Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
حكم كف الثياب في الصلاة
السؤال
ما حكم كف الثياب في الصلاة؟
الجواب
نهى النبي ﷺ عنه، فمن العلماء من يحمل هذا النهي على الاستحباب، ومنهم من يحمله على التحريم، وكأني بالأكثرين من أهل العلم على أن النهي محمول على الكراهة وليس على التحريم، والله أعلم.
стр. 1682
تفسير سورة المعارج
تصف سورة المعارج حال الإنسان في عرصات القيامة، فذكرت أن المجرم يفتدي من عذاب الله بأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ولكن أنى له ذلك، فالعذاب في حقه واقع، ليس له من الله دافع، أما المتقون فهم في أمن من الفزع الأكبر، وذلك لأنهم كانوا في الدنيا يحافظون على الصلاة ويؤدون الزكاة، ويحفظون فروجهم من الحرام، ويؤدون الأمانات، ويقومون بالشهادات، ويخافون من عذاب ربهم، فجزاؤهم أنهم في جنات مكرمون، جزاءً بما كانوا يعملون.
стр. 1683
وقوع العذاب على الكافرين
قال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١] من هو السائل الذي سأل؟ صح عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (إن السائل هو الحارث بن النضر) .
ومن العلماء من قال: إن السائل هو أبو جهل.
وللعلماء ثلاثة أقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١] : فمن العلماء من قال: سأل متى هذا العذاب؟ أي: سأل عن وقت هذا العذاب؟ وقوله: (بِعَذَابٍ) قيل: إن الباء بمعنى: عن، كما قال الشاعر: إن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب فقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج:١] أي: سأل سائل عن عذاب، وكما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] أي: اسأل عنه خبيراً.
فمن أهل العلم من قال: إن المعنى سَأَلَ سَائِلٌ مستعجلاً هذا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] .
فهذا هو الوجه الأول: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج:١] أي: سأل سائل عن العذاب متى هو؟ على سبيل الاستنكار.
والوجه الثاني: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج:١] أي: دعا داعٍ بنزول العذاب، كما قال ربنا : ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] ، والسؤال أحياناً يطلق على الدعاء.
من السيلان، سائل: وهو صديد أهل النار، وهذا يوم القيامة، لكن هذا القول استضعفه أكثر المفسرين، وهو منقول عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، الذي يقال فيه في أكثر الأحيان: قال ابن زيد كذا، وهو مفسر مشهور غاية في الشهرة، فإذا فسر آية فتفسيره له وجه، لكنه عند المحدثين ضعيف في الحديث، وهو الذي يذكره العلماء دائماً إذا ذكروا الضعفاء في الحديث قالوا: اذهب إلى عبد الرحمن يحدثك عن سفينة نوح؛ لأنه روى حديثاً في شأن سفينة نوح أنها طافت بالبيت سبعاً، وصلت خلف المقام ركعتين، وهذا من الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﵊.
الشاهد أن الوجه الأخير منبوذ وضعيف في هذا الباب.
فالوجهان المشهوران في قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١] : الوجه الأول: (سَأَلَ سَائِلٌ) مستعجلاً هذا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] .
والوجه الثاني: (سَأَلَ سَائِلٌ) أي: دعا داعٍ بالعذاب، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] ، وكما قال: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] .
فقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ [المعارج:١] أي: عن العذاب، أو دعا داعٍ بالعذاب، والله وصف هذا العذاب بأنه (وَاقِعٍ) لا محالة، أي: والعذاب واقع، فكل آت فهو قريب.
قال تعالى: ﴿لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:٢] أي: أنه واقع للكافرين ليس له دافع.
وهل يستفاد منه أنه في غير الكافرين له دافع؟ أي: لا يستطيع أحد أن يدفع هذا العذاب عن الكافرين، ولن يدفع أحد هذا العذاب عن الكافرين، لكن غير الكافرين هل هناك من يدفع هذا العذاب المسلمين؟ نعم بإذن الله، فإن هناك شفاعات من رسول الله ومن سائر المرسلين، بل ومن المؤمنين والشهداء والعلماء والآباء والأبناء والأمهات والقرآن والصيام كلها شفاعات تدفع العذاب عن أهل الإيمان بإذن الله.
أما الكافرون فكما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] ، إذاً الربط: ﴿لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:٢] لكنه مع المسلمين قد يكون له دافع بإذن الله تعالى.
فقوله: ﴿لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:٢] أي: صارف.
стр. 1684
خروج الملائكة يوم القيامة
قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج:٣] من العلماء من قال: المعارج هي الدرجات، والفواضل، والنبي ﷺ كان في تلبيته يقول: (لبيك ذي المعارج، لبيك ذي الفواضل) فالمعارج تطلق على الدرجات، وهي مستفادة من قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] أي: تصعد، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر:١٤] أي: يصعدون، وأيضاً عرج برسول الله ﷺ إلى السماوات، أي: صعد به إلى السماوات السبع.
قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [المعارج:٤] أي: تصعد، والملائكة معروفون، أما الروح فللعلماء فيها أقوال، أحدها قول جمهور من المفسرين: أن المراد بالروح هو جبريل ﵇، وشاهده: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] ، فإن قال قائل: إن جبريل دخل ضمناً في الملائكة فما فائدة الإعادة: (تعرج الملائكة وجبريل) ؟
الجواب
أن هذا من باب عطف الخاص على العام، لبيان فضل هذا الخاص المعطوف، فذكر جبريل مرة ثانية لبيان فضله.
فإن قال قائل: وهل من أمثلة في كتاب الله تظهر أن الخاص يعطف على العام، كهذا المثال؟ فالإجابة: نعم، فإن الله يقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء:١٦٣] فإبراهيم وإسماعيل من النبيين الذين جاءوا من بعد نوح، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] فنوح من النبيين، ونحوه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] النخل والرمان من الفاكهة.
فذكر جبريل ﵇ الذي هو الروح بعد ذكر الملائكة؛ لبيان فضل جبريل ﵇، فهو سيد الملائكة، وهذا قول الجمهور.
القول الثاني في تفسير الروح: وهو أن الروح هي أرواح بني آدم التي تخرج منهم عند موتهم، كما في حديث البراء بن عازب ﵁ الطويل: (إن العبد إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته الملائكة، فيأخذون روحه، فيأتي ملائكة آخرون يجلسون منه مد البصر فلا يدعونها في أيديهم طرفة عين، فيأخذونها ويعرجون بها إلى السماء، فلا يمرون بها على ملأ إلا قالوا: ما هذه الروح؟) الحديث.
القول الثالث: أن المراد بالروح خلق لا يعلمهم إلا الله .
قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] هذه الآية من الآيات المشكلة في تفسيرها؛ لورود آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] فكيف التوفيق بين الآيتين؟ أولاً: بين يدي هذا التوفيق يقال: ما المراد باليوم في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ؟ المسلك الأول: من أهل العلم من أضرب عن التفسير وأضرب عن الجمع بين اليومين، وقال: هما يومان ذكرهما الله في كتابه هو أعلم بهما ونكل أمرهما إلى الله، فهو أعلم بقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] وأعلم بقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] .
وقال: نسكت عن هذين اليومين مع إيماننا أن هذا وذاك، كل من عند الله .
والمسلك الثاني: هو الجنوح إلى الجمع بين الآيات، وندفع الافتراض الذي قد يأتي إلى العوام، وأصحاب هذا المسلك التمسوا تفسيرات وتوجيهات، فمنهم من قال: إن اليوم المراد في قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] هو عمر الحياة الدنيا، منذ خلق آدم إلى النفخ في الصور ومدته خمسون ألف سنة.
ومنهم من قال: إنها المسافة ما بين السماء السابعة إلى الأرض السابعة، أنتم تقطعونها في خمسين ألف سنة، أما الملائكة فتصعد فيها وتنزل في يوم واحد من أيامكم، كما في حديث النبي ﵊: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة الفجر والعصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم: كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) .
فقال قائل هذا القول: إن الملائكة تعرج ما بين الفجر إلى العصر، وهذا العروج منها لو قطعتموه لكانت المدة الزمنية خمسين ألف سنة.
ومنهم من قال: إن المراد بقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] : إنه يوم القيامة، وهذا أظهر الأقوال وأشهرها، وهو الذي تدل عليه أدلة السنة، ففي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفحت له صفائح من نار يكوى بها وجهه وجبينه وجلده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) ونحوه: (من آتاه الله إبلاً فلم يؤد زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر، تمر عليه أولاها تنطحه بقرونها وبأظفارها، كلما مرت عليه أولاها عادت أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) .
فإذا تقرر أن المراد باليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة هو يوم القيامة وهو الراجح لدلالة الآية عليه وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦-٧] فإذاً: كيف يجمع بين الآيتين؟ من العلماء من قال: إن يوم القيامة يخفف على أهل الإيمان ويطول على أهل الكفر والعصيان كل بحسبه، فيكون عسيراً وطويلاً على أهل الكفر، أما على أهل الإيمان فيكون خفيفاً، فيختلف في الطول وفي القصر حسب حال العبد يوم القيامة، فأهل الجنة لا يأتي عليهم وقت القيلولة إلا وهم يقيلون في الجنة ما شاء الله، ولا يمر عليهم اليوم كله بطوله، فإن الله قال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] أي: قيلولة.
فيوم القيامة يخفف على أقوام، ويطول ويكون عسيراً على أقوام آخرين.
والشاهد لذلك قوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:١٠] وهذا قول له وجاهته، وتبناه كثير من أهل التفسير.
وقد ورد في الباب حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل فقراء المهاجرين قبل الأغنياء بنصف يوم بخمسمائة عام) والله تعالى أعلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦-٧] لأن كل ما هو آت فهو قريب، وتقديراتنا ليست كتقديرات رب العالمين .
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٨] أي: كالزيت المغلي، أو النحاس المنصهر.
قال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٩] أي: كالصوف، وفي الآية الأخرى: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥] أي: الصوف المتفتت الملون.
قال تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١٠] الحميم هو الصديق شديد الصداقة، الذي يغلى من أجلك، ومنه قيل له: حميم؛ لأنه يحتر حرارة شديدة إذا أصبت بأي مكروه، أو نيل منك بأي سوء تراه، فكأنه يصاب بالحميم ويُغلى إذا ذكرت بسوء.
قال الله : ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١٠-١١] أي: الحميم يرى حميمه، والصديق يرى صديقه، والقريب يرى قريبه، وهذا مضمن في قوله تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١١] أي: يرونهم.
فكل يرى صاحبه لكن لا يستطيع الكلام ولا السؤال عنه ولا عن أحواله، فكل مشغول بالهم الذي هو فيه.
كيف يجمع بين الآية الكريمة: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١٠] ، وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠] ؟ فهذه آيات تكون ظواهرها متعارضة لكن ليس في كتاب الله تعارض، فهو من عند الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .
وعلى نمطها، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] ، وفي المقابل: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] .
وعلى نمطها أيضاً: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] ، ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] فقد كتموا الشرك وكذبوا، فكيف يجمع بين هذه الآيات؟ نقول: كما هو معلوم أن يوم القيامة طويل تتعدد فيه المواقف، فأحياناً يسكت الكل، وأحياناً يؤذن للبعض بالكلام، وأحياناً يعتذر المعتذرون، وأحياناً لا تقبل منهم العتبى، وهي: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤] ، أحياناً يجادلون بالباطل، وأحياناً يرون أن الجدال لا ينبغي إلا أن يكون بالحق، فلطول اليوم تتعدد مواقفه وتندفع كل الإشكالات التي وردت في هذا المعنى.
ومن مثل هذا يجاب على جل الآيات
стр. 1685
حال المجرمين في عرصات القيامة
قال تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:١١] أي: مع رؤيتهم لهم، لكن كل واحد منشغل بنفسه، كما قالت عائشة لما قال الرسول ﵊: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ، قالت: الرجال والنساء عراة ينظر بعضهم إلى بعض يا رسول الله؟ قال: يا عائشة! الأمر أشد من ذلك) فالرجل عارٍ والمرأة عارية، لكن ليس في ذهن الشخص أن ينظر إلى العورات.
قال تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١] المجرم هنا كما قال كثير من المفسرين: إنه المشرك.
ومن العلماء من قال: هو أعم من المشرك، فتارك الصلاة مجرم بنص كتاب الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٨-٤٣] ، أول شيء تكلموا به ترك الصلاة.
فتارك الصلاة مجرم، وليس المجرم الذي تسميه الأمم المتحدة مجرم حرب بل هو مجرم حق، المجرم شرعاً الكافر، والمجرم شرعاً تارك الصلاة، فتارك الصلاة مجرم، كما قال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١] فيقول خذوا أبنائي واتركوني، ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢] يقول: خذوا زوجتي وأخي وأولادي كلهم واتركوني، ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ﴾ [المعارج:١٣] أي: قبيلته وعشيرته التي تلتف حوله في الدنيا في وقت المصائب، أنت في الدنيا إذا أصبت بمصيبة تريد أن تجد أخاك يجري هاهنا، وأباك يجري هاهنا، وأمك تجري هاهنا، ويستشفع لك بهذا ولتشفع لك بذاك، يوم القيامة تود لو تفتدي من عذاب يومئذٍ بكل هؤلاء.
قال تعالى: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المعارج:١٣-١٤] ليس فقط الأم والأب والأخت والأخ والولد والزوجة، بل: ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج:١٤] أي: ثم ينجيه الفداء من هذا العذاب، أو ثم ينجيه الله من هذا العذاب.
стр. 1686
طبيعة الإنسان في الدنيا
قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج:١٩] وتفسير الهلوع هو قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج:٢٠] * ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:٢١] أي: إذا أصيب بأي شر يظن أنه فرج بعد هذا الشر، وقد قال النبي ﷺ : (شر ما في الرجل شح هالع، أو جبن خالع) أي: أن الجبن والشح من أقبح العيوب التي توجد في الرجال.
قال الله : ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:١٩-٢١] من العلماء من فسر الخير هنا بالمال، أي: إذا رزقناه المال منع حقوق الله فيه.
стр. 1687
وصف النار التي أعدها الله للمجرمين
قال تعالى: (كَلَّا) أي: لن يقبل هذا الفداء، فـ (كلا) كلمة تحمل معنى الردع والزجر والنفي، أي: لن يقبل هذا العرض، ولن تقبل هذه الفدية التي تفتدي بها أيها المجرم، ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ [المعارج:١٥] وصف للنار، ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٦] من العلماء من قال: إن الشوى هنا مكارم الوجه ولحم الوجه، وأكرم شيء في العبد تنزعه هذه النار نزعاً، فجلد الوجه ينزع عياذاً بالله نزعاً، وجلد الأطراف كذلك، أطراف أصابع اليدين وأصابع الرجلين، وجلد الجبهة أيضاً كل ذلك تنزعه النار.
قال تعالى: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج:١٧] تناديه باسمه في وسط المحشر، كما قال فريق من أهل العلم: إن النار تنادي أصحابها: تعال يا فلان! تعال فأنت صاحبي، أنا لك وأنت لي، فالنار تنادي على أصحابها؛ لأن الله أعطاها ملكة في الكلام، كما في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] ، وكما في الحديث: (أن النار تقول: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين) فللنار ملكة كلام، وملكة تغيظ، وملكة زفير: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢] .
قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج:١٧] أدبر عن الإيمان وتولى عن الحق، أدبر عن الإسلام وتولى عن القرآن، تدعوه النار من المحشر: تعال أيها المجرم! فأنت من أصحابي وأنا من أصحابك، تعال فإنك من أصحاب النار.
قال تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١٨] أي: جمع المال وأحصاه وادخره، ولم ينفقه في طاعة الله، بل بخل بالزكوات المفروضة، وقد حث النبي ﷺ على عدم التعديد أثناء الإنفاق، قالت أسماء: (يا رسول الله! ليس لي مال إلا ما أدر عليّ الزبير؟ قال: يا أسماء! تصدقي ولا توعي فيوعى عليك) .
وفي الرواية الأخرى: (تصدقي ولا تحصي فيحصى عليك) .
стр. 1688
صفات المتقين
стр. 1689
حفظ الفروج من الحرام
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المعارج:٢٩] أي: حافظون للفروج من كل ما منع الله منه، حافظون للفروج من الزنا، فإن الله قال: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨] .
والنبي ﷺ ذكر أن الزناة تحرق فروجهم ويوضعون عراة في مثل التنور، كما رأى ذلك ﵊ في الرؤيا، فهم حافظون للفروج من الزنا، وحافظون للفروج من الاستمناء، وبهذه الآية الكريمة استدل الإمام الشافعي على تحريم الاستمناء؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٢٩-٣١] قال: والاستمناء من ما وراء ذلك.
وأيضاً: حافظون لفروجهم من أن يراها أحد، قال النبي ﵊: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) .
قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج:٣٠] قوله: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) يفيد أنه ليس عليهم لوم إذا أتوا نساءهم أو أتوا إماءهم، لكن نفي اللوم يفيد أكثر من ذلك، وهو أن إتيان النساء مستحب؛ لأن النبي ﷺ قال: (وفي بضع أحدكم صدقة) وفي الحديث المعروف: (يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر يا رسول الله؟ قال: نعم، أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: نعم، قال: كذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر) .
فأحياناً الحكم لا يؤخذ من آية واحدة فقط، أو من حديث واحد فقط، فمثلاً: الله قال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] فلو أخذت حكم الطواف بين الصفا والمروة من الآية فقط، لكان حاصل ما في الآية: أنه لا إثم عليك إذا طفت، لكن من النصوص الأخرى استفدت وجوب السعي بين الصفا والمروة، بل من العلماء من قال بفرضية السعي بين الصفا والمروة.
فالحكم لا يؤخذ من آية واحدة فقط، كذلك في قصر الصلاة: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] إن أخذت الحكم من الآية فغاية ما أفادته الآية أنه لا إثم عليك إذا قصرت، ومنهم من قال بوجوب القصر، والجمهور على الاستحباب، لحديث: (فرضت الصلاة مثنى مثنى، فزيد في صلاة الحضر وأقرت في صلاة السفر) .
فالأحكام لا تؤخذ من آية واحدة ولا من حديث واحد فقط.
قال الله : ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٣١] فعلى ذلك ينصح الشاب الذي تعتريه الشهوة والفتوة بما نصح به الرسول ﷺ حين قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) هذه نصيحة رسول الله.
وقال الله سبحانه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] .
وقال النبي ﵊: (ومن يستعف يعفه الله) ، وفي الرواية الأخرى: (ومن يستعفف يعفه الله) .
فهذه إرشادات للشباب، ألا يتبعوا النفس وهواها ولا يسيروا وراءها، ولا أن يكون كل ما احتاجت النفس إلى شيء فعله، بل كن كما علمك الرسول ﵊، عليك بالصيام وعليك بالاستعفاف، وعليك بغض البصر، وعليك باتخاذ التدابير الواردة في شرعنا للوقاية من الجنس.
стр. 1690
حفظ الأمانة وأداؤها
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج:٣٢] الأمانات عامة، ويدخل فيها بالدرجة الأولى المعاملات المالية بين الناس، ويدخل فيها التكاليف الشرعية كذلك.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٢-٣٥] .
стр. 1691
الإيمان بيوم البعث والخوف منه
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج:٢٦] أي: يوقنون بأن البعث آت والساعة آتية لا ريب فيها.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج:٢٧] أي: خائفون وجلون، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٨] لا يأمنه أحد، فأهل الإيمان يخافون العذاب، وأهل الكفر يأمنون العذاب ولا يبالون به، أهل الإيمان يخافون: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] أي: يصلون ويصومون ويزكون ويحجون وهم مع ذلك خائفون.
أما أهل الكفر فلا يفعلون شيئاً من الخيرات، وهم في دنياهم أيضاً في مأمن، وأهل الإيمان يعملون الصالحات مع خشية لله ووجل منه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٣-٦٤] ومع هذه البيتوتة لربهم سجداً وقياماً يقولون: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] .
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج:٢٧] هذا حال أهل الإيمان، وكلما عظم ذلك عندك فاعلم أنك على خير، أعني أن تعمل الصالحات ترجو الجنة وتخشى على نفسك العذاب أكثر وأكثر، فهذا دليل من أدلة الإيمان.
فهذا عمر مع ما له من فضائل، لكنه يقول في مرض الموت: (يا ليتني خرجت منها لا لي ولا عليّ) .
كذلك تقول عائشة: (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً) ، مع أن براءتها نزلت من السماء.
وكذلك المقولات عن أبي بكر وغيره من أهل العلم وأهل الفضل من أصحاب الرسول ﷺ .
стр. 1692
المحافظة على الصلاة
قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:٢٢] لكن المصلين أهل الإيمان ليسوا هكذا، كما قال النبي ﷺ في المؤمن: (إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) .
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣] أي: محافظون، كما في الآيات الأخر، ومن العلماء من قال: دائمون عليها حتى الموت، ومن العلماء من قال: إنهم المطمئنون فيها.
стр. 1693
أداء الزكاة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] والحق المعلوم هو الزكوات المفروضة، ولا شيء عليك بعد الزكوات المفروضة على الصحيح، كقول النبي ﷺ لما سأله السائل عن الصلاة والزكاة، قال: (هل عليّ غيرها يا رسول الله؟ قال: لا، إلا أن تطوّع، قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : أفلح إن صدق) .
فاستنبط كثير من أهل العلم من هذا الحديث أن المال المفروض على العبد إنما هو مال الزكاة فقط.
قال تعالى: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٥] أما السائل فهو الذي يسأل الناس، فله حق من الزكوات.
والمحروم لأهل العلم جملة أقوال في تفسيره: القول الأول: أنه الشخص الذي له دخل، لكن الدخل لا يكفيه.
القول الثاني: الذي لا يجد شيئاً أصلاً.
وكلا القولين له وجه، فالذي يعمل عملاً يأتيه منه دخل لا يكفيه يعد من المحرومين، والذي لا شيء عنده أيضاً يعد من المحرومين، فالمحروم له حق.
стр. 1694
إعراض الكافرين عن طاعة الرسول
قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج:٣٦] (مهطعين) للعلماء فيها أقوال: أحدها: مسرعين، ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] أي: مسرعين إلى الداعي.
ثانيها: قال بعض أهل العلم: (مهطعين) أي: ناظرين إليك.
ثالثها: أنها بمعنى عامدين.
قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج:٣٧] أي: متفرقين، وفي صحيح مسلم أن الرسول ﵊ خرج ووجد أصحابه يصلون متفرقين، فقال: (ما لي أراكم عزين؟) أي: متفرقين.
قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج:٣٧] أي: متفرقين عنك يميناً ويساراً، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر:٤٩-٥٠] أي: حمير مستنفرة، ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٥١] أي: من الأسد.
قال الله: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾ [المعارج:٣٦] أي: نحوك ﴿مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج:٣٦-٣٨] مع كفره ومنعه وتكذيبه ليوم الدين (كَلَّا) أي: ليس الأمر كما يظنون ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج:٣٩] أي: من المني المعلوم كما قال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٦-٧] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة:٣٧] .
وقد تفل النبي ﷺ على يده، وقال: (يقول الله تعالى: ابن آدم! أنى تعجزني، لقد خلقتك من مثل هذه) .
стр. 1695
إمهال الله للعصاة والكافرين
قال الله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج:٤٠] ، (لا) ، من العلماء من يقول: إنها نفي لشيء متقدم، ثم بدأ إنشاءً جديداً فأقسم على ما ذكره برب المشارق والمغارب.
ومن أهل العلم من قال: إن (لا) هنا لنفي شيء متقدم وهو ظن الكفار أن يدخلوا جنة نعيم.
ومنهم من يقول: إنها زائدة مثل: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ [الحديد:٢٩] أي: ليعلم، ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: يرجعون، ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢] أي: ما منعك أن تسجد، من العلماء من يقول: إنها زائدة، ومنهم من يقول: إنها لتقوية الكلام.
قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج:٤٠] ورد في كتاب الله (رب المشارق والمغارب) ، وورد (رب المشرقين ورب المغربين) ، وورد (رب المشرق والمغرب) ، فمن العلماء من يقول: كلها بمعنى واحد.
ومنهم من يفصل، فيقول: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء:٢٨] مشرق الشمس ومغربها، و ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧] مشرق الشمس ومشرق القمر، ومغرب الشمس ومغرب القمر، و (رب المشارق ورب المغارب) رب مشارق النجوم ومغارب النجوم.
وقول آخر: أن المشارق هي التي تشرق منها الشمس كل يوم، فكل يوم تشرق من مكان غير اليوم الذي قبله، وتغرب في مكان أيضاً، وثم أقوال أخرى في هذا الباب.
قال تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج:٤١] (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ) فيها للعلماء قولان: قيل: في الحياة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] ، وكما قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] ومن أهل العلم من قال: إن ذلك يوم القيامة، يبدل الله أقواماً خيراً من هؤلاء الأقوام.
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [المعارج:٤٢] أمر مضمن بالتهديد.
﴿حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [المعارج:٤٢-٤٣] أي: القبور ﴿سِرَاعًا﴾ [المعارج:٤٣] أي: مسرعين ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣] النصب: الذي يعبد أو يستذبح عنده الذبائح (يوفضون) : يسرعون.
قال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [المعارج:٤٤] أي: ذلت أبصارهم، كما قال: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه:١٠٨] أي: سكنت الأصوات للرحمن، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية:٢] أي: ذليلة ساكنة.
قال: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج:٤٤] أي: ذليلة أبصارهم، ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [المعارج:٤٤] تعلوها الذلة، ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٤] أجارنا الله وإياكم من عذابه.
стр. 1696
الأسئلة
стр. 1697
إثم مشاهدة التلفاز
السؤال
أخي يضع في عيادته تلفازاً، فهل كل من يرتكب إثماً بسبب التلفاز يكتب على أخي مثله؟
الجواب
إن كان يضع التلفاز على قنوات تبث الفساد وتبث الشر، فمن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ثم هو متعاون على الإثم والعدوان.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1698
آيات وجوب النقاب
السؤال
ما هي الآيات القرآنية التي تحث على وجوب النقاب؟
الجواب
هناك آيتان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] والإدناء أصح ما ورد فيه على الإطلاق: أنه تغطية الجسم كله والوجه وإبراز العين اليسرى.
أما أثر مجاهد الذي ورد في هذه الآية الكريمة فهو منقطع كما قاله كثير من أهل العلم.
стр. 1699
كفارة من جامع زوجته وهي حائض
السؤال
ما كفارة من جامع زوجته وهي حائض؟
الجواب
ورد في كفارة من يجامع الزوجة وهي حائض أحاديث، وأهل العلم يحكمون عليها بالاضطراب، منها: أنه يخرج ربع دينار، والثاني: نصف دينار، ومن العلماء من يقول: إذا جامعها وهي حائض في مستهل الحيضة يعطي ربع دينار، وإذا جامعها في وسط الحيضة يعطي نصف دينار.
والأدلة في ذلك مضطربة، ولكنه على كل حال قد ارتكب ذنباً، وعليه أن يعمل من الصالحات ما يوازي هذا الذنب، فيخرج صدقات، أو يصلي لله ركعات، أو يحدث استغفاراً وإنابة إلى الله .
стр. 1700
زكاة عروض التجارة
السؤال
هل تجب الزكاة في عروض التجارة؟
الجواب
رأي جماهير العلماء أن زكاة عروض التجارة واجبة، وهو قول الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ﵏ وغيرهم من العلماء.
وفريق من أهل الحديث يرى عدم الوجوب، لكن حجج القائلين بالإخراج قوية منها أن عروض التجارة هي أموال، وبالتالي فأموال التجارة تزكى كسائر الأموال، وأيضاً استدلوا بحديث النبي ﷺ لما قيل له: (إن خالداً والعباس وابن جميل قد منعوا الزكاة، قال: أما خالد فإنكم تظلمون خالداً، إن خالداً احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله) قال النووي: أي: أنه لولم يحتبس الأدرع والعتاد في سبيل الله لأخرج منها الزكاة، قال النووي: وهذا من أصرح ما ورد في زكاة عروض التجارة، وهناك أصرح منه لكنه ضعيف، وهو: (كنا نخرج الزكاة مما نعده للبيع) أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف.
لكن في فهم حديث: (إن خالداً احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله) قالوا: إنه لم يعد عنده مال، وليس المقصود أن خالداً إذا لم يحتبسها أخرج منها، فهكذا قال الجمهور إن الزكاة في عروض التجارة واجبة.
أما المانعون فغاية ما استدلوا به، قالوا: لم تكن تخرج زكوات على عروض التجارة على عهد الرسول ﵊.
فنقول: إن عروض التجارة لم تكن متفشية هذا التفشي الذي عليه الآن.
فمثلاً: رجل اشترى قطعة أرض للتجارة فيها، قطعة الأرض لم تبع هذا العام، ولم تبع العام القادم، والأرض مرتفعة ومنخفضة في الأسعار، فماذا يصنع؟ فمن العلماء من سار على الوتيرة الأولى، وقال: تخرج عليها زكاة كل عام، ومنهم من قال: لا تخرج عليها زكاة إلا إذا بيعت، فتخرج عنها بعد البيع زكاة سنة واحدة والله أعلم.
وهناك رسالة إن شاء الله تطبع الآن في هذا الباب.
стр. 1701
حكم عمل المسلمين عند النصارى
السؤال
هل يجوز عمل المسلمين عند النصارى؟
الجواب
نعم يجوز عمل المسلم عند النصراني مادام العمل لا يؤثر على دينك، إذا كان النصراني لا يمنعك فرائضك ولا يهينك في دينك فلا بأس بالعمل عند النصراني أو عند اليهودي أو عند الكافر، وذلك لأن خباب بن الأرت قال: (كنت قيماً في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل ثم جئت أتقاضاه، قال: لن أعطيك حتى تكفر بمحمد) الشاهد: أن البخاري بوب هذا الباب: باب هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في أرض الحرب، وأتى بالحديث تحت الترجمة؛ لأنه كان يصنع سلاحاً.
وفي الشرح جنح الحافظ ابن حجر إلى هذا القول.
إذا كان العمل لا يؤثر على دينك ولا على عادتك فلا بأس أن تستأجر يهوداً يعملون عندك أو تعمل أنت عند يهود، والرسول ﵊ أعطى أراضي خيبر لليهود يزرعونها ولهم نصف ما يخرج منها، ويوسف قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] وكان الملك كافراً كما هو معلوم.
السائل: هل هذا نوع موالاة؟ الشيخ: لا.
ليست موالاة، وتأخذ أجرك وإذا خشيت على قلبك أن يتغير فاترك.
стр. 1702
حكم تكفير الديوث وتخليده في النار
السؤال
من المعلوم أن عصاة الموحدين من أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وهو مذهب أهل السنة لما ورد من أحاديث عن رسول الله في ذلك، وقد اختلفت مع أحد الفضلاء الذين قالوا بتكفير الديوث الذي يرضى بالفاحشة في أهله، وتخليده في النار، وقد استند إلى حديث: (لا يدخل الجنة ديوث) علماً بأن هذا الديوث يشهد شهادة الحق؟
الجواب
بالنسبة للديوث والزاني والقاتل والسارق والخمار كل هؤلاء داخلون في أهل الإسلام وفي عداد المسلمين، ومع اقترافهم الكبائر فأمرهم موكول إلى الله، إن شاء ربنا عذبهم وإن شاء غفر لهم.
أما الأدلة على ذلك، فمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
ومنها: قول عبادة بن الصامت الذي أخرجه البخاري ومسلم: (بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نقتل ولا نزني ولا نسرق ولا نأتي ببهتان بين أيدينا وأرجلنا) الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال: (فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) .
وأيضاً عند أهل السنة أنه لا يلزم حتى يغفر لك أن تستغفر، فقد يغفر الله لك مع قولك: أستغفر الله، وقد يغفر الله لك أيضاً بدون قولك: أستغفر الله، ومن الأدلة على ذلك قصة المرأة الإسرائيلية التي كانت تبغي وتزني، فانطلقت ذات يوم خارجة لزناها، فوجدت كلباً يلهث من العطش، فنزعت موقها فسقته فغفر الله لها، ولم يرد أنها قالت: أستغفر الله.
والديوث أو الزاني أو القاتل كل هؤلاء وغير هؤلاء من أصحاب الكبائر أمرهم موكول إلى الله، ولكن أيضاً فإن النصوص من الكتاب والسنة على أنهم وإن دخلوا النار وإن لم يستغفروا، فمآلهم إلى الخروج من النار، لحديث: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن ذرة) ، وفي حديث: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله فيخرج قوم لم يعملوا خيراً قط) .
فالشواهد تدل على أن أصول أهل السنة والجماعة ثابتة لا تترنح ولا تتزحزح، وهي أن صاحب الكبيرة قد يغفر له ابتداءً حتى بدون كلمة: أستغفر الله، إن قدر ودخل النار فمآله إلى الخروج منها، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، والله أعلم.
стр. 1703
عدد ركعات صلاة التراويح
السؤال
هل صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة، والقول بالعشرين ضعيف جداً؟
الجواب
لا، القول بالعشرين ليس بضعيف جداً لحديث عمر ﵁، وغايته أن هناك روايات ثابتة عن عمر أنه جمع الناس على أبي بن كعب على إحدى عشرة ركعة، وروايات أيضاً ثابتة عن عمر أنه جمع الناس على أبي على إحدى وعشرين ركعة، فأيهما ترجح؟ فمن العلماء من قال بترجيح رواية الإحدى عشرة ركعة على الإحدى والعشرين ركعة، لكن الأخرى ليست ضعيفة بل هي صحيحة، لكن هناك شيء صحيح وشيء أصح.
فلذلك ذهب بعض العلماء إلى القول بالجمع بين الروايتين، قال: يحمل على أن عمر أمرهم أن يجتمعوا على أبي بن كعب أحياناً بإحدى عشرة، وأحياناً بثلاث وعشرين أو بإحدى وعشرين، وأذكر أن من الذين جنحوا إلى هذا ابن عبد البر رحمه الله تعالى، فقد جنح إلى الجمع بين الروايتين، لكن القول بأن الإسناد ضعيف جداً قول غير صحيح.
فالغاية أن يقال: إن رواية الإحدى عشرة أصح من رواية الإحدى والعشرين، ورواية الإحدى والعشرين صحيحة قولاً واحداً، والله تعالى أعلم.
لكن ثمة استدلالات أخر، منها: أن النبي ﷺ قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة) ، فهذا يشجع على الصلاة.
وقال ﵊: (أحب القيام إلى الله قيام نبي الله داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) أي: يقوم ثلث الليل، أربع ساعات أو ثلاث ساعات تقريباً.
إذا جئت أنا وأنت نصلي بالناس أئمة ونريد أن نوافق قيام داود ﵇ الذي هو أحب القيام إلى الله، إذا قلت: أصلي إحدى عشرة ركعة فقط وتستغرق الإحدى عشرة ركعة أربع ساعات فسوف أشق على المصلين غاية المشقة، والرسول ﷺ يقول: (أنت إمامهم واقتد بأضعفهم) وإن كان هذا في الفرد، لكن أيضاً من أراد ألا يحرم فضل حديث النبي ﵊: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) علي أن أعاونه لنيل هذا الفضل.
فالشاهد: إذا قمت أصلي إحدى عشرة ركعة كما ورد في السنة أن عائشة قالت: (ما زاد على إحدى عشرة ركعة) جاز كما في حديث ابن عباس فصلى ثلاثة عشر ركعة، فإذا جئت أصلي الإحدى عشرة ركعة في أربع ساعات لم أطق ولن يطيق المصلون بعدي، فكما قال الحافظ ابن حجر وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من العلماء: إذا قللت في القراءة فزد في عدد الركعات، وإذا أطلت القراءة فخفف على الركعات.
وليس هناك أي نهي عن الصلاة زيادة عن الإحدى عشرة ركعة، بل الأمر مفتوح؛ لحديث الرسول ﵊: (صلاة الليل مثنى مثنى) ولهذا كان عمل الأئمة والسلف، وإن شئت أن تقرأ تراجم العلماء كـ الشافعي وأحمد وغيرهما من العلماء؛ فانظر كيف كانوا يصلون؟ انظر كيف كان السلف يصلون؟ بعضهم يصلي في الليل ستاً وثلاثين، ويقول فريق من المالكية: إن هذا هو المستحب عندنا، فما كانوا يريدون أن يستحوذوا على فضيلة حديث الرسول ﵊: (أحب القيام إلى الله قيام داود) ولا يشقون أيضاً على الناس، فمن شاء أن ينصرف انصرف، ومن شاء أن يبقى بقي.
يضاف إلى ذلك أن نصوص الكتاب والسنة التي وردت في قيام الليل وردت مقيدة بالزمن وليس بعدد الركعات، منها: (أحب القيام إلى الله قيام داود) ولم يقل: كان يقوم إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، أو عشرين ركعة، بل قدر بالزمن: (كان يقوم ثلث الليل) ونحوه في آية المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢-٣] فبني أيضاً على الزمن، ونحوه قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران:١١٣] أي: ساعات الليل.
فالوارد جاء بتقديرات زمنية وليس بعدد ركعات، صحيح أن عليكم هدياً قاصداً كما قال النبي ﷺ ، لكن أيضاً النظر في مصلحة المصلين من هدي رسولنا محمد ﵊، والله أعلم.
стр. 1704
تفسير سورة نوح
من تربية القرآن الكريم للدعاة أن عرض لهم صوراً لحياة الأنبياء في دعوتهم لقومهم، ومن هؤلاء الأنبياء نبي الله نوح ﵇، فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، لا يفتر عن دعوتهم ليلاً ولا نهاراً، ولا سراً ولا علانية، ولا جماعات ولا أفراداً، كل ذلك بصبر تزول معه الجبال ولا يزول، ومع ذلك لم يلق منهم إلا العناد والمكابرة والإصرار على كفرهم، فأهلكهم الله تعالى وأنجاه ومن اتبعه، وفي ذلك سلوة لكل داعية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 1705
بين يدي السورة
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فقد سميت هذه السورة الكريمة باسم نبي من أنبياء الله تعالى، ورسول من رسله صلوات الله تعالى عليهم، وهو نوح ﷺ ، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ففي حديث الشفاعة الطويل أن آدم ﵇ يقول: (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض) .
ونوح ﷺ قد عمر عمراً طويلاً، فقد قال الله تعالى في كتابه عن دعوته لقومه فحسب: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤] .
وهو من أولي العزم من الرسل صلوات الله تعالى عليهم، وأولو العزم من الرسل جاء ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧] ، فهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين.
стр. 1706
تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه .)
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ : كان قوم نوح قد وقعوا في الشرك بالله تعالى؛ بسبب تعظيم أهل الصلاح والغلو فيهم.
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح:١] ، العذاب كل شيء يؤلم العبد، من الضرب بالسياط أو الحرق بالنيران ونحو ذلك، وأصل العذاب: الحبس، كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه قوله: (عذبوا أنفسكم عن ذكر النساء في الغزو) أي: أمسكوا عن ذكر النساء، واحبسوا أنفسكم عن ذكر النساء في الغزو.
والأليم: المؤلم الموجع.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٢-٣] .
قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ) أي: افعلوا ما أمركم الله تعالى به، وأطيعوه فيما أمركم به، وقوله: (وَاتَّقُوهُ) أي: اجتنبوا محارمه، وانتهوا عما نهاكم عنه.
ويوضح هذا المعنى حديث النبي ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) ، فقوله ﵊: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) بمعنى: (وَاتَّقُوهُ) ، وقوله ﷺ : (وما أمرتكم به) بمعنى: (اعبدوا الله) ، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
стр. 1707
تفسير قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم)
قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح:٤] من العلماء من قال: إن (مِن) هنا زائدة، فالمعنى: يغفر لكم ذنوبكم، كما جاء في آيات أُخر.
ومن العلماء من قال: إن (مِن) هنا للتبعيض، أي: يغفر لكم بعض ذنوبكم.
ومن العلماء من قال: إن (مِن) هنا بمعنى: (عن) ، وأوَّل الغفران بمعنى الصفح، أي: يصفح لكم عن ذنوبكم، فهي ثلاثة أقوال أو أكثر، لكن الأشهر منها هذه الأقوال الثلاثة.
ففي هذه الآية أن عبادة الله تعالى وتقواه وطاعة رسله مكفرات للذنوب، والكفارات لا تنحصر كلها في قول الشخص: أستغفر الله فحسب، بل الصلوات الخمس مكفرات، والصيام مكفر، والجمعة إلى الجمعة مكفرة، والوضوء يذهب بخطايا بني آدم، فهناك أعمال مكفرة إضافة إلى قول المرء: أستغفر الله.
стр. 1708
الاستغفار لسعة الرزق وجلب الخير
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:١٠-١١] ، هذا أصلٌ قد أثبت في عدة آيات، وهو أن الاستغفار سبب في سعة الرزق، كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣] ، وقال تعالى حكاية عن هود ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢] .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] ، فمن أراد سعة الرزق فعليه بالإكثار من الاستغفار، ولذلك يشرع عند الاستسقاء الإكثار من الاستغفار.
وقوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٢] ، كل هذا بسبب الاستغفار.
стр. 1709
على الداعية البلاغ والهداية على الله
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح:٥-٦] .
الآية الكريمة أفادت أصلاً مقرراً دلت عليه كثير من الأدلة، وهو أن المهدي من هداه الله، وليست الهداية بذكاء الداعي ولا بحكمته، وإنما الذكاء والحكمة سبب قد ينجح وقد لا ينجح؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أعقل الخلق، وأعلم الخلق بالله، وأورع الخلق، وأذكى الخلق، ومع ذلك يقول نوح ﵇: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) ، في ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ فدعاهم ليلاً ونهاراً.
فكون الهداية بيد الله تعالى أصل لابد أن يفهم تمام الفهم، فدعوة نوح ﵇ لقومه لم تفلح، ودعوته لابنه وامرأته لم تفلح، ودعوة إبراهيم لأبيه لم تفلح، ودعوة لوط لزوجته لم تفلح، ودعوة نبينا محمد ﷺ لعمه لم تلفح.
فمرد الهداية إلى الله تعالى لا إلى ذكاء الشخص، ولا إلى كفاءة الشيخ ولا العالم، وإنما هي أسباب علينا أن نأخذ بها، فنأخذ بالحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، ونأخذ باللين وبكل السبل التي سلكها رسول الله ﷺ ، مع اعتقادنا تمام الاعتقاد أن الهداية مردها إلى الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠] .
فنوح ﵇ يخبر أن دعوته قومه لم تنفع فيهم شيئاً، بل ازدادوا بعداً بسبب دعائه، وهكذا الآيات حين تنزل على الرسل فيزداد بها المؤمنون إيماناً، ويزداد بها الكافرون كفراً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤-١٢٥] .
وإنما نوع لهم الدعوة في الليل والنهار والسر والعلن حتى لا يملوا، فإن خافوا من الفضيحة في دعوة العلن فقد دعاهم أيضاً في السر، ودعاهم في الليل، ودعاهم في النهار، ودعاهم فرادى، ودعاهم جماعات.
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧] ، أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، وقوله تعالى: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) ، فيه تصوير مدى البعد الذي كان فيه قوم نوح، ومعنى قوله تعالى: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) ، أي: تغطوا بثيابهم، (وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) .
وقد حكى الله تعالى عنهم قولهم: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:٣٢] .
ثم قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٨-٩] ، وفيه بيان كل الطرق التي سلكها نوح ﷺ معهم، ولكن الهادي هو الله سبحانه.
стр. 1710
الخلاف في زيادة العمر بأعمال البر
قوله تعالى: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) يرد عند هذه الآية مسألة وهي: هل عبادة الله تعالى وتقواه سبب في طول العمر؟ وهل يزيد العمر عن الحد الذي حده الله بشيء من الأسباب؟ إن مسألة الزيادة في العمر قد ورد فيها نصوص مختلفة، فقد وردت نصوص تفيد أن العمر قد يطول ببعض الأعمال، فمن ذلك قوله ﷺ : (من سره أن يبسط له في رزقه -أي: يوسع له في رزقه- وينسأ له في أثره -أي: يؤخر له في عمره- فليصل رحمه) ، وقال النبي ﷺ : (صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار) .
ووردت أدلة أخرى في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسول الله ﷺ ظاهرها يفيد معنىً آخر، فقد قال الله سبحانه: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ، وقال الله سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩] ، وفي الصحيح أن أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله تعالى عنها قالت: (اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها الرسول ﷺ : لقد سألتِ الله آجالاً مضروبة، وأرزاقاً مقسومة، لن يقدم شيء منها ولن يؤخر) ، أو بنحوه.
وفي حديث التخلق قال ﷺ : (ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد) .
فاختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال: القول الأول: أن لكل أجل كتاباً، ولكل شخص عمراً قدر له، ولكن إذا عمل الشخص الأعمال الواردة في حديث الرسول ﷺ زيد له في عمره، فالجمع بين النصوص أن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس:٤٩] أي: إذا جاء أجلهم الذي قدر لهم لو لم يصلوا الرحم، فإذا وصلوها زيد في أعمارهم؛ لحديث النبي ﷺ .
وأشار إلى هذا المعنى الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، ولم يطل في هذا المقام.
فهذا قول مبنيٌ على ظاهر الأدلة، وهو أن الشخص له عمر مكتوب، لكن إذا وصل الرحم زيد له في عمره.
القول الثاني: أن المراد بطول العمر هو البركة في العمر، فيذكر بخير بعد مماته.
القول الثالث: أن الأجل أجلان: أجل أعلمه الله تعالى لملائكته أن إذا عمل عبدي كذا وكذا فاكتبوا له من العمر كذا وكذا، وإذا عمل كذا وكذا فاكتبوا له من العمر كذا وكذا، والله تعالى يعلم بالذي سيختاره العبد، وأثبت في اللوح المحفوظ ما سيختاره العبد، وهذا المثبت في اللوح المحفوظ هو الأجل الذي عند الله تعالى في أم الكتاب، والمحو والإثبات يكون في الكتاب الذي بين أيدي الملائكة.
ومن هذا ما ورد في شأن موسى ﵇ حين جاءه ملك الموت فلطمه ففقأعينه -كما في صحيح البخاري ﵀ فرجع إلى الله تعالى، ثم بعد ذلك قبض روح موسى ﷺ .
فالله يعلم بالذي دار كله، وأثبت عنده منتهى الأمر الذي سيصدر من موسى، والوقت الذي ستقبض فيه روح موسى، فأثبت هذا في أم الكتاب، وأما الذي تغير فهو الذي بيد الملك.
وإلى هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض اختياراته، وثم أقوال أُخر.
وهذه المسألة وصفها العلماء بأنها من المسائل الشائكة التي ينبغي أن تجرى على ظاهرها كسائر الأمور مثلها؛ فهي كمسألة الرزق، إذ الأجل والرزق مكتوبان، فمكتوب لك وأنت في بطن أمك كم سترزق، فإذا سعيت والتمست الأسباب الصحيحة لطلب الرزق في الظاهر فإنك سترزق، وإذا نمت وتركت العمل، فلن يأتيك رزق ذلك اليوم، فإن آمنت بأن الرزق مقدر ومع ذلك تسعى في الأخذ بالأسباب، فكذلك تؤمن بأن الأجل مكتوب، وعليك أن تسعى بما يزيد في أجلك كما تسعى بما يزيد في رزقك.
فالإيمان قائم أن الأجل مقدر، وعلمه عند الله تعالى، مع التدين بحديث الرسول ﷺ : (من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في عمره فليصل رحمه) ، فعليك أن تصل الرحم، كما أن عليك أن تخرج لطلب الرزق، ومع ذلك تترك الباقي إلى المولى ، كسائر المسائل المتعلقة بالقدر.
والله أعلم.
ومن العلماء من قال: إن قوله تعالى: ((يؤخركم إلى أجل مسمى)) المراد بها: يدفع عنكم العذاب فلا تعذبون في الحياة الدنيا، وهذا كالأول، فإن العذاب مقدر، فإن أطعت الله رفع عنك العذاب، كما إذا وُصِلَتِ الرحمُ طالت الأعمار.
стр. 1711
دلائل قدرة الله الداعية إلى الإيمان به
قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] ، قال بعض العلماء: إن معنى (لا تَرْجُونَ) أي: لا تخافون، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ:٢٧] أي: لا يخافون، فالمعنى: لا تخافون من بأس الله تعالى وانتقام الله تعالى، ولا تخافون من عظمة الله سبحانه.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٤] ، فيه أقوال لأهل العلم: فمنهم من قال: معناه قوله تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] .
ومنهم من قال: معناه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] .
ومنهم من قال: خلقكم متفاضلين في الأخلاق والأفهام والأذواق، ونحو ذلك، فمنكم الذكي ومنكم الغبي، ومنكم الطويل ومنكم القصير، ومنكم طيب الخُلُق ومنكم البذيء، ومنكم الوفي ومنكم الغادر، ومنكم المحسن ومنكم المسيء، ومنكم المتصدق ومنكم اللص، ومنكم الذي يأكل أموال اليتامى ظلماً ومنكم الذي يكفل الأيتام.
فعند هؤلاء يكون المراد بالأطوار: الأصناف والأشكال.
وعلى كل حال فالأطوار تحتمل كل هذه المعاني.
وبناءً على ذلك فقد تستدل إذا حصل من شخص أنه لم يفهم كلامك أو لم تفهم كلامه بهذه الآية الكريمة، فتقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ، أي: أشكالاً وأصنافاً وأزواجاً، فكلٌ على فهم، وكلٌ بعقل، وكلٌ بتفسير، وكلٌ بسجيته وطبيعته.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح:١٥] ، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح:١٦] ، هذا مما كان يقوله نوح ﵇ لقومه، وهذا النور الذي في القمر يختلف في كل يوم عن اليوم الذي قبله، فنور القمر اليوم أكثر من نوره أمس، ونوره غداً أكثر من نوره اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] .
وقوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح:١٧] فيه قولان لأهل العلم: الأول: أن معنى: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ أنبت آدم ﵇ الذي هو أبوكم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف:١١] ، أي: صورنا آدم ﵇؛ لأن آدم ﵇ خلق من الأرض، ففي الحديث: (إن الله قبض قبضة من جميع الأرض فخلق منها آدم، فجاءوا على قدر ذلك منهم الأبيض والأسود ودون ذلك، ومنهم الأحمر والأصفر ومنهم دون ذلك) أو بنحوه عنه ﵊.
الثاني: أن معنى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ أي: أنبت لكم من الأرض نباتاً.
لكن القول الأول أرجح للآية التي تليها، وهي قوله تعالى: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) ، أي: يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح:١٩] ، أي: مبسوطة ممهدة كفراش الطفل.
وقوله تعالى: ((لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)) ، الفجاج: هي الطرق، وفي الحديث: (وكل فجاج مكة طريق ومنحر) ، أو: (كل فجاج منى طريق ومنحر) .
стр. 1712
عصيان قوم نوح وما حدث لهم
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ : العصيان هنا عصيان يئول إلى الشرك، أو هو الشرك نفسه.
وقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) ؛ من العلماء من قال: هم قوم كفار من أكابر المجرمين الذين استغنوا عن الإيمان على عهد نوح ﵇ بأموالهم وأولادهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح:٢٢] أي: مكراً كبيراً عظيماً.
стр. 1713
إغراق قوم نوح بسبب معاصيهم
قال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح:٢٥] .
(مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ) أي: من خطاياهم، أي: بسبب خطاياهم، وقوله تعالى: (أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا) ، فيه أن العذاب ينزل من أجل المعاصي، وقد اُستدل به على إثبات عذاب القبر، كما استدل بقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣] ، وكما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] .
стр. 1714
تواصي قوم نوح بالتمسك بالأصنام
قال تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) .
قوله تعالى: (لا تَذَرُنَّ) أي: لا تتركن، وقد ورد في صحيح الإمام البخاري من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ذكر أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا رجالاً من أهل الصلاح، فلما ماتوا أتى الشيطان إلى أقوامهم وقال لهم: لو صورتموهم تصاوير حتى تذكروهم بها، ثم لما طال عليهم الأمد صنعوا لهم أصناماً، ثم طال عليهم الأمد فعبدوا هذه الأصنام وهذه الأحجار.
وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فهذه علة هذا الأثر، وقد حاول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في مقدمة الفتح أن يدافع عنه، ومما ذكره من أوجه الدفاع: أنه يحتمل أن يكون عطاء هذا رواه عن ابن عباس، ولكن لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومع ذلك فجمهور المفسرين على أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا رجالاً صالحين، وحصل بهم الذي ذكر في أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
فقوله تعالى عنهم: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) ، أي: لا تتركوا عبادة هذه الآلهة، فهو تواصٍ ونصح من بعض الكفار لبعض، كما تواصى الكفار على عهد رسول الله ﷺ كما حكى الله تعالى عنهم: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص:٦] ، أي: اصبروا على عبادة آلهتكم.
وقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ هؤلاء كانوا رجالاً أهل صلاح قبل نوح ﵇، فماتوا فعبدهم أقوامهم، بعد أن أوحى إليهم الشيطان أن صوروهم، ثم صنعوا لهم تماثيل، ثم آل بهم الأمر إلى عبادة هؤلاء، وكان فعل الشيطان لتحميس الناس على الدعاء، ولتهييج الناس على الاقتداء بالصالحين، فلما طال الأمد عبدوا هؤلاء الصالحين.
ولهذا فمن العلماء من يذكر من العلل التي يعلل بها حكم تحريم التصاوير أنها تفضي إلى عبادة هؤلاء المصورين، وإلى المغالاة فيهم.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وقد آلت هذه الأصنام إلى قبائل العرب، فذكر أن وداً أصبح لقبيلة، وسواعاً لقبيلة، وكل قبيلة أخذت صنماً من هذه الأصنام وعبدته.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ : الظاهر أنها الأصنام أضلت كثيراً من الناس، كما قال إبراهيم ﵊: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥-٣٦] ، أي: الأصنام، وهنا قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا﴾ [نوح:٢٤] .
стр. 1715
حكم الدعاء على الظالم
قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦] ، الديار: هو الذي يسكن الديار، ومنه قول الشاعر بعد وفاة بعض العلماء: يا قاصدين بلاد العلم لا تفدوا فما بتلك الحمى والدار ديار ثم قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] ، فعلل نوح ﵊ طلبه بهذا.
وقد اختلف أهل العلم في الدعاء على الظالم: هل الأفضل فعله أم تركه؟ فمن أهل العلم من يقول: إن ترك الدعاء أفضل؛ لأن النبي ﷺ ذكر حديث الشفاعة الطويل، وفيه: (فيأتون إلى آدم فيقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح ﵊ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول رسول بعثك الله إلى أهل الأرض وسماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: نفسي نفسي.
اذهبوا إلى غيري، إنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي) الحديث.
فقالوا: إنه ﵊ اعتذر عن الشفاعة لكونه دعا على قومه فاستجيبت دعوته في حياته الدنيا، فهذا أنقص من أجره في الآخرة، فلولا هذه الدعوة لشفع نوح ﷺ .
ولذلك قال ﷺ : (لكل نبي دعوة مستجابة، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ، فقالوا: لو دعاها الرسول ﷺ في الدنيا ما نال هذه الدعوة في الآخرة.
فإذا ظلمك شخص فإنه يجوز لك أن تدعو عليه، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩] ، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] ، إلا أن العفو أفضل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] وهو العفو، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] ، فكل هذه الآيات ترشد إلى أن العفو أفضل.
ومن أهل العلم من يقول: إن الحال بحسبه، فإن كان الشخص يؤذيك أذىً مستمراً بما لا تطيقه ولا تتحمله فجائز لك أن تدعو الله تعالى عليه، أو إذا كان يفسد وكان شره مستطيراً في الأرض فجائز لك أن تدعو عليه، واستدل بدعاء نوح ﵇، ودعاء موسى ﵇ على فرعون، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] .
ودعاء الرسول ﷺ على عصية ورعل وذكوان، وقوله: (اللهم عليك بالملأ من قريش، اللهم عليك بالملأ من قريش، اللهم عليك بـ أبي جهل، اللهم عليك بـ عتبة بن ربيعة، اللهم عليك بـ شيبة بن ربيعة، اللهم عليك بـ أمية بن خلف) ، إلى غير ذلك من الأدعية الواردة عن رسول الله ﷺ .
ثم قال تعالى حكاية عن نوح ﵇: (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا) ، أي: سيضلون عبادك الذين آمنوا، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] ، أي: شديد الكفر.
стр. 1716
الاستغفار مسك ختام الأعمال
ثم ختم نوح ﵇ الخطاب بقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ .
فيشرع الإكثار من الاستغفار في ختام الأعمال، فالنبي ﷺ في ختام المجلس كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) ، وفي آخر حياته كان يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) .
وفي نهاية الصلاة يعلم أبا بكر فيقول له: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) ، وهنا نوح يدعو بالمغفرة بعد الخطاب الطويل فيختم قائلاً: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨] .
стр. 1717
الأسئلة
стр. 1718
حكم النصيحة إذا عادت بمشكلة على الناصح
السؤال
سمعت شاباً يسب الدين، فقلت له: اتقِ الله تعالى! وحاولت نصحه، فوجدته يغضب غضباً شديداً، وكاد أن يتشاجر معي، فحاولت إقناعه بالمعروف وتركته وذهبت، ثم سمعته يكرر السب، فماذا عليّ؟
الجواب
دعه وأمره إلى الله تعالى.
стр. 1719
العمرة عن الميت لرؤيته يأمر بها في المنام
السؤال
رجل يرى أمه في النوم بعد وفاتها تؤكد عليه أن يعتمر عنها لحاجتها لذلك، فما الحكم؟
الجواب
يعتمر عنها إن كان بوسعه ذلك، فالعمرة من أفعال الخير، وذلك إن كان قد اعتمر لنفسه، فأما إذا لم يكن قد اعتمر لنفسه فليعتمر لنفسه أولاً، ففي الحديث: (أن النبي ﷺ لما سمع رجلاً يلبي ويقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخٌ لي، أو: قريبٌ لي يا رسول الله، قال: هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) ، فإن كنت اعتمرت عن نفسك فاعتمر عن أمك إن كان بوسعك.
стр. 1720
أكل لحوم الحمير
السؤال
ما حكم أكل لحوم الحمير؟
الجواب
لحوم الحمير محرمة إلى الأبد، أي: الحُمر الإنسية؛ إذ الحمار الوحشي لحمه حلال، وأما الحُمر الإنسية التي هي الأهلية فقد حرمها النبي ﷺ يوم خيبر، فقد قال علي رضي الله تعالى عنه -كما في الصحيح-: (حرم النبي ﷺ لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر) .
следующие страницы →