Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
حكم العمل وقت صلاة الجمعة
السؤال
يوم الجمعة عندنا في الزراعة عمل، وإذا أوقفنا العمل غضب العمال، فهم يريدون أن يعملوا يوم الجمعة لأجل الاستكثار من الأجرة، فما الحكم؟
الجواب
على صاحب العمل أن يوقف العمل لصلاة الجمعة، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] ، وهذا إذا كان العمل من الأعمال التي يصلح فيها التأخير، لكن إذا كانت أعمالاً لا يصلح أن تؤخر ولا أن تهمل مثال ذلك: حارس إذا ذهب يصلي سرق المحل، أو شخص واقف على مكينة إذا غفل عنها ساعة أو نصف ساعة أحدثت حريقاً، فالضرورات تقدر بقدرها، وكما يحدث مثلاً في الحرم المكي أو المدني فيقف عسكر أمام الأبواب، إن صلوا مع الناس وتركوا المسجد مفتوحاً؛ فقد يدخل شيعة روافض بأي سلاح، ويعبثوا بالحرم، فالضرورة تقدر بقدرها، والله أعلم.
стр. 1752
تقبيل يد وقدم العالم أو الصالح
السؤال
ما حكم تقبيل يد أو قدم الرجل الصالح أو العالم أو الفقيه؟
الجواب
إن فعل ذلك أحياناً فلا بأس، فهناك أدلة تشعر بجواز ذلك، لكن لا تتخذ عادة، فإن الصحابة رضوان الله عليهم ما ورد عنهم أنهم كانوا يتخذون ذلك عادة، وقد ورد في بعض الروايات مجيء صحابي إلى الرسول وتقبيله لرسول الله ﷺ ، أو بعض الصحابة مع بعضهم، لكن لا تتخذ عادة، والله أعلم، والقول بتحريمها لا يصار إليه.
стр. 1753
الطمأنينة ورجاء رحمة الله
السؤال
كبر سني، وأنظر إلى شبابي وما حدث فيه، فأستعيذ بالله مما كان فيه، وأستغفر الله، وأسمع عن أي عذاب في القبر أو جهنم فيرتعد بدني، وأنا الآن أقوم بأداء الفرائض، ولا أكثر من النوافل، وأحب الاستمتاع بزوجتي كثيراً، فهل من سبيل للاطمئنان على النهاية؟
الجواب
ليس هناك سبيل إلى الاطمئنان على النهاية إلا رجاء رحمة الله سبحانه، فلا أحد يستطيع أن يطمئن على نهايته إلا من الله سبحانه، فاطلب من الله الثبات حتى الممات، فرسولك محمد ﷺ كان يكثر في اليمين من قول: (لا، ومقلب القلوب!) وكان يكثر في الدعاء: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب! صرف قلبي على طاعتك) ، وأهل الإيمان يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨] ، وإبراهيم الخليل يقول للمشركين: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام:٨٠] أي: أنا لا أخاف من الأصنام (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) أي: إذا شاء الله لي شيئاً آخر، خفت من هذه الأصنام، فعليك دائماً أن تكون خائفاً وجلاً من الله سبحانه، وتسأله الثبات حتى الممات، وأحسن الظن بالله .
стр. 1754
زواج الإنس بالجن
السؤال
ما حكم زواج الإنس بالجن؟
الجواب
لم يرد أن عفريتاً تزوج امرأة في عهد الرسول ﷺ ، ولا صحابياً تزوج عفريتة في عهد الرسول ﷺ ، فالبحث فيها فضول وليس له معنى، ولولا أن بعض العلماء كـ السيوطي وغيره أثاروها ما تعرضنا لها أصلاً، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] على أن الجان يمكن أن يطمث، وإن كان الجن يمكن أن يطمث، لكن ليس في الآية جواز الزواج، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨] والآية تفسرها سيرة رسول الله وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم، فليس المراد بالاستماع الزواج والمعاشرة، إنما يراد الاستمتاع بالشرك والكفر والعياذ بالله.
стр. 1755
تفسير قوله تعالى: (لن تراني)
السؤال
إذا كانت (لن) تفيد التأبيد فكيف نفسر قوله تعالى لموسى ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ؟
الجواب
من العلماء من قال: تفيد التأبيد في الدنيا، (لَنْ تَرَانِي) أي: في هذه الدنيا، أما الآخرة فلها حكم آخر.
стр. 1756
حكم السفر بدون إذن الأب
السؤال
يقول: أنا أب لأربعة أولاد، وليس لي دخل إلا مائة وعشرين جنيهاً من وظيفتي، فأردت السفر إلى خارج مصر لتحسين وضعي المادي، ولكن والدي غضب من ذلك، فحاولت أن أنتقل إلى جهة في البلدة أحسن حالاً، لكنني لم أوفق، فهل إذا سافرت مع غضبه يكون ذلك عقوقاً؟ ولو أخذت أهلي معي، ووصيت بأبي أخي الذي يكبرني، ويسكن معي في نفس البيت، علماً بأن والدي يبلغ من العمر سبعين سنة، ويتقاضى معاشاً يكفيه، فهل يجوز ذلك؟
الجواب
إذا كنت تستطيع البقاء مع والدك، ولو كان في المعيشة كفافاً، فلتبق مع والدك، فأنت لست مأموراً ولا مطالباً شرعاً أن تكثر من دخلك، فما دام أن الدخل يكفيك فهو الكفاف، أما إذا كان دخلك لا يكفيك، والأولاد يجوعون، والدخل لا يكفيك أصلاً، فهل تمد يديك للناس؟ لا.
و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ولا يلزمك الشرع بأن تستدين، بل قال تعالى: ﴿وامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] ، لكن طيب خاطر الأب، وأقنعه بالوضع الذي أنت فيه، والعلم عند الله .
стр. 1757
تفسير سورة المزمل [١]
سورة المزمل من أوائل ما نزل على النبي ﵊، لذا نجد التربية الإيمانية تتجلى بوضوح في آياتها، من ذكر قيام الليل والحث عليه، ثم تعرض صورة من صور يوم القيامة وما أعده الله للمكذبين من العذاب والجحيم.
стр. 1758
تفسير قوله تعالى: (يا أيها المزمل .)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١] إن من عادة العرب: أنهم كانوا إذا أحبوا أن يلاطفوا شخصاً دعوه بصفة من الصفات التي هو متلبس بها، فمن ذلك: أن علي بن أبي طالب ﵁ كانت بينه وبين فاطمة ﵄ شيء، فخرج علي من البيت ونام في المسجد، فأتاه الرسول في المسجد وقد علاه التراب، فقال له: (قم يا أبا التراب!) ، ومن ذلك قول النبي ﷺ لصحابي: (قم يا نومان!) .
فإذا أحبوا أن يتلطفوا مع الشخص ينادونه بصفة هو متلبس بها.
وعلى هذا فالآية فيها ملاطفة مع رسول الله ﷺ ، ناداه ربه بصفة تلبس بها وهي التزمل، والتزمل: التلفف، وكان هذا بعد نزول الوحي عليه لأول مرة، فقد اعتراه الخوف الشديد واعتراه البرد، ورجع إلى أهله فقال: (زملوني زملوني) ، وقال: (دثروني دثروني) ، (زملوني) أي: غطوني، فمعنى (المزمل) : النائم المتلفف بالثوب.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١-٢] ، أمر من الله لنبيه ﷺ بقيام الليل، أي: قم الليل كي تصلي، لكن حذفت (كي تصلي) ؛ لأن العرب يفهمون ما المراد بقيام الليل، وقد قدمنا نماذج: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] ، ما هي التي توارت؟ العرب يفهمون أن التي تتوارى بالحجاب هي الشمس.
(يا أيها المزمل) * (قم الليل إلا قليلاً) أي: قم صل في الليل أو صل الليل إلا قليلاً منه، وقد صح أن سعد بن هشام أتى إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ يسألها عن قيام رسول الله ﷺ ، فقال: (يا أم المؤمنين! أخبريني عن قيام رسول الله ﷺ ، قالت له: ألست تقرأ: (يا أيها المزمل) ، (قم الليل إلا قليلاً) ؟ فإن النبي ﷺ لما نزلت عليه هذه الآية قام من الليل هو وأصحابه حتى ورمت أقدامهم، قاموا حولاً اثني عشر شهراً حتى تورمت أقدامهم، ثم نزل قوله تعالى.
في آخر السورة: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] ، فنسخت هذه الآية الآية التي قبلها.
فمن العلماء من يرى أن قيام الليل كان واجباً على رسول الله ﷺ بصفة خاصة، ويستدل هذا القائل بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ، فـ (نافلة لك) على رأي بعض العلماء أي: زيادة لك على أمتك، فأمتك ليست مكلفة بقيام الليل، أما قيام الليل فهو نافلة لك، أي: أنت مكلف به زيادة على أمتك على رأي بعض المفسرين.
стр. 1759
حكم تعلم علم التجويد
السؤال
ما حكم التجويد الذي يتضمن الإخفاء، والإقلاب، والغنة، والمد ست حركات، أو أربع حركات أو أكثر أو أقل؟ علماء القراءات يقولون بوجوب تعلم علم التجويد، ويستدلون بقول القائل: والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم لكن التحرير من ناحية فقهية أنه مستحب؛ وذلك لأنه يدخل ضمناً في قوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلاً) أي: بينه تبييناً، ويدخل في تحسين الصوت بالقراءة، والنبي ﷺ يقول: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به) ، يعني: ما استمع الله لشيء كما استمع إلى نبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به.
وقد ورد حديث في البخاري: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) ، ومن العلماء من قال: هذا الحديث منتقد على الإمام البخاري بهذا اللفظ، انتقده عدد من أهل العلم كـ الدارقطني وغيره، وقالوا: إن الصواب فيه هو حديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به) ، فرواه راو بالمعنى بلفظ: (ليس منا من يتغنى بالقرآن) ، وبين اللفظين خلاف، وقد ورد في الباب حديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) ، وورد حديث: (الذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) ، فليس بآثم من يتعتع في قراءة القرآن، (والماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة) ، والله أعلم.
стр. 1760
جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في قيام الليل
ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة) .
وورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) .
وورد عن عبد الله بن عباس ﵄ ما حاصله: (إن النبي ﷺ صلى من الليل ثلاث عشرة ركعة) ، فهذه ثلاثة أدلة تعد أصول في هذا الباب.
حديث النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة) ، في هذا النص إباحة الصلاة لمن شاء، لكن صفتها أن تكون: مثنى مثنى، ثم جاء حديث أم المؤمنين عائشة: (ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) .
فقد يقول القائل: إن هذا النص المفسر يفسر المجمل في قوله ﵊: (صلاة الليل مثنى مثنى) ، لكن جاء حديث ابن عباس فيه: (أن النبي ﷺ قام ثلاث عشرة ركعة من الليل) ، فلزم التوفيق بين هذه الأدلة مجتمعة.
وورد أيضاً في الباب قول رسول الله ﷺ : (أحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه) ، وهذا دليل رابع يدخل في الاعتبار عند مناقشة هذه المسألة، فبعض أهل العلم أخذ دليلاً من هذه الأدلة، وبنى عليه قوله، وأهمل الأدلة الأخرى؛ فنشأ فقه عجيب! فجاء أحدهم إلى حديث عائشة: (ما زاد رسول الله على إحدى عشرة ركعة) ، وقال: الأصل أن تصلي إحدى عشرة، وليس لك أن تزيد، لحديث عائشة: (ما زاد رسول الله على إحدى عشرة ركعة) ، وهذا القول قول عجيب! بل بالغ بعضهم فقال: إذا زدت فأنت مبتدع! وهذا من عجيب القول ومن القول المستنكر الذي لم يسبق إليه قائله! ولكن لزاماً -كما أسلفنا- أن تجمع الأدلة التي وردت في الباب.
وقال فريق من أهل العلم: إن الله لما ذكر قيام الليل في كتابه الكريم لم يحدده بعدد ركعات، إنما ذكره مقيداً بأزمنة، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٢-٤] ، فكلها مدد زمنية.
كذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ﴾ [آل عمران:١١٣] ، أي: ساعات، فهي أيضاً مدة زمنية، وأيضاً قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] ، فهي أيضاً مدة زمنية، وأيضاً حديث الرسول ﵊: (أحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه) ، فهي أيضاً مدة زمنية.
فكل الآيات التي وردت في كتاب الله فيها مدة زمنية، إضافة إليها حديث الرسول ﵊ الذي هو: (أحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه) ، فهو أيضاً مدة زمنية، ثم إن المعنى أيضاً معتبر، فليس من قام إحدى عشرة ركعة في عشر دقائق خير ممن صلى ركعتين تلا فيهما جزءاً من القرآن، يعني: إذا قام شخص وصلى إحدى عشرة ركعة في ربع ساعة أو في نصف ساعة وانتهى ونام، هل هو خير من رجل صلى أربع ركعات كصلاة رسول الله ﵊ التي وصفتها عائشة فقالت: (لا تسأل عن حسنهن وطولهن) ؟ هل الذي صلى إحدى عشرة ركعة في ثلث ساعة أو في نصف ساعة خير أم رجل صلى أربع ركعات كصلاة رسول الله ﷺ ؟ أيهما خير شخص صلى أربع ركعات في ساعة أم شخص صلى إحدى عشرة ركعة في نصف ساعة أو في ثلث ساعة؟! فمن ناحية المفهوم أيضاً يفهم أن الذي وافق صفة صلاة رسول الله ﷺ أولى من الذي لم يوافق صفة صلاة رسول الله ﵊، فدل على أنه لا بد وأن يعتبر أيضاً في الباب إضافة إلى عدد الركعات صفة الركعات، فإذا أراد شخص إصابة السنة فعليه أن يوافقها في الصفة وفي العدد، لكن كونه يأتي يتحجر أمام النص، ما زاد الرسول على إحدى عشرة ركعة، ويصلي في كل ركعة بفاتحة الكتاب مثلاً وسورة قصيرة كالعصر، ثم يدعي أنه أفضل من رجل صلى أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة قدراً كبيراً من القرآن ويسجد لله ويخشع، حتى مضى عليه ما يقارب الساعة، فلابد من النظر في الصفة وفي العدد، فإذا أردت موافقة السنة فلتوافقها في العدد وفي الصفة، لكن إذا جئنا نطبق هذا ونقول: يا مسلمون! نريد أن نوافق سنة الرسول ﷺ في العدد والصفة فهو خير الهدي، فنقول: إن ابن عباس أثبت أنه زاد عن إحدى عشرة ركعة، فكيف نفعل إذا جئنا نوافق الرسول ﵊ في صفة صلاته، ولم يتحمل الناس ذلك؟ كيف والرسول ﵊ قال: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم) .
ولكن قد يقول قائل: هذا في الفريضة، لكن قال الرسول ﵊ أيضاً: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ، فشخص يقول: يا ناس! أنا أريد أن أصلي معكم حتى يكتب لي قيام ليلة، ولكن صلاتكم طويلة جداً، قد تأتيني الحاجة في الصلاة من بول أو غائط أو عطش أو نحو ذلك، فتشق عليّ الصلاة معكم، ونحن نريد أن نراعي المصلحة العامة للمسلمين، فماذا نصنع؟ فإذا وافقنا صلاة الرسول ﵊ في الصفة وفي العدد شق هذا على المسلمين، وإذا قصرنا في الصفة حتى نوافق في العدد ابتعدنا عن قول الرسول: (أحب القيام قيام داود، كان يقوم ثلث الليل ... ) ، فماذا نصنع؟ قال كثير من أهل العلم: إن المعول عليه الوقت -كما سمعتم- فإذا قللنا في الصفة نزيد في العدد، إذا قللنا في القراءة نزيد في عدد الركعات، وإذا أطلنا القراءة نقصر عدد الركعات حتى يتسنى لنا موافقة نبي الله داود، وحتى يتسنى لأصحاب الأعذار أن يقضوا الحاجات، وقالوا: إن الأصل أن أكثر صلاة رسول الله إحدى عشر ركعة لكن أيضاً ثبت أنه زاد على إحدى عشرة ركعة كما في حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة) ، وأيضاً فتح لنا الباب في قوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) ، وعلى هذا جاءت سيرة الصحابة والتابعين، ورد عن عمر ﵁ أنه جمع الناس على إحدى عشرة ركعة، جمعهم على أبي بن كعب وفي رواية أخرى: على إحدى وعشرين ركعة على أبي أيضاً.
فمن العلماء من يصحح إحداهما ويضعف الأخرى والتحرير: أن كلا الروايتين صحيح، ويحمل على التعدد، فأحياناً جمعهم على إحدى وعشرين، وأحياناً جمعهم على إحدى عشرة ركعة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أننا إذا أطلنا القراءة نقصر الركعات وإذا قصرنا القراءة نطيل في عدد الركعات، وهو اختيار الحافظ ابن حجر، واختيار طائفة كبيرة من العلماء، ولذلك إذا تتبعت سيرة السلف الصالح رأيت منهم -كالإمام مالك - من يستحب ستاً وثلاثين ركعة، وترى أن منهم من كان يقوم بأكثر، ومنهم كان يقوم بأقل، والله أعلم، والباب مفتوح، وهو باب تطوع، والحمد لله.
فقصدنا بذلك أننا إذا صلينا وراء إمام يصلي إحدى وعشرين لا نفارقه وننصرف، ونحدث مشاكل بين الناس ونستدل بحديث عائشة، إذا استدللت بحديث أم المؤمنين عائشة فلتستدل أيضاً بالأدلة الأخر، فإن الفقه يؤخذ من مجموع الأدلة كما سمعتم.
قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١-٤] ، (رتل القرآن ترتيلاً) أي: بينه تبييناً ووضحه إيضاحا، فلا تتداخل الكلمات في بعضها، ولا تتداخل الحروف في بعضها.
стр. 1761
فضل قيام الليل من الكتاب والسنة
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ﴾ [المزمل:١-٣] أي: نصف الليل، ﴿أَوِ انْقُصْ) [المزمل:٣] أي: انقص من هذا النصف ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٣-٤] .
قيام الليل دأب الصالحين، قال الله في كتابه الكريم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] ، وقال سبحانه في شأن عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤] ، وقال تعالى في شأن أهل الكتاب أيضاً: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] ، فجاءت الأدلة متواترة ومترادفة تحث على قيام الليل، فقد جاء في خبر عن رسول الله ﵊ أنه قال: (إنه دأب الصالحين من قبلكم) ، وقال النبي ﷺ لأزواجه: (من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين؟ يا رُب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) ، وقال ﵊: (رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي فأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي، فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) ، وكان النبي ﷺ يكثر من قيام الليل ويطيل القراءة لنفسه غاية الإطالة، فقد قام ﵊ مرة من الليل يصلي، ودخل ابن مسعود معه، فافتتح الرسول ﵊ القراءة بالبقرة -بعد الفاتحة- ثم بالنساء ثم بآل عمرآن، ثلاث سور طوال قرأها النبي ﷺ في ركعة واحدة! (وكان يسجد قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ﵊ ولا بد من معرفة صفة وعدد ركعات قيام الليل، ومن المعلوم أن من الأصول التي ينبغي الرجوع إليها دائماً أن الأحكام لا تؤخذ من حديث واحد من أحاديث رسول الله ﷺ ، وإنما تؤخذ الأحكام من مجموع الأدلة الواردة في المسألة الواحدة، وتؤخذ أيضاً من عمومات شرعية تتعلق بالمسألة.
стр. 1762
تفسير قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولاً .)
قال الله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] ، القول الثقيل هو: القرآن، وثقله ليس في لفظه، فرب العزة يقول في عدة آيات: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] .
فما المقصود بثقل القرآن؟ قال العلماء: ثقله يتمثل في: أحكامه وتكاليفه من الأمر والنهي، كالأمر بالصلاة والأمر بالصيام، كالأمر بغض البصر، وفيه أوامر بترك الشبهات، وأوامر بترك المحرمات كالخمر، وأوامر بتحريم بعض الأطعمة، فكل هذه تكاليف وأوامر ونواهٍ وأحكام، فثقل القرآن يتمثل في تكاليفه التي فيه، إذ هي في البداية ثقيلة على من كُلف بها.
стр. 1763
تفسير قوله تعالى: (إن ناشئة الليل .)
قال الله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل:٦] ، ما معنى الناشئة؟ من العلماء من قال: ناشئة الليل: هي ساعات الليل التي تبدأ من بعد العشاء إلى الفجر، منذ أن ينشأ الليل، يعني: منذ أن يبدأ الليل، (إن ناشئة الليل) أي: ساعات الليل ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل:٦] ، أي: من ساعات النهار، وسيأتي تفسير الوقت، ومن العلماء من قال: الناشئة معناها: القيام، مثل قولهم: أنشأ فلان يقول، يعني: قام فلان يقول.
فمن العلماء من قال: نشأ بمعنى: قام بالحبشية، ومنهم من قال: إن الناشئة هي: ساعات الليل التي تبدأ من بعد صلاة العشاء وتنتهي إلى الفجر، يعني: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً) أي: القيام في ساعات الليل، (أشد وطئاً) كما سيأتي بيانه، فهما قولان في ناشئة: أحدهما: نشأ بمعنى: قام، والثاني: ناشئة: ساعات الليل.
وقوله: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً) الوطء: له معان، فمن معانيه: الشدة والثقل، كما قال النبي ﷺ : (اللهم! اشدد وطأتك على مضر، اللهم! اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) ، والقول الآخر في الوطء: من المواطأة وهي: الموافقة، تواطأ فلان وفلان، أي: توافق فلان وفلان على فعل شيء معين، ومنه قول الرسول ﷺ : (أرى رؤياكم قد تواطأت) ، يعني: قد اتفقت على أنها في العشر الأواخر، فمن العلماء من قال: إذا تواطأت فهي حق، وقد تواطأت رؤيا الأذان، أي: رآها عمر ورآها عبد الله بن زيد فرآها أكثر من واحد، فتواطأت أي: اتفقت، فقوله على هذا التأويل: إن ناشئة الليل -أي: إن قيام الليل- أشد وطئاً، أي: أشد موافقة للفهم والتدبر من ساعات النهار، يعني: إن ساعات الليل أقرب لفهم كتاب الله وأوفق في الأفهام من ساعات النهار؛ لما يعتري ساعات النهار من التشويش والضوضاء وغير ذلك.
فالمعنى: إن ساعات الليل أشد موافقة لتفهم القرآن وتدبر معانيه والوقوف عند آياته من ساعات النهار، و ﴿وَأَقْوَمُ﴾ [المزمل:٦] أي: وأحسن تلاوة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] ، أي: للتي هي أحسن، والمعنى: أن تلاوة الليل تختلف عن تلاوة النهار.
стр. 1764
تفسير قوله تعالى: (إن لك في النهار سبحاً .)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧] قال بعض العلماء: إن المراد بالسبح: السبح في الدنيا للعمل وقضاء الحوائج، يعني اسبح في النهار كما تريد أن تسبح، اعمل في النهار ما تريد أن تعمل، لك في النهار أن تتجول لقضاء حوائجك، أن تسعى لكسب رزقك، أن تنام لتستريح في الظهر وفي وقت القيلولة، فتتفرغ لقضاء حوائجك في النهار.
стр. 1765
تفسير قوله تعالى: (واذكر اسم ربك .)
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨] ، الذكر: حث عليه ربنا في جملة مواطن: في الليل، وفي النهار، وفي القيام، وفي القعود، وعند النوم، بل في كل المواطن.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨] ، وقد أسلفنا أن الكلمة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ قد تتعدد معانيها، ويؤخذ المعنى من السياق الذي وردت فيه هذه الكلمة، فمثلاً كلمة: (تبتل إليه تبتيلاً) أمر الله نبينا ﷺ بالتبتل، وقد رد النبي ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، قال الصحابة ولو أذن له لاختصينا، فكيف يقال: (وتبتل إليه تبتيلاً) ؟ وكيف نجمع بين هذه الآية الكريمة التي فيها الأمر بالتبتل وبين قول الصحابي: رد النبي ﵊ على عثمان بن مظعون التبتل؟ هناك تبتل مأمور به، وتبتل منهي عنه.
فالتبتل المأمور به لا بد أن يكون له معنى غير التبتل المنهي عنه، وأصل التبتل: الانقطاع كما قيل لمريم: البتول، أما رد النبي ﵊ على عثمان بن مظعون التبتل، فالتبتل هنا بمعنى الانقطاع للعبادة وترك النساء؛ لأنه كان يريد الانقطاع كلية عن الزواج، ولا يتزوج أبداً، كان يريد الانقطاع كلية عن الزواج ولا يتزوج، فالرسول رد عليه هذا ومنعه، لكن الآية: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨] أي: في الساعات التي تقوم فيها من الليل تصلي، انقطع فيها إلى الله انقطاعاً، ولا تشغلها بغير عبادة الله ، وليس المراد: انقطع عن كل أعمالك للصلاة، ولكن إذا قمت إلى الصلاة فرغ قلبك وفرغ ذهنك وفرغ عقلك لتدبر الآيات وللصلاة في هذه الأوقات التي خصصتها لقيام الليل، وهذا القول الأول في تفسير قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ .
القول الثاني في تفسير قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أن يقال: (تبتل إليه) أي: اعبده وانقطع لعبادته، ولا تعبد غيره معه.
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٩] أي: اجعله وكيلاً عنك في كل شئونك، فإذا أردت قضاء حاجة من الحاجات فاجعله سبحانه وكيلاً لك لقضائها، تريد التوسط في شيء اجعله وكيلاً لك في قضاء هذا الشيء، مع الأخذ بالأسباب.
стр. 1766
تفسير قوله تعالى: (واصبر على ما يقولون .)
قال الله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠] ، وهو الهجر أو الهجران الذي لا عتاب معه، (اهجرهم هجراً جميلاً) أي: اهجرهم هجراً لا عتاب معه، وهو كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:١٤] ، لكن هل المراد بالهجر الجميل: الصبر على الأذى وعدم مواجهته بأذى مشابه؟ من العلماء من قال: إن هذا في بعض أنواع الأذى، لكن بعض العلماء يقولون: إن الآية منسوخة بآية السيف؛ لأن الله قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٢٩] ، وقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١] ، وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم:٩] ، وقال سبحانه مثنياً على الذين ينتصرون إذا أصابهم البغي: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩] ، فليس كل من أصابه البغي يحمد عفوه إن عفا، قد يكون في العفو أحياناً تقوية للظالم وتجريء للظالم على ظلمه، فالمسألة تحتاج إلى فقه واسع، أحياناً تعفو، وأحياناً تؤاخذ، وأحياناً تصبر، وأحياناً تنتقم، وأحياناً تشتد، وأحياناً تلين، وكل جزئية من هذه الجزئيات عليها دليل عن رسول الله ﷺ ، دعا الرسول لأقوام ودعا على أقوام، عفا الرسول عن أقوام وانتقم من أقوام، منَّ الرسول على أقوام وقتل أقواماً، كل جزئية من هذه الجزئيات عليها دليل من السنة، ولكن الفقيه هو الذي يأخذ من هدي الرسول ﵊ ما يوافق الواقعة، مثلاً: شخص ضربك، هل أنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩] أو أنزل عليه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] ؟ أو أداريه أو أعاقبه؟ الحكمة هي ضالة المؤمن، والرسول يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ، فقد يكون شخص حامل لكل النصوص التي سمعتموها، يحمل نصوصاً انتقم فيها الرسول، ونصوصاً عفا فيها الرسول، ونصوصاً ألان فيها الرسول، ونصوصاً شدد فيها الرسول، لكن لا يعرف هل هذا الموقف يستلزم الشدة أو يستلزم الرفق؟ فيخلط في الأمر، فلا بد لحمل النصوص من فقه في الدين وفي واقع المسلمين.
قال الله : ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠] ، الهجر الجميل: الذي لا عتاب معه، وهناك صبر جميل وهو الذي لا شكوى معه.
стр. 1767
تفسير قوله تعالى: (وذرني والمكذبين .)
قال الله: ﴿وَذَرْنِي﴾ [المزمل:١١] أي: اتركني، وهو على سبيل التهديد للمشركين، ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل:١١] ، الواو هنا بمعنى: مع، أي: ذرني مع المكذبين أي: اتركني مع هؤلاء المكذبين لأنتقم منهم، كما في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] ، ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤] ، قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل:١١] أي: المنعمون المترفون، فهم أعداء الرسل في الغالب، أهل الترف في الغالب -إلا من رحم الله- يطغيهم ترفهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٢٧] ، فالأغنياء والأثرياء والمنعمون في الغالب هم أهل الشر والفساد، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦] ، ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف:٦٠] ، والملأ: هم المستكبرون، فرب العزة يقول: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل:١١] ، المنعمون في دنياهم، ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل:١١] : اصبر عليهم قليلاً ﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾ [المزمل:١٢] أي: عندنا ﴿أَنكَالًا﴾ [المزمل:١٢] أي: قيوداً، ﴿وَجَحِيمًا﴾ [المزمل:١٢] ، أي: ناراً.
﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل:١٣] ، ذا غصة: يقف في الحلق لا ينزل، كالضريع والزقوم، يقف في الحلق ولا يصل إلى الجوف، فلا يستطيع بلعه، ولا يستطيع إخراجه.
﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٣] أي: مؤلماً موجعاً.
стр. 1768
تفسير قوله تعالى: (يوم ترجف .)
قال الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل:١٤] يتحقق هذا العذاب يوم ترجف الأرض والجبال أي: الزلزلة، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا﴾ [المزمل:١٤] ، والكثيب: الرمل المجتمع، المهيل: السائل المنهال.
ثم قال سبحانه ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل:١٥] ، فالرسول ﷺ ، بعث مبشراً ونذيراً وشاهداً، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥] ، فهو شاهد على أمته ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١-٤٢] ، فالرسول شاهد على أمته ﷺ ، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل:١٥] ، وهو موسى ﷺ ، ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل:١٦] ، والوبيل: هو الشديد، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة:٢٦٥] ، فالوابل: المطر الشديد، ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة:٢٦٥] : هو المطر الخفيف أو الرذاذ، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1769
الأسئلة
стр. 1770
هل ورد في فضل صيام شهر رجب شيء ؟
السؤال
ما هو فضل الصيام في شهر رجب؟
الجواب
لا أعلم في الصيام في شهر رجب نصاً صريحاً عن رسول الله، اللهم إلا عموم القول بأن شهر رجب من الأشهر الحرم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] ، وقال النبي ﷺ في الأشهر الحرم: (ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، وشهر الله المحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) ، ولماذا نسب رجب إلى قبيلة مضر؟ لأنها كانت تحافظ على شهر رجب لا تقدمه ولا تؤخره، أما أهل الجهل والغباء من أهل الجاهلية، فكانوا إذا دبت بينهم حروب ودخل عليهم الشهر الحرام ويفترض أنهم يتوقفون عن الحرب، لكن كانوا في رجب يقولون: لا بأس في هذه السنة أن نلغي رجب من أجل الاستمرار في الحروب، أو يقولون: نؤخر رجب ونجعله مكان شعبان، من أجل أن يستمروا في الحروب، فقال الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ [التوبة:٣٧] أي: إنما التأخير ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٣٧] الآية.
أما شهر شعبان فالرسول ﵌ كان يكثر من الصيام فيه.
стр. 1771
ما المحرم من الخنزير ؟
السؤال
هل المحرم من الخنزير لحم الخنزير أم الخنزير كله حرام؟
الجواب
الخنزير كله حرام.
стр. 1772
ما حال حديث: (الجنة تحت أقدام الأمهات) ؟
السؤال
حديث: (الجنة تحت أقدام الأمهات) ما صحته؟
الجواب
لا يثبت عن رسول الله ﵌.
стр. 1773
حكم تكرار السورة القصيرة في الركعة الواحدة
السؤال
هل يجوز تكرار السورة القصيرة في الصلاة في الركعة الواحدة؟
الجواب
لا مانع من ذلك، وقد ورد حديث في إسناده ضعف: (أن النبي ﵊ قام بالآية الأخيرة من سورة المائدة ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] ، ليلة) ، لكن في إسناد الحديث ضعف والله أعلم، وقد ورد قراءة الصحابي بسورة "قل هو الله أحد" يرددها.
стр. 1774
ما المراد باليوم في قوله: (اليوم أكملت لكم) ؟
السؤال
ما المراد باليوم في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ؟
الجواب
هو يوم عرفة من حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، ومات الرسول بعدها بقرابة تسعين يوماً، لكن الإشكال الذي قد يرد هو أن النبي بعد هذه الآية حث على أمور في مرض موته، يعني: في مرض الموت قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) ، (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان) ، وقال في مرض الموت: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) ، وكل هذا بعد (اليوم أكملت لكم دينكم) ، فكيف يجمع بين (أكملت لكم دينكم) وبين هذه النصوص التي أتت لاحقة؟ فالعلماء لهم إجابات على هذه الإشكالات، أحد هذه الأجوبة: أن المراد بالدين في قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم) : الحج، أي: أكملت لكم حجكم، هذا قول، والقول الثاني: أن المراد بـ (اليوم أكملت لكم دينكم) : أصول دينكم، والقول الثالث: أن المناهي التي نهى عنها الرسول ﵊ في مرض موته بعد هذه الآية، كان قد نهى عنها من قبل، ولكنه أكد النهي عنها مرة ثانية، كما ذكر أنه في مرض الموت كان يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) ، مع أنه حث على الصلاة منذ أن كان بمكة، وحث على الرفق بملك اليمين منذ أن كان بمكة ﵊، فهذه بعض الوجوه التي جمع بها في هذا الباب.
стр. 1775
حديث: (يأتي امرؤ القيس يوم القيامة يحمل لواء الشعراء إلى النار) ؟
السؤال
ورد حديث: (يأتي امرؤ القيس يوم القيامة يحمل لواء الشعراء إلى النار) ما صحة هذا الحديث؟
الجواب
إسناده ضعيف.
стр. 1776
حكم الغناء للأطفال بدون آلات موسيقية
السؤال
هل يجوز الغناء للأطفال بدون استعمال آلات موسيقية؟
الجواب
في هذه الحالة يبقى النظر في كلمات الغناء التي تغنى، فإذا كان الشرع يقرها وليس فيها مخالفة شرعية، فلا بأس إن كان بقدر، وإن كان الشرع لا يقرها فيمنع.
стр. 1777
الحور العين للرجال في الجنة، فما يكون للنساء ؟
السؤال
أخبر الله في كتابه الكريم أن من ثواب المؤمنين في الجنة: الحور العين ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] ، فما هو المقابل بالنسبة للنساء؟
الجواب
قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] .
стр. 1778
حديث: (شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) ؟
السؤال
(شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) ما صحة هذا الحديث؟
الجواب
ليس بحديث عن رسول الله فيما أعلم.
стр. 1779
حكم التوفير البريدي
السؤال
ما الحكم في دفتر التوفير كوسيلة للادخار وليس للربح؟
الجواب
ادخار الأموال جائز، لكن إذا أخذت عليها فائدة فالفائدة حرام.
стр. 1780
ما معنى قولهم: (ولو أذن له لاختصينا) ؟
السؤال
ما معنى هذه المقولة: (ولو أذن له لاختصينا) ؟
الجواب
الاختصاء: معروف، تدق عروق الخصيتين حتى تذهب الشهوة.
стр. 1781
معنى قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السموات) الآية
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] ؟
الجواب
قد شاء الله أن يكونوا خالدين أبداً، هذه الآية كما أسلفنا من الآيات التي وقع بسببها بعض أهل العلم في بعض ما يخالف منهج أهل السنة والجماعة، فمنهج أهل السنة في الجنة والنار: أن الجنة تبقى دائماً أبداً، والنار كذلك، فمن العلماء من قال: إن النار ستفنى لهذه الآية: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] ، فقال: إن النار ستفنى، واستدل أيضاً بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] ، وقد أجيب على مثل هذا التوهم بما فيه الكفاية، وحاصله أن قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] قد شاء الله ألا يخرجوا منها كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] ، فالمشيئة هنا بينتها آيات أخرى تبين عدم خروجهم من النار، وأن الله شاء ألا يخرجوا، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] ، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، هذا قول، والقول الآخر: أنها في عصاة المؤمنين الذين كانوا من الأشقياء في الدنيا لكنهم أهل توحيد ولم يغفر لهم، فيبقون في النار إلى أن يشاء الله ثم يخرجوا منها.
أما قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] ، فلا دليل فيه على فناء النار؛ لأن الله قال: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ [النبأ:٢٣-٢٤] أي: هم لا يأكلون في الأحقاب، فلا يذوقون البرد ولا الشراب ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ:٢٥] ، وماذا بعد الأحقاب؟ بعدها: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠] .
стр. 1782
حكم الجلالة
السؤال
إذا أكل الطائر الدم هل يحرم أكله؟
الجواب
إذا كانت الطيور التي في بيتك تأكل الدم ولم تذبح إلا بعد ثلاثة أيام فلا بأس بتركها تأكل من الدم، فالدم ليس بحرام على الجلالة، والجلالة: هي التي تأكل الجلة والعذرة، الجلة: المعروفة عند الفلاحين، لكنها لغة عربية، فالجلالة التي تأكل الجلة والعذرة، لكن هل هي من كل الدواب أو من دواب مخصوصة؟ فمن العلماء مثل ابن حزم الظاهري قال: الجلالة: من ذوات الأربع: كناقة مثلاً تأكل هذه القاذورات أو كبقرة مثلاً تأكل هذه القاذورات، أو كشاة، أو كجدي، أو أي شيء من ذوات الأربع.
وقال غيره من العلماء: إن الجلالة كل ما يأكل الجلة أو العذرة سواء كان من ذوات الأربع أو من ذوات الرجلين، وقد ورد حديث عن رسول الله ﷺ : (أنه نهى عن لحوم الجلالة وعن ألبانها) ، وفي بعض الروايات: (وعن ركوبها) ، إلا إذا حبست ثلاثة أيام، فالزيادة التي فيها: (وعن ركوبها) ، إن ثبتت فتدل على أن الجلالة من ذوات الأربع، لكن هل يفيد هذا الحديث الحصر؟ لا يفيد الحصر فذوات الأربع منها جلالة وأيضاً الطيور منها جلالة، فالراجح -والله أعلم- في الجلالة: أنها كل ما يأكل الجلة والعذرة سواء كان من ذوات الأربع أو من ذوات الرجلين، ولماذا نهى الرسول عن ركوب الجلالة؟ مثلاً: ناقة تأكل العذرة وتأكل الجلة، لماذا نهى الرسول عنها؟ قال بعض العلماء: إنها إذا كانت تأكل العذرة وتأكل الجلة، أحياناً إذا كنت تركب الدابة -الحمار أو الفرس أو الناقة- تأتي تلحسك بلسانها، فلما تلحسك بلسانها تنجس، ثيابك وتنجسك؛ لأن لسانها ملوث بأكل العذرة، وإذا ذبحتها وجئت تأكلها طعامها لا يهضم، فأنت تشعر بالعذرة التي أكلت، وأنت مثلاً إذا ذبحت الآن دجاجة أو ذبحت بطة أكلت فول أو ذرة، بمجرد الذبح تجد الفول والذرة ما زال في بطنها لم يهضم، فيستقذر أكل الجلالة لأن آثار تلك العذرة لا تزال فيها، والرائحة أيضاً تجدها حتى في لحمها بعد ذبحها، فكيف العمل؟ العمل ألا تذبح الجلالة التي أكلت الجيفة الآن وتأكلها، والنفس تعاف هذا وتستقذره، لكن النهي عنها ليس من باب التحريم المطلق الدائم؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥] ، ولم تذكر الجلالة هنا، فالنهي عن أكل الجلالة مؤقت بوقت، فإن حبست ثلاثة أيام، وعلفت بطعام نظيف؛ فتعود حلالاً طيباً.
стр. 1783
تفسير سورة المزمل [٢] وسورة المدثر [١]
يظهر في سورة المزمل جلياً أنها سورة مكية؛ حيث يظهر فيها الاهتمام بتعميق الإيمان باليوم الآخر، من خلال التذكير بما يكون في ذلك اليوم من أهوال تشيب لها مفارق الولدان، وما ينفع العبد في ذلك اليوم من عمل، ويتركز الاهتمام على قيام الليل؛ لما له من أثر في صياغة الشخصية المؤمنة التي يريدها الله.
أما سورة المدثر فإنها من أوائل ما نزل على النبي ﵊، لذا جاء فيها إعلام من الله لنبيه أن وقت النوم قد مضى، وساعة إنذار العباد قد حانت، ولذا يجب الاستعداد لتحمل تبعات الدعوة، بتعظيم الرب، وطهارة الظاهر والجنان، والاعتماد على المنان، والصبر على المكاره في سبيل الرحمن، استعداداً ليوم العرض على الديان.
стр. 1784
تفسير قوله تعالى: (فكيف تتقون إن كفرتم .)
الحمد لله، والصلاة والسلام على ررسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول الله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:١٧] ، فكيف تدفعون وتتقون -إن كفرتم- يوماً يجعل الولدان شيباً لما فيه من الأهوال؟! أخرج البخاري ومسلم حديثاً عن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله لآدم يوم القيامة: يا آدم! أخرج بعث النار من ذريتك، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ يشيب الصغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] ، فشق ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! وأينا ذلك الواحد؟! فقال النبي ﷺ : إن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد، أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة) .
стр. 1785
تفسير قوله تعالى: (السماء منفطر به .)
قال سبحانه: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل:١٨] أي: السماء مع قوتها وشدتها وتماسكها الآن -كما وصفها الله بقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] أي: التي حبكت وشد بعضها إلى بعض شداً قوياً- تتفطر يوم القيامة من شدة الأهوال! فإن قال قائل: لِم لم يقل: السماء منفطرة به، على التأنيث؟ قال بعض العلماء: إن هذا جرى على النسب، فالمعنى: والسماء ذات انفطار به، كما يقال في المرأة: المرأة حائض، ولا يقال: المرأة حائضة، وكما يقال: امرأة مرضع، ولا يقال: امرأة مرضعة.
وقال بعضهم: إن معناها: والسماء ذات انفطار بهذا اليوم، أي: أنها تنفطر أي: تتشقق، كما في الحديث: (قام النبي ﵊ حتى تفطرت قدماه) أي: تشققت قدماه، فمن شدة أهوال يوم القيامة تكون الجبال كثيباً مهيلاً، فتتحول الجبال مع شدتها وتماسكها إلى الكثيب المنهال، أي: الرمل المهال، والسماء كذلك مع شدتها وشدة حبكها تتقطع من شدة الأهوال، ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل:١٨] كان وعد الله كائناً.
قال الله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٩] أي: طريقاً يقربه من الله .
стр. 1786
تفسير قوله تعالى: (إن ربك يعلم أنك .)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل:٢٠] أي: أن أمرك لا يخفى على الله ، هو يعلم حالك ويعلم قيامك كما قال الله : ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢١٩] ، وكما قال : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] ، وينبغي أن تثار في مثل هذا الموطن الآيات والأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في باب المراقبة، وتعتقد يقيناً أن الله يراك عندما تعمل أي عمل، وهذه منزلة الإحسان، كما قال النبي ﷺ : (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وفي هذا الباب يقول سبحانه ما سمعتموه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢١٩] ، ويقول سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] .
ومن هذا الباب قول أبي بكر، للنبي ﷺ وهما في الغار: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا! قال له: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما) ، فيجب أن يستحضر العبد هذا دائماً، تعلم في كل وقت وحين أن الله يراك، ومطلع عليك، وعالم بأحوالك، وبأقوالك، وبنياتك، وبما يصلحك، وبما يكون سبباً لفسادك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧] .
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل:٢٠] أي: طائفة من الذين آمنوا بك يقومون معك هذا القيام، أو يقومون مثل قيامك في بيوتهم، ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل:٢٠] ، يعلم مقادير الليل ويعلم مقادير النهار، والتقدير أحياناً يطلق على الحساب، كما قال النبي ﷺ في شأن الدجال: (إن يوماً من أيامه كسنه، وإن يوماً من أيامه كشهر، وإن يوماً من أيامه كجمعة) الحديث، فسئل النبي ﷺ : (هذا اليوم -يا رسول الله- الذي هو كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: لا، اقدروا له قدره) ، فالتقدير يطلق أحياناً على الحساب، وله معان أخر.
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل:٢٠] أي: يعلم مقادير الليل ومقادير النهار، وأوقات الليل وأوقات النهار.
стр. 1787
تفسير القرض الحسن
من أهل العلم من قال: إن القرض الحسن راجع إلى الزكاة، ومنهم من قال: إن القرض الحسن هو: الصدقة التي هي نفل وتطوع.
والله أعلم.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل:٢٠] ، كما قال ﵊: (إذا تصدق أحدكم بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يأخذها بيمينه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى تكون التمرة كالجبل العظيم) ، أو كما قال الرسول ﷺ ، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [المزمل:٢٠] ، أي: أكثروا من الاستغفار، فإن الاستغفار سبب في محو الخطايا ورفع الدرجات وسبب في استجلاب الأرزاق، ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود:٥٢] ، وسبب في دفع المصائب عن العبد، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠] .
стр. 1788
معنى الضرب في الأرض
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ، من العلماء من قال -كـ السيوطي رحمه الله تعالى-: إن هذه الآية أصل في التجارات، ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ، فالسفر والضرب في الأرض وطلب الرزق ليس بطاعن في دين العبد، بل هو شيء مستحب، وقد تقدمت جملة أدلة في ذلك، منها قول الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠] ، وقال عمر: ألهاني الصفق في الأسواق، وقال أبو هريرة ﵁: كان أصحاب النبي ﷺ يلهيهم الصفق في الأسواق، وكنت أصحب النبي ﷺ على شبع بطني، أو كما قال.
قال الله : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ، ففيها بيان مشروعية التجارة والاكتساب والسفر طلباً للرزق الحلال.
وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ، أي: كل في تخصصه: التاجر في تجارته، والمجاهد في جهاده، والمصلي في صلاته، والقارئ في قراءته، ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] ، (اقرءوا ما تيسر منه) أي: من القرآن في صلاة الليل أو بصفة عامة، فعلى هذا أصبحت هذه الآية ناسخة لقوله تعالى -على رأي الجمهور-: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١-٢] ، وقد قدمنا أن قيام الليل كان واجباً على رسول الله ﷺ في أول الأمر، ثم نسخ بهذه الآية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المزمل:١٩-٢٠] أي: حافظوا على أدائها وركوعها وسجودها ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل:٢٠] .
стр. 1789
حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] ^، أخذت منه جملة مسائل فقهية يهمنا منها مسألة حكم قراءة الفاتحة في الصلاة، وقد وقع الخلاف في ذلك بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: إن قراءة الفاتحة واجبة في كل صلاة فرضاً كانت هذه الصلاة أو نفلاً، وسواءً كان المصلي منفرداً أو مع جماعة، إماماً كان أو مأموماً؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، قال: والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، فتجب الفاتحة على هذا الرأي في كل صلاة يصليها العبد منفرداً كان أو وفي جماعة، مأموماً كان أو إماماً، في فرض كان أو في نفل، فعلى هذا الرأي إذا أدركت الإمام راكعاً وركعت معه؛ لا تحسب لك هذه الركعة، ويلزمك أن تأتي بركعة جديدة، وهذا رأي الإمام البخاري رحمه الله تعالى وطائفة من أهل العلم، واستدلوا بحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، أما الجمهور فقالوا: إن قراءة الفاتحة لا تجب في الصلاة الجهرية، واستدلوا بأحاديث منها حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ، وكل طرق هذا الحديث ضعيفة.
ومنها أحاديث استنبط منها الحكم استنباطاً كما في قصة إدراك أبي بكرة للركوع مع رسول الله ﷺ ، عندما جاء متأخراً ودخل في الصلاة والنبي راكع، فقال له النبي ﵊ -بعد أن انصرف من الصلاة- (زادك الله حرصاً! ولا تعد) ، قالوا: لم يأمره النبي بالإتيان بركعة جديدة فعلى ذلك يكتفي المؤتم بقراءة الإمام، وإذا أدرك الإمام وهو راكع كتبت له ركعة، وهذا رأي الجمهور، ومن العلماء من قال: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] ^ يفيد: التخيير، وقد ذهب طائفة من الأحناف إلى أنه: إذا قرأ العبد أي شيء من القرآن في صلاته جازت الصلاة وصحت الصلاة لعموم قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) ، ولما ورد في بعض طرق حديث: المسيء صلاته: (فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، وفي بعض طرق هذا الحديث: (اقرأ بفاتحة الكتاب ثم بما تيسر) ، وفي طرق أخر: (فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) .
стр. 1790
معنى قوله تعالى: (علم أن لن تحصوه)
قال الله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] ، لأهل العلم جملة أقوال في قوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) أي: علم أنكم لن تستطيعوا تقدير أوقات الليل وتقدير أوقات النهار، فتاب عليكم من هذا التحديد بقيام أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وهذا خوطب به أصحاب النبي ﷺ ، ولا يعترض عليه بما اكتشف الآن من وسائل لضبط الأوقات، فالخطاب كان لأصحاب النبي ﷺ ، وعلى هذا التأويل ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] أي: علم أنكم لن تستطيعوا ضبط أوقات الليل وضبط أوقات النهار، وضبط منتصف الليل، وضبط ثلث أو ثلثي الليل ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] ، (تاب عليكم) أي: رجع عليكم بالتخفيف.
فالتوبة من معانيها: الرجوع، تاب فلان من ذنبه أي: رجع فلان من ذنبه، تاب الله عليك: عاد عليك بالرحمة بعد أن حجبت عليك الرحمة بسبب الذنب.
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] أي: رجع عليكم بالتخفيف وإزالة هذا التكليف الذي كلفكم، به فتاب عليكم وعفا عنكم، كما في قوله تعالى في خواتيم سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، هناك معنى للعفو، ومعنى للمغفرة، ومعنى للرحمة، العفو: المحو والإزالة، والمغفرة: التغطية وستر الذنب، وقولهم في الجاهلية: (إذا برئ الدبر، وعفا الأثر -أي: محي أثر البعير- ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر) أما المغفرة من: المغفر الذي يغطي الرأس، فقد يكون الشيء موجوداً لكنه غطي عليه، لكن العفو محوه وإزالته، وهنا يقول الله : ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل:٢٠] .
следующие страницы →