Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
تفسير سورة المرسلات
سورة المرسلات من السور المكية التي تتحدث عن يوم القيامة، وما يكون فيه من أحداث عظيمة، وعن مآل المؤمنين فيه، وما أعده الله لهم من نعيم مقيم، وعن مآل الكافرين الضالين وما أعده الله لهم في النار من عذاب عظيم.
стр. 1892
تفسير قوله تعالى: (والمرسلات عرفاً .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله : ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] .
سورة المرسلات نزلت على رسول الله ﷺ في غار في منىً، (كان النبي ﷺ مع أصحابه في غار في منىً فنزلت عليه سورة المرسلات، فهو يتلوها رطبة ويتلاقها الصحابة من فيه، فوثبت عليهم حية، فقال النبي ﷺ : اقتلوها.
فابتدروها ليقتلوها فهربت منهم، فقال النبي ﷺ : وقيت شركم كما وقيتكم شرها) ، فهذا دليل على أنها نزلت على رسول الله ﵊ بمنىً، ومنى كما هو معلوم بجوار مكة، وتعد من الحرم.
يقول تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:١-٤] .
من أهل العلم من أجرى تأويلها على أنها كلها تنصب على شيء واحد، وما هو هذا الشيء الواحد؟ القول الأول: إنها الرياح، فحمل هذا القائل المرسلات على أنها الرياح، والعاصفات على أنها الرياح، والناشرات على أنها الرياح، والفارقات على أنها الرياح، لكن كل فقرة فيها وصف للريح غير الذي في الفقرة الأخرى.
القول الثاني: إن هذه الأشياء وصف لشيء واحد لكنها الملائكة، ففسر المرسلات بأنها الملائكة، وفسر العاصفات بأنها الملائكة، وفسر الناشرات بأنها الملائكة، وفسر الفارقات بأنها أيضاً الملائكة.
القول الثالث: ومن العلماء من أدخل شيئاً من التأويل الأول في التأويل الثاني، أو شيئاً من التأويل الثاني في التأويل الأول، ففسر مثلاً بعض فقرات هذه الآيات بالرياح، وفقرات أخرى منها بالملائكة أو العكس.
والجمهور من أهل التفسير يفسرون هذه الأشياء المذكورة بالرياح ما عدا قوله: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات:٥] ، وكذلك قوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٤] .
قال: والشاهد على تأويل المرسلات بأنها الرياح قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف:٥٧] ، فقوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) يدل على أن المرسلات هي الرياح.
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] ، العرف هنا معناه: المتتابعة، كعرف الفرس، أي: الشعر الذي خلف رأسه تجده شعرة بعد شعرة، فقال: إن معنى عرفاً، أي: متتابعة، تأتي ريح بعدها ريح بلطف وهدوء.
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات:٢] رياح لكنها رياح شديدة تعصف.
فقوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] الواو واو القسم، أقسم الله بالرياح التي تأتي هادئة ومتتابعة، موجة من الريح تتلوها موجة أخرى، كالشعر الذي في مقدمة الفرس، فأقسم الله بالرياح المتتابعة الهادئة، ثم أتبعها بالعاصفات، وهي الرياح الشديدة، ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات:٢] أي: شديدة الهبوب العاتية، التي تعصف بالأشياء.
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات:٢] * ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات:٣] فالرياح تنشر الأمطار، وتوزعها على الأماكن التي أمرت بإنزال المطر فيها.
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٤] قال بعض العلماء إنها الرياح، وحمل قوله تعالى: (الْفَارِقَاتِ فَرْقًا) على أنها بعد هبوبها تفرق بين المسلم وغير المسلم، كما قال الرسول ﷺ -لما كان مع أصحابه- على إثر سماء بالحديبية (هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إن الله قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهذا مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، فهذا كافر بي ومؤمن بالكوكب) .
فالشاهد أن الرياح لما أسقطت الأمطار تسببت في التفريق بين الناس، فظهر منهم المؤمن وظهر منهم الكافر، هذا على هذا التأويل الأول الذي حمل كل المذكورات على أنها الرياح.
أما التأويل الثاني: ألا وهو تأويل المرسلات بأنها الملائكة قالوا: إن المرسلات هي الملائكة أرسلت بالمعروف.
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات:٢] قالوا: الملائكة تعصف بأرواح الكفار.
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات:٣] الملائكة تنشر العلم وتنشر الحكمة وتنشر الخير بين العباد.
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٤] الملائكة تنزل بالوحي الذي يفرق به بين أهل الحق وبين أهل الباطل، وتنزل بالوحي الذي يفرق بين الحق والباطل، هذا على تأويل من قال: إنها الملائكة.
والجمهور من المفسرين على أن المرسلات الرياح، فالعاصفات الرياح، والفارقات الملائكة والناشرات الرياح.
وثم تأويل آخر أن المرسلات الرسل، لكنه تأويل يكاد يكون شاذاً ومنبوذاً، ومن العلماء من يقول بالتعميم في مثل هذه المواطن، كما قال فريق منهم بالتعميم في قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات:١-٢] .
فقال فريق: لم يرد دليل من الكتاب ولا من السنة يحسم لنا المراد بالمرسلات فالقول بالتعميم أولى من القول بالقصر على بعض الأشياء وبعض المعاني دون بعض.
والقول بالتعميم قد يكون له من الوجاهة وجه قوي، لكن المعكر عليه بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فإذا كانت لغة العرب تتحمل وجهاً من الوجوه في موطن من المواطن، فلا يعدل عن هذا الموطن إلى شيء آخر، ونسير مع لغة العرب، فإذا قالت العرب مثلاً: العاصفات هي الريح التي تعصف فقولهم أولي، وصحيح أن الملائكة تعصف بأرواح الكفار، لكن هذا المعنى غير وارد بكثرة على أفهام العرب، فإذا خوطبوا بشيء عاصف، عرفوا معنى العاصف ونسبوا العصف إلى الريح إذ هي التي تعصف، ومن خصائصها الكبرى العصف، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء:٨١] .
وأيضاً القول بالتخصيص ينبني على المشهور الدارج في لغة العرب، وهذا أيضاً وجه في غاية القوة.
قال الله : ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات:٥] والجماهير على أن الملقيات ذكراً هي الملائكة تلقي الذكر على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتنزل بالوحي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والذكر هو القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .
وفي الآية دليل على أن الإلقاء يطلق ويراد به أحياناً الإنزال.
стр. 1893
تفسير قوله تعالى: (عذراً أو نذراً)
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات:٦] العذر: إعذار من الله لخلقه، والإعذار في حق الناس يتضح معناه من سورة الأعراف؛ إذ يقول الله : ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] أي: نقدم اعتذارنا إلى ربنا سبحانه بأننا قد أدينا الذي علينا، لكن في حق الله له شأن، وتجري الآية في ظاهرها في حق الله ، فإذا قلنا -مثلاً- أعذر فلان فلاناً، أي: قدم له الأشياء حتى لا يعتذر إليه مرة ثانية.
ومنه قول الرسول ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ بلغه الستين من عمره) أي إذا عشت ستين سنة وجاءك فيها الشيب، وجاءك فيها النذير، ورأيت أباك قد مات، ورأيت أخاك قد مات، وأمك ماتت أمام عينيك وتكررت عليك الابتلاءات، وتكررت عليك المحن والفتن، ورأيت عاقبة الظلم ورأيت عاقبة الظالمين، كيف تعتذر بعد ذلك؟ فهذا معنى الإعذار، فإلقاء الذكر من الله لئلا يعتذر الخلق كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٩] .
﴿عُذْرًا﴾ [المرسلات:٦] أي: أن الملائكة تلقي الوحي وتلقي الذكر على الأنبياء ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات:٦] إما لبيان الاعتذار حتى لا تعتذر، أو إنذاراً لك حتى لا تقع في المحذور وتخويف لك كذلك.
فالذكر يكون إما عذراً أو نذراً، وهذا في الغالب.
وقد يقول قائل: إن هذه الآية أفادت أن الملائكة تلقي الذكر إما إعذاراً وإما إنذاراً، إما على سبيل الإعذار وإما على سبيل الإنذار.
وقد يقول قائل: فقصص القرآن هل هي من الإعذار أم من الإنذار؟ وأقرب ما يقال فيها إنها من باب الإعذار.
стр. 1894
تفسير قوله تعالى: (إنما توعدون لواقع .)
قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧] جواب القسم الذي مطلعه (والمرسلات) فإذا قيل: على أي شيء يقسم ربنا ؟ فالإجابة إن ربنا يقسم أن ماتوا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ.
والمقصود بهذه الآية يوم القيامة وما فيه من البعث والحساب والثواب والعقاب، فكل ما وعدت به في كتاب الله ، وعلى لسان رسول الله ﷺ سيقع، ويقسم الله على ذلك، وقد أقسم الله على ذلك في عدة مواطن.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧] فيه تقرير البعث.
ثم يبين الله ما يكون ويحدث في ذلك اليوم: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات:٨] طمست أي: ذهب ضوؤها ومحيت معالمها، فالطمس الحو؛ لأن النجوم في ذلك اليوم تتساقط وتتناثر كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:٢] وقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢] ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات:٨] فالنجوم التي هي بهية المنظر ومزينة للسماء الدنيا، يمحى ضوؤها ويزال أثرها.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات:٩] أي: السماء المحبوكة المشدود بعضها إلى بعض، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] والحبك هو شد الشيء بعضه إلى بعض، فالحبك الشد والتلاحم والتلاصق، هذه السماء المحبوكة التي لا ترى فيها خطوطاً كما قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك:٣] وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] فليس فيها فتحات وشقوق، أما في يوم القيامة فتحدث بها الشقوق والثقوب، بل ومن شدة هول هذا اليوم تنصهر السماء وتتساقط كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٨] يعني: تنساب السماء وتصبح كالزيت المغلي من هول ذلك اليوم ومن شدة ذلك اليوم.
وهذه الأمور تكون في ذلك اليوم مع غيرها من الأمور، وهي أهوال مستطيرة وشديدة، كما قال أهل الإيمان: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠] ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] فالشر عام لكل الخلائق فأين تفر؟ السماء تكون كعكر الزيت تتساقط من فوق، النجوم يرمى بها وتأتي على الأرض -كما نسمع في الأخبار أن الكوكب الفلاني أوشك أن يصطدم بالأرض، والشمس تكور وتلف ويرمى بها هي الأخرى، والقمر كذلك يخسف القمر ويذهب ضوؤه كما قال الله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة:٧-٨] ، والبحار تفجر، قال بعض أهل العلم: أي يختلط عذبها بمالحها، وقال بعض العلماء: إنها تشتعل ناراً كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦] أي: الذي يتأجج ناراً، ومنه: سجرت التنور، أي: أحميته.
فكل هذه الأهوال والشدائد تحدث في ذلك اليوم، قال الله في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات:٨-٩] أي: فتح فيها فتحات، وبعد فتح الفتحات تنزل الملائكة كما قال الله في آيات أخر ﴿وَالْمَلَكُ﴾ [الحاقة:١٧] أي: الملائكة ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة:١٧] أي: على قطعها المتساقطة، فالملائكة كانوا يقفون فوق السماء، أما بعد تقطع وتمزق السماء فإنهم ينزلون ويقفون على قطع السماء التي سقطت.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات:١٠] أي: أزيلت عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥-١٠٧] .
стр. 1895
تفسير قوله تعالى: (وإذا الرسل أقتت .)
قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات:١١] قال بعض أهل العلم: أجلت للاجتماع، وقال بعضهم: جمعت في يوم اللقاء، فيجمع المرسلون عليهم الصلاة والسلام في هذا اليوم.
للعلماء في (أقتت) قولان: أحدهما: أجلت للاجتماع في يوم الجمع.
والآخر: أن معنى أقتت أي: جمعت.
ولماذا يُجمع المرسلون؟ يجمع المرسلون لأمور متعددة، منها الشهادة على أممهم، كما قال الله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فالرسل يجمعون للشهادة على أممهم يوم القيامة.
كل رسول يأتي ويشهد على قومه، ويسأل أحياناً أسئلة لتبكيت قومه، كما الله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] تخيل هذا الموقف وهذا السؤال الموجه من الله سبحانه إلى عيسى ﵊ في هذا الموقف الذي هذه صورته، وهذه أحواله ومقدماته، يقول الله: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] والله يعلم أن عيسى ما قال ذلك، ولكن لتبكيت ولتسفيه ولتوبيخ عابديه، ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] فحينئذٍ يظهر عيسى ﵇ غاية البراءة فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] أي: ليس لي أن أدعي هذه الدعوى، ﴿إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦] * ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧] .
وكذلك الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١] تنزهت ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١] .
قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات:١١-١٣] الذي يُفصل فيه بين العباد، فيفصل فيه بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ويقضى فيه بين المؤمنين أنفسهم في المظالم التي ارتكبها بعضهم في حق بعض، قال النبي ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) فالشاة التي نطحت بقرنها شاة أخرى ليس لها قرن يقتص منها لتلك الشاة الضعيفة التي لا قرن لها.
والأحاديث في هذا الباب لا تخفى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠-٣١] قال الزبير لرسول الله ﷺ عند هذه الآية: (يا رسول الله أوتكرر علينا الخصومات يوم القيامة؟ قال: نعم حتى يؤدى لكل ذي حق حقه، قال: إن الأمر إذاً لشديد يا رسول الله) ، إن الأمر إذاً لعسير.
стр. 1896
تفسير قوله تعالى: (ليوم الفصل .)
قال تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات:١٣-١٤] .
الاستفهام للتعظيم والتهويل لما سيحدث في ذلك اليوم من أهوال، ولو أيقن شخص بهذه الأوصاف التي ذكرها الله في كتابه في شأن يوم الفصل وما يحدث فيه، ولو تخيلها وتدبرها وأمعن النظر فيها مع اليقين، والله ما طابت له لقمة العيش على الإطلاق، ولا ابتسم على الإطلاق، لو تخيلها شخص وتدبرها وأمعن النظر فيها ما طابت له حياة، ولقال كما روي عن عمر لما تلا قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] قال: يا ليتها تمت.
يا ليت هذا المدة المذكورة التي لم نكن فيها شيئاً نذكر تمت ولم نخلق أصلاً.
وكذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂، عند موتها: يا ليتني مت قبل هذا فكنت نسياً منسياً.
مع أن آيات الرجاء كثيرة لكن على المسلم أن يذكر هذا اليوم وما فيه من الشدائد.
قال الله : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات:١٤] ما الذي أخبرك وما الذي أعلمك بيوم الفصل هذا؟ وكيف تكون الأحوال فيه؟ إنه لو شب حريق في منزل مجاور فإنك تجري وتبتعد غاية الابتعاد، وما حصل في منى هذا العام عندما شب الحريق في الخيام، فاشتعلت وصار الكل يجري ويفر غاية الفرار، والناس يتجهون إلى حرم الله حتى ازدحموا وسقط بعضهم ومات فراراً من النار، لكن في عرصات يوم الدين أين المفر، النار من الأمام، إذا فررت إلى اليمين أو اليسار فالنار من اليمين ومن اليسار، وإذا فررت إلى الأسفل أو إلى الأعلى فالنار من الأسفل ومن الأعلى، كواكب تتساقط على الأرض، سماء تكون كالمهل جبال تكون كالعهن، أرض لا تختفي فيها كما سيأتي.
стр. 1897
تفسير قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين .)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٥] الويل فيه قولان للعلماء مشهوران: القول الأول: أن الويل بمعنى العذاب الشديد، فهو توعد بالعذاب الشديد.
القول الثاني: أن الويل واد في جهنم تستغيث منه جهنم.
وهناك قول ثالث وهو: أن الويل واد في جهنم ينتهي إليه صديد أهل النار.
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات:١٦] أي: الأمم المتقدمة والقرون المتقدمة كقوم نوح وعاد وثمود.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات:١٧] من أهل العلم من قال: إن المراد بالآخرين من جاء بعد قوم نوح وعاد وثمود من الأمم التي سبقت رسول الله ﷺ ، يعني أهلكنا قوم نوح وعاداً وثمود، وبعد هؤلاء أهلكنا أيضاً الآخرين، كقوم لوط الذين جاء هلاكهم في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر:٧٤] .
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات:١٨] فكل مجرم سينال هذه العاقبة الوخيمة، أهلكنا عاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً، أهلكنا قوم لوط، وكذلك كل مجرم يفعل به هكذا، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٤] ، كما قال سبحانه في شأن قوم لوط والحجارة التي أرسلت عليهم: ﴿وَمَا هِيَ﴾ [هود:٨٣] أي: هذه الحجارة ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] أي هي قريبة يمكن أن تنزل على أي ظالم في أي لحظة.
стр. 1898
تفسير قوله تعالى: (ألم نخلقكم من ماء مهين)
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠] أي: حقير ضعيف.
﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات:٢١] وهو رحم المرأة.
﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات:٢٢] أي: إلى وقت معلوم يحدده الله وحده، فشاء الله لبعض الأجنة في بطون الأمهات أن تمكث التسعة الأشهر ثم تولد سالمة آمنة وييسر لها سبيل الخروج، وشاء الله لنطف أخرى أن تسقط، ولنطف أخرى أن تستقر في الرحم شهراً أو شهرين أو يوماً أو يومين، وشاء أحياناً أن تزيد مدة الحمل وأحياناً أن تنقص، فالذي قدر هذا كله هو الله .
﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ﴾ [المرسلات:٢١-٢٢] أي: إلى وقت ﴿مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات:٢٢] أي: محدد، فالمرأة التي يحدث لها سقط سقطها مقدر وهو بإذن الله، فلم يشأ الله لهذا المني أن يمكث في الرحم إلا هذه المدة، ثم حدث السقط بإذن الله، وإذا طالت المدة فبإذن الله، وإذا قصرت المدة فبإذن الله، وإن جاء المولود ذكراً فبإذن الله، وإن جاء أنثى فبإذن الله.
﴿فَقَدَرْنَا﴾ [المرسلات:٢٣] أي: فحددنا هذا الوقت.
﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٣] نعم من حدد هذا الوقت، إذاً كل تقدير هو من الله وهو وهو نعم القادر، ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٣] .
стр. 1899
تفسير قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتا)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:٢٤-٢٥] والكفات مأخوذة من كفت الثوب، وقد نهي النبي ﵊ عن كفت الثوب والشعر في الصلاة، والكفت أو الكف ثني الثوب بطناً لظهر أو ظهراً لبطن.
فقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥] أي: ضامة وآوية لكم في حياتكم وبعد مماتكم فإذا متم دفنتم في الأرض، وإذا حييتم عشتم على ظهرها، فهي كافية لكم، وآوية لكم، وضامة لكم، وحاضنة لكم في حياتكم وبعد مماتكم، فمعنى الكفت الضم، فنحن بعد الموت ندفن في الأرض وفي حياتنا نمشي عليها.
﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٦] ، لكن يوم القيامة ليس الأمر كذلك، فالأرض كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق:٣] فبعد أن كانت ضامة لك فإنها تفرد وترميك على ظهرها، ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٤] تخلت عن المسئولية أمام الله سبحانه، وتبعثر كل ما في باطنها ولا تقبل شيئاً في باطنها، ففي زمن الحياة الدنيا كانت كفاتاً، وأما في يوم القيامة فلن تكون كذلك، فلا تؤوي أحداً، فإذا أراد أحد أن يفتح فيها فتحة ويدخل فيها لم تقبله.
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً﴾ [المرسلات:٢٥-٢٦] في حياتكم ﴿وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٦] أي: بعد مماتكم.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات:٢٧] أي: جبال شاهقات.
﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ﴾ [المرسلات:٢٧] أي: منها ﴿مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات:٢٧] أي: عذباً زلالا.
﴿وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٢٨] أي: لمن يكذبون بهذه النعم وهذه الحقائق.
стр. 1900
تفسير قوله تعالى: (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون)
﴿انطَلِقُوا﴾ [المرسلات:٢٩] أيها المكذبون ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات:٢٩] ما هو الذي كانوا به يكذبون؟ كانوا يكذبون بالعذاب، فيقال لهم: اذهبوا إلى الشيء الذي كنتم به تكذبون ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات:٢٩] .
﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠] دخان يتصاعد وهو عنيف شديد له ثلاث شعب أي: له ثلاثة اتجاهات.
﴿لا ظَلِيلٍ﴾ [المرسلات:٣١] ظاهره أنه ظل، فيتوهمون أنه سيظلهم لكنه لا يظلهم بل يزيد عذابهم، وهذا في معناه أيضاً السراب، ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩] .
﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠] أيضاً مشابه لها حديث السراب الذي فيه: (الله يقول للنصارى: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله.
فيقال: كذبتم فلم يتخذ الله صاحبة ولا ولداً فماذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا.
فيقال: انطلقوا إلى هذا.
فينطلقون إلى السراب ويؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيتساقطون فيها) .
﴿إِنَّهَا﴾ [المرسلات:٣٢] أي: جهنم ﴿تَرْمِي﴾ [المرسلات:٣٢] أي: تقذف ﴿بِشَرَرٍ﴾ [المرسلات:٣٢] شرر النار كالقصر، فالشرر الذي يخرج من جهنم كالعمارة الضخمة والقصر الكبير الضخم، الشرارة الصغيرة التي تراها من النيران، حجمها من نار جهنم يوم القيامة كالقصر من قصور الدنيا التي نعرفها، فهذا شرر جهنم فكيف بلهبها -عياذاً بالله-.
﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ﴾ [المرسلات:٣٣] وجِمَالَة وجمال جمع جمل، كرجالات ورجال جمع رجل، وقال بعض العلماء، ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٣] أي: قطع من النحاس ونحو ذلك، لكن الجمهور قالوا: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٣] كأن هذا الشرر في كبره وفي اتساعه كالقصر العظيم، ولونه كالجمل الأصفر أيضاً.
стр. 1901
تفسير قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون .)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات:٣٤-٣٥] إن قال قائل: كيف لا ينطقون؟ وقد جاء في آيات أخرى أنهم يتكلمون كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] وقوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١] وقوله: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠] إلى غير ذلك؟ فالإجابة كما تقدم مراراً أن يوم القيامة مواقف، فأحياناً يسكتون كما في هذه الآية، وأحياناً يتكلمون كما في غيرها.
﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات:٣٥-٣٨] فالواو هنا كما قال البعض بمعنى مع، فالمعنى هذا يوم الفصل جمعناكم مع الأولين، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٤٠] .
стр. 1902
تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في ظلال وعيون)
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات:٤١] قال بعض العلماء: إن القرآن أطلق عليه مثاني لأنه لا يذكر أهل الجنة إلا وثنى بذكر أهل النار والعكس، ومنهم من قال: مثاني؛ لأنه يثنى أي يكرر المعنى الواحد بأساليب متنوعة، مثلاً الحديث عن البعث يرد ذكره في سورة البقرة وفي سورة آل عمران وفي سورة النساء وفي سورة الحج بأساليب متنوعة.
قال الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات:٤١] والظلال متنوعة في يوم القيامة، فمن ذلك الظلال الذي في حديث (السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب ... ) ولكن هل هذا الظل هو ظل عرش الرحمن أم غيره، وقد ورد في رواية (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه ... ) لكنها ضعيفة.
ومن هذه الظلال ما جاء في حديث النبي ﷺ : (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها) قال أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠] وقد جاء أيضاً (أن من أنظر معسراً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وغير ذلك.
﴿وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات:٤١] والعيون: جمع عين وهي التي تتفجر من الأرض، والعيون تتنقل معهم حيث شاءوا كما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦] أي: يفجرونها في أي مكان حلوا وفي أي موطن ارتحلوا إليه.
﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ﴾ [المرسلات:٤٢-٤٤] وأهل الإحسان هم أعلى مرتبة على الإجمال من أهل الإيمان، ولكن أحياناً يدخل عموم المؤمنين مع المحسنين، لكن التقعيد أن الإحسان أعلى مرتبة من الإيمان كما في حديث جبريل: أخبرني عن الإيمان ثم قال: أخبرني عن الإحسان.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] دليل على أن الإحسان أعلى وأرفع من مرتبة العدل، والعدل القصاص، والإحسان: العفو، فالله يأمر بالعدل ويأمر أيضاً بالإحسان، لكن الأمر بالعدل وجوباً والأمر بالإحسان أمر ندب واستحباب، والله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] أي: الذين عفوا عن الناس ولم يثأروا لأنفسهم ممن ظلمهم.
стр. 1903
تفسير قوله تعالى: (كلوا وتمتعوا .)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ [المرسلات:٤٥-٤٦] أي: في حياتكم الدنيا فهي بالنسبة للآخرة مدتها قليلة بل كما جاء في الأثر: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما يرجع له) وقال تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨] .
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ [المرسلات:٤٦] أي: في هذه الحياة الدنيا ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٤٦-٤٧] .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] العلماء لهم قولان في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ [المرسلات:٤٨] .
القول الأول: إن معناها إذا قيل لهم صلوا لا يصلون أصلاً، فهم تاركون للصلاة، وعلى هذا فترك الصلاة جريمة لقوله قبلها: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] فهذا نص يثبت أن تارك الصلاة مجرم من المجرمين، وإن كان له وظيفة عالية، وإن كان أستاذاً في جامعة، وإن كان وزيراً وإن كان ملكاً وإن كان رئيساً، فهو في نظر الشرع مجرم.
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٣٨-٤٢] فصدروها بقولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] فتارك الصلاة مجرم بنص كتاب الله في موطنين: الموطن الأول: في سورة المدثر.
والموطن الثاني: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٤] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] وهو وإن كان حسن الأخلاق مع الناس، لكنه في نظر الشرع مجرم من المجرمين.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] القول الأول في تفسيرها: إذا قيل لهم صلوا لا يصلون.
القول الثاني: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] أي: إذا قيل اخضعوا واسمعوا وأطيعوا الله، فإنهم لا يخضعون ولا يسمعون ولا يطيعون لله.
والتفسير الأول أقرب إلى الظاهر، وكان البعض يأبى أن يركع ويأبى أن يسجد، وقد تقدم أن علياً ﵁ كان يضحك كثيراً من أبيه، ومن بعض تصرفاته عندما كان يقول له: يا أبي أسلم واسجد لله، يقول: يا بني لا تعلوني استي أبداً، فيضحك علي من هذا الجهل وهذا الغباء الذي يصدر من أبيه، بل من هذا الكبر الغريب.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ [المرسلات:٤٨-٥٠] أي: بعد هذا القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات:٥٠] .
فقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات:٥٠] ينبغي أن يلتفت إليه وألا يصار إلى التذكير إلا بكتاب الله وسنة رسول الله، وإن ذكرنا بغير الكتاب والسنة من القصص والحكايات التي تؤثر تأثيرات وقتية، فليكن على سبيل الشيء العارض ولا تأخذ أكبر من حجمها مثل أصل التذكير بكتاب الله وبسنة رسول الله، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦] ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٥] .
فلا بد من تغليب التذكير بكتاب الله والتذكير بسنة رسول الله على التذكير بالخزعبلات التي سرعان ما تزول من ذهنك، ولا يبقى معك في وقت الشدائد آية من كتاب الله وتفسيرها، أو حديث لرسول الله ومعناه، ففي وقت الشدائد هل أحتج بقصة حصلت؟ لا.
بل أتعلق في وقت الشدائد بقال الله قال رسول الله ﵊.
وقد سمعتم من قبل القصة التي تعد مسلية في مجال التذكير بالدليل، والقصة التي حدثت للقرطبي والقرافي تقدمت على ما سمعتم مراراً، فـ القرطبي ﵀ كان في عصره من علماء النقل -الكتاب والسنة- والقراسي كان في عصره من علماء العقل -الرأي- يعني هذا يبني على النقل وهذا يبني على العقل، فاجتمعا معاً وذهبا إلى مدينة في مصر وهي مدينة الفيوم واستأجرا بيتاً من رجل، وكان بين صاحب البيت وبين أطفال ذلك الشارع خلاف، فكلما لعبوا أمام البيت يطردهم، فسمعوا أن البيت أُجر فقالوا: لنفسدن على الرجل الإجارة.
وذهب الأطفال إلى القرطبي والقرافي فقالوا لهما: إنكما استأجرتما البيت وهو مسكون -فيه جن وعفاريت- فلم يلتفت القرطبي والقرافي إلى هذه المقالة وقالا: نعتصم بالأذكار.
وذهبا إلى صلاة العشاء ورجعا وتهيآ للنوم وأطفآ السراج عملاً بحديث الرسول ﵊: (إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) فإذا بصوت في البيت، فتذكر الشيخان مقالة الأطفال أن هناك جناً في البيت، فخاف القرافي خوفاً شديداً، أما القرطبي فماذا معه، معه أحاديث من رسول الله ﵊ تنفع عند الشدائد والكرب، فبدأ يعتصم بالله ثم بالأحاديث التي وردت عن رسول الله ﷺ ، فأكثر من الذكر (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ، (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ، (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم) (حسبنا الله ونعم الوكيل) والقرافي لأنه يعتمد في علمه على العقل ولا يحفظ كثيراً من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﵊، ماذا يصنع العقل؟ حينئذٍ يفشل، فازداد الصوت ارتفاعاً فازداد القرطبي ذكراً وازداد القرافي خوفاً وهلعاً.
ظهر رأس كبش عند باب الغرفة فسقط القرافي على الأرض من شدة الخوف، ووثب عليه القرطبي ركبه وأمسك بقرونه قائلاً: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٥٩] فدخل صاحب البيت وقال: يا أيها الشيخ! كبش أكرمتكما به تفعل بها هكذا.
شاهِدُنا من القصة أنه عند الشدائد تزول الحكايات ويبقى الاعتصام بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦] .
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1904
الأسئلة
стр. 1905
جهر المتنفل إذا صلى إماماً لمأموم في جهرية
السؤال
ما الدليل على جواز جهر المتنفل بالقراءة إن أتى خلفه من يريد أن يصلي الفريضة، وذلك في صلاة المغرب والفجر أو العشاء؟
الجواب
بالنسبة لصلاة الفجر والمغرب والعشاء فالأصل فيها أنها جهرية، الفجر جهرية والمغرب جهرية في الركعتين الأوليين وكذلك العشاء، فيكون على الأصل أنه يجهر في الجهرية، ويسر في السرية فإن انتقل من الأصل الذي هو الجهر إلى الإسرار لعارض كأن يكون منفرداً، فإنه يرجع إلى الأصل إن صلى بجماعة إماماً.
стр. 1906
حكم صلاة المفترض خلف المتنفل
السؤال
هل تجوز صلاة المفترض وراء المتنفل؟
الجواب
نعم تجوز لحديث معاذ في الصحيحين (أنه كان يصلي مع رسول الله الفريضة ثم يذهب إلى قومه يصلي معهم العشاء) ، فتكون لهم فريضة وله نافلة.
стр. 1907
كيفية النصيحة لوالد لا يصلي
السؤال
والدي مرض بمرض مزمن ويستطيع التحرك والأكل والكلام وأمور الحياة بصفة عامة، ولكن كلما طلبت منه أن يصلي يرد قائلاً: الله أعلم بي وهو غفور رحيم، ولا يصلي، فماذا أفعل، مع العلم بأنه حافظ للقرآن؟
الجواب
الصلاة لا تسقط عنه بحال من الأحوال ما دام عقله صحيحاً، فيصلي إن استطاع قائماً وإلا فقاعداً وإلا فمضطجعاً، فالصلاة لا تسقط عنه ما دام في عقله.
والله تعالى أعلم.
فأكثر من التذكير وأكثر من الدعاء لوالدك لعل الله أن يتقبل منك.
стр. 1908
معنى قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ؟
الجواب
معناها: أن العلماء هم الذين يخشون الله.
стр. 1909
ما الذي خلق أولاً الأرض أم السماء
السؤال
أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟
الجواب
هذا مبحث واسع، من أراد التفصيل فيه فليراجع كلام الحافظ ابن كثير في تفسير سورة البقرة.
стр. 1910
حكم الصور الفوتوغرافية
السؤال
ما هو حكم الصور الفوتوغرافية لغير الضرورة وللاحتفاظ بها فقط، مع الدليل من الكتاب والسنة؟
الجواب
الصور الفوتوغرافية لغير الضرورة لا تجوز لأن النبي ﷺ قال: (لا تدع صورة إلا طمستها) فلغير الضرورة لا تجوز، ولو كانت جائزة لصور لنا رسولنا محمد ﷺ صوراً وأتي بها إلينا، أما ما يفعله النصارى من الإتيان بصورة مريم، فهو كذب وافتراء وزور فلم تكن مريم ﵍ متبرجة هذا التبرج المزري، يأتون بصورة مريم ويزعمون أنها التي سار شعرها بين ثدييها، كل هذا افتراء على مريم الصديقة، فهي صديقة وهي عفيفة محصنة ﵍، فهي صورة باطلة مكذوبة مفتراة على مريم ﵍.
стр. 1911
حكم قراءة ومس القرآن من الحائض
السؤال
هل يحل للمرأة الحائض قراءة القرآن ومسه؟
الجواب
الحديث الوارد في منع الحائض من قراءة القرآن حديث ضعيف، فحديث: (إني لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) حديث ضعيف من رواية جسرة بنت دجاجة وهي مجهولة، أيضاً في الباب حديث علي ﵁: (كان رسول الله ﷺ يقرأنا القرآن لا يحجبه شيء إلا الجنابة) وهو حديث أيضاً ضعيف، إذاً ما هو المانع من أن تقرأ الحائض القرآن، لم يسلم مانع -إلى الآن- من الكلام فيه، فكيف إذا عارض ما صح من قول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) .
وتقدم أن غير المتوضأ يقرأ القرآن أيضاً من حديث ابن عباس في الصحيحين: (أن النبي ﷺ قام من الليل يصلي فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ) ففي الحديث أنه قرأ عشر آيات قبل أن يتوضأ ﷺ ، فلا يسلم دليل لمنع الحائض من قراءة القرآن.
لكن قد ورد حديث: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) ويجمع بينه وبين حديث عائشة: (كان رسول الله يذكر الله على كل أحيانه) وبين حديث ابن عباس: (أن الرسول ﷺ قرأ عشر آيات قبل أن يتوضأ) ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١] (وعند الجماع يقول: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ويجامع أهله) فهل يكره للحائض أن تقرأ القرآن قياساً للحائض على الجنب، فالجنب كما في حديث الرسول ﷺ : (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) يكره له قراءة القرآن، أقول: إن قياس الحائض على الجنب قياس لا يصح؛ لأن كراهية ذكر الله لغير الطاهر -المحدث حدثاً أصغر أو أكبر- نحمله على المبادرة إلى الاغتسال، وهذا مطلب ومقصد شرعي، لكن ماذا عسانا أن نجني من منع الحائض من القراءة؟ بل لم يقدم منعنا لها موعد الطهر، ولم يؤخر موعد الطهر إذاً نبقى على الأصل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١] والقرآن ذكر.
بقيت مسألة المس: والمعول عليه في المسألة كتاب ربنا وما صح من سنة نبينا ﷺ ، ومعلوم أن المسألة لم ينعقد عليها إجماع، فمادام لم ينعقد على المسألة إجماع، إذاً أتخير القول الذي وافق الدليل الصحيح، فنقول: ما هو المانع من مس المصحف للمرأة الحائض؟ يستدل المستدل بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] فالإجابة على هذا أن عليك أيها القارئ أن تقرأ الآيات السابقة واللاحقة حتى تفهم المراد وتعرف إلى من يعود الضمير في قوله: (لا يَمَسُّهُ) : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٨] الكتاب المكنون المحفوظ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] وجمهور المفسرين على أن المقصود بالمطهرين في الآية الملائكة، وأن المقصود بالكتاب المكنون أي: المحفوظ عند الله .
وأما حديث (لا يمس القرآن إلا طاهر) فكل طرقة تالفه ضعيفة لا يستدل به، من تتبعي أستطيع الآن أن أقول إن جمهور أهل الحديث على تضعيفه.
ثم إن من العلماء من حسنه وحمله في حالة تحسينه على أن المراد بالطاهر المؤمن لحديث: (إن المؤمن لا ينجس) ولأن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار.
إذاً ما هو المانع للحائض من مس وقراءة المصحف.
ومن المعلوم أن الفقهاء لا يدققون في مسألة ثبوت الحديث وصحته، بل يبنون الحكم بدون التدقيق على هذه الجزئية، وقد يأتي الحكم بسبب ذلك مخالفاً للحق.
مثلاً قد يبنى على جزئية ما الحكم بشيء، وهي جزئية صغيرة تكون في الحديث، لكن ينبني عليها حكم بإثبات أو نفي، بل حتى أهل الحديث قليل منهم الذي يركز على هذه الجزئيات الصغيرة، وكمثال في حديث جلسة الاستراحة الذي هو من حديث أبي حميد الساعدي ﵁، في وصفه لصلاة رسول الله ﵊، فقد جاء من طريق عبد الله بن نمير في البخاري يقول: (إذا قمت إلى الصلاة فقم حتى تطمئن قائماً ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم اعتدل حتى تطمئن قائماً ثم اسجد حتى) .
الشاهد: أن الحديث فيه بعد القيام من الركوع: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم قم حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً) بعد السجدة الأخيرة جاء الخلاف بين الرواة فراوٍ قال: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً ثم قم) هذه الزيادة مروية من طريق عبد الله بن نمير عن عبيد الله، وفي رواية أبي أسامة حماد بن أسامة لم يذكر زيادة الجلوس الأخيرة (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) بل قال: (ثم قم) .
البخاري أخرج الحديث من طريق عبد الله بن نمير في موطن وفي موطن آخر أخرجه وبعد أن أخرجه نبه على كلام أبي أسامة وقال: لم يذكر حماد بن أسامة (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) ، فالحافظ ابن حجر يقول: إن البخاري يومئ إلى تضعيف هذه الزيادة الأخيرة (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) التي هي من رواية عبد الله بن نمير، ومن المعلوم أن شيخ ابن نمير وأبي أسامة واحد وهو عبيد الله فالحديث من طريق واحد وجاء يحيى بن سعيد القطان ورواه أيضاً عن عبيد الله ليس فيه هذه الجلسة، وجاء أيضاً -على ما يحضرني- أنس بن عياض أبو ضمرة وغيره ورووا الحديث ولم يذكروا هذه الجلسة.
فالفقيه لا يدقق في هذه الزيادات، بل قليل من أهل الحديث من يدقق فيها.
فالدقائق الصغيرة مثل هذه التي ينبني عليها حكم تحتاج إلى بحث دقيق جداً، لأنها سيرتب على صحتها أو عدم صحتها الحكم الشرعي بالنسبة لجلسة الاستراحة، وإن كان هناك أدلة أخر في الباب، لكن أصل الاستدلال على جلسة الاستراحة هو حديث أبي حميد الساعدي.
مداخلة: بالنسبة لمس وقراءة القرآن للحائض هل ورد عن نساء النبي ﵊ في ذلك شيء؟ الشيخ: بالنسبة للفعل قد يكون ورد عن بعض أزواج النبي ﵊ أو عن بعض أمهات المؤمنين أنهن قرأن بلا حرج.
الخلاصة أنه لم يحدث في المسألة كما أسلفنا إجماع، ولم يرد شيء يمنع المرأة الحائض من مس وقراءة القرآن من كتاب الله أو صحيح سنة رسول الله ﷺ .
فالمسألة اجتهادية، واجتهادنا الذي نراه حقاً أنه لا بأس للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن أو تمس المصحف، والجنب فقط هو الذي يكره له قراءة القرآن، لحديث: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) .
стр. 1912
القول الفصل في جلسة الاستراحة
السؤال
ما هو القول الفصل في جلسة الاستراحة؟
الجواب
عمدة القائلين بمشروعية جلسة الاستراحة أربعة أدلة: الدليل الأول: وهو أقواها ما أخرجه البخاري من حديث مالك بن الحويرث ﵁ في وصفه لصلاة رسول الله ﷺ أنه قال: (وكان يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان يجلس قبل أن ينهض للثانية والرابعة) .
الدليل الثاني: حديث أبي حميد الساعدي على الخلاف في إثبات زيادة جلسة الاستراحة فيه.
الدليل الثالث: حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته، والخلاف فيه بنفس الطريقة التي سمعتها في حديث أبي حميد الساعدي، فقد روى عنه عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء فذكر الحديث وأثبت فيه هذه الجلسة، عند الترمذي، وغير عبد الحميد بن جعفر روى الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة ليس فيه ذكر الجلسة، فالخلاف هنا كالخلاف في قصة أبي حميد الساعدي.
الدليل الرابع الذي استدلوا به: من قال بصحة حديث صلاة التسابيح استأنس منه أنه ذكرت فيه هذه الجلسة.
هذه هي حجج القائلين بالجواز.
أما حجج القائلين بعدم المشروعية أو بأنها لا تفعل إلا عند الحاجة: أولاً القائلين بالاستحباب الشافعية كما نقله عنهم النووي وغيره.
أما الثلاثة الآخرون أحمد وأبو حنيفة ومالك ﵏ فيقولون: تفعل عند الحاجة، وأجابوا عن حديث مالك بن الحويرث بأن مالك بن الحويرث أسلم متأخراً، وأتى الرسول ﵊ متأخراً، فكان الرسول ﵊ قد ناهز الستين أو تجاوزها ﵊.
ووردت رواية أن الرسول علل هذه الجلسة بقوله: (إني قد بدنت) أي: سمنت، فإن ثبتت هذه الرواية أو لم تثبت قالوا: إن مجيء مالك بن الحويرث إلى الرسول ﵊ كان في آخر حياته ﵊، فكان يفعلها الرسول للحاجة، بدليل أن الروايات الثابتة الصحيحة -باستثناء ما ذكرنا- هي الغالبة في وصف صلاة رسول الله ﵊ ولم تثبت جلسة الاستراحة.
ففرق بين وصف شخص لازم الرسول ﵊ طيلة الدعوة، ووصف شخص متأخر مكث عند الرسول عشرين يوماً، (قال مالك: أتينا رسول الله ونحن شببة متقاربون) فقال الرسول ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) استدل به الشافعية فقالوا: إن الرسول ﵊ علمنا الصلاة ولم يستثن جلسة الاستراحة فقال ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وما دام أنه جلس فنجلس.
والآخرون قالوا: إن قوله ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) خبر مجمل أي: صلوا في عموم الذي رأيتموني أصلي به، لكن ليس على التفصيل، وقالوا: إن مالك بن الحويرث أسلم متأخراً والرسول فعلها عند كبر سنه، لأن الروايات الأخر ليس فيها إثبات جلسة الاستراحة، قالوا: ومما يدل على عدم مشروعيتها أنه ليس فيها ذكر، فنحن في الركوع نقول: سبحان ربي العظيم، وفي السجود نقول: سبحان ربي الأعلى، وبين السجدتين ربي اغفر لي ربي اغفر لي، والجلسة الأخيرة نقرأ التشهد، وليس في جلسة الاستراحة ذكر.
والمسألة الأمر فيها على السعة، فإن أحب أحدنا أن يجلس للاستراحة جلس، وإن رأى عدم الجلوس فلا يجلس.
لكن إذا كان الإمام يجلس جلسة الاستراحة، فهل يبقى الأمر على السعة أقول: هنا الخلاف شر، بل افعل ما يفعله إمامك، إلا إذا احتجت أنت إليها لدلالتك ونحو ذلك، فالمسألة فيها الرأيان للعلماء.
وهكذا صار السلف فيها على القولين.
فـ ابن حزم ﵀ انتصر لإثباتها انتصاراً شديداً، استدلالاً بحديث مالك بن الحويرث رحمه الله تعالى ورضي الله عنه.
стр. 1913
تفسير سورة النبأ
ذكر الله تعالى في هذه السورة العظيمة أدلة البعث الأربعة، ثم ذكر حال الكافرين في جهنم، وذكر حال المؤمنين في الجنة، ورغب في الإنابة إلى الله تعالى، وختمها بالإخبار أن كل امرئ سيرى ما قدمت يداه في هذه الدنيا، وعند ذلك يتحسر الكافر على ما فرط أشد التحسر حتى إنه يتمنى أنه كان تراباً، فما أعظم ما اشتملت عليه هذه السورة من المعاني الجليلة، والأصول الكبيرة، والمواعظ البليغة.
стр. 1914
تفسير قوله تعالى: (عم يتساءلون، عن النبأ العظيم)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فبمشيئة الله تعالى نبدأ من ليلتنا هذه بتناول جزء عم بالتأويل والتفسير، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نبدأ بتفسير سورة النبأ وهي سورة عمَّ، فمن أطلق عليها سورة النبأ فلذكر النبأ فيها، ومن أطلق عليها عمَّ فلابتدائها بكلمة (عمَّ) .
قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١] ، (عمَّ) أصلها: عن ما، أي: عن ماذا، فهي مركبة من كلمتين: عن وما، فأدمجت النون في الميم وقيل: عمَّ، كقولهم: مما، فهي كلمتان: من ما، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: عن أي شيء يتساءلون؟ و ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ معناها: يسأل بعضهم بعضاً، ومن هم الذين يتساءلون؟ كثيرٌ من أهل العلم يقولون: إن الذين يتساءلون هم المشركون، فالمشركون هم الذين يتساءلون.
ويتساءلون عن ماذا؟ أجيب على هذا السؤال في الآية التي تليها، إن سألت -يا محمد- عن أي شيء يتساءلون، فاعلم أنهم يتساءلون ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:٢] ، فهذا تأويل هذه الآية.
وقد قيل: إن المراد بالنبأ العظيم هو البعث بعد الموت، وهذا رأي جمهور المفسرين.
وقال فريق آخر من أهل العلم: إن النبأ العظيم هو القرآن، واستدل لهذا القول الثاني بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص:٦٧-٦٨] ، ومن العلماء من قال: إن النبأ العظيم هو بعثة محمد ﷺ ، وإرساله إليهم.
فهذه ثلاثة أقوال مشهورة في تفسير النبأ العظيم، وكل قول منها قال به بعض العلماء، والذي عليه الجمهور: أن النبأ العظيم هو: البعث بعد الموت، والمراد بالنبأ الخبر، فعلى هذا يكون تأويل الآيات، عن ماذا يسأل بعضهم بعضاً؟ إن سألت عن ذلك -يا محمد- فاعلم أنهم يتساءلون ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ:٢-٣] .
إن قال قائل: ذكرتم أن الذين يتساءلون -كما هو رأي أكثر العلماء- هم المشركون، فهل المشركون مختلفون في النبأ العظيم لأن الله تعالى قال: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ؟ فهل المشركون يختلفون في البعث؟ والمعهود أن المشركين ينكرون البعث! فلماذا اختلفوا؟ وما هو وجه اختلافهم هنا؟ فالإجابة: أن المشركين لم يكونوا جميعاً مطبقين على أن البعث غير آت، بل كان منهم من يقر بالبعث، ومنهم من كان يتشكك في أمره، ومنهم من كان ينفيه بالكلية، فطوائف النصارى يقرون بالبعث، لكن البعث عندهم له صفات أخر، وأحداث أخر غير البعث الذي يعتقده أهل الإسلام، وكذلك طوائف من اليهود، فإنهم يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] ، وهذا يفيد أنهم يقرون بالبعث، لكن له صفة معينة عندهم.
أما الذين يتشككون في أمر البعث، فكما حكى الله مقالتهم في قوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠] ، وقال حاكياً عن بعضهم: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦] ، أي: على فرض أن هناك بعثاً، فهذا الكافر يقول: لئن رددت إلى ربي فإنه قد أكرمني في الدنيا، فسيكرمني بكرامة أكبر منها في الآخرة.
وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] ، فكانت هناك طوائف تثبت البعث، لكن على صفات أخر، وطوائف تتشكك في أمر البعث، وطوائف تنفي البعث مطلقاً، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨-٧٩] ، وقال الله : ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٢-٣] ، فكانت طائفة منهم تنكر البعث، فهذه أوجه اختلافهم في النبأ العظيم على تفسير النبأ العظيم بأنه البعث بعد الموت.
أما على تأويل النبأ العظيم بأنه القرآن، فأوجه خلافهم فيه على النحو التالي: منهم من يقول: إنه ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] ، أي: هو قصص من قصص اليهود كتبها أو اكتتبها وكتبها له شخص آخر، (تملى عليه بكرة وأصيلاً) كما هو مسطر في كتب اليهود، فاليهود يقولون: إن هذا القرآن من تعليم عبد الله بن سلام لرسول الله ﷺ ، ومن عمى بصائرهم أن ابن سلام لم يسلم إلا في المدينة، وكثير جداً من آيات الكتاب العزيز نزلت على رسول الله بمكة، وكان النبي ﷺ يختلف إلى رجل من الموالي بمكة، فطعن الكافرون في القرآن وقالوا: إن هذا الرجل هو الذي يلقن الرسول ﵊ القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [النحل:١٠٣] أي: الرجل الذي يميلون إلى أنه علم الرسول، ﴿أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] .
فهذا وجه من أوجه اختلافهم في النبأ العظيم على تأويل النبأ العظيم بأنه القرآن، فطائفة منهم تقول: هو ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] ، ومنهم من قال: إنه قول ساحر، ومنهم من قال: إنه قول كاهن، إلى غير ذلك من الأقوال.
стр. 1915
أدلة البعث في القرآن
والذي يرجح أن النبأ العظيم هو البعث بعد الموت أن أدلة البعث الأربعة ذكرت في هذه السورة؛ لأن أدلة البعث التي يستدل بها الله في كتابه على البعث تدور على أربعة أشياء، وتتكرر في سور القرآن بأساليب متنوعة، ويصرفها الله في كتابه الكريم بسياقات متعددة، وبراهين البعث الأربعة وأدلة البعث الأربعة تدور على الآتي: الدليل الأول من أدلة البعث: خلق السماوات والأرض، فيستدل بخلق السماوات والأرض على البعث، ووجه هذا الاستدلال: أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] ، فالذي خلق الأكبر قادر على خلق الأصغر، إذا كان الله خلق السماوات والأرض فهو قادر على أن يخلق من هو أدنى وأقل من السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] .
وهذا الدليل يتصرف بعدة أساليب، والمعنى ثابت، فيأتي هذا المعنى في سياقات متنوعة ومتعددة، في خلال قصص، وفي خلال آيات التذكير، وكله ينصب على هذا المعنى: السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، فالذي خلقها قادر على أن يخلق الناس، والأدلة على هذا في كتاب الله متعددة: كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨-٧٩] ، إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] ، وكذلك في مطلع سورة (ق) قال الله حاكياً عن المشركين: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٣] ، يقول تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:٤-٧] ، فلما أنكروا البعث -كما في سورة ق- استدل على البعث بخلق السماوات والأرض قال تعالى حاكياً مقالتهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٣] ، فيقول تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق:٤-٧] الآيات.
ونحو هذا في سورة الغاشية: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٨-٢٠] ، فكلها آيات تدور على هذا الشيء، فهذا أول استدلال على البعث ألا وهو الاستدلال بخلق السماوات وخلق الأرض.
والدليل الثاني على البعث: يكون بالاستدلال على إحياء بعض الأنفس بعد موتها، كقول إبراهيم ﵊ فيما حكى الله عنه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣] ، وقال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٣] ، وقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩] .
وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، وفي سورة عمَّ شيء مشابه لهذا، ألا وهو: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ:٩] ، فالنوم موت كما قال الله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢] ، وكان النبي ﵊ يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) فهذا وجه الدليل الثاني على البعث.
الدليل الثالث على البعث هو: إحياء الأرض بعد موتها، ويذكره الله في كتابه بعدة أساليب، كقوله: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥-٦] ، فالذي أحيا الأرض بعد موتها سيحيي الموتى أيضاً، فهذا الاستدلال الثالث على البعث وهو: إحياء الأرض بعد موتها.
الدليل الرابع على البعث: الخلق الأول، وهو الاستدلال على البعث بأن الذي خلقك أول مرة قادر على أن يعيد خلقك، فالذي صنع شيئاً أول مرة قادر على إعادة صنع هذا الشيء مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥] ، أي: أفأتعبنا وأرهقنا الخلق الأول حتى يتشككوا في البعث؟! فهذه أربعة أدلة على البعث ومضامينها مذكورة في سورة عمَّ، وهذا هو الذي رجح أن المراد بالنبأ العظيم البعث بعد الموت، وسيأتي الكلام عليها واحداً واحداً إن شاء الله.
стр. 1916
تفسير قوله تعالى: (كلا سيعلمون .)
﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:٤] ، (كلا) كلمة: ردع وزجر ونفي لمعنىً متقدم، فمثلاً: قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا﴾ [عبس:١-١١] ، فكلا هنا معناها: وليس الأمر كما تصرفت يا محمد! ليس التصرف الصحيح هو الذي تصرفته في هذا المقام.
فكلا نفي للتصرف الذي تقدم، وللظن الذي تقدم، فكلا أحياناً تتضمن معنى الردع والزجر، فهنا قال تعالى: (كَلَّا) ، أي: ليس الأمر كما ظننتم أنه ليس هناك بعث، وليس الأمر كما توهمتم أن محمداً ساحر، وليس الأمر كما توهمتم أنها: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] ، فهذا الظن ظن خاطئ، ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:٤] أن ظنهم خاطئ، وأن قولهم في غير محله.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:٥] ، لماذا كررت ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ؟ قال فريق من أهل العلم: إنها كررت للتأكيد، أي: إن الأمر ليس كما تظنون، ثم إن الأمر ليس كما تظنون، بل هذا القرآن من عند الله منزل، والبعث آت لا شك فيه.
ومن أهل العلم من قال: إن كلا الأولى التي هي ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ خاصة بالكفار، وقوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ خاصة بأهل الإيمان، وليس هناك دليل يدل على هذا القول.
ومن أهل العلم من قال: هذه الآيات ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ تعم المؤمنين والكفار، فمن المؤمنين من كان يسأل: متى الساعة يا رسول الله؟! أو أن المؤمنين يتبنون القول بأنها قائمة، والكفار يتبنون القول بأنها ليست قائمة، وهذا وجه آخر في التأويل.
стр. 1917
تفسير قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض مهاداً .)
ثم بدأ الله في ذكر الأدلة على البعث، وهذا هو الذي رجح أن النبأ العظيم هو البعث، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ:٦] ، أي: ألم نخلق الأرض ونمهدها كمهاد الطفل تفترشونها كما يفترش الطفل فراشه ويلتحف بلحافه؟! ألم نمهد الأرض فنجعلها ممهدة تمهيداً؟! ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:٧] الوتد هو: الشيء الذي يدق في الأرض، وتربط به الخيمة، وهو معلوم، فالجبال للأرض كالأوتاد، تثبت الأرض بها بإذن الله، قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣١] ، أي: لئلا تميد بكم، فالجبال تثبت الأرض كما أن الأوتاد تثبت الأشياء.
فالله يستدل على البعث بقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا﴾ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ، والمراد بالأزواج هنا الأصناف، أي: خلقناكم أصنافاً، فمنكم الطويل ومنكم القصير، ومنكم الذكي ومنكم الغبي، ومنكم الصالح ومنكم الطالح، ومنكم الغني ومنكم الفقير، ومنكم الجميل ومنكم الدميم.
ومن العلماء من قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ، أي: ذكراً وأنثى، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩] ، ومن المفسرين من فسر قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣] ، بقوله: (الشفع) : الخلق، فكل شيء زوجان من الخلق، (والوتر) هو: الله، كما قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، وهو وتر يحب الوتر) ، فقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ، لأهل العلم فيها تأويلان: التأويل الأول: أن المراد بالأزواج الأصناف.
التأويل الثاني: أن المراد بالأزواج الذكور والإناث.
ويشهد للمعنى الأول قوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١] ، وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢] فيشهد للمعنيين معاً، ففي قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ، قولان: الأول: (أزواجاً) أي: أصنافاً.
والثاني: (أزواجاً) أي: ذكراً وأنثى.
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ:٩] السبات هو: السكون والراحة، أي: وجعلنا نومكم راحة وسكوناً لأبدانكم، وهي مأخوذة من السبت، وأصل معنى السبت الراحة، فيوم السبت كان عند اليهود يوم الراحة، قال الله: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣] .
الآيات.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ:١٠] شُبه الليل باللباس؛ لأنه يغطي الأشياء ويسترها كما يستر اللباس الأشياء، فالليل يسترك كما أن الثوب الذي تلبسه يسترك، والليل المظلم يسترك، فالظلام يستتر فيه الناس.
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ:١١] تتعايشون فيه، كما قال الله ، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص:٧١-٧٣] ، أي: في الليل، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص:٧٣] ، أي: في النهار.
فالأصل في الليل أنه للسكون والراحة، ومن ثم (كان النبي ﷺ يكره السمر بعد العشاء) وكان يدعو لأمته أن يبارك الله لها في البكور، قال النبي ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها) وهذا شيء ملموس، فإذا صليت الفجر في جماعة، وقلت أذكار الصباح بعد أذكار الصلاة، ثم بدأت عملك، بارك الله لك في يومك، أما أن تنام إلى ما قبل الظهر، فتذهب عليك البركة التي في الصباح، فالرسول ﵊ كان ينام بعد العشاء في الغالب إلا للضرورة.
قال الله جل ذكره: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ:١٢] السبع الشداد هي السبع السماوات، ووصفت بأنها شداد لإحكامها، فهي محكمة إحكاماً شديداً كما قال سبحانه في الآيات الأُخر: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] أي: السماء التي شد بعضها إلى بعض وحبكت، كما يقول القائل للذي يصلح النعال مثلاً: اُحْبُكِ الخيط، أي: شده بقوة، أو يقول لك قائل إذا رآك متشدداً مثلاً: لماذا أنت محبكها يا عم؟ فالسماء ذات الحبك أي: التي حبك بعضها إلى بعض، وشد بعضها إلى بعض، فأصبحت شديدة.
قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ:١٣] ، السراج الوهاج هو المضيء، والمراد بالسراج الوهاج: الشمس.
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ [النبأ:١٤] المعصرات هي: السحب التي امتلأت بالماء وأوشك أن ينزل منها المطر، كما يقولون في المرأة التي أشرفت على الحيض: أعصرت أو قدم إعصارها، يعني: اقترب وقت نزول الحيض منها، فالمعصرات: السحب التي امتلأت ماءً وأوشك أن ينزل منها الماء.
ومن أهل العلم من قال: إن المعصرات هي الرياح، لكن الجمهور على أن المعصرات هي السحب الممتلئة بالماء التي أوشكت أن ينزل منها الماء.
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ:١٤] ، والثجاج هو المتتابع المتدفق، أي: ماء بعد ماء متتالٍ متتابع ينزل بشدة وبغزارة، كما روي عن النبي ﵊ أنه قال: (أفضل الحج: العج، والثج) وما هو العج، وما هو الثج؟ العج: الإكثار من التلبية، والثج: الإكثار من الذبح، بأن تذبح بقرة، وتذبح جملاً، وتذبح شاة، تكثر الذبح فهذا أفضل الحج، ولذلك النبي ﵊ (نحر في حجته مائة بدنة من الإبل) ، فمعنى الثج هو التتابع.
وفي حديث المرأة التي جاءت إلى النبي ﵊ -وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو متكلم فيه- تسأله عن دم الاستحاضة، فقال لها: (أنعت لكِ الكرسف) -يعني: أصف لكِ القطن- أي: سدي الفرج بالقطن ليقف الدم، قالت: إنما أثج ثجّاً يا رسول الله! أي: القطن لا يستطيع أن يمسك هذا الدم، فإنه ينزل بغزارة تدفع القطن، وهذا معنى الثج.
قال الله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ [النبأ:١٥] وهذا من أدلة البعث، وسبق من أدلة البعث: خلق السماوات والأرض، وجعل النوم سباتاً.
وقوله: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ ، هو: ما يقتات منه الناس كالبر مثلاً، وهي الغلة التي نسميها في بلادنا القمح، والذرة والرز وغير ذلك، والنبات هو ما يأكله الحيوان، وقد يأكل الناس بعضه أيضاً.
﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ:١٦] ، الجنات هي: الحدائق والبساتين التي كثرت فيها الأشجار وتشابكت حتى غطت من بداخلها لكثرة الأشجار فيها، فهذا التفسير اللغوي للجنة، وهو مأخوذ من تغطية الأشجار، وأي شيء يغطي يسمى جنة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] ، وجُنَّ فلان، أي: غطي على عقله.
فالجنة يطلق عليها جنة لكثرة أشجارها حتى تغطي الناس الذين فيها من كثرة ما فيها من خيرات، ﴿أَلْفَافًا﴾ ، أي: بساتين وحدائق أشجارها ملتفة.
стр. 1918
تفسير قوله تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتاً .)
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ:١٧] ، كل هذه الأشياء ذكرت لإثبات البعث.
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ ، أي: وقتاً مؤقتاً للفصل بين العباد، وسيرون فيه عاقبة التكذيب الذي كذبوه.
﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [النبأ:١٨] الصور: قرن ينفخ فيه، كما قال النبي ﵊: (الصور: قرن ينفخ فيه) ، أما قتادة فيرى أن الصور: الخلق.
والتأويل على قوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ، أي: تنفخ الأرواح في الأجساد، وهذا المعنى دارج في عدة آيات من كتاب الله، فروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٧-٢٩] ، أي: ادخلي -أيتها الأرواح- في أجساد عبادي، وهذا تأويل عبد الله بن عباس، واختاره ابن جرير الطبري ولم يحك غيره، قال الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ ، أي: ادخلي أيتها الأرواح التي خرجتِ من عبادي في الدنيا بعد أن ماتوا، وصعدتِ إلى السماء؛ ادخلي مرة ثانية في عبادي وذلك يوم البعث، واستدل لها بقراءة وردت في الآية: (فادخلي في عبدي) أي: ادخلي في جسد عبدي.
وكثير من العلماء قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ ، أي: ادخلي -يا أيتها النفس- في زمرة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلك عبادي الصالحين، وتنعمي معهم حيث يتنعمون، والله أعلم.
شاهدنا: أن قتادة قال: (الصور) : الخلق، والمراد بالنفخ في الصور عند قتادة: أن تنفخ الأرواح في الأجساد، لكن التأويل الأصح هنا -وهو الذي عليه الأكثرون- أن المراد بالنفخ في الصور: هو نفخ إسرافيل في الصور، قال ﵊: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته وانتظر متى يؤمر؟!) .
﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ:١٨] ، الأفواج: الجماعات، جمع فوج.
وأفادت هذه الآية الكريمة أن الناس يأتون يوم القيامة أفواجاً، ونحوها قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣] ، ونحوها أيضاً قوله تعالى في شأن قوم فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] ، فكيف يجمع بين هذا الذي حاصله أن بني آدم يأتون يوم القيامة أفواجاً، وبين قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٥] ؟ تقدم مراراً أن دفع مثل هذا الإشكال يكون بما حاصله: أن يوم القيامة تتعدد فيه المواقف، فمقدار ألف سنة مما تعدون، ففي بعض الساعات يحصل فيها كذا، وبعض الساعات يحصل فيها شيء آخر، فعند العتاب: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٥] ، (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) الحديث.
стр. 1919
تفسير قوله تعالى: (وفتحت السماء فكانت أبواباً .)
قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ:١٩] ، فهذه السماء التي قال الله عنها: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك:٣] يعني: انظر إلى السماء بدقة وركز بصرك إلى السماء هل ترى فيها ثقباً واحداً؟ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ .
فهذه السماء التي هي السبع الشداد خلقت على ما خلقت عليه الآن وليس فيها فروج كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] ، فيوم القيامة تفتح وتشقق، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥] ، وينزل الملائكة الذين كانوا فيها وفوقها ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥] ، وكما قال تعالى: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٦] ، فتتقطع السماء، وتتفتح السماء، وينزل من أبوابها الملائكة.
قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ : قال فريق من العلماء أي: أبواباً لنزول الملائكة، ودليله قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ .
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ:٢٠] أي: أزيحت وأزيلت عن أماكنها، ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ:٢٠] أي: كالسراب، والسراب هو: الشيء الذي يراه الناظر من بعيد فيظن أنه ماء وليس بماء، فالمسافر في الصحاري في وقت الظهيرة من شدة العطش ينظر إلى الأرض من بعيد فيظنها بحراً من الماء، فيأتي إليها وليس ثم ماء، فهذا هو السراب.
قال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ ، فالجبال تعتريها أمور، قال الله : ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧] ، وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة:١٤] ، فتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥] ، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨] .
فمن العلماء من قال: إن الجبال تسير عن أماكنها وتدك وتنسف، كما قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٥-٦] ، وبعدها تتطاير في الهواء، وتنسف نسفاً، والآيات التي ذكرت وصف الجبال يوم القيامة هي مراحل مرتبة، وليس عندنا دليل على كيفية الترتيب، هل ستكون هباءً منبثاً أولاً؟ أو تكون كالعهن المنفوش أولاً؟ أو تدك أولاً؟ لكن الظاهر أن الدك أولاً؛ لأن الدك يصحبه تفتت، وبعد التفتت تكون كما ذكر الله : ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٩] ، أي: كالصوف، وبعدها كالعهن المنفوش، أي: الصوف المتطاير، إلى غير ذلك.
قال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ أي: عن أماكنها، فإذا نظرت إلى أماكنها تظن أن هناك جبالاً، ولكنها سراب لم يعد لها أثر.
стр. 1920
صفة جهنم وما أعد فيها للكافرين
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ:٢١] ، ترصد أهلها، قال فريق من العلماء: إذا مروا عليها ترصدهم، ومن هذا أن ناساً يمرون على الصراط من أهل النار فجهنم تعرفهم، ليس كالكمين الذي على مداخل البلاد إذا مر شخص التقطه، فجهنم ترصد أهلها بدقة، وقد وصفها الله أنها ذات رصد.
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ ، فمن العلماء من قال: ترصد أهلها إذا مروا عليها، فتأخذهم بكلابيب وحسك على الصراط كما ورد عن رسول الله ﷺ في شأن المرور على الصراط.
ومنهم من قال: ﴿كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ ، أي: كانت مرتقبة، يعني: منتظرة أهلها الآن.
﴿لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ:٢٢] جهنم ترصد الطغاة، وتنتظر موتهم، وتنتظر بعثهم، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ ، لمن؟ قال تعالى: ﴿لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ ، وهل هي للطاغين فقط أم يدخلها أيضاً طغاة من المسلمين الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ يقيناً أنه يدخلها أيضاً طغاة من المسلمين الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لحديث المفلس، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٠-١٣١] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥-١٦] ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة متوافرة.
﴿لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ (مآباً) معناها: مرجعاً.
стр. 1921
الرد على من قال بفناء النار
﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] أي: ماكثين، وقد يتوهم متوهم من هذه الآية الكريمة أن النار لها أمد معدود ومعلوم، وستنتهي بعد هذا الأمد المعدود والمعلوم لقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، وقد وقع في هذا الخلل عدد من العلماء، فزعموا أن النار ستفنى مستدلين بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، قالوا: وبعد الأحقاب فناء.
واستدلوا أيضاً في هذا الباب بقول الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦-١٠٧] ، لكن أجاب عليهم جمهور أهل السنة من وجوه حاصلها: أنهم لو أمعنوا النظر في هذه الآية نفسها والآية التي بعدها لعلموا أن الصواب خلاف ما ذهبوا إليه، فالله قال في هذه الآية: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ [النبأ:٢٣-٢٤] ، أي: في هذه الأحقاب، ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ:٢٥] ، أي: طعامهم في هذه الأحقاب الحميم والغساق، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٢٦-٣٠] ، فوقت الأحقاب طعامهم الحميم والغساق، وبعد الأحقاب هل هناك تخفيف؟ الآية نفت ذلك فقال تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ .
وأجاب أهل السنة على قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] ، فقالوا: إن الله شاء ألا يخرجوا منها، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤] ، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ، وقال النبي ﷺ : (إن الموت يذبح على قنطرة بين الجنة والنار، وينادى: يا أهل النار! خلود فلا موت، ويا أهل الجنة! خلود فلا موت) .
والآيات في هذا الباب ترد على قائل هذا القول رداً شديداً، فالنار لا فناء لها، قال تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤] ، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] ، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] ، ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] .
стр. 1922
طعام أهل النار في الأحقاب المذكورة في الآية
قال تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ في هذه الأحقاب ما هو طعامهم وما هو شرابهم؟ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ ، والبرد هو البرد المعهود الذي يبرد على القلوب والأبدان، وهذا قول الجمهور، ومن أهل العلم من قال: إن البرد هو النوم، واستدل ببيت من الشعر: بردت مراشفها عليَّ فصدني عنها وعن قبلاتها البرد أي: النوم، إلا أن ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى قال: وكتاب الله إنما يفسر على المعهود المشهور من كلام العرب، ولا يفسر على اللغات القليلة، وإن كان البرد من معانيه النوم، لكن يُفسَّر على الغالب الدارج في لغة العرب، فالبرد هو البرد المعهود.
﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ:٢٥] ، والحميم هو: الماء الحار الذي بلغ النهاية في الحرارة، والغساق هو: البارد الذي بلغ النهاية في البرودة، فيشرب الكافر شيئاً ساخناً في غاية السخونة، قد بلغ أعلى درجات الحرارة، ثم يعقب بشيء بارد في غاية البرودة، عياذاً بالله.
قد يقول قائل: هنا قال تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ ، وفي الآية الأخرى قال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] ، وفي الآية الثالثة قال: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٦-٣٧] ، فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ فالإجابة: أنهم في أزمان معينة وفي أحقاب معينة لا يذوقون البرد والشراب، وفي أحقاب أخرى لا يذوقون إلا الغسلين الذي هو صديد أهل النار، وفي أوقات أخرى ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ ، وهو نبات ذو شوك، وهو أخبث أنواع النبات، ويكون يوم القيامة في جهنم، فهذه الأطعمة تتنوع أوقاتها، فوجبة لهم فيها غسلين، ووجبة لهم فيها طعام من ضريع، ووجبة ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ ﴿إِلَّا﴾ هي هنا بمعنى: لكن، عند بعض العلماء، أي: لكن يذوقون الحميم والغساق، فالحميم والغساق ليس من البرد والشراب، فهو استثناء منقطع، من غير جنس المستثنى منه، فهذا الذي يسميه العلماء: استثناء منقطع، وهو الذي يصلح أن تدخل عليه أن، فيقال: لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا أنهم يذوقون الحميم والغساق، فإذا صلح أن يدخل عليه (أن) عند بعض اللغويين فهو استثناء منقطع.
والاستثناء المنقطع له أمثلة، كقول الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس (وحضر القوم إلا حماراً) فالحمار ليس من جنس القوم، فهذه أمثلة للاستثناء المنقطع.
﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦] ،أي: جزاءً موافقاً لأعمالهم السيئة التي عملوها، فالجزاء من جنس العمل.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ:٢٧] .
(لا يرجون) : من العلماء من قال في معناها: لا يخافون، واستدل بقوله تعالى حاكياً قول نوح لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] ، أي: لا تخافون الله ، فمنهم من قال: إن المراد بالرجاء هنا الخوف، أي: لا يخافون حساباً على أعمالهم.
ومنهم من قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ ، أي: لا يرجون ثواب الأعمال التي يعملونها، والقول الأول عليه الأكثر.
﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ:٢٨] ، أي: تكذيباً شديداً، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ:٢٩] أي: كل شيء عملوه أحصي عليهم في كتاب، والآيات تؤيد هذا المعنى بكثرة، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤] ، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] .
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ ، أي: عددناه وكتبناه كتاباً، ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠] .
وقيل: إن قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، خاص بأهل القبلة، وهذا التأويل وإن كان في معناه صحيح، فإن من أهل القبلة من يمكث في النار أحقاباً ثم يخرج، كما في حديث النبي ﷺ الذي يرويه عن ربه ﵎: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله) إلا أن لفظ: الطغاة هنا يتنزل على الكافرين لقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ، وهذا حال الكفار.
стр. 1923
تفسير قوله تعالى: (إن للمتقين مفازاً)
أما حال أهل الإيمان فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ:٣١] ، والمفاز من الفوز، وهو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، وما هي صورة الفوز التي فازوا بها؟ قال تعالى: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ:٣٢] ، فهذا هو الطعام، ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ:٣٣] ، والكاعب من النساء هي: المرأة التي لم يتدل ثديها، والمرأة إذا تزوجت وحملت ووضعت أصبح ثديها متدلياً كما هو معلوم، لكن إذا كانت بكراً فيكون ثديها متماسكاً، فالكواعب من الأبكار، والبكر هي التي لم يتدل ثديها، (أتراباً) أي: أعمارهن واحدة.
﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ:٣٤] ، قال بعض العلماء: الدهاق هي الكأس الممتلئة، وقال آخرون: هي الكأس التي فيها شراب صافٍ.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ [النبأ:٣٥] .
من العلماء من قال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ ، أي: في الجنة ﴿لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ فليس هناك كلام لا فائدة فيه، وليس هناك تكذيب من شخص لشخص آخر في الجنة.
ومن العلماء من قال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ ، أي: أثناء شربهم للكأس من الخمر كما هو حال أهل الدنيا، فإذا شرب رجل في الدنيا كأساً من الخمر فإنه يلغو ويسب ويكذب الناس ويكذبونه، كما حدث ذلك على عهد الرسول ﵊، كما هو معلوم في قصة حمزة عندما شرب الخمر حتى ثمل وذلك قبل تحريم الخمر، فقال له الرسول: (لماذا صنعت هكذا؟) فنظر إلى الرسول من أعلى إلى أسفل وقال: وهل أنتم إلا عبيد لآبائي!! فأهل الجنة لا يسمعون لغواً عند شربهم لكأس الخمر، فلا تذهب عقولهم، ولا يتقولون بكلام فيه لغو ولا تكذيب.
فهذان تأويلان لأهل العلم في هذه الآية، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥-٢٦] .
﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابَاً﴾ [النبأ:٣٦] ، أي: على أعمالهم الصالحة.
﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ:٤٠] ، أي: ينظر المرء ما عمل، ومن المراد بالمرء هنا؟ من العلماء من قال: إن المراد به المسلم، ودل على هذا التعقيب بالكافر.
ومنهم من قال: المرء عام، فكل امرئ ينظر ما قدمت يداه، والكافر لما يرى السوء الذي قدمته يداه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ .
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] ، من العلماء من قال: إن الكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ عندما يرى البهائم قد تحولت إلى تراب، ولم يرد بهذا حديث صحيح عن رسول الله ﷺ فيما علمت، لكن البهائم تحشر لقول النبي ﵊: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) كما في صحيح مسلم، لكن من العلماء من قال: تحشر ويقتص لبعضها من بعض ثم يقال لها: كوني تراباً، فحينئذٍ يقول الكافر ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ ، وهذا القول الأخير هو قول جمهور المفسرين، لكن لم نقف في ذلك على خبر ثابت عن رسول الله ﵊، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وسلم.
стр. 1924
الأسئلة
стр. 1925
حكم وضع سجادة للإمام
السؤال
هل وضع سجادة خاصة بالإمام في الصلاة بدعة؟
الجواب
وضع السجادة الخاصة بالإمام خلاف الأولى، لكن الوصول بها إلى حد التبديع لا ينبغي؛ لأن النبي قال لـ عائشة ﵂: (ناوليني الخُمرة -أي: ناوليني السجادة- قالت: إني حائض، قال: إن حيضتكِ ليست في يدك) ، ففي قوله: (ناوليني الخُمرة) دليل على أنه كانت له خمرة في المسجد، لكن هل كانت خاصة بالرسول يصلي بها حيث شاء في أي وقت، أو أنها خمرة في المسجد يُصلَّى عليها؟ فهذا يهون من الخطب، ولا يجعلنا نحكم بالتبديع لمن وضع هذه السجادة، صحيح أننا لا نضعها، لكن الحكم بالتبديع لا ينبغي أن يتسرع فيه.
стр. 1926
حكم تحديد الوقت بين الأذان والإقامة
السؤال
هل تحديد المواقيت بين الأذان والإقامة بدعة؟
الجواب
إن تثبيت وقت بين الأذان والإقامة لم يكن على عهد الرسول ﵊، فالرسول كان في صلاة العشاء إذا اجتمع الناس أقام الصلاة، وإذا تأخر الناس أخر الإقامة، وفي صلاة الظهر إذا كان الجو حاراً أخر الصلاة حتى يحصل الإبراد، وإن كان الجو لطيفاً صلى ﵊ الظهر في أول وقتها، فوقت الإقامة تختلف باختلاف الأحوال.
لكن إن جاء شخص وقال: نحن في بلدة معينة أو في مصنع من المصانع مثلاً، ومن الناس من يتلاعب في الدوام على أن الإقامة تؤخر أو تقدم وتحدث مشاكل، ولهذا حددوا الإقامة، فنقول: الأولى اتباع هدي رسول الله، لكن إذا فعلها شخص فالوصول إلى التبديع أو الحكم بالتبديع يعكر عليه قول من قال: إنها من المصالح المرسلة، فالحكم بالتبديع لا ينبغي أن يتسرع فيه.
стр. 1927
التعامل مع من يتعامل بالربا
السؤال
ما حكم عمل اشتراك في (الباص) إذ إن النقود التي ندفعها للاشتراك يتم استثمارها، وبالطبع فإنه استثمار ربوي؟
الجواب
أنت تدفع أجرة مقابل ركوب، وكون صاحب القطار يأخذها ويضعها في بنك، أو يضعها في النار، أو يضعها في جيبه، ليس لك دخل في هذا، والواجب عليك أن تبرئ ساحتك أمام الله، أنت تدفع أموالاً مقابل الركوب، وبعد ذلك ليس لك أن تفتش أين يضعها، وتسأله هل وضعها في البنك؟ وهل البنك ربوي.
стр. 1928
التكفير بدون علم
السؤال
بعض الناس يقول: لا يجوز أن تكفر من وقع في كفر، ولكن احكم على فعله بأنه كفر، وليس هو بكافر؟
الجواب
إذا كنت من عوام الناس فلا تبادر بالتكفير، ودع التكفير لأهل العلم الذين يعلمون العلم الشرعي، ويعلمون حال الشخص الذي سيحكم عليه، لا تفتح باب التكفير وأنت جاهل لضوابط التكفير وبالأعذار التي تبيح للشخص أن يتكلم بكلمة الكفر، فتأثم، وتحدث لك مشاكل.
стр. 1929
حكم تلاوة القرآن بغير وضوء
السؤال
ما حكم قراءة القرآن بغير وضوء؟
الجواب
جائزة مع الكراهة، أما الجواز فلحديث عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحواله) ، أما الكراهة فلحديث النبي ﵊: (إني كرهت أن أذكر الله على غير وضوء) ، وإن كان في نفسك شيء من ذلك، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
стр. 1930
حديث: (زر غباً تزدد حباً)
السؤال
حديث (زر غباً تزدد حباً) ؟
الجواب
الراجح عندي أنه ضعيف، والله تعالى أعلم، ومن العلماء من حسنه، لكن الراجح -والله أعلم- أنه ضعيف.
следующие страницы →