← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

تفسير قوله تعالى: (إن ربك يعلم أنك .) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل:٢٠] أي: أن أمرك لا يخفى على الله ، هو يعلم حالك ويعلم قيامك كما قال الله : ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢١٩] ، وكما قال : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] ، وينبغي أن تثار في مثل هذا الموطن الآيات والأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في باب المراقبة، وتعتقد يقيناً أن الله يراك عندما تعمل أي عمل، وهذه منزلة الإحسان، كما قال النبي ﷺ : (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وفي هذا الباب يقول سبحانه ما سمعتموه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢١٩] ، ويقول سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] . ومن هذا الباب قول أبي بكر، للنبي ﷺ وهما في الغار: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا! قال له: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما) ، فيجب أن يستحضر العبد هذا دائماً، تعلم في كل وقت وحين أن الله يراك، ومطلع عليك، وعالم بأحوالك، وبأقوالك، وبنياتك، وبما يصلحك، وبما يكون سبباً لفسادك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧] . قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل:٢٠] أي: طائفة من الذين آمنوا بك يقومون معك هذا القيام، أو يقومون مثل قيامك في بيوتهم، ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل:٢٠] ، يعلم مقادير الليل ويعلم مقادير النهار، والتقدير أحياناً يطلق على الحساب، كما قال النبي ﷺ في شأن الدجال: (إن يوماً من أيامه كسنه، وإن يوماً من أيامه كشهر، وإن يوماً من أيامه كجمعة) الحديث، فسئل النبي ﷺ : (هذا اليوم -يا رسول الله- الذي هو كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: لا، اقدروا له قدره) ، فالتقدير يطلق أحياناً على الحساب، وله معان أخر. ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل:٢٠] أي: يعلم مقادير الليل ومقادير النهار، وأوقات الليل وأوقات النهار.

стр. 1787

تفسير القرض الحسن من أهل العلم من قال: إن القرض الحسن راجع إلى الزكاة، ومنهم من قال: إن القرض الحسن هو: الصدقة التي هي نفل وتطوع. والله أعلم. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل:٢٠] ، كما قال ﵊: (إذا تصدق أحدكم بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يأخذها بيمينه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى تكون التمرة كالجبل العظيم) ، أو كما قال الرسول ﷺ ، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [المزمل:٢٠] ، أي: أكثروا من الاستغفار، فإن الاستغفار سبب في محو الخطايا ورفع الدرجات وسبب في استجلاب الأرزاق، ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود:٥٢] ، وسبب في دفع المصائب عن العبد، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠] .

стр. 1788

معنى الضرب في الأرض وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ، من العلماء من قال -كـ السيوطي رحمه الله تعالى-: إن هذه الآية أصل في التجارات، ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ، فالسفر والضرب في الأرض وطلب الرزق ليس بطاعن في دين العبد، بل هو شيء مستحب، وقد تقدمت جملة أدلة في ذلك، منها قول الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠] ، وقال عمر: ألهاني الصفق في الأسواق، وقال أبو هريرة ﵁: كان أصحاب النبي ﷺ يلهيهم الصفق في الأسواق، وكنت أصحب النبي ﷺ على شبع بطني، أو كما قال. قال الله : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ، ففيها بيان مشروعية التجارة والاكتساب والسفر طلباً للرزق الحلال. وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ، أي: كل في تخصصه: التاجر في تجارته، والمجاهد في جهاده، والمصلي في صلاته، والقارئ في قراءته، ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] ، (اقرءوا ما تيسر منه) أي: من القرآن في صلاة الليل أو بصفة عامة، فعلى هذا أصبحت هذه الآية ناسخة لقوله تعالى -على رأي الجمهور-: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١-٢] ، وقد قدمنا أن قيام الليل كان واجباً على رسول الله ﷺ في أول الأمر، ثم نسخ بهذه الآية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المزمل:١٩-٢٠] أي: حافظوا على أدائها وركوعها وسجودها ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل:٢٠] .

стр. 1789

حكم قراءة الفاتحة في الصلاة وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] ^، أخذت منه جملة مسائل فقهية يهمنا منها مسألة حكم قراءة الفاتحة في الصلاة، وقد وقع الخلاف في ذلك بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: إن قراءة الفاتحة واجبة في كل صلاة فرضاً كانت هذه الصلاة أو نفلاً، وسواءً كان المصلي منفرداً أو مع جماعة، إماماً كان أو مأموماً؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، قال: والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، فتجب الفاتحة على هذا الرأي في كل صلاة يصليها العبد منفرداً كان أو وفي جماعة، مأموماً كان أو إماماً، في فرض كان أو في نفل، فعلى هذا الرأي إذا أدركت الإمام راكعاً وركعت معه؛ لا تحسب لك هذه الركعة، ويلزمك أن تأتي بركعة جديدة، وهذا رأي الإمام البخاري رحمه الله تعالى وطائفة من أهل العلم، واستدلوا بحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، أما الجمهور فقالوا: إن قراءة الفاتحة لا تجب في الصلاة الجهرية، واستدلوا بأحاديث منها حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ، وكل طرق هذا الحديث ضعيفة. ومنها أحاديث استنبط منها الحكم استنباطاً كما في قصة إدراك أبي بكرة للركوع مع رسول الله ﷺ ، عندما جاء متأخراً ودخل في الصلاة والنبي راكع، فقال له النبي ﵊ -بعد أن انصرف من الصلاة- (زادك الله حرصاً! ولا تعد) ، قالوا: لم يأمره النبي بالإتيان بركعة جديدة فعلى ذلك يكتفي المؤتم بقراءة الإمام، وإذا أدرك الإمام وهو راكع كتبت له ركعة، وهذا رأي الجمهور، ومن العلماء من قال: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] ^ يفيد: التخيير، وقد ذهب طائفة من الأحناف إلى أنه: إذا قرأ العبد أي شيء من القرآن في صلاته جازت الصلاة وصحت الصلاة لعموم قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) ، ولما ورد في بعض طرق حديث: المسيء صلاته: (فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، وفي بعض طرق هذا الحديث: (اقرأ بفاتحة الكتاب ثم بما تيسر) ، وفي طرق أخر: (فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) .

стр. 1790

معنى قوله تعالى: (علم أن لن تحصوه) قال الله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] ، لأهل العلم جملة أقوال في قوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) أي: علم أنكم لن تستطيعوا تقدير أوقات الليل وتقدير أوقات النهار، فتاب عليكم من هذا التحديد بقيام أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وهذا خوطب به أصحاب النبي ﷺ ، ولا يعترض عليه بما اكتشف الآن من وسائل لضبط الأوقات، فالخطاب كان لأصحاب النبي ﷺ ، وعلى هذا التأويل ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] أي: علم أنكم لن تستطيعوا ضبط أوقات الليل وضبط أوقات النهار، وضبط منتصف الليل، وضبط ثلث أو ثلثي الليل ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] ، (تاب عليكم) أي: رجع عليكم بالتخفيف. فالتوبة من معانيها: الرجوع، تاب فلان من ذنبه أي: رجع فلان من ذنبه، تاب الله عليك: عاد عليك بالرحمة بعد أن حجبت عليك الرحمة بسبب الذنب. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] أي: رجع عليكم بالتخفيف وإزالة هذا التكليف الذي كلفكم، به فتاب عليكم وعفا عنكم، كما في قوله تعالى في خواتيم سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، هناك معنى للعفو، ومعنى للمغفرة، ومعنى للرحمة، العفو: المحو والإزالة، والمغفرة: التغطية وستر الذنب، وقولهم في الجاهلية: (إذا برئ الدبر، وعفا الأثر -أي: محي أثر البعير- ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر) أما المغفرة من: المغفر الذي يغطي الرأس، فقد يكون الشيء موجوداً لكنه غطي عليه، لكن العفو محوه وإزالته، وهنا يقول الله : ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل:٢٠] .

стр. 1791

تفسير قوله تعالى: (ياأيها المدثر) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١-٣] .

стр. 1792

أقوال العلماء في أول الآيات نزولاً قال جابر بن عبد الله ﵁: إن هذه هي أول سورة نزلت من كتاب الله، وخالفه الجمهور في ذلك فقالوا: إن أول سورة نزلت هي سورة العلق، وذلك عندما جاء الملك إلى الرسول ﵊ فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ! فكرر عليه: اقرأ، فرد عليه: ما أنا بقارئ! حتى قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١-٢] . فالجمهور على أن أول سورة نزلت من كتاب الله هي العلق، ومن العلماء من قال: إن أول سورة نزلت من كتاب الله هي: سورة المدثر، ومنهم جابر بن عبد الله الصحابي، وجمع فريق من العلماء بين القولين بأن قال: إن أول ما نزل على رسول الله هي سورة العلق، ثم فتر الوحي، فبعد مدة نزل على رسول الله سورة المدثر، فالصحابي الذي قال: إن أول ما نزل على الرسول ﵊ هي سورة المدثر، قال ذلك باعتبار النزول الثاني، أي: أول ما نزل على رسول الله بعد الانقطاع سورة المدثر، أو قال ذلك بحسب علمه، والله أعلم. الخلاصة: إما أن يقال: إن الصحابي أراد بقوله: إن أول ما نزل على الرسول ﵊ سورة المدثر: أي بعد انقطاع وفتور الوحي مدة، أو يقال: إن الصحابي قال هذا بحسب علمه رضي الله تعالى عنه. أما المدثر فمعناها أيضاً: المزمل، فالمدثر: هو الذي تدثر بثيابه، أي: التف في ثيابه، وكما أسلفنا أن العرب كانوا إذا أرادوا أن يتلطفوا مع شخص في الخطاب ينادونه بصفة هي ملابسة له، كأن يقولون: (قم يا نومان!) ، أو (قم يا أبا التراب) ، كما قال الرسول ﷺ هذا، أما الأول فقاله لـ حذيفة بن اليمان يوم الخندق: (قم يا نومان!) ، والثاني قاله لـ علي لما كان مغاضباً لـ فاطمة ﵄. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] أي: يا أيها الذي تدثر بثيابه وتلفف فيها وتغطى، قم من نومك واترك غطاءك وفراشك، (قُمْ فَأَنذِرْ) .

стр. 1793

سبب الاقتصار على الإنذار في قوله تعالى: (قم فأنذر) وفي قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢] من العلماء من أثار هنا تساؤلاً فقال: إن النبي ﷺ أرسل مبشراً ونذيراً، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥] ، فلماذا اقتصر هنا على قوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢] ولم يقل: قم فبشر؟ فأجاب هذا القائل على هذا التساؤل بقوله: إن المقام مقام إنذار؛ لأنه لم يكن هناك أحد آمن حتى يبشره رسول الله ﷺ ، فالكل كفار، والبشرى تكون للمؤمنين، ولم يكن أحدهم قد آمن، ولذلك قال الله له: قم فأنذر، أي: أنذر هؤلاء الذين يندفعون إلى النار. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١-٣] أي: عظم ربك ، ولا تخش إلا هو ، ومن العلماء من قال: قل: الله أكبر، على ظاهر الآية، ومنهم من قال: إن معنى قوله: (وربك فكبر) أي: وربك فعظم، وربك فمجد.

стр. 1794

تفسير قوله تعالى: (وثيابك فطهر) قال الله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] ما المراد بتطهير الثياب هنا؟ من أهل العلم من حملها على ظاهرها وقال: هذا أمر بطهارة الثياب. وقيل: المقام مقام حثٍ على الدعوة، فلابد في مستهلها من طهارة القلب من الشرك، وطهارة النفس من الخبث، وكانت العرب تقول على الرجل الوفي في تعاملاته: نظيف الثياب، كما قال الشاعر: فإني بحمد الله لا ثوب غازل لبست ولا من غبرة أتقنع فمراده بقوله: فإني بحمد الله لا ثوب غازل لبست؛ أي: لا ثوب فاجر لبست، ولا من غبرة أتقنع، أي: أنه نظيف لم يغدر بأحد ولم يفجر. فطهارة الثياب فسرت هنا بمعنيين: بمعنى طهارة الثياب حقيقة، وبمعنى تزكية النفس وطهارتها والبعد عن الرذائل. وهنا مسألة: هل يشترط لصحة الصلاة طهارة الثوب؟ طهارة الثوب على التحقيق واجب مستقل من الواجبات، فإذا صلى شخص بثوب عليه نجاسة، هل الصلاة صحيحة أم ليست بصحيحة؟ فالتحقيق في المسألة -والله أعلم-: أن الصلاة صحيحة ويأثم على عدم تطهير الثوب إن كان لم يطهره عمداً، وإن كان لم يطهره سهواً فلا شيء عليه، والصلاة أيضاً صحيحة، ومما يدل على ذلك: (أن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه، فخلع نعليه في الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم، فلما انقضت الصلاة، سألهم النبي: لم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذىً) ، ولم يعد الرسول التكبيرة التي كبرها والركعات التي ركعها وهو مرتدياً لذلك النعل الذي فيه أذى، فدل ذلك على صحة التكبيرة، ولو كانت الصلاة باطلة لخرج النبي وكبر للصلاة من جديد، فلما لم يفعل ذلك دل على أن من دخل في الصلاة وعلى ثوبه نجاسة وهو لا يشعر، وصلى أن الصلاة صحيحة ولا تعاد، أما من دخل الصلاة وفي ثوبه نجاسة وهو يعلم، فهذا آثم بمخالفته لقول الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] ، لكن الصلاة صحيحة، وإثم المخالفة مستقل، والله أعلم، وهذه مسائل لا تخلو من نزاع، كمسائل الأرض المغصوبة وغيرها من المسائل ومسألة الأرض المغصوبة هي: مثلاً شخص اغتصب أرضاً، فجاء قوم وصلوا في هذه الأرض وهم يعلمون أنها مغصوبة، هل الصلاة باطلة أم صحيحة؟ فيها نزاع قائم بين العلماء، والذي يظهر -والله أعلم- أن الصلاة صحيحة، وإثم اغتصاب الأرض والمساعدة على الإثم والعدوان فيها إثم قائم مستقل، والله أعلم.

стр. 1795

تفسير قوله تعالى: (والرجز فاهجر) وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] الرجز: المراد به الأصنام، كما قال الله : ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] ، واهجر بمعنى: اجتنب واعتزل. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] ، ما المراد بالمن هنا؟ فيه أقوال: القول الأول: إن المراد بالمن هنا: الإعطاء، فقوله سبحانه: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] أي: لا تعط أحداً عطية وتطلب أكثر من هذه العطية، كالذي يفعل مع الأمراء، كشخص يأخذ هدية مثلاً بألف جنية ويهديها للمحافظ أو للرئيس من أجل أن يعطيه المحافظ أو الرئيس قطعة أرض بمائة ألف مثلاً. فالمعنى على هذا يكون: لا تعط عطية كي تحصل على أكثر منها، ففسر المن بالإعطاء كما تقول: شخص من علي بكذا، أي: أعطاني كذا، وتقول: أمنن علي مَنَّ الله عليك! أي: أعطني أعطاك الله! وكما قال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ : إن تمنن تمنن على شاكر، يعني: إن تعط تعط رجلاً شاكراً، وكما قال الله في آية أخرى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] . القول الثاني: لا تستكثر بأعمالك، فإن أهل الكرم يفعلون كبير الفعال الخيرة ولا يلتفتون إليها ولا يستكثرونها، بل يفعلون كبار الأفعال وعظائم الأفعال النبيلة وهم يرون أنهم لم يصنعوا شيئاً، هذا فعل أهل الفضل، وأهل الخير يقدمون ما قدموه ويرون أنهم ما صنعوا شيئاً، كما قال القائل: وتصغر في عين العظيم العظائم، يعني: يفعل الشيء العظيم ولا يبالي به كأنه صغير، وغيره يفعل الفعلة الصغيرة ويعظمها تعظيماً زائداً. فمعنى قوله: (ولا تمنن تستكثر) أي: لا تعط العطية وتتباهى بها، بل أهمل ما صنعت من معروف، ولا تذكره أمام الناس. القول الثالث: أي: لا تعط العطية وتمن بها على الناس، وتكثر من منّك على الناس. وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] من العلماء من قال: (ولربك) أي: ولعبادة ربك فاصبر كما قال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم:٦٥] ، فالمعنى: لطاعة ربك ولعبادة ربك فاصبر. ومنهم من قال: إن معنى قوله: (ولربك فاصبر) أي: تحمل في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته المشاق والصعاب، واصبر من أجل نصرة دين الله.

стр. 1796

تفسير قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور .) قال الله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨] أي: نفخ في الصور، والنافخ هو: إسرافيل، وقد قال ﵊: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وانتظر متى يؤمر) ؟ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨-١٠] . هل ذلك اليوم يسير على المؤمنين؟ وهل ينال المؤمن يوم القيامة من الكرب والهم والبلاء شيء أو أن يوم القيامة لا أثر فيه على المؤمن؟ هذه المسألة للعلماء فيها شيء من النزاع، فمنهم من يقول: إن المؤمن لا يناله شيء من الخوف ولا من الفزع، ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] ، إلى غير ذلك من الآيات. ومنهم من قال: إن أهل الإيمان ينالهم شيء من الفزع وشيء من الخوف وشيء من الهم والكرب، لكن مآلهم إلى الخير وهذا القول الأخير، تدل عليه جملة أدلة: منها حديث الشفاعة الطويل وفيه أن: (آدم يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري إني عصيت ربي وأكلت من الشجرة، ونوح يقول: نفسي نفسي، قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، وإبراهيم يقول: نفسي نفسي، إني كذبت ثلاث كذبات، وموسى يقول: نفسي نفسي، إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها) ، فالخلق كلهم يبلغ بهم من الهم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، وقد قال ﵊: (ودعوى المرسلين على جنباته -أي الصراط-: ربي! سلم سلم) ، وفي الحديث: (تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة) ، فكل هذه أهوال، والوقوف على الميزان: وقت من أوقات الأهوال، والمرور على الصراط: وقت من أوقات الأهوال، ودنو الشمس من الخلائق: وقت من أوقات الأهوال، وتناول الكتب بالشمال أو باليمين: وقت من أوقات الأهوال، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٥] ، ويقول النبي ﷺ لـ عائشة: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً، قالت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال: الأمر أشد من ذلك يا عائشة!) ، فكلها أدلة تدل على أن هناك نوعاً من الهول والفزع يعتري عموم الخلق، لكن مآل أهل الإيمان إلى خير إن شاء الله.

стр. 1797

تفسير قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً) قال الله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] ، ذرني معناها: اتركني ومن خلقت وحيداً، وهذا للتهديد، من العلماء من قال: هو الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد خلق وحيداً، ومن العلماء من قال: كان فقيراً لا مال له ولا ولد، ومنهم من قال أقوال أخر. وقوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر:١٢] الممدود: الواسع.

стр. 1798

الأسئلة

стр. 1799

حكم إزالة الشعر أثناء الدورة الشهرية السؤال ما حكم إزالة الشعر في أثناء الدورة الشهرية؟ الجواب لا بأس به، ولا دليل يمنع من إزالة الشعر في أثناء الدورة الشهرية، ولا من قص الأظفار، ولا من نتف الإبط.

стр. 1800

حكم إلقاء الشعر المزال في دورة المياه أو سلة المهملات السؤال هل يحرم إلقاء ما نزع من الشعر في دورة المياه أو في سلة المهملات أم لا بد أن يدفن في التراب؟ الجواب لا يلزم أن يدفن في التراب، وليس في هذا فيما علمت سنة عن رسول الله ﷺ ، إنما يوضع في مكان لا أذية فيه على أحد من المسلمين.

стр. 1801

حكم مصافحة أم الزوجة وخالتها السؤال هل تجوز مصافحة أم الزوجة وخالتها؟ الجواز: بالنسبة لأم الزوجة تجوز، فأم الزوجة محرمة تحريماً مؤبداً، دخل الزوج بالزوجة أم لم يدخل، فإن الله قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، قال العلماء: هي مبهمة، يعني لم تقيد بالدخول من عدمه، فبمجرد العقد على الزوجة حرمت أمها عليك على التأبيد، فإذا عقدت على البنت حرمت الأم عليك على التأبيد، لكن إذا عقدت على الأم لم تحرم عليك البنت إلا بعد الدخول. أما بالنسبة لخالة الزوجة فتحريمها مؤقت، فتحرم خالة الزوجة تحريماً مؤقتاً، فلا يجوز لك الزواج بها إلا إذا حصلت الفرقة بينك وبين زوجتك.

стр. 1802

حديث: الشريد الثقفي: (استنشدني النبي ﵊ شعر أمية بن أبي الصلت ... ) ؟ السؤال ما صحة حديث الشريد الثقفي أنه قال: (استنشدني النبي شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته، فأخذ يقول: هيه هيه، حتى أنشدته مائة بيت) ؟ الجواب الحديث في صحيح مسلم.

стр. 1803

هل عدم محبة الأنصار ينفي الإيمان السؤال قال الرسول ﷺ : (حب الأنصار من الإيمان وبغض الأنصار من النفاق) ، فهل عدم حبهم ينفي الإيمان؟ الجواب المراد بالحب والبغض: الحب الشرعي والبغض الشرعي، فالذي يبغض الأنصار لكونهم ناصروا رسول الله ﷺ فهو منافق، والذي يحب الأنصار لكونهم ناصروا رسول الله فهو مؤمن، أما إذا دبت بينك وبين أنصاري مشكلة، فكرهت الأنصاري من أجل هذه المشكلة المادية فلا شيء عليك، فإن الزبير قد اختلف مع أنصاري في شراج الحرة، ونزل قوله تعالى في الأنصاري: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] ، والزبير مؤمن من العشرة المبشرين بالجنة.

стр. 1804

حكم الصلاة في الثوب الواحد السؤال ما حكم الصلاة في الثوب الواحد؟ الجواب أولاً: لعل الأخ السائل فهم أن الثوب الذي كان على عهد النبي ﵊ مثل الثوب الذي في زماننا، لا، ليس كذلك، إنما كانوا على عهد رسول الله ﵊ يعنون بالثوب الواحد القطعة الواحدة، مثل الإحرام، فكان الشخص يرتديه، فيلف جزءاً منه على فخذه وعورته والجزء الآخر على كتفه. فالرسول نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، لأنه ممكن ينزل أثناء الركوع فتنكشف العورة، ولذا لابد أن يكون الثوب الواحد على العاتق منه شيء، ويكون وساتراً للعورة، وقد سئل النبي ﵊ عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: (أوكلكم له ثوبان؟) ، فيختلف الحكم بحسب الثوب، فما المراد بالثوب الواحد؟ هل هو القطعة التي يأتزر بها الشخص، ويأخذ شيئاً منها ويضعه على الكتف أو المراد بالثوب الواحد: القميص الذي نلبسه الآن (الجلبية) ؟ يختلف الحكم، وهل الجلبية شفافة أو غير شفافة؟ لم تدخل في الحكم.

стр. 1805

حكم مصافحة النساء من غير المحارم السؤال ما حكم مصافحة النساء المحرمات حرمة مؤقتة؟ الجواب المحرمة حرمة مؤقتة لا تصافح ولا يسافر معها، مثل أخت الزوجة، فهي محرمة حرمة مؤقتة، فعندما تصافحها وتجلس معها قد يقع في قلبك حبها فتطلق أختها وتتزوجها، فمن كانت محرمة حرمة مؤقتة، لا يسافر معها، ولا تجوز مصافحتها، ولا الخلوة بها.

стр. 1806

حكم زواج الرجل من ابنة امرأة زنى بأمها السؤال هل يجوز نكاح رجل من ابنة امرأة زنى بها؟ الجواب السؤال يحتاج إلى شيء من التوضيح، رجل زنا بامرأة، والمرأة لها بنت، فهل هذه البنت هي بنته من الزنا أو هي بنت المرأة من رجل آخر؟ فإن كانت بنتاً للمرأة من زوج آخر، فيجوز له الزواج بها، لأن الحرام -كما يقولون- لا يحرم الحلال، لكن منع من ذلك بعض العلماء حتى لا يصل إلى أمها بالفاحشة. أما بنت الزنا: أي: البنت التي خلقت من مائه نفسه، فالجمهور على أنه لا يجوز له أبداً أن يتزوجها، وهذه من المسائل التي أخذت على الإمام الشافعي ﵀، حتى أنشد الشاعر البيت القائل: وإن شافعياً قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم فقد نقل عن الإمام الشافعي: أنه يبيح نكاح المخلوقة من ماء الزاني، ويقول: إنها ليست بنتاً شرعية، فكما أنها لا ترث يجوز لك أن تتزوجها، وتعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأتى بإيرادات حسنة على من قال بهذا القول بصفة عامة، وقال: إن كنتم تعتبرون المقياس هو الإرث، فأختي من الرضاع حرام علي وهي لا ترثني ولا أرثها، ومع ذلك هي محرمة علي.

стр. 1807

حكم قراءة القرآن بدون مراعاة أحكام التجويد السؤال هل قراءة القرآن بدون أحكام التجويد جائزة؛ لأن ذلك سيساعد على الحفظ بسرعة مع العلم أنني أعلم أحكام التجويد، وأعرف كيف أقرأ بها؟ الجواب إذا كان للتعلم ولسرعة الحفظ فالظاهر أن هذا جائز، والله أعلم.

стр. 1808

حكم قراءة القرآن بدون وضوء السؤال أحياناً وأنا في السيارة اقرأ القرآن بدون وضوء، فهل هذا جائز؟ الجواب قراءة القرآن بدون وضوء جائز مع الكراهة، فالأفضل أن يتوضأ الشخص لقراءة القرآن، لكن إن قرأ بدون وضوء فالقراءة جائزة، لحديث عائشة: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) . أما بالنسبة لمسألة: هل يجوز للمحدث حدثاً أكبر أو أصغر أن يمس المصحف؟ الجواب: مسألة مس المصحف لغير المتوضئ مسألة خلافية، لكن العبرة بالدليل، فلا أعلم دليلاً صحيحاً صريحاً يمنع غير المتوضئ من مس المصحف، أما الآية الكريمة: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] ، فالجمهور على أن الضمير يعود على الملائكة. أما قوله ﵊: (لا يمس القرآن إلا طاهر) ، فالصواب أنه ضعيف، فعلى ذلك فرغ الباب من دليل يمنع من مس المصحف، والعبرة بالدليل، أما أقوال العلماء فهي كثيرة، ولا دليل صحيح صريح يمنع من مس المصحف للمحدث حدثاً أصغر أو أكبر.

стр. 1809

حكم الاجتماع للتعزية في بيت الميت السؤال هل الاجتماع عند أهل الميت للتعزية بدعة أم لا؟ وإن كانت بدعة فكيف أعزي أهل الميت؟ الجواب هذه المسألة جاء فيها قول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (كنا نعد الاجتماع وصنعة الطعام لأهل الميت من النياحة) ، كنا نعد الاجتماع وصنعة الطعام لأهل الميت أو عند أهل الميت أو الأكل عند أهل الميت من النياحة، فهذا الحديث عليه مأخذ حديثي ومأخذ فقهي. أما بالنسبة للناحية الحديثية فهذا الحديث مروي من طريق: هشيم بن بشير عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير، أخرجه ابن ماجة في سننه، وأيضاً أخرجه الإمام أحمد من طريق راوٍ يقال له: نصر بن باب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير، فـ نصر بن باب اتهم بالكذب قال البخاري: يرمونه بالكذب، وهذا من مشايخ الإمام أحمد القلائل جداً الذين تكلم فيهم بالضعف بل بالكذب، مشايخ الإمام أحمد الذين رموا بالكذب قلة جداً، ومنهم هذا الشيخ، فمتابعة نصر بن باب لـ هشيم لا تعويل عليها من الأصل فاطرحها جانباً، فلا تعويل على رواية نصر بن باب. بقيت رواية هشيم بن بشير عن إسماعيل عن قيس عن جرير، هشيم مدلس، وتدليسه في الحقيقة مؤثر، وخاصة إذا تفرد بإخراج الحديث ابن ماجة في سننه من بين أصحاب الكتب الستة، فتفرد ابن ماجة بإخراج الحديث بهذا السند مشعر بشيء من الضعف، لكن التعويل في التضعيف على أنه معنعن الإسناد، والحديث أورده الدارقطني في كتاب العلل الجزء المخطوط، وقال: رواه شريج بن يونس والحسن بن عرفة عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد، ورواه خالد المدائني فذكر إسناداً لـ خالد، لكن خالداً -أصلاً- متروك وكذاب، ثم قال الدارقطني في خواتيم مقالته: وخرجوه عن هشيم عن شريك عن إسماعيل، فكأن هناك واسطة بين هشيم وبين إسماعيل، ومن الذين خرجوه؟ الله أعلم، لكن الآن الإسناد الموجود أمامنا: هشيم عن إسماعيل وهشيم عنعن، وعنعنته مؤثرة مضرة، فتدليسه من النوع الشديد، فالحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، وقد حسنه بعض العلماء الأفاضل المعاصرين، لكن الذي تطمئن إليه النفس أن الحديث لا يثبت عن رسول الله ﵊، ومن حسنه يلزم بأن يأتينا بتصريح لـ هشيم بالسماع؛ لأن هشيم مدلس، هذا شيء. الناحية الفقهية للحديث: الحديث في حالة ثبوته حمل فقرتين، كانوا يعدون الاجتماع وصنعة الطعام لأهل الميت، كما يفعل في بعض القرى عندما يموت ميت، يأتي المعزون للتعزية ويصنعون لهم طعاماً أشبه ما يكون بالوليمة، فالحديث اجتمع فيه فقرتان، فهل الواو في قوله: (كانوا يعدون الاجتماع وصنعة الطعام) ، للتشريك، أي: كانوا يعدون الاجتماع مع الأكل أو الواو بمعنى: أو؟ الظاهر الأول، والله أعلم، وعلى هذا درج الفقهاء، لكن إسناد الحديث -أصلاً- فيه نظر، وأقوال الفقهاء ينصب كثير منها على الاقتران بين الجلوس وبين الأكل، أما إذا مات ميت فتعزية من مات له ميت مشروعة، فالرسول ﵊ عزى أصحابه، وأرسلت له ابنة من بناته تقول: إن ابنها نفسه تقعقع، وتطلب منه أن يأتي إليها، فأرسل التعزية، (وأخبرها أن لله ما أخذ، وأن له ما أعطى. الحديث) ، فأقمست عليه أن يأتيها، فأتاها مع طائفة من أصحابه، فأتاها للتعزية مع طائفة من أصحابه فوجد الولد نفسه تقعقع. الشاهد: أن الرسول أتاها للتعزية، وجلس ورُفع إليه الطفل، وذرفت عيناه بالدمع، فسأله سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟! قال: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عبادة) ، فالرسول جلس وجلس معه سعد بن عبادة، وجلس معه على ما يحضرني أبي بن كعب، أو طائفة من أصحابه، فهم جلسوا مع الرسول ﵊. أيضاً ذهب الرسول ﵊ للتعزية عندما استشهد جعفر ﵁، فبعد ثلاثة أيام ذهب إلى بيت جعفر، فعزى آل جعفر على موت جعفر، وأتي له بأولاده فدعا لهم ﵊. أيضاً في الصحيحين أن عائشة ﵂ كان إذا مات لها الميت، وانصرف الناس وبقي أهل الميت، أمرت بالتلبينة فصنعت وقالت: إنها مذهبة للحزن، مجمة لفؤاد المريض، فكانت تأمر لهم بنوع من الطعام ليأكلوه، فالشاهد: أن أصل التعزية مشروع، والتعزية في حقيقتها نوع من أنواع المواساة وجبر الخاطر التي أتى بها ديننا. فالظاهر -والله أعلم- أن أصل التعزية مشروع، فإن جاء المعزي إلى البيت وجلس خمس دقائق أو عشر دقائق فهذا جائز، لكن التكاليف التي تحدث في السرادقات والإحداثات والبدع هي المذمومة، لما فيها من تباهي، ولما فيها من أخذ أموال من تركة الميت، وفيها حق للأيتام، وتعطي للمقرئين المبتدعين وغير ذلك. أما حديث: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً) ، فلنا فيه نظر، وفي صحته نزاع، لكن على أن الأكثرية من العلماء صححوه، وهو بلفظ: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، إنه قد أتاهم ما يشغلهم) ، فيصير الحكم على سنية صنع الطعام لأهل الميت، وحديث عائشة في الصحيحين: (أنها كانت إذا مات لها الميت أمرت بالتلبينة فصنعت، فأكلت هي وأهل الميت، وقالت: إن التلبينة مذهبة لبعض الحزن، مجمة لفؤاد المريض) ، والمسألة مسألة فقهية. ثم إن حديث الرسول: (اصنعوا لأهل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم) ، العلة أنه قد أتاهم ما يشغلهم، وهذا يفيد أنهم إذا كانوا غير مشغولين عن الطعام؛ فلا يشرع صنع الطعام لهم، فيختلف الحكم باختلاف التعليل الوارد في الحديث. فالخلاصة: إذا كان يشق على أهل الميت صنع الطعام ترفع عنهم هذه المشقة، لحديث جعفر عند من صححوه، ونحن نحترم من صححه، وقد قال بمقتضاه الجمهور، والله أعلم. أما حديث: (لا عزاء بعد ثلاث) ، فضعيف، وحديث جعفر: (أمهل الرسول ثلاثاً ثم ذهب إلى آل جعفر) ، صحيح، فتخصيص التعزية بثلاثة أيام لا أعلم عليه دليلاً.

стр. 1810

حكم المظاهرات ؟ السؤال ما الحكم في المظاهرات التي تحدث في الجامعات، مع العلم أن البعض يستدل على ذلك بخروج سيدنا عمر في أول إسلامه في صف من المسلمين أمام الكفار، وأن هذه المظاهرات هي كلمة حق عند سلطان جائر؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فالظاهر لي -والله أعلم- أن المظاهرات وسيلة محدثة، ما درج عليها سلفنا الصالح -من الصحابة- في القرون المفضلة، بل حتى بعد القرون المفضلة، فلم نعهد الإمام الشافعي قام بمظاهرة ولا الإمام مالك ولا الصحابة ولا التابعون، أما القصة المشار إليها ألا وهي قصة خروج حمزة على صف وعمر على صف، فالذي يحضرني الآن أن إسنادها ضعيف، ثم هي لا تصلح أن تكون دليلاً على التظاهرات المزعومة، والله أعلم.

стр. 1811

تفسير سورة المدثر [٢] يعرض الله سبحانه في سورة المدثر صوراً شتى، منها: صورة لحال المتردد المتشكك في هذا القرآن، الذي حار جنانه في وصف ونعت هذا الكلام، ثم بيان ما أعده الله له ولأمثاله من العذاب والنكال، والصورة الثانية: لحال المؤمن والكافر بآيات القرآن، وكيف يقف كل منهما أمام آياته، والصورة الثالثة: لموقف الكفار من دعوة الإسلام، واقتراحاتهم التعنتية التي تدل على مدى تكبرهم وطغيانهم وكفرهم.

стр. 1812

تفسير قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً) باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر:١١-١٥] . قوله تعالى: (ذرني) أي: اتركني، ومن خلقته وحيداً، في قوله تعالى: (وحيداً) معنيان للعلماء: المعنى الأول: ذرني ومن خلقته فرداً وحيداً في بطن أمه. والمعنى الثاني: ذرني ومن خلقت وحيداً يوم القيامة، يوم يأتي لا ناصر له ينصره مني، ولا مغيث يغيثه مني. أي: اتركني مع هذا الرجل، يوم يأتي لا ناصر ينصره ولا شفيع يشفع فيه، ويأتي وحيداً يوم القيامة. (ومن) بمعنى: الذي، أي: ذرني والذي خلقت وحيداً. ومن المعني بقوله تعالى: (ومن خلقت وحيداً) ؟ أكثر المفسرين أنه الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد، وكل ما جاء بعد هذه الآية صفة له. ومن العلماء من قال: هي عامة في كل كافر. قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] ، هذا المراد منه التهديد، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤] ، وكما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل:١١] ، فكل هذه المراد منها التهديد. ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر:١٢] ، (ممدوداً) أي: كثيراً واسعاً، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم:٧٥] ، فالمراد بالمد هنا: الزيادة، أي: من كان في الضلالة فزاده الله ضلالاً إلى ضلاله. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر:١٢] أي: كثيراً واسعاً، ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر:١٤] أي: مهدت له في هذه الحياة تمهيداً، ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر:١٣] ، والبنين الشهود: الشهود بمعنى: الحضور، ويراد بالشهود في بعض الأحيان: الشهود على الجرائم وعلى الأحداث، لكن المراد بالشهود هنا الحضور، وهذا المعنى قد تقدم عند قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣] ، هل شاهد ومشهود معناها: راءٍ ومرئي أو معناها: حاضر ومحضور؟ تقدم التفصيل في ذلك. قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر:١٣] ، فمن نعم الله عليه أن الله رزقه بأولاد ذكور، وجعلهم شهوداً بجواره، ليسوا في حاجة إلى السفر بعيداً عنه؛ لأن كل ما يحتاجه هو وأولاده متوافر عنده. فمن نعم الله على هذا الرجل: أن الله رزقه بأموال كثيرة جعلت أولاده لا يحتاجون إلى سفر، فالسفر قال عنه ﵊: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليرجع إلى أهله) . فهذا الرجل امتن الله عليه بأولاد ذكور ليسوا في حاجة إلى سفر، لا للتجارات ولا للسعي على المعاش ولا لغير ذلك، فهم موجودون حوله يأكلون ويشربون ويتزوجون وينعمون، وليسوا في حاجة إلى الأسفار، فعينه تقر برؤية أبنائه بجواره. فأفادت الآية الكريمة أن الذين يسافرون يتركون أثراً على قلوب آبائهم وعلى قلوب أمهاتهم، فمن نعم الله على هذا الرجل أنه لم يجعله في حاجة إلى أن يبتعد عنه أولاده. ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر:١٣-١٤] أي: وسعت له توسعة، ﴿ثُمَّ﴾ [المدثر:١٥] بعد هذه النعم ﴿يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا﴾ [المدثر:١٥-١٦] أي: لن نزيده، ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٦-١٧] ، الإرهاق: التعب، (سأرهقه) : سأحل به التعب، تعب الصعود، وقد تقدم في تفسير سورة الجن، أن الله قال: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:١٧] ، وهنا قال تعالى: (سأرهقه صعوداً) ، فمن العلماء من قال: إن الصعود: جبل في جهنم يعذب الشخص بصعوده عليه والنزول منه، فدلت هذه الآية على أن الصعود نفسه نوع من أنواع العذاب، وهذا ملاحظ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، وأنت إذا صعدت إلى الطابق الخامس أو الطابق السادس تكون متعباً ومرهقاً، وكلما ارتفعت في الطوبق ازددت إرهاقاً، وأنت مستعد أن تمشي خمسة كيلو مترات ولا تصعد إلى الطابق العشرين مثلاً، فالصعود في نفسه نوع من أنواع التعذيب.

стр. 1813

تفسير قوله تعالى: (إنه فكر وقدر .) قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] متى فكر وقدر؟ قال جمهور المفسرين: إنه فكر وقدر يوم أن استمع إلى حديث رسول الله ﵊، وأعجب بهذا القرآن غاية الإعجاب، وأثنى عليه ثناءً حسناً، ثم رجع إلى المشركين، فقالوا له: ما تقول في الذي سمعت من محمد ﷺ ؟ هل هو شاعر؟ قال: أنا من أعلمكم بالشعر ما هو بقول شاعر، ولئن قلتم: إنه شاعر، فضحتكم العرب، قالوا: هو قول كاهن، قال: ليس بقول كاهن، أنا أعرف قول الكهنة، ليس هذا من أقوال الكهنة، قالوا: فماذا تقول؟ فحينئذ فكر وحاول يرتب ماذا يقول: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨-١٩] ، أي: لعن، وقُتِلَ في القرآن في أغلب المواطن معناها: لعن. ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٩-٢٠] أي: ثم لعن مرة ثانية لهذا التقدير الخاطئ. ﴿ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ﴾ [المدثر:٢١-٢٢] أي: كلح بوجهه ﴿وَبَسَرَ﴾ [المدثر:٢٢] : ظهر الضيق على وجهه وجبينه، ﴿فَقَالَ﴾ [المدثر:٢٤] : اختار هذه المقولة، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤] ، اختار من اختياراته وأقواله الباطلة هذا القول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤] أي: يؤثر عن الأوائل، أي: سحر مأثور ومأخوذ عن المتقدمين، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، أي: ما هذا إلا قول البشر، قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، وسقر: النار، ومن العلماء من قال: إنها بعض دركات النار. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر:٢٧] ، لتعظيم وتهويل شأنها، وتفخيم أمرها، وبيان شدة هولها. ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٨] ، لا تترك أحداً. ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٨-٣٠] المراد بهم: الخزنة، أي: خزنتها وحراسها تسعة عشر ملكاً.

стр. 1814

تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا أصحاب النار .) قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ [المدثر:٣١] أي: ما جعلنا خزنة النار إلا ملائكة، ولم نجعلهم بشراً، إنما جعلناهم ملائكة، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦] فخزنتها ملائكة. ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ [المدثر:٣١] أي: عددهم، ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر:٣١] ، فوقف الكفار يتساءلون فيما بينهم: لماذا هذا العدد بالذات تسعة عشر؟ لماذا هم تسعة عشر؟ هذا عدد غريب ليس كالواحد وليس كالثلاثة وليس كالاثنين وليس كالسبعة وليس كالعشرة، ليس كهذه الأعداد الشهيرة المتداولة بين الناس، حتى من نواحي الحساب لا يقبل القسمة إلا على نفسه، تسعة عشر رقم غريب على العرب، فقالوا: لماذا هذا العدد الغريب؟ ومن العلماء من نقل عن بعض كفار قريش أنه قال: تسعة عشر عدد يسير، فنحن قادرون على قتلهم وتحطيمهم واحتلال الجنة بالقوة! فكل مائة منا يوكل إليهم أمر ملكٍ من الملائكة يقتلونه ونحتل الجنة بالقوة! فجعل العدد فتنة للكفار، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ [المدثر:٣١] أي: عددهم ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر:٣١] وكما أسلفنا أن الآية كانت تنزل من كتاب الله يفتن بها أهل الكفر والنفاق، ويزداد أهل الإيمان إيماناً بهذه الآية، كما قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] فقالوا: كيف تخرج الشجرة في وسط النار؟ النار تأكل الأشجار، فهذا وجه افتتان الكفار بالشجرة، أما أهل الإيمان فأجابوا: (إن الله على كل شيء قدير) . كذلك في الإسراء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] فتن بها الناس، فتنوا بإسراء ومعراج الرسول ﵊، أما أهل الإيمان فيقولون: (إن الله على كل شيء قدير) . قال الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾ [المدثر:٣١] اختباراً وابتلاءً، والفتنة أيضاً تطلق على الصرف والتحويل، فتنته أي: صرفته عن الشيء، وفتنته أي: ابتليته بالنار، ومن المعنى الأول قول الشاعر: لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت سعيداً فأصبح قد قلى كل مسلم وألقى مصابيح القراءة واشترى وصال الغواني بالكتاب المتيم قال الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾ [المدثر:٣١] أي: اختباراً وابتلاء، وأيضاً صرفاً للكفار عن الإيمان كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦١-١٦٢] أي: بصارفين ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٣] . قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر:٣١] ، ليستيقن أي: ليزدادوا يقيناً، وكيف يستيقن الذين أوتوا الكتاب إذا سمعوا أن خزنة النار تسعة عشر؟ يستيقنون ويعلمون أن هذا القرآن حق من عند الله؛ لأن في كتبهم ما يفيد أن الخزنة تسعة عشر، إذا كان الكتابي اليهودي أو النصراني يقرأ في التوراة وفي الإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر، ويرى أن هذا القرآن الكريم أتى يؤكد هذا، ويفيد أن خزنة النار تسعة عشر ازداد يقينهم أن هذا القرآن من عند الله ، فهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر:٣١] أي: ليزدادوا يقيناً إذا علموا أن هذا القرآن ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام:٩٢] أي: مصدق للكتب التي أتت من قبله. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] وأهل الإيمان أيضاً إذا علموا أن الذي جاء به الرسول محمد ﵊ يوافق الذي جاءت به الكتب وأخبرت به الرسل من قبله، ازداد إيمانهم وتصديقهم برسول الله ﷺ ، فالآية أفادت معنىً ألا وهو أن طمأنينة القلب وزيادة الإيمان تحدث بتواتر الأدلة، وقد بوب لهذا بعض العلماء في باب طمأنينة القلب بتواتر الأدلة، واستدلوا بقول إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: قد آمنت، ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ، فلا يطعن فيمن طلب مثل هذا الطلب، أي: رجل مؤمن يطلب مثلاً رفع شبهة عن شيء، أو الاستفسار عن شيء كي يزداد إيمانه؛ لا يطعن -أصلاً- في إيمانه، فإبراهيم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] قال الله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] الآيات، ولا يقولن قائل: إن هذا خاص بإبراهيم ﵊، وهو شرع لمن قبلنا وليس شرعاً لنا؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذا قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ)) قال ذلك ضمن حديث وفيه: (يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) ، ومطلع الحديث: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْي)) . وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] فيه دليل لعقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزداد، وخالف في ذلك بعض أهل البدع، وقالوا: إن الإيمان لا يزداد، والآية نص صريح في زيادة الإيمان: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] ، وقال الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، أي: سماعهم هذا القول زادهم ﴿إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، ففي الآيات بيان لزيادة الإيمان، وكذلك نقصان الإيمان من عقيدة أهل السنة لحديث: (أخرجوا من النار من قال: "لا إله إلا الله" وفي قبله من الخير ما يزن ذرة) ، (ومن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقبله، وذلك أضعف الإيمان) ، وهذا مرئي مشاهد، قد يقوى إيمانك الآن فتقدم على فعل خير كثير، وقد يقل إيمانك غداً فتتراجع عن خير كثير. قال تعالى: ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [المدثر:٣١] أي: لا يتطرق إليهم شك في صدق هذا الرسول، (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾ [المدثر:٣١] هذا تفريق بين الذي في قلبه مرض وبين الكافر، فالذي في قلبه مرض: هو رجل شهد أن "لا إله الله وأن محمد رسول الله" بقلبه وبلسانه، أما قلبه فما زال مريضاً ومرتاباً، وكم من قائل: "لا إله إلا الله محمداً رسول الله" وفي قلبه مرض. ومن ثم قال رب العزة سبحانه: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] ، بعضهم في قلبه مرض من ناحية النساء مثلاً، إذا كلم امرأة أي كلمة، وأجابته بأي إجابة فيها نوع من الرفق؛ فيحملها محملاً سيئاً، فيقول في نفسه: ما كلمتني بهذه الطريقة إلا لأنها تحبني وتطمع في، ويجد إليه الشيطان سبيلاً من هذا الطريق. فهناك قوم شهدوا أن لا إله إلا الله بألسنتهم ومع ذلك في قلوبهم مرض، وذكرهم الله في آية أخرى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠] . وقال تعالى: ﴿ (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر:٣١] اللام هنا: هل هي لام العاقبة؟ أي: تكون عاقبة الأمر وعاقبة نزول هذه الآيات أن يقول الذين في قلوبهم مرض: كذا وكذا، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] هم في الحقيقة ما التقطوه -أبداً- كي يكون لهم عدواً وحزناً، إنما التقطوه فكانت عاقبة التقاطه أنه كان لهم عدواً وحزناً، فتسمى اللام التي في قوله: (فالتقطه آل فرعون ليكون) لام العاقبة أي: كان عاقبة الأمر أن كان لهم عدواً وحزناً. ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر:٣١] ما هذا المثل الذي يريده الله بهذا العدد؟ هم في شك وارتياب من هذا العدد وهذا المثل، أما أهل الإيمان فيعلمون كما أسلفنا (أن الله على كل شيء قدير) وأن الملك الواحد قادر -بإذن الله- على أن يدمر الأرض ومن عليها. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر:٣١] فيه أن الإضلال أيضاً من الله، وخالفت طائفة من أهل البدع في هذا، وقالوا: ليس الإضلال من الله سبحانه، ولكن تضافرت الأدلة على إثبات أن الإضلال أيضاً من الله، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، وقال النبي صلى الله عليه وس

стр. 1815

تفسير قوله تعالى: (كلا والقمر .) ﴿كَلَّا﴾ [المدثر:٣٢] ارتدعوا وانزجروا فليس الأمر كما تظنون أيها الكفرة والمنافقون، ﴿وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر:٣٢] ، الواو: واو القسم أقسم الله بالقمر، ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر:٣٣] أدبر أي: ذهب وولى وانصرف، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:٣٤] أي: أضاء، أسفرت عن وجهها، أي: كشفت عن وجهها وأبانت عن وجهها، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:٣٤] أي: ظهر واستبان، ومنه قول النبي ﷺ : (أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر) ، قال الله جل ذكره: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:٣٤] . ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر:٣٥] جمهور من العلماء قالوا: (إنها) أي: النار، (لإحدى الكبر) أي: الدواهي الكبيرة، ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣٦] ، ومنهم من قال: إن تكذيبات المشركين بالبعث إحدى الكبائر العظيمة التي توردهم النار. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧] يتقدم: بالطاعة إلى الله، ويتأخر: بالمعصية.

стр. 1816

تفسير قوله تعالى: (كل نفس بما كسبت .) قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] أي: سجينة ومحبوسة مرتهنة بعملها، كما قال الرسول ﷺ : (الغلام مرتهن بعقيقته) ، وكما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام:٧٠] ، فقوله تعالى: (أن تبسل نفس بما كسبت) تبسل أي: تحبس في النار. ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر:٣٨-٣٩] لكن أصحاب اليمن ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [المدثر:٤٠-٤١] . لكن هل قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر:٣٩] يفيد أن أصحاب اليمين لا يرتهنون بأعمالهم؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: من العلماء من يحمل محامل ويؤول تأويلات ويقدر تقديرات فيقول: (إلا أصحاب اليمين) فإنا قد غفرنا لهم ما ارتكبوه من سيئات، وعفونا لهم ما اقترفوه من آثام، فهم إذاً في جنات يتساءلون بعد أن كفرنا عنهم السيئات. القول الثاني: هي محمولة على أهل الشرك، أما أهل الإيمان فلم يقترفوا شركاً، فما ارتهنوا إذاً بشرك اقترفوه، والله أعلم. ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر:٣٩] وهم أهل الجنة الذين أوتوا كتبهم باليمين ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] . ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ [المدثر:٤٠] أي: آل بهم المقام إلى جنات، فمقامهم ومستقرهم في جنات، ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المدثر:٤٠] ، أي: فيما بينهم، أو يسألون أهل الإجرام: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] أي: ما هو السبب الذي أوردكم هذا المورد وأنزلكم سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٣-٤٦] فسبب دخولهم سقر أربعة أشياء ذكروها: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٣-٤٧] أي: حتى متنا على هذه الحال، فاليقين هو: الموت لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ، اليقين هنا هو: الموت، وإن كان له معان أخر، ومن هذا الباب قول الرسول ﷺ لامرأة قالت في شأن عثمان بن مظعون قولاً حسناً، فقال لها الرسول: (أما هو فقد جاءه اليقين من ربه) ، لما قالت: رحمت الله عليك! ظني أن الله قد رحمك، أو كما قالت، فقال لها الرسول: (أما هو فقد جاءه اليقين من ربه) فقولهم: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٧] يعني: حتى متنا على هذه الحال من ترك الصلاة ومنع المساكين، ومن الخوض مع الخائضين، ومن التكذيب بيوم الدين.

стр. 1817

هل الآية تدل على كفر تارك الصلاة ؟ هل هذه الآية الكريمة تصلح للاستدلال على كفر تارك الصلاة؟ البعض يوردها في أدلة تكفير تارك الصلاة، وهي ليست صريحة في ليست صريحة في كفر تارك الصلاة؛ لأن دخول الناس سقر بأربعة أشياء، فهل الواو تقتضي التشريك؟ هذا الأظهر لقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦] فهذا كفر اتفاقاً، فالذي يكذب بيوم الدين كافر اتفاقاً، لكن مثلاً الخوض مع الخائضين لا يُكفر فعله جملة؛ لأنه بحسب الخوض، فإن كان الخوض مع الخائضين في الشرك يكفر، أما إذا كان الخوض مع الخائضين فيما دون الشرك فلا يكفر فاعله، كذلك عدم إطعام المسكين في قولهم: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٤] ، هل عدم إطعام المسكين كفيل بالحكم على الشخص بالكفر بمفرده؟ لا، ليس كفيلاً بالحكم على الشخص بالكفر بمفرده، وقد قدمنا شيئاً في هذا مفاده أن دلالة الاقتران لا تفيد التساوي في الأحكام، فمثلاً قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الزكاة ويؤتوا الصلاة الحديث) فترك الشهادتين كفر بالاتفاق، ترك الصلاة كفر على خلاف إلا إذا كان جاحداً لها، وترك الزكاة الجمهور على أنه لا يكفر تارك الزكاة إذا لم يكن جاحداً لها، فاقترنت هذه الأشياء في سياق واحد، وكل له حكم مستقل، فكما أسلفنا أن دلالة الاقتران لا تفيد التساوي في الأحكام في كل الأوقات، فشهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، تركها له حكم، وترك الصلاة له حكم، وترك الزكاة له حكم، فعلى ذلك يخدش في قول من قال: إن الخمر ليست نجسة نجاسة عينيه لاقترانها بالأنصاب والأزلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] فرجس معناها: نجس، قال بعضهم: لما اقترنت الخمر بالأنصاب والأزلام، والأنصاب ليست نجسة، فإذا لمستها لا تؤمر بغسل يديك، فلما اقترنت بها أصبحت النجاسة نجاسة معنوية، كذا قال، لكن هذا الاستدلال استدلال ضعيف؛ لأن الخمر مائع من المائعات ينتقل، أما الأنصاب جامد لا ينتقل، فلا يقاس المائع على الجامد، والله أعلم. قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٨-٤٣] ، تارك الصلاة مجرم من المجرمين. ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٤-٤٧] أي: الموت.

стр. 1818

تفسير قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين .) قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] فالآية في الكفار؛ لأن الكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين؟ وهل كل الكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين نعم لقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] إلا أبا طالب فإن النبي ﷺ قال: (لعل شفاعتي تنفعه، فهو في ضحضاح من نار يغلي منهما دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) . قال سبحانه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر:٤٨-٤٩] أي: عن هذه المواعظ معرضين منصرفين، ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ [المدثر:٥٠] ، يصفهم الله، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر:٥٠] ، فكأن هؤلاء الكفار حمير نفروا وفروا، ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٥١] القسورة: الأسد، فيصف الله هؤلاء الكفار في فرارهم من رسول الله بالحمير التي فرت لما رأت الأسد، فالحمير إذا رأت أسداً تفر وتمعن في الفرار، وكذلك هؤلاء الكفار إذا سمعوا رسول الله ﷺ فروا وتولوا عن سماعه غاية التولي، وأعرضوا عن سماعه غاية الإعراض، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر:٥٠] فالله شبه الكفار هنا بالحمير، وفي موطن آخر شبه بعضهم بالكلب، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥] إلى قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] . وشبهوا بالحمير كذلك في آية أخرى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥] . وشبهوا بالأنعام: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤] .

стр. 1819

تفسير قوله تعالى: (بل يريد كل امرئ منهم) قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] ، فكل واحد منهم يريد أن يوحى إليه، وتنزل عليه الرسالة، ويكون نبياً كما أن الرسول ﵊ نبي! كما قال الله عنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤] فأجابهم الله بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، وكما ذكر الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] إلى قولهم: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه﴾ [الإسراء:٩٣] فكل واحد منهم يريد أن ينزل عليه كتاب، قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] ، فالآية تفيد أنه لا ينبغي أبداً أن يكون هناك تحاسد، فالتحاسد حملهم على الكفر، فلما سألوا هذا السؤال وأرادوا هذا الطلب قال الله : ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] فليس لك إلا أن تقنع بما آتاك الله . ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلَّا بَلْ﴾ [المدثر:٥٢-٥٣] كلا أي: لن يؤتى أحد منهم هذه الصحف المنشرة ﴿بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر:٥٣-٥٥] فمن شاء اتعظ ومن شاء لم يتعظ. ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ [المدثر:٥٤-٥٦] أي: وما يتعظون وما يعتبرون، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٦] ، يعني: اتعاظهم واعتبارهم بإرادة الله، ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ [المدثر:٥٦] أي: أهل لأن يتقى، وأهل لأن يخاف، وأهل لأن يخشى، ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦] أي: أهل لمغفرة الذنوب، فالآية مع أنها أفادت تجريم هؤلاء الكفار، لكن أيضاً فتحت باب التوبة لمن أراد أن يتوب ويرجع إلى الله، قال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦] أي: استغفروه فهو سبحانه سيغفر لكم، فانظر إلى السورة، ذكرت طائفة من المجرمين والذم الوارد في حقهم، والعقاب الوارد في حقهم، ثم فتحت لهم باب التوبة لقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦] ، كما ختمت السورة التي قبلها سورة المزمل بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] ، وهذا مطرد في كتاب الله، تأتي التهديدات ويأتي الوعيد لمقترفي الكبائر ومرتكبي الذنوب، ثم يفتح لهم باب التوبة، وقدمنا لذلك جملة من النصوص كقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٥٩-٦٠] . وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٤-٥] أي: أبواب التوبة مفتوحة. وقال لقطاع الطرق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤] ، إلى غير ذلك من الآيات. فختمت السورة بختام طيب مرغب للتائبين في التوبة، وكاسر للمقنطين الذين يقنطون الناس من رحمة الله، ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ [المدثر:٥٦] أي: أهل لأن يتقى، أهل لأن يخشى، وهو أيضاً أهل للمغفرة، فمن استغفر ربه غفر له، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠] . وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1820

الأسئلة

стр. 1821

حكم من أتى زوجته في دبرها السؤال ما حكم من أتى زوجته في دبرها؟ وكيف يتوب؟ الجواب مرتكب كبيرة عند جمهور أهل العلم، وعليه أن يستغفر الله ، ويعمل عملاً صالحاً يوازي هذا الأمر، كأن يتصدق بمبلغ طيب أو يصلي صلاة كثيرة، أو يصوم صياماً كثيراً، أو يعتمر؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.

стр. 1822

حكم الجمع بين أكثر من نية في صلاة النافلة السؤال هل يجوز الجمع بين أكثر من نية في الصلاة الواحدة؟ الجواب الجمع بين أكثر من نية في الصلاة الواحدة يختلف من صلاة إلى صلاة، فيجوز الجمع بين نية صلاة الاستخارة مع تحية المسجد، أو صلاة الاستخارة مع ركعتي الظهر، أو مع ركعتي الفجر النافلة، لقول النبي ﷺ : (فليركع ركعتين من غير الفريضة) ، ويجوز كذلك تحية المسجد مع سنة الوضوء، لكن مثلاً: فاتتك سنة الفجر وفاتتك سنة الظهر، لا يجوز أبداً أن تجمع بين سنة الظهر وسنة الفجر ركعتين، فهناك مواطن يجوز فيها الجمع ويسوغ، ومواطن لا يجوز فيها الجمع بين النيات ولا يسوغ.

стр. 1823

حكم قراءة القرآن على القبور السؤال ما حكم قراءة القرآن على القبور؟ الجواب لم يرد عن رسول الله ﷺ في ذلك شيء.

стр. 1824

ما حال حديث: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) ؟ السؤال ما درجة حديث: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) ؟ الجواب لعلماء الحديث فيه قولان من ناحية التصحيح، والحديث وإن كان عندي ضعيف في الإسناد، لكن معناه له شواهد ثابتة صحيحة، بل آيات يقول الله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] ، وحديث: (من غشنا فليس منا) ، إلى غير ذلك.

стр. 1825

ما حال حديث: (إن الله كره لكم قيل وقال ... ) ؟ السؤال هل يثبت حديث: (إن الله كره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ؟ الجواب الحديث في الصحيحين، من حديث المغيرة بن شعبة، كتب به إلى معاوية: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) .
следующие страницы →