Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
حديث: (حبب إلي من دنياكم .)
السؤال
ما صحة حديث: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) ؟.
الجواب
هذا الحديث ورد بلفظ: (حبب إليّ من دنياكم ثلاث) ، وهو بلفظ: (ثلاث) ، ضعيف، لكن بلفظ: (حبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) ، إسناده صحيح، لكن لبعض أهل العلم كلام في إعلاله، ولا يحضرني تفصيل هذا الكلام الآن، وقد أثبته في كتاب جامع إحكام النساء لمن شاء أن يراجعه، وهو موجود في بعض كتب العلماء.
стр. 1857
ضعف حديث: (صلوا وراء كل بر وفاجر)
السؤال
ما صحة حديث: (صلوا وراء كل برٍ وفاجر) ؟
الجواب
ضعيف، لا يثبت عن رسول الله، لكن في الباب حديث في شأن الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها: (صلوا، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) ، وهو صحيح.
стр. 1858
حكم من يسبق الإمام سهواً
السؤال
ماذا يفعل المصلي الذي سبق الإمام في ركوعٍ مثلا أو سجود بدون قصد؟
الجواب
إذا كان دون قصد، بأن كان خطأ، فإن الله وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، ولما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، قال الله: (قد فعلت) .
стр. 1859
صحة ما يذاع من نكاح الجني للمرأة الإنسية
السؤال
كثر في الجرائد والمجلات مسألة الجن التي تجامع النساء والبنات، فهل هذا صحيح؟
الجواب
هل بالفعل الجن تجامع النساء؟ في الحقيقة ما رأيت جنياً أو سمعت عن هذا في عهد الرسول، والذي يثبت لنا ذلك يأتينا بأي دليل يثبت أن الجن كانوا يجامعون النساء.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] يفهم في ضوء أفعال الصحابة وفي ضوء الأحداث التي جرت على عهد الرسول ﷺ ، وغاية ما أفادته الآية أن الحوريات في الجنة، (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) ، لكن هل الجني ممكن أن يطمث؟ في حديث في إسناده -على ما يحضرني- عبد الله بن محمد بن عقيل وهو عندنا ضعيف الحديث، يقول النبي في شأن من الصحابة: (هذه ركضة من ركضات الشيطان) ، لكن في إسناده ضعف، ولا يثبت عن رسول الله ﷺ .
لكن الواقع الذي حدث على عهد الرسول ﷺ أنه لا توجد امرأة من الصحابيات جامعها جني أبداً! وأما أن نتوسع في هذا الباب، والجرائد تأخذه موضوعاً تشنع به على الإسلام وتشنع به على المسلمين، ويثأر العلمانيون بسببه من أهل الإسلام، وهو مادة خصبة لهم بالطبع، لكن السؤال المطلوب، هل ورد عن امرأة من الصحابيات أنها حصل لها شيء من هذا؟ لا أعلم شيئاً في هذا.
وأما حديث: (أن الرجل إذا جامع امرأته ولم يسم جامع معه الشيطان) فهو غير ثابت، بل هو ضعيف تالف، ولا يصح إلا حديث: (اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) ، لكن لا يفيد أن الشيطان يزني معه، والله أعلم.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والله أعلم.
стр. 1860
تفسير سورة الإنسان
سورة الإنسان من السور التي يعرض فيها الله حقيقة هذا الإنسان، وأين كان قبل أن يكون بشراً سوياً، ويعرض صورة مما أعده الله للمؤمنين في الجنة، من النعيم الدائم السرمدي، وما أعده الله للكافرين في النار من صور العذاب الأليم، وفيها تسلية للنبي ﵊، وعرض لأساليب مجابهة الكفار التي تتمثل في الصبر وكثرة الذكر وقيام الليل.
стр. 1861
تفسير قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فقد كان رسول الله ﷺ يقرأ سورة الإنسان في الركعة الثانية من فجر يوم الجمعة، وكان ﵊ يقرأ في الركعة الأولى من فجر الجمعة بـ (الم تنزيل) .
قوله تعالى: (هَلْ أَتَى) قال كثير من المفسرين: (هل) هنا بمعنى قد، فالمعنى: قد ﴿أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] .
أما المراد بالإنسان: فمن العلماء من قال: إن المراد بالإنسان هنا آدم ﷺ ، وهذا الذي قال إن المراد بالإنسان هو آدم ﷺ ، فسر الحين المذكور في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان:١] بأنه ما بين خلق آدم إلى أن نفخت فيه الروح.
ومن العلماء من قال: إن المراد بالإنسان هنا: بنو آدم، وهذا القائل فسر الحين من الدهر أنه الفترة التي كان فيها الإنسان نطفة إلى أن صُوِّر وشكل في بطن أمه.
فهذان قولان مشهوران في تفسير هذه الآية.
أحدهما: أن الإنسان هو آدم، والحين هو منذ خلق آدم إلى أن نفخت فيه الروح.
والثاني: أن الإنسان عام، والحين هو ما بين كونه نطفة في رحم أمه إلى نفخت فيه الروح كذلك.
﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] أي: كان شيئاً مهملاً لا يذكر ولا يعرف.
стр. 1862
تفسير قوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان .)
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ والإنسان هنا في قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ هم بنو آدم يقيناً؛ لأن آدم ﷺ لم يخلق من نطفة، إنما خلق آدم ﵇ من تراب.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الإنسان هنا هم بنو آدم؛ لأن آدم ما خلق من نطفة، وهذا يجرنا إلى أن الكلمة تتعدد معانيها في كتاب الله سبحانه، فأحياناً يتسع معناها وأحياناً يضيق معناها، فكلمة الإنسان أحياناً تكون عامة يدخل فيها آدم وبنو آدم، وأحياناً تكون خاصة فيراد بها آدم وحده، أو بنوه فقط.
فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ كما أسلفنا من العلماء من قال: هو آدم، وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ هم بنو آدم.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ الأمشاج: هي الأخلاط، والمشيج: هو الخليط، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي: أخلاط، وما المراد بالأخلاط؟
стр. 1863
تفسير قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل .)
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان:٣] : الهداية هنا هداية الدلالة، وليست هداية التوفيق، فالهداية هدايتان: هداية دلالة ومنها: (هذا هادٍ يهديني السبيل) أي: يدلني على الطريق، ولكن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] أي: لا توفق من أحببت، فالهداية هدايتان: هداية دلالة يملكها البشر بإذن الله، وهداية التوفيق لا يملكها إلا الله سبحانه.
إذا علمت ذلك اندفعت عنك الإشكالات الواردة في الجمع بين الآيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، فقوله: (إِنَّكَ لَتَهْدِي) أي: لتدل، و (إِنَّكَ لا تَهْدِي) أي: لا توفق.
قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بينا له الطريق، وأوضحنا له طريق الخير وطريق الشر كذلك، كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: بينا له طريق الخير، وبينا له طريق الشر، فكان حال الناس لما بينا لهم الطريق، أن منهم شاكراً ومنهم كافراً، ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] فالمعنى: إنا بينا للإنسان الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، فآل أمر الناس إلى قسمين: منهم الشاكر، ومنهم الكافر، أي: منهم من سلك طريق الخير شاكراً لنعمة الله عليه في البيان، ومنهم من سلك طريق الشر كافراً بنعمة الله عليه في هذا البيان.
стр. 1864
تفسير قوله تعالى: (إنا أعتدنا للكافرين .)
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ [الإنسان:٤] أي: أعددنا، ﴿لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا﴾ أي: سلاسل توضع في الرقاب، ويسحبون بها في النار على وجوههم، ﴿سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان:٤] وتقدم الكلام على ذلك.
فقوله سبحانه: (إِنَّا أَعْتَدْنَا) يفيد أن النار مخلوقة الآن، لأن الله قال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا) ، وهذا من معتقدات أهل السنة والجماعة أن النار مخلوقة الآن، وأشد ما تجدون من حرها في الصيف، وأشد ما تجدون من بردها وزمهريرها في الشتاء، كما جاء عن رسول الله ﷺ : (أن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف) الحديث.
(ولما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها) .
الحديث.
(وبينما رجل يمشي في حلة قد أعجبته نفسه إذ خسف به في نار جهنم فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) فقوله (إِنَّا أَعْتَدْنَا) فيه دليل على أن النار مخلوقة وموجودة الآن، وكذلك في حديث عذاب القبر، (افتحوا له باباً إلى النار، وأفرشوه له النار، فيأتيه من حرها وسمومها) أي: الميت الكافر.
стр. 1865
تفسير قوله تعالى: (إن الأبرار يشربون .)
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان:٥] والأبرار تأتي أحياناً بمعنى عام متسع، وأحياناً تأتي بمعنى خاص: فأحيانا تكون عامة فيدخل فيها أهل الجنة كلهم، سواء المقربون منهم، أو أصحاب اليمين, ومنه قول أهل الإيمان، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] فهي عامة.
وأحياناً تأتي الأبرار ويراد بها صنف من أصناف الجنة، فنحن نعلم أن الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون أولئك المقربون، ففي الآخرة مقربون، وأصحاب يمين، وهذان الصنفان من أهل الجنة، وصنف ثالث وهم أصحاب المشأمة.
فمن أهل العلم من يقول: إن المراد بالأبرار في هذه الآية التي بين أيدينا أصحاب اليمين، أي: إن أصحاب اليمين ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي: خليطها كافورا.
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ هذه الكأس ليست من مشروب صافٍ، إنما هي من شراب مخلوط بالكافور، وهذا الكافور ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يشرب منها (عِبَادُ اللَّهِ) أي: المقربون، فالمراد بعباد الله هنا: المقربون، ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦] وقد تقدم في سورة المطففين ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٢-٢٤] * ((يُسْقَوْنَ)) أي: الأبرار ﴿مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين:٢٥] على قول من قال: إن المختوم هو الممزوج ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٦-٢٨] .
وهنا كذلك ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ هذه الكأس التي يشرب منها الأبرار كان مزاجها، أي: خليطها، كافورا، فهي مخلوطة بالكافور، والكافور ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ الذين هم المقربون، يشربون من الكافور صرفاً، صافياً خالصاً -غير مخلوط بغيره-.
أما أصحاب اليمين فيشربون الكافور الممزوج بغيره، فكما قال قائل السلف: يشرب منها المقربون صرفاً أي: صافية وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً، أي: تخلط لأصحاب اليمين خلطاً، وكمثال تقريبي من حياتنا الدنيا: شاي على لبن، أصحاب اليمين يشربون شاياً مخلوط بلبن، اللبن شراب يشرب منه عباد الله -المقربون- يشربون من اللبن صرفاً، أي: خالصاً صافياً، وأصحاب اليمين يشربون الشاي المخلوط باللبن.
وهنا كذلك: ((إِنَّ الأَبْرَارَ)) الذين هم أصحاب اليمين ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان:٥] أي: خليطها كافور، والكافور: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي: يشرب منها، فـ (بها) بمعنى منها، وحروف الجر تتناوب.
﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦] ، أي: ينتقلون بها إلى حيث شاءوا وتصحبهم إلى حيث أرادوا، أي: إذا انتقلوا إلى مكان في الجنة، وأراد أحدهم أن يفجر هذه العين، فإنها تفجر له هذه العين، فهي ليست مثبتة في مكان، بل هي متنقلة معه إلى حيث أراد، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦] أي: في أي مكان شاءوا أن تنبع لهم هذه العين نبعت لهم.
стр. 1866
تفسير قوله تعالى: (يوفون بالنذر .)
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] من صفات هؤلاء الأبرار أنهم يوفون بالنذر، والنذر هنا عام، لكن أريد به الخصوص، فالمراد بالنذر الذي يوفى به: نذر الطاعة والتبرر لا نذر المعصية، فإن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) فلفظة النذر جاءت عامة، لكن أريد بها الخصوص.
أقسام النذر: والنذر على خمسة أقسام: نذر الطاعة ويطلق على نذر الطاعة نذر التبرر، وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: نذر عوض أو مقابلة.
القسم الثاني: نذر الابتداء.
فنذر الابتداء: أن تقول: لله عليّ أن أحج، لله عليّ أن أصوم لله علي أن أعتمر، فهذا نذر ابتداء، ليس مقيداً بشيء.
ونذر المقابلة أو العوض أو المجازاة، أن تقول: لله عليّ إن شفا الله ولدي أن أحج، فجعلت الحج هنا مرتباً على شفاء الولد، فهذا الأخير نهى عنه رسول الله ﵊.
ومن العلماء من يرى أن النهي من رسول الله ﵊ عام، فإن الرسول نهى عن النذر وقال: (إن النذر لا يقدم شيئاً، ولا يؤخر شيئاً، إنما يستخرج به من البخيل) أي: يخرج به منه ما لا يريد إخراجه.
ومن العلماء من حمل الحديث على نذر المقابلة أو نذر العوض.
ومنهم من أطلق وقال: الأفضل ألا تنذر مطلقاً؛ لأن النبي ﷺ ما نذر شيئاً، لكن إن نذرت نذر طاعة بأحد قسميه لزمك الوفاء بهذا النذر؛ لأن النبي ﷺ ذكر القرون المفضلة، ثم قال: (ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن) وأثنى الله على الذين يوفون بالنذر في هذه الآية: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة:٢٧٠] .
فهذا نذر العوض أو المقابلة ونذر الابتداء، وكلاهما يدخل تحت الطاعة.
الثاني: نذر المعصية، كأن يقول القائل: لله عليّ أن أسرق، أو لله عليّ أن أفعل كذا وكذا من المحرمات، فهذا نذر معصية لا يوفى به.
النوع الثالث: الذي يتنزل منزلة اليمين، كأن تقول: لله عليّ لأفعلنَّ كذا وكذا، وتنزل هذا النذر منزلة اليمين فهذا كفارته كفارة يمين إذا لم توف به؛ لأنه خرج مخرج اليمين.
النوع الرابع: النذر المباح، كأن يقول الشخص: لله علي أن أطبخ كذا، أو آكل لحماً، أو أشرب شاياً، أو أي شيء من أمور النذر المباح، طبعاً الأحكام التفصيلة واسعة، تحتاج إلى محاضرة مختصرة.
الشاهد: أن أهل الإيمان إذا نذروا نذر طاعة يوفون به، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] والمستطير هنا العام، ومنه قول الرسول ﵊، (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا هذا الفجر المستطير) فالفجر المستطير هو المستعرض بعرض السماء، وهو الذي يلمع، فالشر المستطير هو الشر العام، والفجر المستطير الفجر المنتشر عموما في السماء من ناحية الشروق.
واستدل بهذه الآية على أن الشر يغطي الجميع يوم القيامة، ثم بعد ذلك ينجّي الله الذين اتقوا.
قال الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا﴾ هو يوم القيامة ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] .
стр. 1867
تفسير قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه .)
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٨] .
من أهل العلم من قال: (على) بمعنى مع، أي: مع حبهم للطعام فإنهم يبذلونه لوجه الله، واستدل هذا القائل بقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧] أي: مع حبه، وبقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] .
وقد اختلف العلماء في الضمير في قوله: (على حبه) إلى ماذا يرجع؟ القول الأول: أنه يعود على الطعام، أي: مع حبهم للطعام.
القول الثاني: أنه يعود على الله أي: على حبهم لله تعالى.
والقول الأول أظهر، ولذلك كان كثير من السلف يعمدون إلى الأطعمة التي يحبونها، ويتصدقون بجزءٍ منها، وإلى الأمتعة التي يحبونها فيتصدقون بجزءٍ منها، وورد عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كان يكثر من التصدق بالسكر، فقيل له: لماذا تكثر من التصدق بالسكر، قال: إني أحبه، والله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] .
ولما سمع علي بن الحسين الملقب بـ زين العابدين حديث رسول الله ﷺ : (من أعتق عبداً، أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار) عمد إلى أفضل عبد عنده فأعتقه وقال: أنت حر لوجه الله، كذلك فعل أبو طلحة لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] فعمد إلى أفضل ماله وهي بيرحاء -حديقة أو بستان- فتصدق بها لله .
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ، وهنا الآية الكريمة، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ وهي عامة في المساكين، والذي يقيدها بالمسكين المسلم في باب الإطعام فعليه الدليل، ويشهد للتعميم، حديث رسول الله ﷺ : (في كل كبد رطبة أجر) والكبد الرطبة تشمل كبد الكافر وكبد والمسلم.
فعليه: إذا كان في باب إطعام وليس في باب الأموال، فيجوز أن تطعم منه الكافر.
أما حديث (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقيٌ) فالراجح عندي ضعفه، ثم إن هناك نصوصاً أخر أفادت أن الرسول ﵊ أطعم الكفار في جملة مواطن، ثم هو إن صح فهو على التنزيه ليس على التحريم، ثم له صور معينة، كأن يكون من باب الموالاة ونحو ذلك، والله أعلم.
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] فحتى الأسير الكافر يدخل في الآية، كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما كان هناك أسرى في عهد الرسول إلا كفار، والرسول وأصحابه هم الذين خوطبوا بالآية: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] وأوردوا بعض الآثار -وإن كان في إسنادها كلام- أن النبي ﵊ أمر بإكرام أسارى بدر في ناحية الإطعام، ولا شك أن الرسول وأصحابه كانوا يطعمون ثمامة بن أثال، عندما كان مربوطاً في المسجد أسيراً ثلاثة أيام، فإطعام الأسير محمود وإن كان الأسير من الكفار.
ويدخل في هذا المساجين الذين هم في حجوزات الشرطة إذا جئت تتصدق عليهم، أو في أي مكان من الأماكن، فهم بمثابة الأسرى المقيدين.
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] أي: لا نطعمكم رجاء لفائدة ولا لمصلحة تعود علينا منكم في الدنيا، وإنما الإطعام لوجه الله، كما قال تعالى في آية سورة الليل: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٨-١٩] لا ينتظر ثواب أحد، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢٠-٢١] ، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] .
стр. 1868
تفسير قوله تعالى: (إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً)
قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا﴾ [الإنسان:١٠] أي: إطعامنا لكم مخافة من ربنا، فنحن نريد وجه الله بالإطعام خوفاً من الله.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيِراً﴾ ، قال بعض العلماء: العبوس هو الضيّق الشديد، والقمطرير: هو الطويل.
ومن أهل العلم من قال: العبوس الذي تعبس فيه الوجوه، حتى توشك أن تتقطع ويتساقط منها صديد من شدّة عبوسها، والقمطرير: هو الذي تظهر فيه البثور على الوجوه من شدة العبوس، وثم أقوال أخر.
فأهل الإيمان يخافون شدة هذا اليوم، ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠] وتخيل نفسك وأنت متضايق وعابس الوجه، ومقطب الجبين، كيف يكون حالك؟!
стр. 1869
تفسير قوله تعالى: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم .)
﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ﴾ [الإنسان:١١] عبر بالماضي عنه وكأنه قد وقع، لأن كل ما هو آت قريب، ووعد الله لا يخلف.
﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ أي: في وجوههم، ﴿وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:١١] أيضاً على الجباه، مقابل العبوس القمطرير.
وهناك وجوه عابسة، ووجوه نضرة، ووجوه مسرورة، ووجوه عليها القمطرير، ولهذا استنبط بعض أهل العلم تفسير العبوس القمطرير من المقابل وهو النضرة والسرور، فقال: النضرة قابلت العبوس، والسرور قابل القمطرير.
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٢] : الصبر على الأوامر، والصبر أيضاً على النواهي، وعلى التكاليف، فقوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بصبرهم، ففيه فضل صبرهم، فالذي لا يصبر على طاعة الله ولا يصبر عن معاصيه يحرم هذا النعيم.
﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٢] ، فالجنة كما قال البعض: لما صبروا على الطاعات نالوا الجنان، وصبروا عن المحرمات أيضاً فنالوا الحرير، فالحرير محرم عليهم في الدنيا، فألبسهم الله إياه وتوجهم به يوم القيامة، فالحرير حرام على الرجال، فمن امتنع عنه في الدنيا لبسه في الآخرة، ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ الباء سببية، أي: بسبب صبرهم: ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ .
стр. 1870
تفسير قوله تعالى: (متكئين فيها على الأرائك .)
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ [الإنسان:١٣] الاتكاء: الميل بأحد الشقين ﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الإنسان:١٣] ، وهي الأسرة في الحجال، السرير في غرفة وعليه أشبه ما يكون بالناموسية ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ أي: ليس فيها شمس، (وَلا زَمْهَرِيرًا) أي: برداً ولا قمراً كذلك، فليس في الآخرة شمس ولا قمر، إنما الشمس والقمر كما قال ﵊: (الشمس والقمر مكوران يوم القيامة) ، قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ، وفي رواية خارج الصحيح: (الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة) .
فقوله: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ أي: ولا ما يتبعها من الحرارة (وَلا زَمْهَرِيرًا) أي: لا برداً ولا قمراً، إنما هي مضيئة من نفسها ومنيرة من بذاتها من عند الله .
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ [الإنسان:١٤] أي: قريبة الظلال منهم، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ذللت القطوف أي: تدنو منهم من الثمار إذا أرادوها، فتأتيهم ذليلة إلى أيديهم حتى يقطفوها، فلا يتكلفون القيام لقطف الثمار، ولا يتكلفون تسلق الأشجار لقطف الثمار، بل: ﴿دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٤] .
يقول الله : ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٥-١٦] ، ما المراد بقوله تعالى: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ ؟ من أهل العلم من قال: يوضع الماء أو الشراب في القارورة على قدر حاجة الشارب فقط، لا يزيد ولا ينقص، يعني: قدر الشراب على قدر حاجة الشارب فلا يتبقى في الكوب شيء، ولا يحتاج بعد شربه إلى شيء.
قال الله : ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان:١٧-١٨] الكلام أيضاً على الأبرار أنهم يشربون من كأس كان خليطها زنجبيلاً، ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ .
стр. 1871
تفسير قوله تعالى: (ويطوف عليهم والدان مخلدون .)
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان:١٩] ، المخلدون: الذين لا يشيبون ولا يكبرون، بل أعمارهم ثابتة لا تزيد ولا تنقص، وأجساهم ثابتة لا يعتريها التغيّر إلى الأسوأ، وإن كان ثمّ تغير فهو إلى الأفضل والأحسن والأكمل، فهم ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ من حسنهم، ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩] فمن كثرتهم كأنهم لؤلؤ منثور، أي: لؤلؤ منتشر كثير.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان:٢٠] إذا رأيت ثمّ، أي: إذا رأيت هناك وأمعنت النظر ورميت ببصرك إلى بعيد، ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠] أي: رأيت ممالك عظيمة، فإذا نظرت ببصرك إلى هنا وهناك رأيت العظمة ورأيت الملك، وكما قال رسول الله ﷺ : (إن أدنى أهل الجنة منزلة من يقال له: تمن، فيتمنى، ثم يقال له: تمن، فيتمنى، حتى إذا انقطعت به الأماني، فيذكره ربه أيضاً: تمن كذا، حتى يتمنى مثل مُلك مَلِكٍ من ملوك الدنيا الحديث، وفي آخره يقول الله له: لك مثل ذلك وعشرة أمثاله) أو كما قال ﵊، فهذا أدنى أهل الجنة منزلة.
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان:٢١] في الآية فضل الثياب الخضر، فالثياب منها ثياب محبوبة في ألوانها، ومنها ثياب أيضاً تكاد تذم في بعض المواطن ولبعض الأشخاص، فهناك مثلاً قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] وهنا ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ .
وأيضاً، في هذا الباب كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ البياض، وكان ﵊ يقول: (البسوها وكفنوا فيها موتاكم) أو كما قال ﵊.
أما بالنسبة للنساء فالثوب الأسود لهن أفضل؛ لأن نساء الصحابة كن يخرجن إلى صلاة الفجر، أو لما نزلت آية الحجاب خرجن وكأن على رءوسهن الغربان من السواد، لكن لو لبست المرأة ثوباً آخر ليس فيه فتنة، فلا بأس به؛ قد ثبت أن أم المؤمنين عائشة طافت بثوب مورد، أي: بثوب وردي، وليس المعنى أن الثوب فاتن، إنما الشاهد أنه ليس بأسود، ما لم يكن الثوب ثوب شهرة والله تعالى أعلم.
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ إذ هم أصحاب اليمين، أما المقربون ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] .
﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان:٢٢] أي: على أعمالكم في الدنيا، ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢] أي: شَكَرَه ورضيه لكم .
стр. 1872
تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن .)
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر:٩] ، أي على فترات وعلى مراحل وليس دفعة واحدة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢] أي: شيئاً فشيئاً.
قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان:٢٤] أي: لقضاء ربك، ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ فالآية نهت رسول الله عن طاعة الآثمين وطاعة الكفار، وهي كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] وقال الله أيضاً: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] ، فالآية أيضاً نص في أن الذي يدعو إلى معصية الله لا يطاع.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان:٢٥] أي: صباحاً ومساءً، والمعنى: أكثر من الذكر ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ، فكأن ذكر الرب سبحانه مقوي على ما ينالك من بلاء بسبب عدم طاعتهم.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٦-٢٧] العاجلة: الدنيا، واليوم الثقيل: يوم القيامة.
﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان:٢٨] أي: قوينا خلقهم، ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان:٢٨] ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [الإنسان:٢٩] أي: موعظة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان:٢٩] أي: طريقاً يقربه من الله، ولكن، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فالهادي هو الله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠-٣١] .
стр. 1873
الأسئلة
стр. 1874
حكم صلاة الجماعة للمسافر المقيم
السؤال
هل تسقط صلاة الجماعة على المسافر المقيم؟
الجواب
لأهل العلم فيها قولان: الراجح منهما والله أعلم أنها تسقط عن المسافر المقيم؛ لأن النبي ﷺ في بعض أسفاره أو في منىً لم يرد أنه جمّع، وكان مقيماً في أيام منى في الحج ﵊.
стр. 1875
إلى كم يقصر المسافر ؟
السؤال
كم مدة الإقامة للمسافر؟
الجواب
في مدة الإقامة نزاع، فمن أهل العلم من قال: إن مدة الإقامة ثلاثة أيام بلياليها وهم جمهور العلماء، وبعضهم أوصلها إلى أربعة أيام، ومنهم من فتح الباب وقال: ما دمت مسافراً وإن طالت المدة فإنك تأخذ حكم المسافر، وكأن الأخير أقرب للصواب، والله تعالى أعلم وقد سافر النبي ﷺ تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة.
стр. 1876
حكم تحديد الآيات في صلاة التراويح
السؤال
هل يعتبر تحديد كماً معيناً من القرآن في صلاة التراويح نوعاً من البدع؟
الجواب
ليس من البدع، لأن الله قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] .
стр. 1877
هل حديث: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) صحيح ؟
السؤال
حديث: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) ما صحة هذا الحديث.
الجواب
كل طرقه متكلم فيها، والذي يظهر أن النفس لا تطمئن إلى تحسينه، لأن كل الطرق فيها مقال، ومن نشط من العلماء وحسنه حسنه بمجموع الطرق ونفسه وجلة من تحسينه.
стр. 1878
حكم ادخار جزء من مال الزوج دون علمه
السؤال
إذا ادخرت المرأة جزءاً من بعض الأموال التي يعطيها لها زوجها -كمصروف في يدها- لتساعد بها إخوتها ووالديها في معيشتهم، دون علم زوجها خوفاً أن يعيرها بذلك، فما هو حكم ذلك؟
الجواب
إذا كان يعطيها هذه المصاريف كمصاريف شخصية خاصة بها، فلها أن تفعل ما ذكرت، وإن كان يعطيها هذه المصاريف لمصلحة وخدمة بيته، فلا يجوز لها أن تنقل شيئاً إلى بيت أهلها إلا بعد الإذن الصريح أو العرفي أو التلميح، لكن قد يجوز بالقدر الذي يتعارف عليه بين الناس، كامرأة مثلاً تذهب إلى بيت أبيها، تأخذ كالمعتاد مثلا: ً كيلو من الفاكهة أو اثنين كيلو من الحلوى، ونحو ذلك، فالمتعارف عليه بين الناس أنه ليس في ذلك شيء، والله أعلم.
стр. 1879
حكم الصلاة في مسجد به قبر
السؤال
ما حكم الصلاة في المسجد الذي به ضريح، علماً أن وقت الصلاة سينتهي إذا لم يصل في هذا المسجد؟
الجواب
كأن السائل خفي عليه حديث رسول الله ﷺ الذي قال فيه: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) و (جعلت لي الأرض مسجداً وتربتها طهور) فصل في الشارع.
стр. 1880
حكم قضاء صوم النافلة
السؤال
كنت صائمة يوماً صيام نافلة، فجاءت الحيضة، هل أقضي هذا اليوم؟
الجواب
ليس هناك دليل يلزم بالقضاء.
стр. 1881
حكم الحركات والصرع التي يفعلها البعض في الصلاة عند سماع القرآن
السؤال
ما مدى صحة حديث الرسول ﷺ : حينما سمع رجلاً شهق شهقة شديدة وهو يصلي بالناس، فقال: (من هذا الذي جاء يلبس علينا في ديننا، إن كان صادقاً شهر نفسه، وإن كان كاذباً محقه الله) ؟
الجواب
لا يثبت، لكن ذكر القرطبي ﵀ كلاماً طيباً في هذا الباب؛ لأنه يوجد في بعض المساجد حتى مساجد أهل السنة بعض الإخوة المخرفين، يتنطط أثناء الصلاة، ويقوم ويرتفع وينخفض، ويضرب أحياناً برجليه في الأرض، وأحياناً بعضهم يكاد يصرع.
فأورد القرطبي مقولات -على ما يحضرني- عند تفسير قوله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] أورد مقولات وشجب هذه الأفعال، وحاصل الشجب ينبني على أن أصحاب رسول الله ﵊ ورضي الله عنهم هم خير الناس وخير القرون، ولم تتفش فيهم هذه الأشياء، فلم يصرع أحد منهم عند الآية، أو يغش عليه، أو مثلاً يرتفع إلى السماء وينخفض ويضرب برجليه الأرض.
أصحاب الرسول ما حصلت فيهم هذه الأشياء بأسانيد ثابتة صحيحة، فقد كانوا أورع الناس وما صدرت منهم هذه الخزعبلات، وأورد أثراً، قالوا إنه من طريق عمر بن عبد العزيز عن ابن سيرين، وقد ذكر له رجل يغشى عليه عند تلاوة القرآن، قال: دعوه على سطح منزل، واتلوا عليه كتاب الله، فإن سقط فهو صادق.
ومن المستحيل أن يسقط! وأيضاً: أورد عن ابن عمر آثاراً فيها: كنا أخشع الناس -أو كلمة بمعناها- وكان القرآن يتلى علينا ونحن أصحاب رسول الله، فما نصرع.
رضي الله تعالى عنه.
وما شاع هذه الأيام إنما يلبس به على أهل الجهل، لأن خير الناس هو رسول الله ﵊ ومن بعده أصحابه، إذا تليت عليهم آيات القرآن كانوا ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩] ، أما الخرافات التي تنشأ والأشياء التي تنسج في هذا الباب، كأحدهم يقوم في أثناء الصلاة يقفز إلى أعلى وينزل إلى أسفل، ويضرب برأسه من حوله، فهذا نوع من أنواع التخاريف والخداع والغش للناس، وأسوتنا هم أصحاب نبينا محمد ﷺ ، فالذي وسعهم يسعنا، كانوا يبكون عند استماع القرآن، ولا يحدث لهم شيء من هذه الخرافات.
أما فقدان الوعي الكامل، فمن من الصحابة فقد عقله عند تلاوة القرآن، أو هذى وخرف عند استماع القرآن، فليراجع من شاء المقولة القصيرة التي ذكرها القرطبي في تفسير سورة الزمر، والله تعالى أعلم.
стр. 1882
حكم إزالة أو تسريح الشعر وقص الأظافر لمن كانت جنباً أو حائضاً
السؤال
ما حكم إزالة الشعر أو تسريح الشعر وقص الأظافر أثناء الجنابة أو الحيض بالنسبة للمرأة؟
الجواب
ليس هناك مانع مما ذكر، والذي يمنع فعليه بالدليل، أما الأقيسة التي تقول: إذا حلقت الشعر وأنت جنب، فالشعر يكون في جنابة، كل هذه وساوس، ولم تنقل عن رسول الله ﵊، والحكم لا يكون إلا بالدليل.
стр. 1883
كيفية التعامل مع غير المسلمين
السؤال
كيف يكون التعامل مع غير المسلمين؟
الجواب
يراجع كتاب أحكام أهل الذمة لـ ابن قيم الجوزية ﵀.
стр. 1884
رفع اليدين عند الدعاء
السؤال
ما هي مواطن رفع اليدين في الدعاء؟
الجواب
مواطن رفع اليدين في الدعاء متعددة لا تكاد تحصى، والأصل أن رفع اليدين في الدعاء مشروع، وأنه من المتواتر تواتراً معنوياً، فقد ورد ما يزيد على خمسين نصاً عن رسول الله ﵊ تثبت مشروعية رفع اليدين في الدعاء، وبعضها أو كم كبير منها صحيح.
стр. 1885
حكم لبس الثوب الأخضر
السؤال
هل يجوز للرجل أن يلبس اللباس الأخضر؟
الجواب
يجوز إن لم يكن ثوب شهرة، يعني: إذا لبست ثوباً أخضر أمام الناس وأشاروا إليك، هذا من؟! هذا كذا، فحينئذ دخلت في ثياب الشهرة، فيمنع إذا كان ثوب شهرة، والله تعالى أعلم.
стр. 1886
حكم إخراج قيمة الطعام في كفارة اليمين
السؤال
هل يصح إخراج قيمة الطعام في كفارة اليمين؟
الجواب
القيمة في كفارة اليمين لا تجزئ عند الجمهور أما الأحناف فأجازوها.
ثم الجمهور من العلماء قالوا: القيمة لا تجزئ لأن الله يقول: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] فالقيمة عندهم لا تجزئ، فلا بد من إطعام عشرة مساكين على رأي الجماهير.
стр. 1887
حال حديث: (إذا بلغت السادسة عشرة فزوجوها)
السؤال
حديث: (وإذا بلغت السادسة عشرة فزوجوها) ما مدى صحته؟
الجواب
لا يثبت عن رسول الله ﷺ .
стр. 1888
الخلوة بالمخطوبة هل يوجب المهر ؟
السؤال
هل صحيح أن اختلاء الخطيب بخطيبته يوجب النكاح، وإن حصل فسخ للخطبة فعلى الرجل دفع المهر أو نصفه؟
الجواب
هذا نوع من أنواع التخريف أن كل من خلا بمخطوبته يجب عليه المهر، لعل الناقل نقل خطأ، إذ هو في المعقود عليها إذا خلا بها زوجها، فمن الفقهاء من يرى أن الخلوة وهي إرخاء الستور، وإغلاق الأبواب ملزم بدفع الصداق كاملاً، وهو قول منقول عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ مصيراً منه إلى أنه لم يكن يستطاع ضبط هل بنى بها أو لم يبن بها، لكن صريح الآيات يسعه، ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦] فالكلام المذكور في الخِطبة لا يثبت ولا يصح بحال.
стр. 1889
حكم من به سلس ريح
السؤال
من أصيب بسلس ريح كيف يصلي؟
الجواب
باختصار إذا كنت تستطيع الوضوء لكل صلاة فتوضأ لكل صلاة، وإذا كان الريح مستمراً دائماً والشخص مصاب بسلس ريح، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فيصلي على الحالة.
стр. 1890
حكم عدم طاعة الزوج في مسألة الإنجاب
السؤال
امرأة تريد أن تنجب وزوجها يمنعها من ذلك، فهل عليها شيء إذا عصت زوجها؟
الجواب
ليس عليها شيء إذا عصت الزوج في هذا، فلها أن تخالفه إذا أجبرها على استعمال اللولب، وليس من الواجب عليها طاعته في مثل هذا الأمر، إذ من حقها إنجاب الولد كما أن ذلك من حقه، وهي حرة ليست بأمة، وإن شاء هو أن يعزل عزل، والخلاف بين العلماء كائن في مسألة هل العزل عن الحرة بإذنها أو بغير إذنها؛ لكنها لا يجب عليها طاعته في مثل هذا الباب، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
стр. 1891
تفسير سورة المرسلات
سورة المرسلات من السور المكية التي تتحدث عن يوم القيامة، وما يكون فيه من أحداث عظيمة، وعن مآل المؤمنين فيه، وما أعده الله لهم من نعيم مقيم، وعن مآل الكافرين الضالين وما أعده الله لهم في النار من عذاب عظيم.
стр. 1892
تفسير قوله تعالى: (والمرسلات عرفاً .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله : ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] .
سورة المرسلات نزلت على رسول الله ﷺ في غار في منىً، (كان النبي ﷺ مع أصحابه في غار في منىً فنزلت عليه سورة المرسلات، فهو يتلوها رطبة ويتلاقها الصحابة من فيه، فوثبت عليهم حية، فقال النبي ﷺ : اقتلوها.
فابتدروها ليقتلوها فهربت منهم، فقال النبي ﷺ : وقيت شركم كما وقيتكم شرها) ، فهذا دليل على أنها نزلت على رسول الله ﵊ بمنىً، ومنى كما هو معلوم بجوار مكة، وتعد من الحرم.
يقول تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:١-٤] .
من أهل العلم من أجرى تأويلها على أنها كلها تنصب على شيء واحد، وما هو هذا الشيء الواحد؟ القول الأول: إنها الرياح، فحمل هذا القائل المرسلات على أنها الرياح، والعاصفات على أنها الرياح، والناشرات على أنها الرياح، والفارقات على أنها الرياح، لكن كل فقرة فيها وصف للريح غير الذي في الفقرة الأخرى.
القول الثاني: إن هذه الأشياء وصف لشيء واحد لكنها الملائكة، ففسر المرسلات بأنها الملائكة، وفسر العاصفات بأنها الملائكة، وفسر الناشرات بأنها الملائكة، وفسر الفارقات بأنها أيضاً الملائكة.
القول الثالث: ومن العلماء من أدخل شيئاً من التأويل الأول في التأويل الثاني، أو شيئاً من التأويل الثاني في التأويل الأول، ففسر مثلاً بعض فقرات هذه الآيات بالرياح، وفقرات أخرى منها بالملائكة أو العكس.
والجمهور من أهل التفسير يفسرون هذه الأشياء المذكورة بالرياح ما عدا قوله: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات:٥] ، وكذلك قوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٤] .
قال: والشاهد على تأويل المرسلات بأنها الرياح قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف:٥٧] ، فقوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) يدل على أن المرسلات هي الرياح.
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] ، العرف هنا معناه: المتتابعة، كعرف الفرس، أي: الشعر الذي خلف رأسه تجده شعرة بعد شعرة، فقال: إن معنى عرفاً، أي: متتابعة، تأتي ريح بعدها ريح بلطف وهدوء.
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات:٢] رياح لكنها رياح شديدة تعصف.
فقوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] الواو واو القسم، أقسم الله بالرياح التي تأتي هادئة ومتتابعة، موجة من الريح تتلوها موجة أخرى، كالشعر الذي في مقدمة الفرس، فأقسم الله بالرياح المتتابعة الهادئة، ثم أتبعها بالعاصفات، وهي الرياح الشديدة، ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات:٢] أي: شديدة الهبوب العاتية، التي تعصف بالأشياء.
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات:٢] * ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات:٣] فالرياح تنشر الأمطار، وتوزعها على الأماكن التي أمرت بإنزال المطر فيها.
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٤] قال بعض العلماء إنها الرياح، وحمل قوله تعالى: (الْفَارِقَاتِ فَرْقًا) على أنها بعد هبوبها تفرق بين المسلم وغير المسلم، كما قال الرسول ﷺ -لما كان مع أصحابه- على إثر سماء بالحديبية (هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إن الله قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهذا مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، فهذا كافر بي ومؤمن بالكوكب) .
فالشاهد أن الرياح لما أسقطت الأمطار تسببت في التفريق بين الناس، فظهر منهم المؤمن وظهر منهم الكافر، هذا على هذا التأويل الأول الذي حمل كل المذكورات على أنها الرياح.
أما التأويل الثاني: ألا وهو تأويل المرسلات بأنها الملائكة قالوا: إن المرسلات هي الملائكة أرسلت بالمعروف.
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات:٢] قالوا: الملائكة تعصف بأرواح الكفار.
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات:٣] الملائكة تنشر العلم وتنشر الحكمة وتنشر الخير بين العباد.
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٤] الملائكة تنزل بالوحي الذي يفرق به بين أهل الحق وبين أهل الباطل، وتنزل بالوحي الذي يفرق بين الحق والباطل، هذا على تأويل من قال: إنها الملائكة.
والجمهور من المفسرين على أن المرسلات الرياح، فالعاصفات الرياح، والفارقات الملائكة والناشرات الرياح.
وثم تأويل آخر أن المرسلات الرسل، لكنه تأويل يكاد يكون شاذاً ومنبوذاً، ومن العلماء من يقول بالتعميم في مثل هذه المواطن، كما قال فريق منهم بالتعميم في قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات:١-٢] .
فقال فريق: لم يرد دليل من الكتاب ولا من السنة يحسم لنا المراد بالمرسلات فالقول بالتعميم أولى من القول بالقصر على بعض الأشياء وبعض المعاني دون بعض.
والقول بالتعميم قد يكون له من الوجاهة وجه قوي، لكن المعكر عليه بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فإذا كانت لغة العرب تتحمل وجهاً من الوجوه في موطن من المواطن، فلا يعدل عن هذا الموطن إلى شيء آخر، ونسير مع لغة العرب، فإذا قالت العرب مثلاً: العاصفات هي الريح التي تعصف فقولهم أولي، وصحيح أن الملائكة تعصف بأرواح الكفار، لكن هذا المعنى غير وارد بكثرة على أفهام العرب، فإذا خوطبوا بشيء عاصف، عرفوا معنى العاصف ونسبوا العصف إلى الريح إذ هي التي تعصف، ومن خصائصها الكبرى العصف، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء:٨١] .
وأيضاً القول بالتخصيص ينبني على المشهور الدارج في لغة العرب، وهذا أيضاً وجه في غاية القوة.
قال الله : ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات:٥] والجماهير على أن الملقيات ذكراً هي الملائكة تلقي الذكر على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتنزل بالوحي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والذكر هو القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .
وفي الآية دليل على أن الإلقاء يطلق ويراد به أحياناً الإنزال.
стр. 1893
تفسير قوله تعالى: (عذراً أو نذراً)
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات:٦] العذر: إعذار من الله لخلقه، والإعذار في حق الناس يتضح معناه من سورة الأعراف؛ إذ يقول الله : ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] أي: نقدم اعتذارنا إلى ربنا سبحانه بأننا قد أدينا الذي علينا، لكن في حق الله له شأن، وتجري الآية في ظاهرها في حق الله ، فإذا قلنا -مثلاً- أعذر فلان فلاناً، أي: قدم له الأشياء حتى لا يعتذر إليه مرة ثانية.
ومنه قول الرسول ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ بلغه الستين من عمره) أي إذا عشت ستين سنة وجاءك فيها الشيب، وجاءك فيها النذير، ورأيت أباك قد مات، ورأيت أخاك قد مات، وأمك ماتت أمام عينيك وتكررت عليك الابتلاءات، وتكررت عليك المحن والفتن، ورأيت عاقبة الظلم ورأيت عاقبة الظالمين، كيف تعتذر بعد ذلك؟ فهذا معنى الإعذار، فإلقاء الذكر من الله لئلا يعتذر الخلق كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٩] .
﴿عُذْرًا﴾ [المرسلات:٦] أي: أن الملائكة تلقي الوحي وتلقي الذكر على الأنبياء ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات:٦] إما لبيان الاعتذار حتى لا تعتذر، أو إنذاراً لك حتى لا تقع في المحذور وتخويف لك كذلك.
فالذكر يكون إما عذراً أو نذراً، وهذا في الغالب.
وقد يقول قائل: إن هذه الآية أفادت أن الملائكة تلقي الذكر إما إعذاراً وإما إنذاراً، إما على سبيل الإعذار وإما على سبيل الإنذار.
وقد يقول قائل: فقصص القرآن هل هي من الإعذار أم من الإنذار؟ وأقرب ما يقال فيها إنها من باب الإعذار.
стр. 1894
تفسير قوله تعالى: (إنما توعدون لواقع .)
قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧] جواب القسم الذي مطلعه (والمرسلات) فإذا قيل: على أي شيء يقسم ربنا ؟ فالإجابة إن ربنا يقسم أن ماتوا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ.
والمقصود بهذه الآية يوم القيامة وما فيه من البعث والحساب والثواب والعقاب، فكل ما وعدت به في كتاب الله ، وعلى لسان رسول الله ﷺ سيقع، ويقسم الله على ذلك، وقد أقسم الله على ذلك في عدة مواطن.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧] فيه تقرير البعث.
ثم يبين الله ما يكون ويحدث في ذلك اليوم: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات:٨] طمست أي: ذهب ضوؤها ومحيت معالمها، فالطمس الحو؛ لأن النجوم في ذلك اليوم تتساقط وتتناثر كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:٢] وقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢] ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات:٨] فالنجوم التي هي بهية المنظر ومزينة للسماء الدنيا، يمحى ضوؤها ويزال أثرها.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات:٩] أي: السماء المحبوكة المشدود بعضها إلى بعض، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] والحبك هو شد الشيء بعضه إلى بعض، فالحبك الشد والتلاحم والتلاصق، هذه السماء المحبوكة التي لا ترى فيها خطوطاً كما قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك:٣] وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] فليس فيها فتحات وشقوق، أما في يوم القيامة فتحدث بها الشقوق والثقوب، بل ومن شدة هول هذا اليوم تنصهر السماء وتتساقط كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٨] يعني: تنساب السماء وتصبح كالزيت المغلي من هول ذلك اليوم ومن شدة ذلك اليوم.
وهذه الأمور تكون في ذلك اليوم مع غيرها من الأمور، وهي أهوال مستطيرة وشديدة، كما قال أهل الإيمان: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠] ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] فالشر عام لكل الخلائق فأين تفر؟ السماء تكون كعكر الزيت تتساقط من فوق، النجوم يرمى بها وتأتي على الأرض -كما نسمع في الأخبار أن الكوكب الفلاني أوشك أن يصطدم بالأرض، والشمس تكور وتلف ويرمى بها هي الأخرى، والقمر كذلك يخسف القمر ويذهب ضوؤه كما قال الله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة:٧-٨] ، والبحار تفجر، قال بعض أهل العلم: أي يختلط عذبها بمالحها، وقال بعض العلماء: إنها تشتعل ناراً كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦] أي: الذي يتأجج ناراً، ومنه: سجرت التنور، أي: أحميته.
فكل هذه الأهوال والشدائد تحدث في ذلك اليوم، قال الله في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات:٨-٩] أي: فتح فيها فتحات، وبعد فتح الفتحات تنزل الملائكة كما قال الله في آيات أخر ﴿وَالْمَلَكُ﴾ [الحاقة:١٧] أي: الملائكة ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة:١٧] أي: على قطعها المتساقطة، فالملائكة كانوا يقفون فوق السماء، أما بعد تقطع وتمزق السماء فإنهم ينزلون ويقفون على قطع السماء التي سقطت.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات:١٠] أي: أزيلت عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥-١٠٧] .
стр. 1895
تفسير قوله تعالى: (وإذا الرسل أقتت .)
قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات:١١] قال بعض أهل العلم: أجلت للاجتماع، وقال بعضهم: جمعت في يوم اللقاء، فيجمع المرسلون عليهم الصلاة والسلام في هذا اليوم.
للعلماء في (أقتت) قولان: أحدهما: أجلت للاجتماع في يوم الجمع.
والآخر: أن معنى أقتت أي: جمعت.
ولماذا يُجمع المرسلون؟ يجمع المرسلون لأمور متعددة، منها الشهادة على أممهم، كما قال الله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فالرسل يجمعون للشهادة على أممهم يوم القيامة.
كل رسول يأتي ويشهد على قومه، ويسأل أحياناً أسئلة لتبكيت قومه، كما الله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] تخيل هذا الموقف وهذا السؤال الموجه من الله سبحانه إلى عيسى ﵊ في هذا الموقف الذي هذه صورته، وهذه أحواله ومقدماته، يقول الله: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] والله يعلم أن عيسى ما قال ذلك، ولكن لتبكيت ولتسفيه ولتوبيخ عابديه، ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] فحينئذٍ يظهر عيسى ﵇ غاية البراءة فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] أي: ليس لي أن أدعي هذه الدعوى، ﴿إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦] * ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧] .
وكذلك الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١] تنزهت ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١] .
قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات:١١-١٣] الذي يُفصل فيه بين العباد، فيفصل فيه بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ويقضى فيه بين المؤمنين أنفسهم في المظالم التي ارتكبها بعضهم في حق بعض، قال النبي ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) فالشاة التي نطحت بقرنها شاة أخرى ليس لها قرن يقتص منها لتلك الشاة الضعيفة التي لا قرن لها.
والأحاديث في هذا الباب لا تخفى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠-٣١] قال الزبير لرسول الله ﷺ عند هذه الآية: (يا رسول الله أوتكرر علينا الخصومات يوم القيامة؟ قال: نعم حتى يؤدى لكل ذي حق حقه، قال: إن الأمر إذاً لشديد يا رسول الله) ، إن الأمر إذاً لعسير.
следующие страницы →