Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
حكم زواج رجل بامرأة وقد زنى بأمها
السؤال
رجل زنى بأم زوجته قبل أن يبني بها فما الحكم؟
الجواب
هذه المسألة من المسائل المختلف فيها بين العلماء وإجمالاً من العلماء من يقول: إن الحرام لا يحرم الحلال، فالزواج صحيح، لكنه يمنع من باب آخر وهو أن زواجه بالبنت سيؤدي إلى تسهيل الزنا بالأم، فحينئذٍ يفتي كثير من أهل العلم بالطلاق سداً للذريعة الموصلة إلى الفاحشة مرة ثانية، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1647
يأتي لفظ (الريح) للشر، و (الرياح) للخير لكن لا يطرد
السؤال الأول: هل هناك دليل على أن الريح تطلق على الشر، وأن الرياح تطلق على الخير؟
الجواب
هناك من الآيات ما يمكن أن يستنبط ذلك منها: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات:٤١] .
أما الرياح فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم:٤٦] ، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] ، أما كون هذا لا يطرد، فلقول النبي ﷺ في الريح: (رب أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما فيها ومن شر ما أرسلت به) .
стр. 1648
حال حديث (إذا رأى أحدكم من أهله أو ماله شيئاً يعجبه فليقل .)
السؤال
حديث: (إذا رأى أحدكم من أخيه شيئاً فأعجبه فليدع له بالبركة) ، (إذا رأى أحدكم من أهله أو ماله شيئاً فأعجبه فليقل ما شاء الله لا قوة إلا بالله) ؟
الجواب
الأخير في إسناده ضعف.
стр. 1649
حقوق المرأة على الرجل إذا طلقها
السؤال
ما هي حقوق المرأة المطلقة على زوجها؟
الجواب
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] ، وفي الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] .
فالمطلقة فيها تفصيل: إن كانت مطلقة قبل الدخول، أي: قبل أن يبني بها الزوج فلها نصف صداق، وإن كانت مطلقة بعد البناء بها، فلها الصداق كاملاً، ولها نفقة العدة ولها أن تسكن في بيت الزوجية، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١] .
أما إذا كانت هي التطليقة الثالثة، فالمطلقة ثلاثاً على رأي الجمهور: لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم.
стр. 1650
تفسير سورة الحاقة [٢]
إن المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أنها تدور على ثلاثة أمور: عقائد، وأحكام، وقصص وأخبار، والقصص والأخبار فيها العظة والعبرة، والترغيب والترهيب، وفي سورة الحاقة يقص الله علينا قصة فرعون ومن قبله من المؤتفكات، وقصة قوم نوح ﵇ وغيرهم من الأمم الغابرة؛ لنعتبر ونرتدع عما كانوا يعملون، حتى لا يكون مصيرنا كمصيرهم.
стр. 1651
تفسير قوله تعالى: (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة:٩-١٠] .
قوله تعالى: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ) أي: وجاء (فرعون) وجاء من قبله، وفرعون علم لكل من حكم مصر من الجبابرة، فكل من حكم مصر من الجبابرة يقال له: فرعون، كما أن كل من حكم الروم يسمى: (قيصر) ، وكل من حكم الفرس يسمى: (كسرى) ، وكل من حكم الهند يسمى: (بطليموس) ، وكل من حكم اليمن يسمى: (تبع) ، وكل من حكم الحبشة يسمى: (النجاشي) ، والنجاشي الذي كان على عهد رسول الله ﷺ اسمه: أصحمة.
فقوله تعالى: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ) ، المراد به هنا: (فرعون موسى، أي: فرعون الذي أرسل إليه نبي الله موسى) ﷺ .
جاء فرعون وجاء أيضاً من قبله، وجاء فرعون وجاءت أيضاً المؤتفكات.
والمؤتفكات: هي مدائن قوم لوط، وقد قال الله في شأنها: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣] ، فجاء فرعون وجاء جبابرة آخرون قبله، وجاءت أيضاً المؤتفكات بالخاطئة.
ما هي الخاطئة؟ هي الفعلة الخاطئة.
وما هي الفعلة الخاطئة؟ قال فريق من أهل العلم: إنها الشرك.
وفريق منهم: أرجعها إلى قوم لوط وهي الكبيرة التي كانوا يأتونها، وهي: إتيان الرجال، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] .
والخاطئة أعم من أن يقال: إنها الشرك، فتشمل الصغيرة والكبيرة، وتشمل كل ذنب، لكن المراد بالخاطئة هنا: الشرك، أو الكبيرة المذكورة بالنسبة لقوم لوط.
стр. 1652
تفسير قوله تعالى: (فعصوا رسول ربهم .)
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة:١٠] إن من عصى رسولاً فقد عصى الرسل جميعاً، ففرعون لما عصى موسى ﵊ فيما يدعوه إليه من توحيد الله سبحانه، كان قد عصى المرسلين جميعاً؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد، وأمهاتنا شتى) (ديننا واحد) وهو التوحيد، (وأمهاتنا) أي: شرئعنا، (شتى) أي: شرائعنا متعددة ومتنوعة، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:١٤٦] ، وكما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] ، وكما قال تعالى في شأن نبينا محمد ﷺ مع أمته: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، فالشرائع متعددة، لكن أصل الدين واحد وهو التوحيد، فمن كذب رسولاً في أصل الدين فقد كذب المرسلين جميعاً.
ومن هنا قال الله سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] ، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١] ، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٧٦] وهكذا.
فقوله تعالى: (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ) ، تنزل على كل فئة من الفئات المذكورة التي عصت رسول ربها، فيكون للإفراد وجهٌ حينئذٍ، أو يقال: إن من عصى رسولاً فقد عصى الرسل جميعاً، ولا إشكال حينئذٍ من الأفراد.
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ ، أي: عالية شديدة.
والرابي: هو العالي، قال تعالى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد:١٧] ، وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ﴾ [الروم:٣٩] ، أي: ليزداد ﴿فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم:٣٩] ، (إذا أنفق أحدكم صدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه فيربيها) ، أي: يزيدها.
стр. 1653
تفسير قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)
﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة:١١] ، أي: ازداد الماء، وهذا الطغيان من الماء في زمن نوح ﷺ ، كما قال تعالى في كتابه الكريم في شأن قوم نوح: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف:١٣٣] ، والطوفان ذُكر في سورة هود وفي غيرها من السور.
قال الله : ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١-١٢] .
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ ، أي: حملنا آباءكم، فحمل الآباء، والإنعام على الآباء يعد إنعاماً على الأبناء، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف:١١] ، (خلقناكم) أي: خلقنا آدم، (ثم صورناكم) صورنا آدم أيضاً (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ، وقال تعالى لبني إسرائيل من سكان مدينة الرسول ﷺ : ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف:١٤١] ، وهم من وراء فرعون، والله إنما أنجى أجدادهم، فإنجاء الآباء وإنجاء الأجداد يعتبر إنجاء للأبناء.
стр. 1654
تفسير قوله تعالى: (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية)
﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة:١٢-١٣] ، وهي المذكورة في حديث النبي ﷺ : (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته وانتظر متى يؤمر) وفي رواية (متى يؤذن له) .
((فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ) ، قد ورد أولاً: قول الجمهور أن المراد بالصور: قرنٌ ينفخ فيه، وقد ورد هذا المعنى في حديث لرسول الله ﷺ ، ألا وهو أن الصور: قرنٌ ينفخ فيه.
ومن العلماء من قال (الصور) : هم بنو آدم، وهذا القول مأثور عن قتادة، يعني: نفخت أرواح بني آدم في بني آدم فأحيا الله الخلق.
قال قتادة ﵀: (الصور) الخلق، هذا قول، لكن القول الذي عليه الأكثرون، أن المراد بالصور: قرنٌ ينفخ فيه.
قال الله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ، فأمر الله يتم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر:٥٠] ، ليس هناك تكرار: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] ، ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ [الأنبياء:٦٩] ، ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود:٤٤] ، كلمات واحدة تتم بها أقدار الله ، وقضاء الله يتم بالكلمة الواحدة، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠] .
стр. 1655
تفسير قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال فدكتا .)
قال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة:١٤] ، من الذي حملها؟ قال كثيرٌ من أهل العلم، الذين حملوها: هم الملائكة.
وقال البعض: نجري الآية على ظاهرها، وهو البناء للمجهول، (حُملت) فالله أعلم من الذي يحملها، هل ربنا سبحانه هو الذي يحملها، أو هل الملائكة هم الذين يحملونها؟ الله سبحانه أعلم.
﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة:١٤-١٥] ، وكما قال في الآية الأخرى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ، وقد ورد في حديث عبد الله بن مسعود ﵁: (أن حبراً من أحبار اليهود أتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد! -أو يا أبا القاسم! -: أما بلغك أن الله يضع السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ فضحك النبي ﷺ -قال ابن مسعود: تصديقاً لخبر الحبر-) .
فقوله تعالى: (وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ) ، أي: كأنها ارتفعت عن أماكنه:، (فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً) .
стр. 1656
تفسير قوله تعالى: (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية)
﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٦] ، أي ضعيفة، فهي الآن محكمة محبوكة قوية، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] ، والشيء المحبوك: هو المشدود بعضه إلى بعض بقوة، كما تقول مثلاً في أمور الدنيا، لمن يخيط النعل: احبك الخياطة، أو احبك الثوب، فالحبك: الشدة، ومنه قول القائل للآخر: أنت (محبّكها) يعني: متشدد فيها، لا تريد أن تترك متنفساً ما.
أما يوم القيامة فالله يقول في شأن السماء: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ ، ضعيفة متفتتة.
قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة:١٧] ، السماء تشققت وتساقطت، والملائكة الذين كانوا فوقها، أصبحوا على أرجائها، والأرجاء: هي القطع والنواحي، فالملائكة الذين كانوا فوقها، لما تشققت نزلوا ووقفوا على قطع السماء المتشققة، كما قال النبي ﷺ فيما صححه بعض أهل العلم: (أطتّ السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع شبر إلا وعليه ملكٌ قائم أو راكع أو ساجد) ، أين يذهب هؤلاء الملائكة بعد أن تشقق السماء؟ يقفون على قطع السماء المتفرقة، (والملك) المراد بهم الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢] ، أي: الملائكة، ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، دليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، فهي تفسير لقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، أي: صفوفاً صفوفاً.
стр. 1657
تفسير قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)
قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] ، ثمانية ماذا؟ هل هم ثمانية من الملائكة أو ثمانية صفوف من الملائكة؟ قولان للعلماء: كثير من العلماء يقول في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أن المراد بالثمانية: ثمانية من الملائكة، وليس ثمانية صفوف، قال: وهم في الحياة الدنيا أربعة، وهذا قول الجمهور، وأيدوا قولهم هذا بشعر عزوه إلى أمية بن أبي الصلت وقد جاء في بعض الأسانيد أن النبي ﷺ أقره بقوله: (صدق) ، لكن نحتاج إلى مزيد من النظر فيه، ألا وهو: رَجُلٌ وثورٌ تحت رِجْلِ يَمِينه والنَّسْرُ للأُخرى وليثٌ مُرْصَدُ فقول النبي ﷺ في آخر الأبيات: (صدق أمية) ، قالوا: إن أربعة من الملائكة هم حملة العرش، أحدهم وجهه وجه أسد، والآخر وجهه وجه ثور، والثالث وجهه وجه رجل، والرابع وجهه وجه نسر، والله تعالى أعلم بصحة ذلك، وهذا متوقف على صحة هذا الخبر، فلم يسعنا الوقت للتحقيق ألا وهو قول النبي ﷺ : (صدق) ، لـ أمية بن أبي الصلت لما قال هذا البيت أمام النبي ﷺ ضمن أبيات أخر.
فقال فريقٌ من العلماء: إن حملة العرش الآن أربعة ويتضاعف عددهم يوم القيامة إلى ثمانية، هذا أحد أشهر الأقوال في تفسير هذه الآيات، قال الله : ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش قد ضربت رجلاه في الأرض.
أو ما بين منكبيه -كما في معنى الحديث- مسيرة خمسمائة عام) ، وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم، والله تعالى أعلم.
قال الله أعلم: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ، وما المراد بالعرش؟ من العلماء من قال: إن المراد بالعرش سرير الملك، وهذا وارد في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٤١] .
стр. 1658
تفسير قوله تعالى: (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية)
﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] ، تعرضون أيها الخلق أجمعون، أنتم ومن سبق ومن سيأتي، فكلكم ستعرضون.
هل المراد بقوله: ﴿لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ، أي: لا تخفى منكم نفسٌ فكل الأنفس تحضر ولا مهرب ولا ملجأ من الله إلا إليه؟ أم أن المراد: (لا تخفى منكم خافية) أي: لا يخفى من أعمالكم عمل؟ قال بعض أهل العلم: والقول بالجمع ممكن، فيقال: إن كل الخلق يحضرون في هذا الموقف، هم وأعمالهم، ولا يخفى من ذلك كله شيءٌ على الله .
стр. 1659
تفسير قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه .)
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] ، ينادي في الناس فرحاً مسروراً، بقوله: (هاؤم) أي: تعالوا اقرءوا كتابي، فهي لحظة فوز ونجاح، ولا نجاح أكبر منه، فينادي على الناس قائلاً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ .
وفي الآية الأخرى: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:٩] ، ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] ، (ظننت) أي: أيقنت، فالظن هنا بمعنى اليقين، والظن يأتي بمعنى اليقين في جملة مواطن، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] ، فـ (يظنون) هنا: أي يتيقنون أنهم ملاقو الله.
فلو كان الظن على الشك لكفروا؛ لأن الله قال عن قوم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] .
إذاً: الظن يأتي بمعنى اليقين، ويأتي بمعنى الشك، ويأتي بمعنى الكذب، والله تعالى أعلم.
لكن يستفاد ويؤخذ المعنى من القرائن المحيطة بالآية أو بالحديث، قال الله في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ، فيه فضل اليد اليمنى، وهل لليد اليمنى فضل؟ ومن ثم نهى النبي ﷺ الرجل أن يمس ذكره بيمينه، ونهاه أن يستنجي بيمينه، وكان النبي ﷺ يأخذ باليمين ويعطي باليمين ويقول: (لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها) ، فمن شعائر المسلمين: الأخذ باليمين، والإعطاء باليمين، والأكل باليمين، وكذلك كان النبي ﷺ يحب التيمن في تنعله، وترجله، وفي طهوره، وفي شأنه كله، فلليمين فضل، ومن ثم جاء في حديث النبي ﷺ : (إن الله لما خلق الخلق قبض قبضتين، وقال: يا آدم! اختر أيتهما شئت، فقال: قد اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة) ، فاليمين فيها فضل، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أصحاب اليمين المتلقفين كتبهم بأيمانهم.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ﴾ ، أي: يناديهم.
(هاؤم) تعالوا (اقرءوا كتابيه) وهذا هو الفرح، وليس كفرح الدنيا، تعال انظر إلى شهادتي كم درجتي في مادة الإنجليزي والكيمياء، فهذا يوم القيامة لا قيمة له على الإطلاق، فقد تجد رجلاً كادحاً فلاحاً تقياً يرتفع إلى أعلى عليين، وملكاً من الملوك ينزل في أسفل سافلين، وهذه أمورٌ يدبرها الله، وكما وصف القيامة بأنها (خافضة رافعة) .
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ﴾ [الحاقة:١٩-٢٠] ، أي: تأكدت وأيقنت، لم أكن أعمل الأعمال هكذا فقط، بل كنت أعمل العمل وأنا موقن أن الله سيجازيني به: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] ، علمت وأيقنت أن هناك بعثاً، وأن هناك جزاء وثواباً، وأن هناك عقاباً.
стр. 1660
تفسير قوله تعالى: (فهو في عيشة راضية)
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١] ، من العلماء من قال: راضية بمعنى: مرضية، أي: قد رضيها صاحبها، كما قال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] ، فدافق بمعنى: مدفوق، وراضية: بمعنى مرضية، كما قال بعض المفسرين.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ، رضي عن عيشته التي رزقه الله إياها، ولم يتسخطها، ولم يملها ولم يتضجرها، ثم جاء تفسير هذه العيشة الراضية بقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢٢] ، (عالية المنازل) ، فهي عالية في نفسها، ثم بين أهلها تفاوتات في الدرجات، فمنها درجات علا، ومنها دون ذلك.
أما كونها عالية فهي حتى في الحياة الدنيا في السماء السابعة وبعد السماء السابعة، كما في حديث المعراج: (أنه بعد منتهاه إلى السماء السابعة وجد سدرة المنتهى) ، والله يقول: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٤-١٥] ، فالجنان في السماء السابعة، والنيران في أسفل سافلين: (بينما رجلٌ يمشي قد أعجبته نفسه إذ خسف به إلى سبع أراضين) .
وفي الحديث: (يتجلجل في نار جهنم) ، أما الدليل على وجود تفاوتات بين درجاتها، فلقول النبي ﷺ : (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء لتفاضل ما بينهم، قيل: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها أحدٌ غيرهم؟ قال: كلا والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) .
قال الله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ ، عالية المكان، وعالية المقام.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٢-٢٣] ، أي: متدلية قريبة من المحتاج إليها، تدنو القطوف والثمار ممن يريد تناولها، كما قال كثيرٌ من أهل التفسير: إذا رأيت شيئاً أو إذا اشتهيت شيئاً تدلى لك هذا الشيء، وتدلى ثمره أمامك، فلا تتكلف في قطفه، بل تجده أمامك.
﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ، أي: قريبة متدلية.
стр. 1661
تفسير قوله تعالى: (كلوا واشربوا .)
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ [الحاقة:٢٤] ، أي: عملتم، ﴿فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] ، أي: الأيام الماضية، فالخالية: هي الماضية أي: في الحياة الدنيا، ومن تفسير (الخالية) بالماضية: قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧] ، ومنه قول الرجل المكذب العاق لوالديه: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الأحقاف:١٧] ، فالخالية: الماضية والسالفة والسابقة، والمراد بها: الحياة الدنيا: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] .
стр. 1662
تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله .)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥] ، وفي الآية الأخرى: ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠] ، والجمع ممكن بأن يقال: يؤتاه بالشمال من وراء الظهر، يعني: يأخذ الكتاب باليد اليسرى من وراء الظهر -عياذاً بالله- فهو منظرٌ مخز مزر حينما يتناول الكتاب بالشمال من وراء الظهر، وفي الحقيقة أن هذا موقف من المواقف الحرجة أيما حرج في الآخرة، ومن مواقف الآخرة؛ الوقوف على الصراط وقت المرور عليه، وعند وزن الأعمال، وعند أخذ الكتاب، فكلها مواقف يحل بالعبد فيها من البلاء والكرب ما لا يعلمه إلا الله .
قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ﴾ ، متحسراً متأسفاً متندماً ولات مندم، ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٧] ، يا ليت الموتة الأولى التي متها كانت هي النهاية: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] ، هكذا يقول، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] ، وتخيل في الحياة الدنيا شاباً في الثانوية، يظن أنه ذاكر جيداً وأجاب صواباً، وذهب ليأخذ النتيجة فوجد نفسه قد رسب رسوباً مخزياً، فيأتي وعلى وجهه الخزي والعار، فما بالك بالخسران المبين الذي لا يستدرك والعياذ بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٨] ، لا مال، ولا ولد، ولا منصب، ولا جاه، ولا رئاسة، ولا وزارة، ولا غير ذلك: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨-٢٩] ، ذهب منصبي وجاهي، ذهبت عني الرياسات واضمحلت.
ومن أهل العلم من قال: إن المراد بالسلطان هنا: (الحجة) أي: ذهبت حجتي، فلا أستطيع أن أدلي بأي حجة، ولا أن أدلي بأي اعتذار.
стр. 1663
تفسير قوله تعالى: (خذوه فغلوه .)
قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] ، أي: اجعلوه في الغل، والغل كما قال الله : ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر:٧١] والأغلال تكون في الأعناق حلق في الرقاب، ﴿وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر:٧١] ، منظرٌ مخز، في رقبته أطواق الحديد وسلسلة يسحب بها، وهو مطرح على وجهه ويسحب بسلسلة الحديد، وليست مربوطة في يديه بل مربوطة في رقبته، فهو مقمح أيضاً كما وصفه الله في سورة يس، فالأيدي في الأعناق، وارتفعت الأعناق عن الأيدي، وضمت إلى الرقاب بحلق، فلما ضمت إلى الرقاب، وصل الغل الذي في العنق إلى الذقن، قال تعالى: ﴿إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨] ، فالطوق الذي في الرقبة طوقٌ كبير، بحيث أنه بلغ إلى الذقن، فإذا جاء ينزل ذقنه إلى أسفل يجد الحديد يمنعه، فيشخص ببصره دائماً إلى أعلى، وقد قيدت اليدان إلى الرقبة، ومع ذلك هناك سلاسل يسحب بها الشخص وهو على هذا الوضع المزري المخزي: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ .
كيف يساق وإلى أين يساق؟ ويا ليته في هذا الحال فحسب، بل يساق إلى السجن، إلى جهنم -والعياذ بالله- على هذا الوضع المخزي المزري.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١] أي: اشووه على النار، واجعلوه يصلى حر الجحيم، يقلب على النار، وأذيقوه من عذاب الجحيم.
стр. 1664
تفسير قوله تعالى: (في سلسلة ذرعها .)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] ، قال كثير من أهل العلم: السلسلة طولها سبعون ذراعاً.
فهل هو بذراع الدنيا أم هو مقياس آخر في الآخرة، قال كثير من العلماء: إنها ثلاثة أذرع أخرى غير أذرعة الدنيا وأطول؛ لأن ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام كما قال الرسول ﷺ ، وضرسه كجبل أحد.
قال كثيرٌ من أهل التفسير: تدخل هذه السلسة من أنفه وتخرج من دبره.
جنازير حديدة من نار، تدخل من الأنف وتخرج من الدبر، فضلاً عن الذي وقع في الأعناق -على ما قد تقدم- فتخيل كيف يكون هذا السجن، سلسلة تدخل من الأنف فتتخلل الأمعاء وتخرج من الدبر، ويسحب منها، ويسحب أيضاً من تلكم السلاسل التي في الأعناق: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠-٣٢] .
لم هذا الجزاء القاسي؟ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣] ، كان يستهزئ بالله وبآياته، ويشرك معه غيره: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة:٣٣-٣٤] ، كان قاسياً على العباد، فهو كافر وفي قلبه قسوة، ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ .
قال ابن يحيى: إنه ينبغي لك يا مؤمن أن تطعم المساكين، وأن تحض الناس وتحثهم على إطعام المساكين.
﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة:٣٥] ، أي: صاحب، كما قال في الآيات الأخرى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠-١٠١] ، فليس له صديق يغضب من أجله، ولا يزأر من أجله ولا يحتر من أجله، ويطلق لفظ (الحميم) على الصديق شديد الصداقة، فهو صديق حميم لكثرة تأثره بما يحدث لك.
﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٦] ، الغسلين: هو صديد أهل النار كما قال فريق من أهل التفسير.
قال تعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٧] ، ما المراد بالخاطئين؟ (الخاطئون) لفظٌ عام، ولكنه أحياناً يأتي ويراد به بعض أفراد الخصوص كمثل (المسيئون) ، فهو لفظ عام وأحياناً يأتي ويراد به شيء أخص، وكاصطلاح السيئة اصطلاحاً خاصاً، فالسيئة كما أسلفنا تطلق على الشرك: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١] ، فالسيئة هنا أوجبت الخلود، فهي الشرك، والسيئة بمعنى الكبيرة في شأن قوم لوط: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:٧٨] أي: من الكبائر، والسيئة تأتي بمعنى: الصغيرة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] ، أي: إذا اجتنبتم الكبائر كفرنا عنكم الصغائر، وكذلك الخاطئة أو الخطيئة تأتي أحياناً بمعنى الصغيرة، وتأتي أحياناً بمعنى الكبيرة، وتأتي أحياناً بمعنى الشرك، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ ، أي: بالكفر وبالكبائر.
قوله تعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ ، (الخاطئون) : هل يراد بهم الكفار، أو يراد بهم المسرفون على أنفسهم من أمة محمد الذين لم يغفر لهم؟ في المسألة وجهان: فمن العلماء من قال: (الخاطئون) : المشركون.
ومنهم من قال: (الخاطئون) : المذنبون.
أي: المذنبون الذين لم يغفر لهم أو الذين قد غلبت سيئاتهم حسناتهم، كما في حديث المفلس وغيره من الأحاديث.
стр. 1665
تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون .)
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة:٣٨-٣٩] .
(فلا) من أهل العلم من قال: إن (لا) هنا صلة، والمعنى: (أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) ، ومن العلماء من قال: إنها زائدة، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] أي: (ما منعك أن لا تسجد) ، فالمعنى: ما منعك أن تسجد، وكقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد:٢٩] ، لئلا يعلم، أي: ليعلم، ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] ، أي: أنهم يرجعون.
فالرجوع إلى الحياة الدنيا محرم عليهم.
ومن العلماء من قال: (إن) : (لا) هنا زائدة، وبعدها: أقسم على ذلك بما ترونه وما لا ترونه، يعني: أقسم بأشياء تعلمونها وأشياء لا تعلمونها.
ومن العلماء من قال: إن (لا) نفي لشيء قد تقدم.
أي: فلا تظنوا أنكم تتركون سدى، وأقسم على ذلك بما تبصرون وما لا تبصرون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] يقسم الله سبحانه أن هذا القرآن الذي بين أيدينا، قول رسولٍ كريم، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤١] أي: كما تفترون وتدعون ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٢] ، أي: تتعظون وتعتبرون، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٣] .
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة:٤٤] ، لو فرض أن محمداً ﵊ على فرض افترى علينا كلمة واحدة أو قولاً من الأقوال، ونحن لم نقله له، ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٥] .
ومن العلماء من قال: (باليمين) أي: الجارحة، ومنهم من قال: اليمين: القوة، وقوله اليمين؛ لكون اليمين عند العرب أقوى من اليسار، وإن كانت كلتا يدي ربي يمين مباركة، لكن لتقريب المعنى للناس، إذا قلت -ولله المثل الأعلى-: فلان يضربك باليمين، فالضرب باليمين غير الضرب باليسار، فالضرب باليسار ضربٌ ضعيف، بينما الضرب باليمين ضربٌ قوي، ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ، فهذه الآية فيها التحذير الشديد من الزيادة أو النقصان في كتابه العزيز، وفيها بيان حفظ الله لهذا الكتاب.
والآية الأخرى نحوها: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ [الإسراء:٧٣-٧٥] ، ضعف العذاب في الحياة، ﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٥] ، فالآيات في غاية القوة والتهديد، وبيان حفظ هذا الكتاب العزيز، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ ، لن نتركه أبداً يتقول ويفتري علينا، من الذي تقول على الله وافترى على الله وكانت عاقبته إلى خير؟ أبداً، ما تقول أحدٌ على الله إلا وكانت عاقبته سيئة، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] أي: أهلكناه.
قال كثيرٌ من أهل العلم: (الوتين) : هو عرق متصل بالقلب بقطعه يموت الإنسان.
﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٧] ، لن يستطيع أحدٌ منكم أن يحجز ذلك ولا يدفعه، ولكن حاشاه ﷺ ، والكلام على الافتراض، وليس معنى الفرض أنه سيحدث، وهي كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] ، أي: أول العابدين لهذا الولد إن كان هناك ولدٌ للرحمن، ولكن هذا فرض لا يقع، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] ، وهو لن يشرك ﵊، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] ، على سبيل الافتراض.
على فرض أنه (تقول علينا بعض الأقاويل) وإلا قد وعدنا بحفظ كتابنا، وتوعدنا بإنزال العقوبة بمن افترى علينا: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ، بقوة من غير رفق، ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٦-٤٧] .
стр. 1666
تفسير قوله تعالى: (وإنه لتذكرة للمتقين)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة:٤٨] ، أي: لا ينتفع بهذه التذكرة إلا المتقون، الذين يخشون ربهم ويتقون عذابه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة:٤٩] أي: لا يخفى علينا أمركم ولا حالكم.
﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة:٥٠] ، حسرةٌ من مَن؟ جاء في الآية الكريمة في سورة (يس) : ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠] ، من الذي يتحسر على العباد؟ وهنا يقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، من الذي يتحسر على الكفار؟ من العلماء من قدّر أشياء في الآية وقال: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠] ، أي: يا حسرة المتحسرين! تعالي وحلي على هؤلاء الكفار، ويا من تتحسرون! تعالوا وتحسروا على هؤلاء، فليست ثم حسرة أكبر من الحسرة على الكافرين.
يا أيها النادمون! تعالوا إن كان هناك مجالٌ للندم، فلا تندموا على شيء فاتكم في حياتكم، بل اندموا على أمر أخراكم، تحسروا على الكافرين، ألا ها هنا يصب الندم وهاهنا تتنزل الحسرات، وهاهنا تقتطع الأنامل من الغيظ.
﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة:٥١] ، قد سبق بيان: إن العلم على ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، ومثلنا ذلك: بأنك إذا سمعت عن الكعبة، فعندك علم يقين بأن هناك بمكة كعبة، لكن إذا جئت ورأيت الكعبة بعينيك أصبح هذا العلم عين اليقين.
فإذا جئت ودخلت الكعبة ولمست أحجارها أصبح العلم بها حق اليقين، كما قال تعالى في شأن الجحيم: ﴿ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧] ، فكلنا -أهل الإيمان- نعلم أن هناك ناراً، فهذا علم يقين بالنسبة للمؤمنين.
فإذا جاء شخص ورآها: ﴿ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧] ، رؤيا حقيقة، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧١-٧٢] وعند المرور على الصراط يراها الناس.
والجنان أيضاً إذا أردت أن تراها، كما قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٥-٥٦] ، لكن إذا دخلها الشخص الكافر أصبح الدخول حق اليقين، قال تعالى: (وَإِنَّهُ) ، أي: القرآن.
ليس علماً يقيناً فحسب، وليس عين اليقين فحسب، بل هو حق اليقين، باشرته ولمسته قلوب المؤمنين، فحل في قلوب أهل الإيمان، فلم يصبح عند أهل الإيمان علم يقين ولا عين يقين، بل أصبح حق اليقين: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٥١-٥٢] .
صح عن النبي ﷺ أنه قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: (اجعلوها في ركوعكم) ، وهل وجودها في الركوع على السنية أم على الاستحباب أم على الإيجاب؟ الأكثرون أنها مستحبة، ومن العلماء من يرى الوجوب، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وسلم.
стр. 1667
الأسئلة
стр. 1668
قول ابن حجر في فتح الباري: (لا يسأل عن الله بأين)
السؤال
ورد في الجزء الأول من فتح الباري، قول الحافظ ابن حجر: لا يسأل عن الله بأين، كيف يوجه هذا الكلام مع حديث الجارية؟
الجواب
هذه من المسائل التي زلت فيها قدم الحافظ ابن حجر ﵀ في طائفة من مسائل الصفات، فإن ثبت عنه النقل وأنا لا يحضرني الآن هل النقل ثابت عنه أو غير ثابت، لكن على فرض أنه ثابت وليس بمستبعد على الحافظ أن يقول مثل هذا المقال فمنهجه ومنهج الإمام النووي رحمهما الله وعفا الله عنهما في الصفات فيه شيء من التأويل، والثابت عن رسول الله أنه سأل الجارية: (أين الله؟) ، كما في صحيح مسلم، فلا معنى إذاً لقول من قال: لا يسأل هذا السؤال.
стр. 1669
الأخذ برأي الجمهور عند التنازع والاختلاف
السؤال
إذا كانت هناك مسألةٌ فيها نزاع، والجمهور له رأي فهل هناك ترجيح لرأي الجمهور؟
الجواب
في الغالب أن الجمهور أصحاب دليل، وينبغي أن تسأل أنت عن الدليل، فكم من مسألة للجمهور فيها رأي، ولغير الجمهور فيها رأي أسد وأقرب، وثم مسائل لا تكاد تجد فيها أدلة صحيحة صريحة، كمسألة رفع اليدين مع تكبيرات الجنازة، هل ترفع اليدين أم لا أرفع؟ إذا جئت تبحث عن الأدلة الخاصة عن رسول الله ﷺ في مسألة رفع اليدين في الجنازة، لا تجد أي حديث ثابت في هذا الباب، ولكن الجمهور قالوا: لما لم نجد حديثاً عن رسول الله، أخذنا بالقياس على الصلوات المعتادة، فمع كل تكبيرة ترفع يديك، وأخذنا بأثر ابن عمر: أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات الجنازة، أما حديث: (كان يرفع يديه مع التكبيرة الأولى ثم لا يعود) ، فهو حديث ضعيف.
стр. 1670
صحة أثر زواج عمر من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄
السؤال
ورد أن عمر طلب أن يتزوج ابنة علي، فقال له علي: هي زوجتك إن رضيت، فذهب إليها وكشف عن ساقها -الأثر- نريد الشرح؟
الجواب
الأثر على ما يحضرني بأن في إسناده ضعف؛ لأنه من طريق محمد بن الحنفية، والحنفية هذه امرأة من بني حنيفة أخذها علي من سبايا بني حنيفة في حروب الردة في زمن أبي بكر، فكون أبي بكر كانت خلافته عامين رضي الله تعالى عنه، وتكون مثلاً -على فرض أنها- حملت منذ أن دخل بها علي، تكون وضعت ابنها في بداية خلافة عمر، فكونه يحكي قصة لم يشهدها فهذا عند أهل العلم مرسل أو منقطع، لكن بعض العلماء يقول: كونه أخاً لهذه البنت يقوي هذا الحديث، فلعله سمعه فيها، ومن أهل الحديث من يقول: لا يعتبر مثل هذا الكلام، والله تعالى أعلم.
الشاهد: أن بعض العلماء يقول في حال ثبوت الخبر أو عدم ثبوته بالتفريق أو بالتفصيل في مسألة النظر إلى من تريد خطبتها، فهل لك أن تفعل مثل هذا الفعل وتكشف عن ساقيها؟! أو هل لك أن ترى الوجه والكفين فقط؟ والله تعالى أعلم.
стр. 1671
حكم إتيان المرأة في الدبر
السؤال
ما حكم إتيان المرأة في الدبر؟
الجواب
إتيان المرأة في الدبر لا يجوز؛ لأن الأحاديث قد وردت عن رسول الله ﷺ بلعن من أتى امرأة في دبرها، وإن كان في الأحاديث مقال؛ إلا أنها بمجموع الطرق تصلح للاحتجاج بها مع ضمينة أخرى، وهي قول ابن عباس ﵄ في تفسيره: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] : (وهل الحرث إلا موضع الزرع) والدبر لا يكون موضعاً للزرع، فالفرج: هو موضع الحرث، أي: الإيلاج، وهذا هو الراجح.
أما الآثار الواردة عن بعض الصحابة بالإباحة، فالعبرة بالمرفوع إلى رسول الله ﵊، إذا قلنا مثلاً: إنه قد ورد عن صحابي من الصحابة شيء من إباحة إتيان المرأة في دبرها فلا نتعلق بهذا الأثر ونترك المرفوع عن رسول الله من ناحية، ونترك رأي جمهور الصحابة من ناحية أخرى، فمن تتبع مثل هذه التتبعات أوشك أن يتزندق، وقد قدمنا مراراً أن أبا طلحة ﵁ كان يرى أن البرد -أي: الثلج- الذي ينزل من السماء لا يفطر الصائم، يقول: إنه ليس بطعام ولا بشراب! ويقول: إذا وجد هذا البرد وهو صائم: حي على الطعام المبارك، وعمر كان يمنع عن التمتع في الحج، وابن مسعود كان يرى التطبيق، يعني: يضم يديه بين ركبتيه وهو راكع، وأبو هريرة كان يرى أن الوضوء إلى الآباط مستحب، وابن عباس في بعض الروايات كان يرى نكاح المتعة وجوازه، فإذا أخذت كل هذه الأشياء خرجت بمذهب تكون فيه زنديقاً من الزنادقة؛ لأنك ستنقض عرى الدين عروة عروة، أما هؤلاء فعلماء أفاضل اجتهدوا فغفرت لهم زلاتهم في بحر فضائلهم.
فمثلاً: ابن عمر أفتى في ألف مسألة، وأخطأ في مسألة أو مسألتين فلا تذكر، وكذلك غيره، كما قال القائل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع فلا تتتبع سقطات أهل العلم التي نوزعوا فيها وخالفوا الدليل، ونحن عندما نحكي الخلاف في المسألة نحكيه من باب الأمانة العلمية، أما إذا كنت تفتي القوم، فقل لهم مباشرة: غير جائز لك أن تأتي المرأة في الدبر، وتعطيهم الحاصل، لكن لو أنك تفتي طالباً يريد أن يتعلم ويعلم الناس، وحتى إذا وردت عليه شبهة يستطيع أن يدفعها.
وهناك مسألة أحرجتنا غاية الحرج، لكن ما دام أن الإخوة كلهم طلبة علم فنقصها: اتصل بي رجل فلاح طاعن في السن هاتفياً، وقال لي: يا شيخ! السلام عليكم.
فقلت: وعليكم والسلام ورحمة الله، ما تريد؟ فقال: واحد عمل الفاحشة مع البهيمة -والعياذ بالله- فذهبت وسألت في الجامع، فقال: تذبح الجاموسة وترميها، وأنا خائف من ربنا.
يعني: ماذا يصنع في اللحم؟ هل يرمي اللحم أو لا؟ لأن الجاموسة عزيزة عنده.
وإذا فصلت له، فهو لا يفهم الكلام، لكن بالنسبة لكم -طلبة العلم- في الباب حديث: (من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول، ومن رأيتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) ، هذا حديث عن رسول الله في إسناده راو يقال له: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وفيه نزاع بين تحسين حديثه وتضعيفه، ولكن إذا قررنا أن حديثه حسن بصفة عامة، فجل العلماء الذين ترجموا له ذكروا هذا الحديث في ترجمته، يعني: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب مشهور بحديث البهيمة، مع أنه روى أحاديث أخرى كثيرة جداً، لكنه اشتهر بهذا الحديث؛ لأنه حديث أحكام.
فالراوي إذا كان مكثراً وأتى المترجمون بحديث في ترجمته فيحمل إتيانهم بهذا الحديث على أنه من المستنكر عليه، كمثل: علاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فـ العلاء أخرج له مسلم عدة أحاديث، لكن إذا جئت تقرأ ترجمته تجد العلماء أتوا في ترجمته بحديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) ، والإمام أحمد يحكم على هذا الحديث بالنكارة.
الشاهد: أن من العلماء من حسن الحديث تبعاً للقاعدة الكلية أو للرأي الكلي أن عمرو بن أبي عمرو حسن الحديث، ومنهم من ضعف الحديث وقال: هو مستنكر على عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وإذا كان الراوي مقل جداً وجاءوا في ترجمته بحديث، فقد يكون أتي بالحديث لأنه هو صاحب هذا الحديث فقط.
إذاً: في المسألة رأيان؛ لأن الرأي مبني على صحة الحديث أو تضعيفه، وأنا الآن مقتنع أن الحديث ضعيف، وإن كان لي رأي قبل ذلك فأنا مقتنع بعد مراجعة الحديث أن حديث (فاقتلوه واقتلوا البهيمة) لا يثبت عن رسول الله بلفظ لهذا الرجل بهذا التفصيل فلن يفهم، وسيقول لي: يا شيخ! ماذا أعمل؟ فقلت له: اتركها، ولا تذبحها أبداً.
فقال السائل: يعني الشيخ الذي سألته في الجامع كذاب؟ سأذهب وأقول له كذا وكذا، وأسبه وأعمل فيه! فكيف أصنع؟ قلت له: الشيخ ليس كذاباً، لكن هناك مذاهب، شافعي وحنبلي ومالكي، فهو أخذ معك بالمذهب الشديد، لكن نتساهل ولا تذبحها.
فهناك فرق بين أنك تخاطب واحداً من العوام أو تخاطب طالباً من طلاب العلم، فيفهم المسألة بطريقة أخرى، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1672
صحة حديث: (لن تسعني أرض .)
السؤال
الحديث القدسي: (لن تسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن) ؟
الجواب
الحديث لا يثبت.
стр. 1673
صحة حديث: (من آمن بي بعد مماتي .)
السؤال (من آمن بي بعد مماتي فكأنه معي في حياتي) ؟
الجواب
الحديث لا يثبت.
стр. 1674
صحة حديث: (اخرج يا عدو الله)
السؤال
ما صحة حديث عثمان بن أبي العاص لما اشتكى إلى الرسول فقال الرسول: (اخرج يا عدو الله) ؟
الجواب
الحديث ثابت.
стр. 1675
أسماء أبواب النار
السؤال
من المعروف أن النار سبع دركات لها سبعة أبواب، فما اسم هذه الأبواب أو الدركات؟
الجواب
الله أعلم، ونقول تنبيهاً من العلماء من قال: إنها الحطمة، ولظى، والسعير، والجحيم، إلى غير ذلك، فالله أعلم هل هذه مسمى لشيء واحد أو هي دركات، والله أعلم.
стр. 1676
العزل
السؤال
هل العزل مقيد بسنتين للرضاع؟
الجواب
العزل غير مقيد، وإذا وجدت العلة منه وجد، وإذا احتيج إليه فعل، فقد ورد العزل على عهد الرسول من الصحابة، حين أصابوا سبياً وكرهوا أن تحمل هذه السبايا، فاستأذنوا الرسول ﷺ في العزل.
فإذا احتيج فله ضوابطه الشرعية.
стр. 1677
الإسبال في الأكمام
السؤال
هل الإسبال في الأكمام أيضاً؟
الجواب
نعم الإسبال في الأكمام أيضاً، وذلك لحديث في سنن أبي داود: (الإسبال في ثلاثة: الكم والقميص والعمامة) .
стр. 1678
الكفر دركات
السؤال
هل الكافر الذي يحض على طعام المسكين، يكون عذابه أقل من الكافر الذي لا يحض على طعام المسكين؟
الجواب
القواعد تشير إلى الإفادة بنعم، فإن الكفار دركات: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨] ، فللكفر عذاب، وللصد عن سبيل الله عذاب فوق العذاب، وأيضاً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٢-١٣] .
стр. 1679
اشتراط الإسلام في الشاهد على الزواج
السؤال
هل يجوز في الشهادة على الزواج أن يكون الشاهد غير مسلم؟
الجواب
لا يجوز في شهادة الزواج أن يكون الشاهد غير مسلم، وذلك لشيئين: أولهما: القياس على الطلاق؛ فإن الله قال في الطلاق وهو قسيم النكاح: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] .
والثاني: لزيادة في حديث فيه ضعف ألا وهو: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) ، والزيادة فيها ضعف.
стр. 1680
وقت أذكار الصباح
السؤال
متى يبدأ وقت أذكار الصباح ومتى ينتهي؟
الجواب
يبدأ من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت أذكار المساء، من العلماء من قال: تبدأ من بعد صلاة العصر، ومنهم من قال: إنها تبدأ من بعد صلاة الظهر، وكأن الأول أقرب، والله أعلم.
стр. 1681
حكم كف الثياب في الصلاة
السؤال
ما حكم كف الثياب في الصلاة؟
الجواب
نهى النبي ﷺ عنه، فمن العلماء من يحمل هذا النهي على الاستحباب، ومنهم من يحمله على التحريم، وكأني بالأكثرين من أهل العلم على أن النهي محمول على الكراهة وليس على التحريم، والله أعلم.
стр. 1682
تفسير سورة المعارج
تصف سورة المعارج حال الإنسان في عرصات القيامة، فذكرت أن المجرم يفتدي من عذاب الله بأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ولكن أنى له ذلك، فالعذاب في حقه واقع، ليس له من الله دافع، أما المتقون فهم في أمن من الفزع الأكبر، وذلك لأنهم كانوا في الدنيا يحافظون على الصلاة ويؤدون الزكاة، ويحفظون فروجهم من الحرام، ويؤدون الأمانات، ويقومون بالشهادات، ويخافون من عذاب ربهم، فجزاؤهم أنهم في جنات مكرمون، جزاءً بما كانوا يعملون.
стр. 1683
وقوع العذاب على الكافرين
قال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١] من هو السائل الذي سأل؟ صح عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (إن السائل هو الحارث بن النضر) .
ومن العلماء من قال: إن السائل هو أبو جهل.
وللعلماء ثلاثة أقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١] : فمن العلماء من قال: سأل متى هذا العذاب؟ أي: سأل عن وقت هذا العذاب؟ وقوله: (بِعَذَابٍ) قيل: إن الباء بمعنى: عن، كما قال الشاعر: إن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب فقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج:١] أي: سأل سائل عن عذاب، وكما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] أي: اسأل عنه خبيراً.
فمن أهل العلم من قال: إن المعنى سَأَلَ سَائِلٌ مستعجلاً هذا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] .
فهذا هو الوجه الأول: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج:١] أي: سأل سائل عن العذاب متى هو؟ على سبيل الاستنكار.
والوجه الثاني: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج:١] أي: دعا داعٍ بنزول العذاب، كما قال ربنا : ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] ، والسؤال أحياناً يطلق على الدعاء.
من السيلان، سائل: وهو صديد أهل النار، وهذا يوم القيامة، لكن هذا القول استضعفه أكثر المفسرين، وهو منقول عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، الذي يقال فيه في أكثر الأحيان: قال ابن زيد كذا، وهو مفسر مشهور غاية في الشهرة، فإذا فسر آية فتفسيره له وجه، لكنه عند المحدثين ضعيف في الحديث، وهو الذي يذكره العلماء دائماً إذا ذكروا الضعفاء في الحديث قالوا: اذهب إلى عبد الرحمن يحدثك عن سفينة نوح؛ لأنه روى حديثاً في شأن سفينة نوح أنها طافت بالبيت سبعاً، وصلت خلف المقام ركعتين، وهذا من الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﵊.
الشاهد أن الوجه الأخير منبوذ وضعيف في هذا الباب.
فالوجهان المشهوران في قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١] : الوجه الأول: (سَأَلَ سَائِلٌ) مستعجلاً هذا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] .
والوجه الثاني: (سَأَلَ سَائِلٌ) أي: دعا داعٍ بالعذاب، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] ، وكما قال: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] .
فقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج:١] أي: عن العذاب، أو دعا داعٍ بالعذاب، والله وصف هذا العذاب بأنه (وَاقِعٍ) لا محالة، أي: والعذاب واقع، فكل آت فهو قريب.
قال تعالى: ﴿لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:٢] أي: أنه واقع للكافرين ليس له دافع.
وهل يستفاد منه أنه في غير الكافرين له دافع؟ أي: لا يستطيع أحد أن يدفع هذا العذاب عن الكافرين، ولن يدفع أحد هذا العذاب عن الكافرين، لكن غير الكافرين هل هناك من يدفع هذا العذاب المسلمين؟ نعم بإذن الله، فإن هناك شفاعات من رسول الله ومن سائر المرسلين، بل ومن المؤمنين والشهداء والعلماء والآباء والأبناء والأمهات والقرآن والصيام كلها شفاعات تدفع العذاب عن أهل الإيمان بإذن الله.
أما الكافرون فكما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] ، إذاً الربط: ﴿لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:٢] لكنه مع المسلمين قد يكون له دافع بإذن الله تعالى.
فقوله: ﴿لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:٢] أي: صارف.
стр. 1684
خروج الملائكة يوم القيامة
قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج:٣] من العلماء من قال: المعارج هي الدرجات، والفواضل، والنبي ﷺ كان في تلبيته يقول: (لبيك ذي المعارج، لبيك ذي الفواضل) فالمعارج تطلق على الدرجات، وهي مستفادة من قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] أي: تصعد، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر:١٤] أي: يصعدون، وأيضاً عرج برسول الله ﷺ إلى السماوات، أي: صعد به إلى السماوات السبع.
قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [المعارج:٤] أي: تصعد، والملائكة معروفون، أما الروح فللعلماء فيها أقوال، أحدها قول جمهور من المفسرين: أن المراد بالروح هو جبريل ﵇، وشاهده: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] ، فإن قال قائل: إن جبريل دخل ضمناً في الملائكة فما فائدة الإعادة: (تعرج الملائكة وجبريل) ؟
الجواب
أن هذا من باب عطف الخاص على العام، لبيان فضل هذا الخاص المعطوف، فذكر جبريل مرة ثانية لبيان فضله.
فإن قال قائل: وهل من أمثلة في كتاب الله تظهر أن الخاص يعطف على العام، كهذا المثال؟ فالإجابة: نعم، فإن الله يقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء:١٦٣] فإبراهيم وإسماعيل من النبيين الذين جاءوا من بعد نوح، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] فنوح من النبيين، ونحوه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] النخل والرمان من الفاكهة.
فذكر جبريل ﵇ الذي هو الروح بعد ذكر الملائكة؛ لبيان فضل جبريل ﵇، فهو سيد الملائكة، وهذا قول الجمهور.
القول الثاني في تفسير الروح: وهو أن الروح هي أرواح بني آدم التي تخرج منهم عند موتهم، كما في حديث البراء بن عازب ﵁ الطويل: (إن العبد إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته الملائكة، فيأخذون روحه، فيأتي ملائكة آخرون يجلسون منه مد البصر فلا يدعونها في أيديهم طرفة عين، فيأخذونها ويعرجون بها إلى السماء، فلا يمرون بها على ملأ إلا قالوا: ما هذه الروح؟) الحديث.
القول الثالث: أن المراد بالروح خلق لا يعلمهم إلا الله .
قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] هذه الآية من الآيات المشكلة في تفسيرها؛ لورود آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] فكيف التوفيق بين الآيتين؟ أولاً: بين يدي هذا التوفيق يقال: ما المراد باليوم في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ؟ المسلك الأول: من أهل العلم من أضرب عن التفسير وأضرب عن الجمع بين اليومين، وقال: هما يومان ذكرهما الله في كتابه هو أعلم بهما ونكل أمرهما إلى الله، فهو أعلم بقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] وأعلم بقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] .
وقال: نسكت عن هذين اليومين مع إيماننا أن هذا وذاك، كل من عند الله .
والمسلك الثاني: هو الجنوح إلى الجمع بين الآيات، وندفع الافتراض الذي قد يأتي إلى العوام، وأصحاب هذا المسلك التمسوا تفسيرات وتوجيهات، فمنهم من قال: إن اليوم المراد في قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] هو عمر الحياة الدنيا، منذ خلق آدم إلى النفخ في الصور ومدته خمسون ألف سنة.
ومنهم من قال: إنها المسافة ما بين السماء السابعة إلى الأرض السابعة، أنتم تقطعونها في خمسين ألف سنة، أما الملائكة فتصعد فيها وتنزل في يوم واحد من أيامكم، كما في حديث النبي ﵊: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة الفجر والعصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم: كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) .
فقال قائل هذا القول: إن الملائكة تعرج ما بين الفجر إلى العصر، وهذا العروج منها لو قطعتموه لكانت المدة الزمنية خمسين ألف سنة.
ومنهم من قال: إن المراد بقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] : إنه يوم القيامة، وهذا أظهر الأقوال وأشهرها، وهو الذي تدل عليه أدلة السنة، ففي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفحت له صفائح من نار يكوى بها وجهه وجبينه وجلده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) ونحوه: (من آتاه الله إبلاً فلم يؤد زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر، تمر عليه أولاها تنطحه بقرونها وبأظفارها، كلما مرت عليه أولاها عادت أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) .
فإذا تقرر أن المراد باليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة هو يوم القيامة وهو الراجح لدلالة الآية عليه وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦-٧] فإذاً: كيف يجمع بين الآيتين؟ من العلماء من قال: إن يوم القيامة يخفف على أهل الإيمان ويطول على أهل الكفر والعصيان كل بحسبه، فيكون عسيراً وطويلاً على أهل الكفر، أما على أهل الإيمان فيكون خفيفاً، فيختلف في الطول وفي القصر حسب حال العبد يوم القيامة، فأهل الجنة لا يأتي عليهم وقت القيلولة إلا وهم يقيلون في الجنة ما شاء الله، ولا يمر عليهم اليوم كله بطوله، فإن الله قال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] أي: قيلولة.
فيوم القيامة يخفف على أقوام، ويطول ويكون عسيراً على أقوام آخرين.
والشاهد لذلك قوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:١٠] وهذا قول له وجاهته، وتبناه كثير من أهل التفسير.
وقد ورد في الباب حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل فقراء المهاجرين قبل الأغنياء بنصف يوم بخمسمائة عام) والله تعالى أعلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦-٧] لأن كل ما هو آت فهو قريب، وتقديراتنا ليست كتقديرات رب العالمين .
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٨] أي: كالزيت المغلي، أو النحاس المنصهر.
قال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٩] أي: كالصوف، وفي الآية الأخرى: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥] أي: الصوف المتفتت الملون.
قال تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١٠] الحميم هو الصديق شديد الصداقة، الذي يغلى من أجلك، ومنه قيل له: حميم؛ لأنه يحتر حرارة شديدة إذا أصبت بأي مكروه، أو نيل منك بأي سوء تراه، فكأنه يصاب بالحميم ويُغلى إذا ذكرت بسوء.
قال الله : ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١٠-١١] أي: الحميم يرى حميمه، والصديق يرى صديقه، والقريب يرى قريبه، وهذا مضمن في قوله تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١١] أي: يرونهم.
فكل يرى صاحبه لكن لا يستطيع الكلام ولا السؤال عنه ولا عن أحواله، فكل مشغول بالهم الذي هو فيه.
كيف يجمع بين الآية الكريمة: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١٠] ، وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠] ؟ فهذه آيات تكون ظواهرها متعارضة لكن ليس في كتاب الله تعارض، فهو من عند الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .
وعلى نمطها، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] ، وفي المقابل: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] .
وعلى نمطها أيضاً: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] ، ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] فقد كتموا الشرك وكذبوا، فكيف يجمع بين هذه الآيات؟ نقول: كما هو معلوم أن يوم القيامة طويل تتعدد فيه المواقف، فأحياناً يسكت الكل، وأحياناً يؤذن للبعض بالكلام، وأحياناً يعتذر المعتذرون، وأحياناً لا تقبل منهم العتبى، وهي: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤] ، أحياناً يجادلون بالباطل، وأحياناً يرون أن الجدال لا ينبغي إلا أن يكون بالحق، فلطول اليوم تتعدد مواقفه وتندفع كل الإشكالات التي وردت في هذا المعنى.
ومن مثل هذا يجاب على جل الآيات
стр. 1685
حال المجرمين في عرصات القيامة
قال تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١١] أي: مع رؤيتهم لهم، لكن كل واحد منشغل بنفسه، كما قالت عائشة لما قال الرسول ﵊: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، قالت: الرجال والنساء عراة ينظر بعضهم إلى بعض يا رسول الله؟ قال: يا عائشة! الأمر أشد من ذلك) فالرجل عارٍ والمرأة عارية، لكن ليس في ذهن الشخص أن ينظر إلى العورات.
قال تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١] المجرم هنا كما قال كثير من المفسرين: إنه المشرك.
ومن العلماء من قال: هو أعم من المشرك، فتارك الصلاة مجرم بنص كتاب الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٨-٤٣] ، أول شيء تكلموا به ترك الصلاة.
فتارك الصلاة مجرم، وليس المجرم الذي تسميه الأمم المتحدة مجرم حرب بل هو مجرم حق، المجرم شرعاً الكافر، والمجرم شرعاً تارك الصلاة، فتارك الصلاة مجرم، كما قال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١] فيقول خذوا أبنائي واتركوني، ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢] يقول: خذوا زوجتي وأخي وأولادي كلهم واتركوني، ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ﴾ [المعارج:١٣] أي: قبيلته وعشيرته التي تلتف حوله في الدنيا في وقت المصائب، أنت في الدنيا إذا أصبت بمصيبة تريد أن تجد أخاك يجري هاهنا، وأباك يجري هاهنا، وأمك تجري هاهنا، ويستشفع لك بهذا ولتشفع لك بذاك، يوم القيامة تود لو تفتدي من عذاب يومئذٍ بكل هؤلاء.
قال تعالى: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المعارج:١٣-١٤] ليس فقط الأم والأب والأخت والأخ والولد والزوجة، بل: ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج:١٤] أي: ثم ينجيه الفداء من هذا العذاب، أو ثم ينجيه الله من هذا العذاب.
следующие страницы →