها، وألقى الألواح وكسرها، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، فمع هذا كله، لم يخرجه ذلك عن حيز الوجاهة، فإن الله وصفه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩] ﵊، وقال الله في شأن أهل الإيمان: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر:٣٥] ، وفيه دليل على أنهم عملوا أعمالاً سيئة، فالشخص لا يؤاخذ بالذنب، فيغطى بهذا الذنب على كل المحاسن: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] .
قال الله سبحانه: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ .
والناظر إلى سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجد أن كثيراً منهم قد اجتباه ربه بعد معصيته، أو أن بعض الأنبياء اجتباه ربه بعد معصية، فكيف هذا؟ الإجابة: أن المعاصي أحياناً تكسر صاحبها وترده رداً جميلاً إلى الله، فيجتهد في الاستغفار ويجتهد في التوبة، ويجتهد في الإنابة، فالمعصية تحدث له نوعاً من الرجوع إلى الله، ومن حسن العبادة والطاعة، ورب طاعة يأتي بها العبد، وتكون سبباً في إدخاله النار -والعياذ بالله! - إذا أورثته عجباً وفخراً، والله أعلم.
آدم ﷺ أخرج من الجنة كما لا يخفى عليكم، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢] ، بعد المعصية قال تعالى في شأن آدم: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢] ، وها هو يونس: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ، وموسى ﷺ قتل النفس وشاء الله له أن يكون رسولاً بعدها بسنوات، (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ) أي: اختاره واصطفاه، (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) .
стр. 1634
تفسير قوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم .)
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١] ، هذه الآية تصوّر موقف أهل الكفر من رسول الله ﷺ ، فإذا تلوت القرآن -يا محمد- ورآك أهل الكفر، نظروا إليك نظرات قاتلة بأبصارهم، وأوشكوا بهذه النظرات أن يسقطوك من على منبرك وأنت تقرأ القرآن، أو يسقطوك من مقامك وأنت تقرأ القرآن: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) ، فالآية أثبتت العين، واتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على إثبات أن العين تدخل الرجل القبر وتولج الجمل القدر، فالعين حقٌ كما قال الرسول ﷺ : (العين حق، ولو كان شيءٌ سابقاً القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغتسلوا) ، وفي صحيح البخاري: أن النبي ﷺ : (رأى على جارية لـ أم سلمة سفعة أي: تغيراً وسواداً في وجهها، فسأل ما هذا يا أم سلمة؟ قالت: يا رسول الله! إن بها النظرة، قال: فاسترقوا لها) .
وثبت بإسناد صحيح -وتقدم مراراً- (أن النبي ﷺ : ذهب إلى أسماء بنت عميس بعد مقتل زوجها جعفر بثلاثة أيام، فرأى أولاد جعفر قد خفتوا وأصبحوا مثل الأفراخ فقال لها: ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ قالت: تسرع إليهم العين يا رسول الله! قال: فاسترقي لهم) .
ولا يخفى عليكم قصة سهل بن حنيف لما اغتسل وكان رجلاً أبيض، فمر به عامر بن ربيعة فقال: والله! ما رأيت جلد عذراء كاليوم، فسقط سهل في الحال فقال: أصحابه يا رسول الله! أدرك سهلاً! قال: (من تتهمون؟ قالوا نتهم عامر بن ربيعة، فدعاه الرسول ﷺ وقال له: علامَ يحسد أحدكم أخاه! إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدعو له بالبركة، ثم أمر عامر بن ربيعة بأن يتوضأ ويغسل ركبتيه وداخلة إزاره، ثم أخذ الماء فصبه على سهل بن حنيف، فقام: كأنما نشط من عقال) أي: كأنه كان مربوطاً بحبل وفك منه رضي الله تعالى عنه.
فكل نصوص الكتاب -ومنها قوله تعالى: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) - ونصوص السنة -ومنها قول الرسول ﷺ : (العين حق) - تثبت أن العين لها تأثير، وأن تأثيرها لا يكون إلا بإذن الله، شأنها في ذلك شأن أي سببٍ مادي، فأنت إذا رماك شخصٌ برصاصة لا تقتل إلا بإذن الله، وإذا حاول شخص أن يسرقك لم يسرقك إلا بإذن الله، وكذلك إذا نظر إليك شخص لم يستطع أن يصيبك بشيء إلا بإذن الله، شأنها شأن سائر الأشياء المادية، وكون ذلك وكيفيته وطريقته يعلمه الله .
وقد ذكر العرب -بل والمفسرون- في هذا الباب أقوالاً وقصصاً في غاية الطول، لكن فيما ذُكر من كتاب الله وفيما ذُكر من سنة رسول الله ﷺ غنى عما سواه، ومما ذكر العرب أن رجلاً من العائنين الذين يصيبون بأعينهم كانت تمر به ناقة فيقول لغلامه: يا بني! اذهب فاشترِ لنا من هذه الناقة، فما هي إلا خطوات حتى تسقط وتنحر ويشتري منها اللحم ويأتي به! فذكروا قصصاً واسعة في هذا الباب لكن ينبغي أن يكون مستندنا دائماً قول الله وقول رسول الله ﷺ ، ولكن -كما أسلفنا- ذكروا عدة قصص للتوسع في ذلك، والله أعلم.
(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) ، والذكر: هو القرآن، والدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، وليس من الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] ؛ لأن قوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) أي: شرفٌ لك ولقومك، كما قاله.
(لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) ، ليس ضرباً من الجنون ولا من الأساطير.
стр. 1635
تفسير قوله تعالى: (وما هو إلا ذكر للعالمين)
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم:٥٢] ، (والعالمين) تقدم تفسيرها.
فمن العلماء من يقول: إن (العالمين) : الإنس والجن لقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١] ، والرسول ﷺ أرسل إلى الثقلين: الإنس والجن، ومنهم من قال: ما بين السماوات والأرض، لقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٣-٢٤] .
ومنهم من يقول: إن (العالمين) الرجال والنساء، أي: الإنس فقط، لقول لوط ﵊: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] ، ولكن مراده هنا والله أعلم على ما فسرته عمومات السنة وعمومات الكتاب أن المراد بالعالمين: الإنس والجن، والله أعلم، ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 1636
تفسير قوله تعالى: (الحاقة، ما الحاقة .)
ثم قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١-٢] .
الحاقة: هي الساعة، ومن العلماء من قال: أطلق على الساعة الحاقة؛ لأنها متحققة الوقوع، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (والجنة حق، والنار حق، والساعة حق) ؛ فمن العلماء من قال الحاقة: هي الساعة، أطلق عليها الحاقة: لتحقق وقوعها، الساعة: هي يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:٣] ، (وما) هنا: للتعظيم، وما أعلمك ما الحاقة؟ وذلك لتعظيم شأنها، وقد قال فريقٌ من أهل العلم: إن كل ما كان فيه: (وما أدراك) قد أعلمه الله به، ولكن كل ما كان فيه (وما يدريك) لم يُعلمه الله به، فالله قال لنبيه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣] ، فالله لم يُعلم نبيه محمداً ﷺ متى الساعة؟ لكن في الحاقة قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ، قد بين له الأهوال التي تحدث في هذه الحاقة، كقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:٨] ، بين لهم ما هي (سجين) والله أعلم.
(الْحَاقَّةُ) ، اسم من أسماء القيامة أيضاً، (مَا الْحَاقَّةُ) ، لتعظيم شأنها، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ .
стр. 1637
تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة .)
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة:٤] ، كذبت ثمود، وهي قبيلة نبي الله صالح ﷺ ، وعادٌ وهي قبيلة نبي الله هود ﷺ .
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة:٥] ، ما هي هذه الطاغية؟ الطاغية: قال بعض أهل العلم: هي صيحة شديدة، والطاغي: هو الزائد عن الحد، والرجل الطاغي أو الطاغية هو الذي تجاوز الحد في الظلم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] ، والطاغوت: هو متجاوز الحد في الظلم.
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] ، أي: تجاوز الحد في الظلم.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة:٤-٥] ، ما هي هذه الطاغية؟ قال الله في آية أخرى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:٢٣] ، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر:٣١] ، فالطاغية: هي الصيحة.
قال بعض العلماء: طغت على الخُزَّان، فقالوا: إن كل شيءٍ يأتي من عند الله بقدر، قطرة الماء التي تنزل من السماء تنزيل بقدر، الرياح التي تسير، تسير بقدر، لكن الريح التي سلطت على قوم عاد، أو الصحية التي سلطت على قوم ثمود، والطوفان الذي سلط على قوم نوح طغى وعتى على الخزان، الريح التي أرسلت على عاد عاتية، عتت على خزانها، يعني: لم يستطع الخزان التحكم فيها ولا تقدير مقدارها، إنما عتت عليهم فلم يستطيعوا حصرها ولا ضبطها، وكذلك ما فعل بقوم نوح ﷺ .
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ ، أي: الصيحة الشديدة، التي طغت وزادت عن الحد.
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦] ، (بريح صرصر) والصرصر من العلماء من قال: هي الريح شديدة الصوت، ومنهم من قال: شديدة البرد، ومنهم من جمع وقال: شديدة الصوت شديدة البرد.
(بريح صرصر) قال النبي ﷺ في تفسيرها: (نصرت بالصبا -أي: بريح الصبا يوم الخندق- وأهلكت عادٌ بالدبور) ، أي: الريح التي سلطت على عاد، وصفت هذه الريح في آيات أخر بأنها ريح عقيم، فالريح منها: ريح مبشرات، ومنها لواقح كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] ، أي: تلقح وينتفع بها، ولذلك كان الرسول ﷺ إذا هاجت الريح يقول: رب أسألك خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، فالريح قد يكون فيها نوع خير، وقد يكون فيها نوع شر.
أما الريح التي سلطت على عاد، فلم يكن فيها أي نوع من أنواع الخير، بل وصفها الله بأنها ريح عقيم لا تلد أي: لا تلد أي خير، ولا يتولد منها أي خير، بل كل المتولد منها شرٌ محض والعياذ بالله.
قال تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ) ، وهي تلك القبيلة التي أمدها الله بطول في الأجسام وسلامةً في الأبدان ونعمة في الأوطان، حتى تباهوا على سائر الخلق وقالوا: (من أشد منا قوة) ! وكانوا طوالاً كأمثال النخيل، كما قال جمهور المفسرين، فسلطت عليهم الريح العقيم، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة:٥-٦] ، شديدة الصوت شديدة البرد، (عَاتِيَةٍ) ، أي: عتت على خُزَّانها، ولم يستطع الخزان من الملائكة ضبطها ولا التحكم فيها، بل زادت عليهم.
﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧] .
(سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ) ، هذه الآية مستند لمن قال بالتفريق بين اليوم والليلة، وقال: إن اليوم يبدأ من الفجر إلى المغرب، والليلة تبدأ من المغرب إلى الفجر، وفي الحقيقة إن هذه من المسائل التي قد يتناول فيها اللفظ معنى لفظ آخر، وللسيوطي كتاب سماه (الشماريخ في معرفة الأيام والتواريخ) ونقل أنه أحياناً تأتي كلمة (اليوم) ويراد بها النهار فقط من الفجر إلى غروب الشمس لقول النبي ﷺ : (هل تستطيع أن تصوم ستين يوماً؟) ، وبلا شك أن المراد بـ (اليوم) هنا النهار فقط.
وأحياناً تأتي كلمة (اليوم) ويدخل في ضمنها الليلة، مثلاً: إذا قلت: مُرّ عليَّ بعد عشرة أيام، فالليلة تدخل مع هذه الأيام.
﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ ، و (الحسوم) من العلماء من قال: إنها المتتابعة، فالريح عادة تهب وتسكن، لكن الريح التي سلّطت على قوم عاد ريح متصلة متتابعة حسمت مادتهم، كما تقول: فلان حسم الأمر أي: قطع الأمر وأنهاه، فهذه الريح حسمت أمرهم واستأصلتهم بكاملهم وأبادتهم عن آخرهم فانتهى أمرهم، فـ (حسوماً) على رأي كثير من العلماء معناها متتابعة.
ومنهم من قال: إنها من الحسم، ومنه: حسم يد السارق التي قطعت في الزيت، وذلك أنها إذا قطعت يد السارق يحسم باقي الذراع في الزيت المغلي حتى يقف الدم، فالحسم يطلق على القطع، فالريح كانت متتابعة، وكانت أيضاً حسوماً، أي: متصلة لا تفتر ولا تسكن لحظة واحدة.
﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ [الحاقة:٧] ، أي: هلكى، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾ [الحاقة:٧] ، أي: أصول نخل، ﴿خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] ، أي: فارغة.
يعني: من شدة الريح قطعتهم فأصبحوا كأعجاز النخل المقطوع أعلاها وبقي أسفلها مفرغاً من الداخل، إذ أن الريح أتت وفرغتهم من الداخل فأصبحوا كأعجاز النخل -لطولهم- خاوية فارغة من الداخل.
فانظر إلى هذا المنظر من الإبادة، ريح تستأصل وتدخل على ما بداخل الأبدان فتقتلعه اقتلاعاً حتى أصبحت أبدانهم كأعجاز النخل الخاوية.
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٨] ، فهل ترى لهم الآن -يا محمد- من باقية؟
стр. 1638
تفسير قوله تعالى: (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة)
﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ﴾ [الحاقة:٩] ، جاء فرعون بعد هؤلاء، ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة:٩] ، أي: من جاءوا قبله، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ [الحاقة:٩] ، وهي مدائن قوم لوط، فالمراد أصحاب المؤتفكات، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣] ، فالمؤتفكات: هي مدائن قوم لوط، فقال الله سبحانه: ((وَجَاءَ)) ، أي: بعد عاد وثمود، (فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ) ، كل هؤلاء جاءوا بالخاطئة، وما هي الخاطئة؟ من العلماء من قال: هي الذنب العظيم وهو الشرك.
ومنهم من قال: إن الخاطئة راجعة إلى فعل المؤتفكات وهي كبيرة فعل قوم لوط.
جاء فرعون ومن قبله بالذنوب الكبار والعظائم (والمؤتفكات) أتت بالخاطئة، وهي الذنب القبيح الذي هو اللواط.
стр. 1639
تفسير قوله تعالى: (فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية)
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ، من هو رسول ربهم؟ كلٌ عصى رسول ربه الذي أرسل إليه، فالمؤتفكات عصت لوطاً ﵇، وفرعون عصى موسى ﷺ ، فكل قوم عصوا نبيهم.
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ، لماذا لم يقل: (فعصوا رسل ربهم) ؟ من أهل العلم من قال: إن عصيان الرسول الواحد عصيانٌ لكل الرسل، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] ، وهم إنما كذبوا هوداً فقط، فمن كذب هوداً فقد كذب كل المرسلين؛ لأن النبي ﷺ قال: (الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى) ، يعني: أبونا واحد وهو أصل التوحيد، وأمهاتنا أي: شرائعنا متعددة متنوعة، فمن كذب رسولاً في دعوته إلى التوحيد فقد كذب كل من دعا إلى التوحيد، فكل الرسل قالوا: (لا إله إلا الله) ، فإذا جاء نبيٌ وقال: لا إله إلا الله وكذبه قومه، فهم بذلك يكونون قد كذبوا كل المرسلين.
قال الله : ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة:١٠] ، والرابي: هو الشديد.
فقوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ ، الرابية الشديدة الزائدة، وذلك من قوله: ربا الشيء إذا زاد، ومنه الربا: الذي هو الزيادة، ومنه حديث أبي بكر في قصة الأضياف: فما أكلنا لقمة إلا وربى أسفلها أكثر منها.
﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ ، أي: أخذة شديدة زائدة عن الحد.
في قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ﴾ ، معادلة ثابتة تتكرر في كل زمان وفي كل مكان، ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦] ، ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ﴾ ، ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل:١١٢] ، ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق:٨] ، وهذه سنن كونية ومعادلات وثوابت لا تتغير أبداً، وهي أن العصيان يجلب الانتقام، والطاعة تجلب الرحمة والرضوان، معادلات لا تتبدل أبداً وإن تأخر تحقق وقوع هذه المعادلات فهي واقعة بلا شك وبلا ريب، وعليك أن تمعن النظر فيها وتعرف أنها سنن لله في الخلق لا تتبدل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ، هذه أصول ثابتة في كتاب الله، فلا تخدع من قبل إبليس، وتظن أنك ستفعل السيئات، وتجازى بالحسنات، فإن الله سبحانه ذكر قوماً على هذا المنوال فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٦٩-١٧٠] .
فاعلم تمام العلم، وأيقن تمام اليقين أن الطاعات تجلب رحمة الله وتجلب مغفرة الذنوب، وتجلب سعةً في الأرزاق وهدوءاً في البال وعافية في البدن، وأن المعاصي على العكس تماماً، تزيل النعم وتدمر البدن، وتوجد كل القلاقل والهموم والاضطرابات، لأن سنة الله لا تتخلف ولا تتبدل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] .
стр. 1640
تفسير قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)
قال الله : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] .
أي: ازداد الماء، وذلك في الطوفان الذي أرسل على قوم نوح، (حملناكم) أي: حملنا آباءكم، فبحملنا لآبائكم جئتم أنتم، وإلا لو كان الآباء قد أهلكوا لم تأتوا أنتم من الأصل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [الأعراف:١١] ، أي: صورنا أباكم آدم، وكما قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف:١٤١] ، والخطاب لبني إسرائيل من سكان المدينة النبوية، وهم لم يروا فرعون من الأصل، لكن قوله تعالى: (أنجيناكم) أي: أنجينا آباءكم، ففي إنجاء الآباء إنجاء للأبناء، فالله يمتن على الناس بقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ، الله في أوائل السورة ذكر ثمود وما حل بهم صراحة، ثم ذكر عاداً وما حل بهم صراحة، ثم فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (فعصوا فأخذهم أخذة رابية) صراحةً، لكن عرج على قوم نوح وعلى هلاك قوم نوح ببيان فضله عليكم: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ، أي: وأهلكنا أيضاً أعداءكم وأعداء آبائكم، فهو نوع امتنان مع ما فيه من إشارة إلى إهلاك الأعداء، ففي هذا النظم القرآني الكريم -أولاً- بيان نعمة الله من وجهين: الوجه الأول: إنجاء هؤلاء الموجودين، وذلك تم بإنجائنا لآبائهم.
والوجه الثاني: إغراق العدو، ألم يقل الله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف:١٣٣] ؟ ! إلى غير ذلك، لكنه أتى بهذا السياق لتضمنه المعنيين، تضمن إهلاكاً وإنعاماً، فلذلك عرج إلى هذا السياق والله أعلم.
قال الله : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ، أنجيناكم وأهلكنا أعداءكم.
стр. 1641
تفسير قوله تعالى: (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية)
﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا﴾ [الحاقة:١٢] ، أي: تحفظها ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٢] ، وقد ورد في إسناد ضعيف من طريق الحسن البصري عن رسول الله ﷺ ، وهذا الإسناد مرسل من مراسيل الحسن -إذا سلم السند حتى إلى الحسن - ومراسيل الحسن من أضعف المراسيل: (أن النبي تلا هذه الآية الكريمة: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ، قال: هي أذنك يا علي) .
فصحيح أن أذن علي ﵁ أذن واعية، وعلي من الذين يفهمون وهو أقضى الصحابة -أي: أعلم الصحابة بالقضاء- قاله عمر كما في البخاري: (أقضانا علي) .
ولكن حصر الأذن الواعية على علي فقط بهذا السند الضعيف التالف، فالسند ضعيفٌ وتالف وأظنه من وضع الشيعة، فالشيعة أكثروا من وضع الأحاديث في فضل علي، وفي فضل آل بيت النبي ﷺ ، كحديث: (أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى) إلى غير ذلك.
قال تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم.
стр. 1642
الأسئلة
стр. 1643
الكلام على حديث فيه أن النبي ﷺ عفا عن زان اعترف لأنه تاب
السؤال
حديث أن النبي ﷺ كاد أن يقيم الحد على رجل بريء، ثم اعترف المذنب، فقال له الرسول ﷺ قولاً حسناً، ولم يقم عليه الحد، وأقامه على ماعز رغم أن النبي قد بين توبته، فكيف يجمع بين الحديثين؟!
الجواب
من طريق علقمة بن وائل عن أبيه قال: (خرجت امرأةٌ إلى الصلاة فلقيها رجل فتجللها بثيابه فقضى حاجته منها وذهب، وانتهى إليها رجل فقالت له: إن الرجل فعل بي كذا وكذا، فذهب الرجل في طلبه، فانتهى إليها قوم من الأنصار، فقالت لهم: إن رجلاً فعل بي كذا وكذا فذهبوا في طلبه، فجاءوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها فجاءوا به إلى النبي ﷺ ، فقالت: هو هذا، فلما أمر النبي ﷺ برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله! أنا هو، فقال للمرأة: اذهبي فقد غفر الله لك، وقال للرجل قولاً حسنا، فقيل: يا نبي الله! ألا ترجمه؟ فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم) ، ثم إن النبي ﷺ : أقام الحد على ماعز.
الحديث الأول الذي فيه أن الرسول ﷺ أطلق الأول وبرأه، وقال له قولاً حسناً، وقال للثاني: لقد تاب توبةً لو تابها أهل المدينة لقبل منهم.
فكيف يترك الرسول ﷺ إقامة الحد على رجلٍ قد اعترف، مع أنه أقام الحد على ماعز؟ أما وجه إقامة الحد على ماعز فلا إشكال فيه؛ لأن ماعزاً اعترف فأقيم عليه الحد، لكن الإشكال الوارد في قصة هذا الرجل الذي وقع على المرأة.
فمن العلماء من تكلم في هذا الحديث من ناحية معناه.
ومنهم من يتساهل مفترضاً ثبوته.
فالذين يتكلمون فيه من ناحية معناه يقولون: إن الحد لا يقام إلا بأحد ثلاثة أشياء، إما بالاعتراف وإما الشهود، وفي حق المرأة يزيد: الحبل، كما قال أمير المؤمنين عمر: فإن الرجم حق في كتاب الله، إذا كان الحبل أو الاعتراف أو الشهود.
فالرجل ليس الحبل في حقه، فبقي في حقه شيئان فقط: إما الاعتراف وإما الشهود، فالرجل ليس في الحديث: أنه اعترف، وليس هناك شهود رأوه؛ لأن الرؤية لابد أن تكون صريحة وبضوابط، أما لو قال شخص: رأيت رجلاً وامرأة في غرفة مغلقاً عليهما، أو لقيت رجلاً وامرأة نائمين في لحاف وهما عريانيين، كل هذه ليست قرينة ولا تعتبر شهادة في إثبات الزنا، فالشهود لم يروا شيئاً من هذا، فهذا وجه الخلل أو الاستدراك على متن هذا الحديث من ناحيتين: أولاً: لم يثبت أن الرجل اعترف.
ثانياً: لم يثبت من طريق الشهود أنه زنى، فهذان وجهان.
الوجه الثالث: أيضاً تبرئة الرسول له، وترك الرسول إقامة الحد عليه، فمن العلماء من تكلم فيه من هذا الوجه، لكن على فرض ثبوت الحديث سنداً ومتناً كيف يجاب على الإشكال؟ فيجاب بأن هذا صورة مستثناة، استثناها النبي ﷺ باعتباره إماماً للمسلمين لقرينة بدت منه، فيكون هذا من الصور المستثناة التي لا تعمم بها الأحكام، والله أعلم، لكن في المتن وجه إشكال هذه صورته، وأيضاً نعرف أن من أهل العلم المعاصرين من حسن هذا الحديث، لكن لنا معه إن شاء الله وقفات ووقفات في مرةً قادمة بمشيئة الله.
стр. 1644
حكم إفطار الصائم قضاء قبل الغروب
السؤال
نويت الصيام قضاءً عن يوم أفطرته في رمضان، وفي أثناء صيام القضاء أفطرت في منتصف اليوم بدون عذر شرعي، فهل عليّ شيء مع أنني نويت صيامه في يوم آخر؟
الجواب
لا شيء عليك، حرمة رمضان ليست كحرمة غيره، وما عليك إلا أن تقضي صيام اليوم الذي أفطرته من رمضان في يوم آخر.
стр. 1645
حكم مخالفة الكفار
السؤال
هل مخالفة الكفار واجبة؟
الجواب
مخالفة الكفار في دينهم واجبة، أما في دنياهم فالكفار لهم في دنياهم أمور سبقوا المسلمين فيها، والرسول ﷺ أخذ بعض أسلحة الكفار، وعمل ببعض المشورات الدفاعية وإن كانت من فعل الكفار، وقد ذكر فريق من العلماء: إن أصل حفر الخندق كخطة حربية لم يؤخذ من المسلمين، وإنما كانت من فعل الفرس، حتى إن المشركين لما أتوا إلى الرسول ﷺ في غزوة الخندق قالوا: هذا شيءٌ لم تعرفه العرب، فالمراد بمخالفة الكفار مخالفتهم فيما كان من أمور الدين، والله أعلم.
стр. 1646
حكم زواج رجل بامرأة وقد زنى بأمها
السؤال
رجل زنى بأم زوجته قبل أن يبني بها فما الحكم؟
الجواب
هذه المسألة من المسائل المختلف فيها بين العلماء وإجمالاً من العلماء من يقول: إن الحرام لا يحرم الحلال، فالزواج صحيح، لكنه يمنع من باب آخر وهو أن زواجه بالبنت سيؤدي إلى تسهيل الزنا بالأم، فحينئذٍ يفتي كثير من أهل العلم بالطلاق سداً للذريعة الموصلة إلى الفاحشة مرة ثانية، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1647
يأتي لفظ (الريح) للشر، و (الرياح) للخير لكن لا يطرد
السؤال الأول: هل هناك دليل على أن الريح تطلق على الشر، وأن الرياح تطلق على الخير؟
الجواب
هناك من الآيات ما يمكن أن يستنبط ذلك منها: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات:٤١] .
أما الرياح فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم:٤٦] ، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] ، أما كون هذا لا يطرد، فلقول النبي ﷺ في الريح: (رب أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما فيها ومن شر ما أرسلت به) .
стр. 1648
حال حديث (إذا رأى أحدكم من أهله أو ماله شيئاً يعجبه فليقل .)
السؤال
حديث: (إذا رأى أحدكم من أخيه شيئاً فأعجبه فليدع له بالبركة) ، (إذا رأى أحدكم من أهله أو ماله شيئاً فأعجبه فليقل ما شاء الله لا قوة إلا بالله) ؟
الجواب
الأخير في إسناده ضعف.
стр. 1649
حقوق المرأة على الرجل إذا طلقها
السؤال
ما هي حقوق المرأة المطلقة على زوجها؟
الجواب
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] ، وفي الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] .
فالمطلقة فيها تفصيل: إن كانت مطلقة قبل الدخول، أي: قبل أن يبني بها الزوج فلها نصف صداق، وإن كانت مطلقة بعد البناء بها، فلها الصداق كاملاً، ولها نفقة العدة ولها أن تسكن في بيت الزوجية، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١] .
أما إذا كانت هي التطليقة الثالثة، فالمطلقة ثلاثاً على رأي الجمهور: لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم.
стр. 1650
تفسير سورة الحاقة [٢]
إن المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أنها تدور على ثلاثة أمور: عقائد، وأحكام، وقصص وأخبار، والقصص والأخبار فيها العظة والعبرة، والترغيب والترهيب، وفي سورة الحاقة يقص الله علينا قصة فرعون ومن قبله من المؤتفكات، وقصة قوم نوح ﵇ وغيرهم من الأمم الغابرة؛ لنعتبر ونرتدع عما كانوا يعملون، حتى لا يكون مصيرنا كمصيرهم.
следующие страницы →