← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

حكم تحديد الوقت بين الأذان والإقامة السؤال هل تحديد المواقيت بين الأذان والإقامة بدعة؟ الجواب إن تثبيت وقت بين الأذان والإقامة لم يكن على عهد الرسول ﵊، فالرسول كان في صلاة العشاء إذا اجتمع الناس أقام الصلاة، وإذا تأخر الناس أخر الإقامة، وفي صلاة الظهر إذا كان الجو حاراً أخر الصلاة حتى يحصل الإبراد، وإن كان الجو لطيفاً صلى ﵊ الظهر في أول وقتها، فوقت الإقامة تختلف باختلاف الأحوال. لكن إن جاء شخص وقال: نحن في بلدة معينة أو في مصنع من المصانع مثلاً، ومن الناس من يتلاعب في الدوام على أن الإقامة تؤخر أو تقدم وتحدث مشاكل، ولهذا حددوا الإقامة، فنقول: الأولى اتباع هدي رسول الله، لكن إذا فعلها شخص فالوصول إلى التبديع أو الحكم بالتبديع يعكر عليه قول من قال: إنها من المصالح المرسلة، فالحكم بالتبديع لا ينبغي أن يتسرع فيه.

стр. 1927

التعامل مع من يتعامل بالربا السؤال ما حكم عمل اشتراك في (الباص) إذ إن النقود التي ندفعها للاشتراك يتم استثمارها، وبالطبع فإنه استثمار ربوي؟ الجواب أنت تدفع أجرة مقابل ركوب، وكون صاحب القطار يأخذها ويضعها في بنك، أو يضعها في النار، أو يضعها في جيبه، ليس لك دخل في هذا، والواجب عليك أن تبرئ ساحتك أمام الله، أنت تدفع أموالاً مقابل الركوب، وبعد ذلك ليس لك أن تفتش أين يضعها، وتسأله هل وضعها في البنك؟ وهل البنك ربوي.

стр. 1928

التكفير بدون علم السؤال بعض الناس يقول: لا يجوز أن تكفر من وقع في كفر، ولكن احكم على فعله بأنه كفر، وليس هو بكافر؟ الجواب إذا كنت من عوام الناس فلا تبادر بالتكفير، ودع التكفير لأهل العلم الذين يعلمون العلم الشرعي، ويعلمون حال الشخص الذي سيحكم عليه، لا تفتح باب التكفير وأنت جاهل لضوابط التكفير وبالأعذار التي تبيح للشخص أن يتكلم بكلمة الكفر، فتأثم، وتحدث لك مشاكل.

стр. 1929

حكم تلاوة القرآن بغير وضوء السؤال ما حكم قراءة القرآن بغير وضوء؟ الجواب جائزة مع الكراهة، أما الجواز فلحديث عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحواله) ، أما الكراهة فلحديث النبي ﵊: (إني كرهت أن أذكر الله على غير وضوء) ، وإن كان في نفسك شيء من ذلك، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

стр. 1930

حديث: (زر غباً تزدد حباً) السؤال حديث (زر غباً تزدد حباً) ؟ الجواب الراجح عندي أنه ضعيف، والله تعالى أعلم، ومن العلماء من حسنه، لكن الراجح -والله أعلم- أنه ضعيف.

стр. 1931

حكم البيع والشراء في المسجد السؤال ما حكم البيع والشراء في المسجد؟ الجواب لا يجوز البيع والشراء في المسجد، ومن وجدته يبيع ويشتري في المسجد فقل له: لا أربح الله تجارتك!

стр. 1932

هل يقال: إن الله بين السماء والأرض ؟! السؤال بعض الناس يؤولون هذه الآية: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ:٣٧] ، على أن الله بين السماء والأرض؟ الجواب المعنى: رب السماوات ورب الأرض ورب ما بين السماوات والأرض، هذا هو التأويل الصحيح، أما أن تقول: الرحمن بين السماء والأرض، فهذا كلام غير صحيح أبداً.

стр. 1933

مساعدة المرأة للمرأة في بيتها مع التحفظ عن رؤية الأجانب لها السؤال هل إذا ذهبت إلى جارة لي غير صالحة وعندها صبيان لمساعدتها في عمل بيتها، وهي تحافظ عليَّ ولا يراني أحد، فهل هذا جائز؟ الجواب إذا كانت هناك محافظة عليكِ فجائز.

стр. 1934

تفسير سورة عبس ورد في سورة عبس الكثير من الآيات التي تحتوي على الكثير من المعاني العظيمة، منها: ما جاء فيها من عتاب الله تعالى لحبيبه ﷺ في شأن الأعمى، ومنها تذكير الإنسان بنعم الله تعالى التي قد يقف الإنسان تجاهها موقف الكفران، ثم ختم الله السورة بذكر موقف القيامة وما فيه من الأهوال وانقسام الناس فيه بحسب أعمالهم.

стр. 1935

تفسير قوله تعالى: (عبس وتولى .) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فبمشيئة الله تعالى نتناول تفسير سورة عبس، يقول الله فيها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١-٣] . من الذي عبس وتولى؟ وما معنى عبس؟ ولماذا عبس؟ الذي عبس وتولى هو رسول الله ﷺ . لماذا عبس ولماذا تولى؟ قال الله : ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:٢] يعني: أن النبي ﷺ عبس وتولى لمجيء الأعمى، ومعنى (عبس) قطب وجهه وجبينه تكرهاً، أي: تكرهاً لمجيء الأعمى إليه. للآية سبب نزول بمجموع الطرق، ولسياق آيات الكتاب العزيز يصح ألا وهو: أن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى جاء إلى النبي ﷺ ، والنبي ﷺ كان يدعو قوماً إلى الإسلام منهم كبراء قريش، وكان ﷺ منشغلاً في دعوتهم إلى الإسلام راغباً في هدايتهم إليه، فأقبل ابن أم مكتوم وهو يقول: أرشدني يا رسول الله! والنبي ﷺ مقبل على الحديث مع أئمة الكفر يدعوهم إلى الإسلام، وابن أم مكتوم يكرر: أرشدني يا رسول الله! والنبي ﷺ لا يلتفت إليه، ثم التفت إليه النبي ﷺ متضايقاً قاطباً وجهه، كارهاً لمقالته ولمجيئه، وقال ابن أم مكتوم: أترى بما أقول بأساً يا رسول الله؟! فأعرض عنه النبي ﷺ ، فنزل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١-٢] أي: أن الرسول ﷺ عبس وتولى لمجيء الأعمى. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس:٣] أي: وما يعلمك يا محمد، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣] أي: لعل هذا الأعمى يزكى، يعني: يتطهر من ذنوبه، فالتزكية تطلق على التطهير من الذنوب، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩-١٠] . قال سبحانه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣] ، من العلماء من فرق بين قوله: (وَمَا يُدْرِيكَ) ، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ [الحاقة:٣] ، فقالوا: إن قوله: (وَمَا يُدْرِيكَ) فلم يدره الله ، أما: (وَمَا أَدْرَاكَ) فإن الله أدراه، كما قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١-٣] ، فأخبره الله بالحاقة وتفاصيل ما في الحاقة. أما (وَمَا يُدْرِيكَ) كما في قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:١٧] ، فلم يدره بوقتها .

стр. 1936

تفسير قوله تعالى: (أو يذكر فتنفعه الذكرى .) ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ [عبس:٣-٤] والتذكرة: الاتعاظ والاعتبار، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:٤] . ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبس:٥] أي: من استغنى عن الدخول في الإسلام بأمواله وأولاده وجاهه وسلطانه وثرائه، أما من استغنى بهذه الأشياء عن الدخول في الإسلام، ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس:٦] أي: تتعرض له رجاء أن يسلم. ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس:٥-٧] يعني: ليس عليك إثم إذا تولى وأعرض، ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس:٧] يعني: ما عليك ضرر من عدم تزكيته لنفسه، إنما عليك فقط البلاغ كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] ، وكما قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية:٢١-٣٣] الآيات. فيقول سبحانه: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:٧-١٠] . (أما من جاءك يسعى) : يجتهد في المجيء إليك وفي مقابلتك، وهو خائف وجل من الله سبحانه: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:١٠] أي: تنشغل عنه. ﴿كَلَّا﴾ [عبس:١١] ليس التصرف كما تصرفت يا رسول الله! ليس هذا هو التصرف، فكلمة: (كلا) تحمل معنى النفي لما تقدم مع الردع والزجر، هذا في حق البشر، كلمة: (كلا) تنفي الكلام المتقدم أو المعاني المتقدمة أو التصرفات المتقدمة مع تضمنها للزجر والردع. فليس الأمر كما تصرفت يا محمد! لكن مع رسول الله ﷺ للمعاني شأن آخر. أرشدت الآيات إلى أنه ينبغي الإقبال على المقبلين على الله وإن كانوا فقراء، وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٢-٥٤] . وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: فيّ نزلت هذه الآيات: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] : أنا وابن مسعود وبلال ورجلين من قريش لم يسمهما، نزلت هذه الآيات: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢] في ستة: جاء المشركون إلى رسول الله ﷺ فقالوا له: يا محمد! اطرد هؤلاء عنك، لا يجترئون علينا، فكيف نجلس نحن وهؤلاء أمامك؟ فإننا إذا جلسنا أمامك تجرئوا علينا، فاطردهم لعلنا نفكر في الدخول في الإسلام، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢] ، وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] . ففي هذه الآيات تأديب للدعاة إلى الله، صحيح أننا أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، لكن مع إنزال الناس منازلهم لا نضيع حق الفقراء وحق الضعفاء أمام المناصب الزائلة، والوجاهات التي ستزول وتفنى، فكل له حق يؤدى إليه. في صحيح مسلم أن أبا سفيان مر على ملأ فيهم بلال وصهيب وعمار وسلمان، فلما رأوه -وكان ذلك عام الفتح- يمشي في الناس، وكان قبل ذلك يؤذي النبي ﷺ قالوا: (والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، ما زال هذا الرجل يمشي على وجه الأرض؟ فقال أبو بكر: أتقولون هذا لسيد قريش؟ ثم انطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ يخبره بالذي كان، فقال رسول الله ﷺ : أغضبتهم يا أبا بكر؟ إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك ، فرجع أبو بكر وقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: غفر الله لك يا أبا بكر) . فلا ينبغي أبداً أن تبتعد عن الفقراء المقبلين على الله، فإن الله عاتب نبيه ﷺ في ذلك. قوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:٢] أي: بمجيء الأعمى، إن قال قائل: كيف قال الله : ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:٢] ووصفه بالعمى، وهو يقول: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] ؟ فالإجابة على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الله ذكره بالأعمى لبيان عذره في مقاطعته للنبي ﷺ ، وهي أنه صحيح أنه جاء وقاطعك يا محمد! وأنت تدعو القوم إلى الإسلام، ولكن معه عذره، فهو أعمى، وكما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] فليس على الأعمى حرج فيما لا يدرك إلا بالبصر، هذا وجه. والوجه الثاني: أن الشخص إذا عرف بصفة من الصفات، واشتهر بها في الناس ولم يكن يتضايق من ذكره بها فلا بأس أن يدعى بها، قال النبي ﷺ لما صلى صلاة الظهر ركعتين وانصرف بعد الركعتين قال رجل في يديه طول: (يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لا هذا ولا ذاك، قال: بل قد حدث شيء من ذلك يا رسول الله! فقال ﵊ لأصحابه: أحقاً ما يقول ذو اليدين؟!) فلقبه النبي ﵊ بـ ذي اليدين لطول في يديه. وقد درج على ذلك السلف، فمن اشتهر بلقب يكره عند عموم الناس، ولم يتبرم من دعوته به، نادوه به، وكلكم يعرف الأعمش؛ فـ الأعمش هو سليمان بن مهران وكان في عينيه عمش، وكان دميم الخلقة، وكان يقول: لو كنت بقالاً ما اشترى مني أحد، ومع ذلك لم يكن يتبرم من هذه الصفة، فكان الناس ينادونه بـ الأعمش دوماً. كذلك الأعرج، وكذلك المقبري؛ لأن بيته كان قريباً من المقابر، وكذلك ابن دقيق العيد لقب بـ ابن دقيق العيد لشدة بياضه، وكذلك الدراوردي كان من بلاد إذا طرق أحدهم طارق يقول: اندر، يعني: ادخل، فلما ذهب إلى المدينة وأقام بها كانوا إذا جاءوا عليه قال لهم: اندروا اندروا، يعني: ادخلوا ادخلوا، فلقب بـ الاندراوردي ثم حذفت النون تخفيفاً فقيل: الدراوردي إلى غير ذلك. فالشخص إذا اشتهر بلقب إن كان هذا اللقب مكروهاً في الناس لكن تعارفوا عليه به، وهو لم يتضايق منه جاز لهم أن يدعوه به، وهذا هو الوجه الثاني، والله أعلم. من العلماء كـ القرطبي وقبله الرازي ونقلوه عن بعض علمائهم أنهم خطئوا ابن أم مكتوم في ذهابه إلى النبي ﷺ ، وقالوا: ما كان ينبغي أن يذهب إلى الرسول وهو منشغل بدعوة القوم إلى الإسلام، فإن هذا لا يليق، ومنهم من تحامل عليه تحاملاً شديداً، ولكن رب العزة وصفه بأنه جاء يسعى وهو يخشى، فلا معنى لكلام شخص فيه، بل كل ما قيل فيه مردود، والله يعلم المسلمين في صورة نبيه ﷺ ، والله تعالى أعلم.

стр. 1937

تفسير قوله تعالى: (فمن شاء ذكره .) قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:٨-٩] تتشاغل ﴿كَلَّا﴾ [عبس:١١] ليس الأمر كما ذكرت ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس:١١-١٢] ذكر ماذا؟ من العلماء من قال: ذكر القرآن، أو انتفع بالتذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٥] . (صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) من العلماء من قال: هي اللوح المحفوظ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٤] ما هو وجه الربط بين قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس:٨-٩] و ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس:٥-٦] ، وبين قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس:١١-١٣] ؟ وجه الربط كما قال بعض العلماء: فيه. للنبي ﷺ ، فالمعنى: إذا أعرض هؤلاء المشركون يا محمد! عن القرآن وعن ما جئت به فهذا القرآن موجود بأيدي خلق كرام، وصفهم الله بأنهم سفرة كرام بررة، يعني: إن تولى هؤلاء الكفار عن القرآن فاعلم أن القرآن في اللوح المحفوظ مع ملائكة كرام مهطعين لله ، يعني بمعنى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] يعني: لا يحزنك إعراضهم وتوليهم عن هذا القرآن فإنه موجود بأيدي خلق هم أكرم منهم وهم السفرة الكرام البررة، هذا وجه الربط، والعلم عند الله . ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس:١٢-١٤] مطهرة من كل عيب ومن كل نقص ورذيلة، مطهرة من كل ما لا يليق بها، مطهرة من عبث الشيطان كما قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] على رأي من فسر الباطل بأنه الشيطان. ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٥] والسفرة: الملائكة، ومن العلماء من قال: إن السفرة هم ملائكة مخصوصون؛ وهم القراء للقرآن، بدليل قول النبي ﷺ : (الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة) الحديث. ومنهم من قال: إن السفرة هم الملائكة السفراء بين الله وبين خلقه، الذين يسفرون بين الله وبين الأنبياء وبين سائر الخلائق، كما قال القائل: وما أدع السفارة بين قوم وما أمشي بغش إن مشيت (ما أدع السفارة بين قوم) السفارة: التنقل بين القوم للإصلاح، ومنه التسفير الذي يسفر الآن في الدول. وما أدع السفارة بين قوم وما أمشي بغش إن مشيت فقال العلماء: إن السفرة هم الملائكة الذين يسفرون بين الله سبحانه وبين الرسل. فالقرآن بأيدي هؤلاء السفرة: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٥-١٦] والبررة: هم المؤمنون، فالبر هو المطيع، وللأبرار معان أخرى تأتي في محلها إن شاء الله.

стр. 1938

تفسير قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره .) ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾ [عبس:١٦-١٧] ما معنى قتل؟ قتل في أغلب آيات الكتاب العزيز معناها: لعن. ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠] أي: لعن الخراصون، ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] أي: لعن أصحاب الأخدود، فالله يقول: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧] ما المراد بالإنسان؟ هل المراد بالإنسان الإنسان عموماً أو الإنسان الكافر؟ الظاهر أن المراد: الإنسان الكافر، فعليه: قتل أو لعن كل إنسان كافر؛ مشركاً كان أو يهودياً أو نصرانياً وسواء كان أمريكياً أو إنجليزياً أو فرنسياً أو روسياً كلهم قال الله : ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾ [عبس:١٧] لعن هذا الإنسان، ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧] . في قوله تعالى: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧] ثلاثة أقوال للعلماء: القول الأول: أن (ما) تعجبية (مَا أَكْفَرَهُ) . القول الثاني: (ما) استفهامية أي: ما الذي حمله على الكفر؟!. الثالث: ما أشد كفره! هذه الأقوال الثلاثة في: (مَا أَكْفَرَهُ) . ثم يقول سبحانه: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس:١٨] ما هو الربط بين الآيتين: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧] وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس:١٨] ؟ كما يقول لك القائل ولله المثل الأعلى: لماذا تستكبر أنت ابن من؟ أبوك من؟ وأمك من؟! لماذا هذا الكبر وهذا الغرور وهذه الغطرسة؟ أنت أبوك فلان وأمك فلانة، يعرفهم الناس جميعاً، كما قال الشاعر: كيف يزهو من رجيعه أبد الدهر ضجيعه وهو منه وإليه وأخوه وربيعه يعني: كيف تفتخر وأنت ليل نهار والوسخ والبراز في جسمك، فبأي شيء تفتخر؟ فقوله سبحانه: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٧-١٩] كما يقول الله في الحديث القدسي، عندما بصق النبي ﷺ على كفه بصقة -تفل تفلة- وقال: (يقول الله: يا ابن آدم! أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه -وأشار إلى البصاق-؟!) ﵊. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس:١٨] كما قال القائل: خلق من ماء خلقة نكرة، ثم بعد ذلك يكون جيفة قذرة، الإنسان بعد أن يموت يكون في القبر جيفة قذرة، ورائحته كريهة، وهو بين ذلك يحمل العذرة. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٨-١٩] هذا أبيض وهذا أسود وهذا أحمر، هذا أعور وهذا سليم العينين، هو سبحانه الذي يتصرف كيف يشاء، تخرج من بطن أمك ليس لك اختيار، لا تستطيع أن تتحكم لا في قدرك ولا في جمالك ولا في دمامتك، ولا كونك سوياً أو غير سوي، ولا في كونك غبياً أو ذكياً، أو قوي الذاكرة أو ضعيف الذاكرة، لا تستطيع أبداً أن تتحكم في نفسك على الإطلاق، ولا في نفس ولدك، فالذي يصور في الأرحام كيف يشاء هو الله . ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٩] وقدر له الأرزاق، وقدر له الشقاوة والسعادة ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:١٩-٢٠] ما المراد بالسبيل هنا؟ للعلماء في السبيل قولان: أحدهما: أن المراد بالسبيل طريق الخير أو طريق الشر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] ، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] . وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، فهذا فيه أن سلوك طريق الخير مقدر، وسلوك طريق الشر مقدر. والقول الثاني: اختاره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى أن المراد بالسبيل هنا سبيل الخروج من بطن أمك بعد أن خلقك، ولو شاء لأوقفك في فرجها وماتت أمك، لكن يسر لك سبيل الخروج. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢٠-٢١] قال ابن جرير الطبري: سياق الآيات في مراحل خلق الإنسان أي: قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:٢٠] أي: سبيل الخروج من بطن أمه، فذكر الله سبحانه أنه خلقك من نطفة، ثم قدرك، ثم أخرجك من بطن أمك، ثم أماتك فأقبرك، ثم يوم القيامة يحييك، سياق الآيات في هذا الباب، هذا اختيار ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢٠-٢١] أي: صيره إلى قبره، فالأشياء تموت ولا تدفن، أما ابن آدم فحين يموت يدفن، ويكرم بأن يغطى حتى ولو كان كافراً، فابن آدم يموت فيقبر، كما قال : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥-٢٦] فأنت إذا مت دفنت في الأرض وغطيت، ويوم القيامة يتلاشى هذا، ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٤-٥] . فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١] امتنان من الله على الإنسان أنه صيره إلى قبر يقبر فيه. ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:٢٢] يعني: بعثه، والنشور يطلق على البعث والخروج: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) . ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا﴾ [عبس:٢٢-٢٣] ليس الأمر كما يظن الإنسان أنه قام بالتكاليف التي أمره الله بها، لا تتوهم ذلك أبداً أيها الإنسان، فإنك مقصر. ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس:٢٣] أي: ما قام ابن آدم بالتكاليف التي كلف بها، فالآية تمنع من الاغترار، قد تظن أنك أديت ما عليك، فالآية تقول: لا تظن هذا الظن، فإنك لم تقم بالتكاليف التي كلفت بها والأوامر التي أمرت بها، ولم تنته عن النواهي التي نهيت عنها.

стр. 1939

تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه .) ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس:٢٣-٢٧] هناك ربط قوي بين قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس:٢٤] ، وبين قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٨-١٩] ، فربط واضح غاية الوضوح، شق فرج المرأة فخرج منه الطفل، ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:٢١-٢٢] . وقال سبحانه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس:٢٤-٢٥] نزل الماء من السماء صباً على الأرض، كما أن المني دخل من الرجل على فرج المرأة. ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس:٢٦] كما انشقت الأرض وأنبتت النبات، ففرج المرأة فتح وخرج منه الطفل. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٢٧-٣١] أشكال وأصناف من النباتات، كذلك خرجت من الفروج أشكال وأصناف من البشر؛ القوي والضعيف، والدميم والجميل، والذكي والغبي، والأحمر والأبيض والأسود، وذو العين الزرقاء، وذو العين الخضراء، وذو العين السمراء، أشكال وألوان لا يعلمها إلا الله، كما خرجت من الأرض هذه الأصناف من النباتات. ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس:٢٦-٢٧] والحب: الحنطة والشعير ونحوه ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس:٢٧-٢٨] القضب هو: البرسيم. ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس:٣٠] والأغلب هو: غليظ الرقبة، فالشجرة الغلباء هي الشجرة غليظة الجذع، ومنه قول الفرزدق يهجو جريراً. عوى فأثار أغلب ضيضمياً فويل ابن المراغة ما استثارا فالأغلب هو الغليظ، ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس:٣٠] أي: حدائق ذات أشكال غليظة، وأطلق على الحديقة حديقة لإحداقها بمن فيها، فلا يكاد يرى، أحدقت بهم الأشجار، أو أحدق الناس بالعدو أي: حاصروه والتفوا حوله ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس:٣٠] . ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] الأب توقف بعض العلماء في تفسيره وبيان المراد به، فكان عمر ينقش بعصاه في وسط أصحابه على الأرض، وقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] فقال: (أما الفاكهة فقد عرفناها، أما الأب فما هو؟ ثم انطلق وقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر، ولم يفسرها رضي الله تعالى عنه) . ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] من العلماء من قال: إن الأب هو ما يأكله الحيوان لاقترانه بالفاكهة، ولقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٣٢] . ونرجع قليلاً إلى الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١] فكذلك النبات، تخرج كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤] ، ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد:٢٠] .

стр. 1940

تفسير قوله تعالى: (فإذا جاءت الصاخة .) يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس:٣٣] والصاخة: اسم من أسماء القيامة، وهي التي تصخ أسماع الناس، أي: تصيبهم بالصمم ولكن لا يصموا؛ لأن الله أراد لهم أن يسمعوا، فصوتها يصم أهل الدنيا لو كانوا يسمعون، لكن تأتيتهم الصاخة فيسمعون الصوت، والآذان كما هي تستمع أيضاً أشد وأشد. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس:٣٤] وقد أسلفنا في محاضرات سابقة لماذا يفر المرء من أخيه؟ لثلاثة أمور: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] ، ولعدم مطالبته له بحقوقه: يا رب لي حق عند هذا، وخوف الفضيحة فقد كان مستوراً أمام إخوانه في الدنيا، وفضح في الآخرة فيخشى أن يرى، هذا قول والله أعلم. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٧] قالت أم المؤمنين عائشة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عندما ذكر النبي ﷺ حديث: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده، ألا إن أول الخلائق يؤتى هو إبراهيم ﷺ ، ألا إنه يؤتى برجال من أمتي -أو بأقوام من أمتي- فيؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال إلى أن قالت: عائشة -: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر أشد من ذلك) الله يقول: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] . ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨] أسفر الصبح إذا طلع. ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٩] وجوه أهل الإيمان كوجوه قد أشرقت وأضاءت وابيضت كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ﴾ [آل عمران:١٠٦] ابيضت من آثار الوضوء، وقبل ذلك ابيضت بإيمانها بالله لم يرهقها قتر ولا ذلة كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٦] . فمن أراد أن يبيض وجهه ويزداد بياضاً يوم القيامة فعليه بأمور بعد الإيمان بالله والوضوء، من هذه الأمور: الإكثار من حمل سنة النبي ﷺ وتبليغها الناس، قال النبي ﷺ : (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها) فالذي يحفظ حديث النبي ﷺ حفظاً متقناً ويؤديه للناس فيبلغه للناس تحل عليه بركة دعوة رسول الله ﷺ أي: أن حفظ سنة النبي ﷺ سبب في بياض الوجوه. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨-٣٩] هؤلاء الذين كانوا خائفين في الدنيا، وكانوا وجلين في الدنيا من لقاء الله سبحانه، ومن القبر وظلماته، ومن هول المطلع يوم القيامة، لم يجمع الله عليهم خوفين، بل كما قال تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] بعد أن كانوا في الدنيا يؤذون، ويسخر بهم ويسخر منهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] ، ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤] فأهل الإيمان يضحكون يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس:٣٨-٤٠] أي: علاها الغبار والتراب، هي أصلها سوداء يوم القيامة، ومع ذلك تعلوها الغبرة، كما قال تعالى: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم:٤٣] ومع أنها يعلوها الذل يعلوها أيضاً الغبار. يقول الله سبحانه: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا﴾ [عبس:٤٠-٤١] أي: تعلوها ﴿قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٤١] أي: ذلة ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٤٢] والعياذ بالله. بهذا ينتهي تفسير سورة عبس، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما فيها، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 1941

الأسئلة

стр. 1942

حكم رد المرأة لمن به عيب خلقي السؤال هل يجوز لأخت أن ترفض أخاً نحسبه على خير من أجل أن فيه عيباً خلقياً؟ الجواب نعم، يجوز لها ذلك، فالمرأة تريد من الرجل كما يريد الرجل من المرأة، وتحب من الرجل كما يحب الرجل من المرأة، فإذا لم تكن نفسها منشرحة للرجل ستقصر في أداء الحقوق إليه، ومن ثم يلحقها الإثم. وعلى عهد النبي ﷺ جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله! ما أعيب على ثابت في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام ... ) وردت في بعض الأسانيد التي فيها كلام أنها كانت تبغضه بغضاً شديداً لهيئته، حتى إنه جاء في بعض الروايات وإن كان في إسنادها بعض الكلام أنها قالت: لولا مخافة الله إذا دخل عليّ لبصقت في وجهه. فعندما جاءت إلى الرسول ﵊ قال لها: (أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ... ) . أما من ناحية الجواز فجائز. وفي هذا المقام نذكر أن حديث: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) هو حديث منازع في صحته، وكل أسانيده التي وقفت عليها ضعيفة، خاصة الزيادة الملحقة: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) من العلماء من حسنه أو صححه لكن كل طرقه واهية. ويشهد لوهاء المعنى وضعف المعنى أن فاطمة بنت قيس جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: (إن معاوية وأبا الجهم خطباني يا رسول الله) ، فاختار لها الرسول شخصاً ثالثاً غيرهما وهو أسامة بن زيد، مع أن أسامة لم يكن قد خطبها في من خطب، وورد عند النسائي بسند رجاله ثقات -إلا أن في إسناده- علي بن الحسين بن واقد يقول الإمام أحمد: في أحاديثه بعض الزيادات لا أدري أيش هي، لكن أحمد وثقه-: (أن أبا بكر تقدم لـ فاطمة فقال النبي: إنها صغيرة، ثم تقدم لها عمر فقال النبي: إنها صغيرة، ثم تقدم لها علي فزوجها إياه) ﵃ أجمعين. فإن قال قائل: إن رسول الله تزوج عائشة، فنقول له: للرسول وضع خاص ﷺ . فالشاهد: يجوز للمرأة أن ترد الرجل لعيب خلقي فيه، إذ لا دليل يوجب عليها أن تقبل كل من تقدم لها.

стр. 1943

ضوابط الهجر لأهل المعاصي السؤال لنا إخوة يشربون الدخان، وأحدثوا فتنة بين الناس، هل يجوز لنا هجرهم في الله؟ الجواب من ناحية الجواز يجوز أن تهجرهم في الله، لكن الأمر في شأنهم مبني على مسألة المفسدة والمصلحة، إذا كنت تطمع أنك إذا امتنعت من إلقاء السلام عليهم رجعوا إلى الحق وفكروا فيما هم عليه، فاترك السلام عليهم، وإذا كنت ترى أن امتناعك من إلقاء السلام عليهم سيسبب مفسدة أعظم وأنهم بدل أن يشربوا الدخان سيشربون الخمر، فالله لا يحب الفساد، فاجعل بينك وبينهم خيوطاً لعل الله أن يهديهم، فالأمر مبني على المفسدة والمصلحة.

стр. 1944

حكم الدم الذي يكون بعد النفاس السؤال بعد انقضاء مدة النفاس أربعين يوماً وتطهري من ذلك يوجد بعض النقاط من الدماء بين الحين والآخر، فهل يعتبر ذلك استحاضة، وماذا أفعل لكي أقوم بالصلاة والواجبات الشرعية المكلفة بها؟ الجواب الجمهور يقولون: بعد انقضاء الأربعين يوماً الدم الناتج بعد ذلك تغتسل منه وتصلي، ومن أهل العلم من يقول: ينظر إلى الدم إذا كانت المرأة متأكدة غاية التأكد أنه دم نفاس استمرت حتى تطهر منه. لكن الذي يحدث أن بعض النساء موسوسات، فتقوم وتدخل إصبعها في الفرج وتعبث بنفسها حتى تخرج لها قطرة دم فيشوش عليها الشيطان وتترك الصلاة، وهذا يمكن أن يحدث بعد انقضاء الأربعين بأسبوع، وإذا كانت ممن يميزن جيداً دم النفاس عن دم الاستحاضة، فعليها أن تبني على تمييزها، أما إذا كان الدم دم نفاس فلا تصلي ولا تصوم إلا إذا انتهى الدم، وإذا كان غير ذلك فلتأخذ برأي الجمهور القائلين: بأن أقصى مدة للنفاس أربعين يوماً، والله أعلم.

стр. 1945

حكم استماع النساء لشرائط العرس التي تكون بالدف وبأصوات الرجال السؤال ما حكم تشغيل شرائط العرس التي بالدف للرجال في عرس النساء؟ الجواب إذا لم يكن هناك من الأخوات من تغني لها، لكن إذا كانت أصوات الرجال فتنة بالنسبة للنساء فلا يشرع ذلك، أما إذا كانت خالية من الفتنة فحينئذٍ يتنزل حديث عائشة: (ماذا كان معكم من اللهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو) ويستأنس للفتية بقول النبي ﷺ الذي أخرجه البخاري في صحيحه: (ويحك يا أنجشة، رفقاً بالقوارير) فـ أنجشة كان يغني والنساء كن يسمعن صوت أنجشة، وكانت الإبل تسرع، فخشي النبي على النساء من السقوط، فيستأنس بهذا على الجواز مع حديث: (ماذا كان معكم من اللهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو) . وأصلي وأسلم على نبينا محمد.

стр. 1946

تفسير سورة التكوير من أراد أن يعلم بالحوادث التي تكون يوم القيامة فليقرأ سورة التكوير، ففي بداية هذه السورة ذكر للأهوال العظيمة التي تصيب المخلوقات في ذلك اليوم العظيم، وفي ختامها إثبات لنبوة النبي ﷺ ، ووصف جبريل ﵇ بالقوة والأمانة، ووصف القرآن بأنه ذكر لمن شاء الهداية والاستقامة، ومشيئة العباد تحت مشيئة الله.

стр. 1947

تفسير قوله تعالى: (إذا الشمس كورت .) باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: يقول الله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ، المعنى: تذكر يا محمد! واذكر هذا اليوم الذي فيه تكور الشمس، ومعنى (كُوِّرَتْ) لُفَّ بعضها على بعض، ومنه قولهم: كورت العمامة، أي: لفت العمامة، ومن العلماء من قال: ﴿كُوِّرَتْ﴾ : رُمي بها، ومنهم من قال: (كُوِّرَتْ) أي: ذهب ضوءها. والحقيقة أن هذه المعاني كلها يرجع بعضها إلى بعض، فإنها إذا كُوِّرَت ولُفَّت ذهب ضوءها، ثم يُرمى بها بعد ذلك. فمن العلماء من فسر ﴿كُوِّرَتْ) بالحادث الأول من أحوالها يوم القيامة وهو: اللف، ومنهم من فسره بالحادث الثاني، وهو: ذهاب الضوء، ومنهم من فسره بالحادث الثالث وهو: الرمي بها، لكن المعنى متآلف متناسق، فمعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أي: لُفَّ بعضها على بعض، فإذا لُفَّ بعضها على بعض فقد ذهب الضوء، ثم بعد ذلك رمي بها، قال النبي ﷺ -كما في البخاري -: (الشمس والقمر مكوَّران يوم القيامة) ، وفي رواية غير البخاري زيادة (ثوران) في هذا الحديث، هكذا: (الشمس والقمر ثوران -مثنى الثور- مكوران في النار يوم القيامة) . فإن قال قائل: لماذا تكون الشمس والقمر ثورين مكورين في النار يوم القيامة على ثبوت هذه اللفظة؟ فالإجابة: حتى يُعَذَّب بهما أتباعهما وعُبَّادهما، ففي الصحيحين: من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ينادي منادٍ يوم القيامة: لتَتْبع كلُّ أمة ما كانت تعبد، فيَتْبع أهلُ الصليب الصليبَ، ويَتْبع أهلُ الأوثان الأوثانَ، ويَتْبع كلُّ قوم آلهتَهم التي كانوا يعبدونها) ، وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (ينادي منادٍ يوم القيامة: لتَتْبع كلُّ أمة ما كانت تعبد، فيَتْبع مَن كان يعبد الشمس الشمسَ، ويَتْبع مَن كان يعبد القمر القمرَ، ويَتْبع مَن كان يعبد الطواغيت الطواغيتَ) ، إذاً: فتكون الشمس في النار حتى يُعَذَّب بها عُبَّادها كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢-٢٣] ، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] ، هذا قول. وورد عن أبي بن كعب ﵁ بإسناد موقوف عليه، وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، قال: (بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس! أي: اختفى ضوء الشمس فجأة- فبينما هم على ذلك إذ تناثرت النجوم! فبينما هم على ذلك إذ سقطت الجبال، وفزعت الجن إلى الإنس، وفزعت الإنس إلى الجن! وبينما هم على ذلك إذ خرجت الوحوش! وقالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر، فذهبت الجن تلتمس الأخبار من البحر، فإذا البحر قد أُجِّج ناراً! -أي: اشتعل البحر ناراً- فبَيْنا هم على ذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السفلى ... ) والأثر طويل، وهو موقوف على أبي بن كعب ﵁، وإسناده إليه حسن. ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢] أي: تساقطت، وقال فريق: تناثرت، وقال فريق: الانكدار: من الكدرة، أي: كدرة غطت على ضوئها حتى ذهب ضوءُها. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] أي: أزيحت عن أماكنها. وهذه كلها أحوال الساعة، الشمس يذهب ضوءُها ويُرمى بها، والنجوم تتساقط على الأرض، فقول بعض الفلكيين: كوكب كذا يريد أن يسقط على الأرض، فهذا من الخزعبلات، وإذا نزل الكوكب على الأرض فإن الأرض تكون قد انتهت، وقامت الساعة؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥] .

стр. 1948

تفسير قوله تعالى: (وإذا العشار عطلت .) ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ﴾ [التكوير:٤] : العشار هي: النوق الحوامل في شهرها العاشر، وقد كانت العرب تحتفي بها وتهتم بها، وهذه الإبل من أنفس أموال العرب، ولذلك يضرب بها المثل كثيراً كما في قول النبي ﷺ : (لَأَن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النَّعم) ، وقوله: (لَأَن يجلس أحدكم في المسجد يقرأ آية، خير له من ناقة) ؛ فالإبل أو النوق كانت من أنفس الأموال عند العرب، فيُمَثَّل بها، يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ﴾ : الإبل الحوامل، ﴿عُطِّلَتْ﴾ يعني: أهملها أهلها، فلم يلتفتوا لها؛ وذلك لانشغالهم بما هو أدهى وما هو أمر، فانشغلوا بأحوال الساعة عن أنفس الأموال وأحب الأموال إليهم وهي العشار من الإبل. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] : (حشرت) : للعلماء فيها قولان مشهوران: القول الأول: أن (حُشرت) معناها: جُمعت، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: جُمعت الوحوش، فالحشر هو الجمع، ومنه أطلق على يوم القيامة: يوم الحشر. القول الثاني: أن (حُشرت) معناها: ماتت. والقول الأول تشهد له الأدلة، والقائلون بالقول الثاني قالوا: إن الوحوش لا حساب عليها، وإنما تموت ولا يبقى لها أثر، والدليل على صحة القول الأول قول النبي ﷺ : (لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) أي: الشاة التي ليس لها قرون تقتص من الشاة التي لها قرون!! وقال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] أي: يُجمعون، وهذا هو القول المختار في (حُشرت) أي: جُمعت.

стр. 1949

تفسير قوله تعالى: (وإذا البحار سجرت .) ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] : للعلماء في تسجير البحار أقوال: القول الأول: ما تقدم عن أبي: أن ﴿سُجِّرَتْ﴾ : اشتعلت ناراً، فالبحار التي أمامكم تتحوَّل إلى نار، وقد ورد أثر عن علي أنه سأل يهودياً: (أين النار؟ فأشار إلى البحر وقال: هذا، فقال علي ﵁: ما أراه إلا صادقاً؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦] ) ، أي: الملتهب، ومنه ما في قصة كعب بن مالك لما أتته رسالة من أحد ملوك غسان قبل توبة الله عنه، قال: (فسجرتُها في التنور) ، سجرتُها أي: حرقتها في التنور، وألقيت بها كي تحترق في التنور، ومن العلماء من قال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ باعتبار ما سيئول إليه أمر البحر، إذ هو الآن المصدر للماء، وبعد ذلك سيكون مصدراً للنيران، فيكون ناراً، وقد ورد في الباب أثر: (إن تحت البحر ناراً تتأجج) لكن يُنظر فيه. القول الثاني: (سُجرت) أي: اختلط عذبها بمالحها، فالبحار الآن بينها وبين الماء العذب برزخ كما قال سبحانه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩-٢٠] ، فمن أشراط الساعة على هذا القول أن يختلط العذب بالمالح. القول الثالث: (سُجرت) بمعنى: فُجرت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:٣] . القول الرابع: بمعنى: فاضت. وكل الأقوال السابقة محتمَلة. ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير:٧] : تزويج النفوس معناه: اقتران النفوس، فكل نفس تقرن بأشكالها، يقرن أهل الكفر بعضهم ببعض على حسب طوائفهم، وقد ذكرنا أنه يتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، ويتبع من كان يعبد الصليب الصليب، ويتبع من كان يعبد وثناً الوثن الذي كان يعبده، فقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي: قرنت بأشكالها وأمثالها وأضرابها، كما قال سبحانه عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨] ، فكل طائفة تقرن بأشكالها، وهذا هو المراد بالتزويج، ومن العلماء من قال: زوجت كل نفس بقرينها وشيطانها كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان:١٣] ، من العلماء من قال: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي: كل شيطان مع قرينه من الإنس الذي كان في الدنيا قرينه، وهذا قولٌ ثانٍ، والله أعلم.

стр. 1950

تفسير قوله تعالى: (وإذا الموءودة سئلت) ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨] : الموءودة هي: المدفونة حيةً في الصغر، وكان أهل الجاهلية يئدون البنات خشية العار على زعمهم، ويقولون: إنه لا نفع في البنت -عياذاً بالله من ذلك- روى البخاري في الأدب المفرد ما حاصله: أن رجلاً جاء إلى ابن عباس وقال: يا ابن عباس! إني أذنبت ذنباً عظيماً وجئت أستفتيك، قال: ما هو؟ قال: كانت لي امرأة فولدت لي جاريةً حسناء جميلة، فأردت أن أئدها عند مولدها، ثم تركتها حتى شبت شباباً حسناً، وهي جميلة فقلت لأمها ذات يوم: ألبسيها ثوباً جميلاً، فألبستها ثوباً جميلاً؛ لكنها رأت في وجهي الشر، فاستحلفتني ألَّا أفعل بها شيئاً مكروهاً، فوعدتها خيراً ثم أخذتها وانصرفت، فلما انصرفت وابتعدت عن عين أمها جئت إلى شفير بئر لأقذفها في البئر، فقالت: يا أبي! -وتعلقت بثيابي- ماذا تريد أن تفعل بي؟ فأخذتني الشفقة فتركتها، ثم تذكرت العار، فقمت لأقذفها، فتعلقت بي ثانيةً وقالت: يا أبتِ! ماذا تريد أن تصنع بي؟ فتركتها، ثم تحاملت على نفسي وقذفتها في البئر وأتبعتها الحجارة، فهل لي من توبة؟! إلخ الأثر، فكان أهل الجاهلية يئدون البنات، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] أي: ممتلئاً غماً وحزناً وهماً ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٩] ، وكان أحدهم يعتزل امرأته الشهور إذا ولدت بنتاً، حتى قالت امرأة شعراً: ما لـ أبي حمزة لا يأتينا؟! حزينَ ألَّا نلد البنينا! وهل لنا من أمرنا ما شينا؟! إنما نحن وعاء لما أُعطينا فكان دأبهم هجران المرأة إذا ولدت بنتاً، وللأسف هذا موجود في أوساط المسلمين الآن، حتى بين بعض الملتحين، والله يقول: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ [النساء:١١] ، ويقول النبي ﷺ : (من عال جاريتين حتى تبلغا، كنت أنا وهو كهاتين، وفرَّج النبي ﷺ بين إصبعيه) ، وأتت امرأة إلى عائشة ومعها ابنتان لها تسألها الصدقة، فلم تجد عائشة إلا تمرة، فأعطتها إياها، فقسمت المرأة التمرة بين ابنتيها، فأخبرت عائشة رسول الله ﷺ بذلك، فقال: (إن الله قد أوجب لها بذلك الجنة!) . فإن قال قائل: إذا كانوا يئدون البنات فمن أين كانوا يتزوجون؟ فالإجابة: منهم من كان لا يئد البنات، وكان في قلبه بعض الرحمة، كـ زيد بن عمرو بن نفيل وقد كان مسلماً، وبذلك افتخر الفرزدق على جرير فقال: وجدي الذي أحيا الويئدة ومنع الوئيد فلم يوأد فكان يذهب إلى الرجل الذي ولدت امرأته بنتاً فيقول له: أعطني البنت، فيأخذها ويربيها، فإذا كبرت جاء بها إلى أبيها وقال: إن شئت أن تأخذ ابنتك أخذتَها، وإن شئت أن تزوجها زوجتَها، فمثل هذا يُفتخر به. كلنا يعلم أن فاطمة بنت رسول الله خيرٌ من ملء الأرض من مثل ابن نوح، وهي أنثى وهو ذكر، لكنه من الكافرين، وهي سيدة نساء أهل الجنة، وكم من ذكر أرهق أبويه طغياناً وكفراً! ولماذا تُسأل الموءودة؟ الموءودة تُسأل لتبكيت والدها، فتُسأل الموءودة: لماذا وُئدتِ يا موءودة؟! وليس المراد توجيه السؤال إلى الموءودة بالدرجة الأولى؛ ولكنها تُسأل لتبكيت من وأدها، فيتوجه اللوم والتعيير إليه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] وليس المراد بهذا السؤال عيسى بالدرجة الأولى، فالله يعلم أنه ما قال ذلك، ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١] ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الفرقان:١٧-١٨]-غمرتهم بالنعم حتى كفروا- ﴿حتى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾ [الفرقان:١٨] فيرجع الخطاب إلى الكفار: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان:١٩] يا أيها الكفرة! هذه آلهتكم التي عبدتموها كذبتكم ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً﴾ [الفرقان:١٩]-أي: صرف العذاب- ﴿وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان:١٩] . فالموءودة تُسأل لتبكيت القاتل، ومن العلماء من قرأها: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سَألَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨-٩] قراءة شاذة، وتفسيره مبني على هذه القراءة؛ لكنه وجه ضعيف، ويشهد له حديث النبي ﵊: (يأتي المقتول يوم القيامة، وهو يحمل رأسه آخذاً بتلابيب قاتله فيقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟) أو كما قال رسول الله ﷺ .

стр. 1951

تفسير قوله تعالى: (وإذا الصحف نشرت .) ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠] : تطايرت الصحف، والمراد بالصحف: صحف الأعمال، (نُشِرَتْ﴾ أي: فُتحت، ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً﴾ [الإسراء:١٣] أي: مفتوحاً، فصحيفة عملك -يا ابن آدم- مطوية الآن، تعمل العمل ولا يراك إلا الله، الصحف المطوية المستورة على ما فيها تتطاير يوم القيامة وتُفتح كما في حديث: (سيبعث الله رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة ثم ينشر له تسعةً وتسعين سجلاً) ، فـ ﴿نُشِرَتْ﴾ أي: فُتحت، والمراد بـ ﴿الصُّحُفُ﴾ : صحف الأعمال، و ﴿نُشِرَتْ﴾ أي: فُتحت. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:١١] : من الكشط أي: المحو والإزالة، السماء تُزال وتُكشط، ومن العلماء من قال: جُذبت وأزيلت عن مكانها، كما قال تعالى: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة:١٦-١٧] وقد أسلفنا أن الملائكة التي عليها تنزل وتقف على قطعها، فإن الأرجاء هي: القطع المتساقطة من السماء، ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] . ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير:١٢] : أُوقد عليها حتى اشتعلت والتهبت. ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير:١٣] أي: قُربت الجنة وأدنيت، ومنه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، ومنه قولك: فلان يتزلف إلى فلان، أي: يحاول أن يفعل الشيء الذي يتقرب به إليه. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤] : كل نفس تعلم الأعمال التي اكتسبتها واقترفتها في دنياها، كما قال سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] .

стр. 1952

تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس .) ثم قال الله سبحانه: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥] : الخنس هي: النجوم التي تخنس، ومنه قول أبي هريرة: (لقيت النبي ﷺ وأنا جنب فانخنست منه) أي: اختفيت منه، وتجنبته. الحديث. فأطلق على النجوم: (الخنس) لأنها تخنس، تختفي أو ترجع إلى أماكنها. ﴿الْجَوَارِ﴾ [التكوير:١٦] هي: التي تجري. ﴿الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٦] أي: التي تغيب وتستتر في بيوتها. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير:١٧] : من العلماء من قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: أدبر وذهب، وهذا القائل وضع الآيتين مقابل آيتين أخريين من سورة المدثر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:٣٣-٣٤] ، فهنا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٧-١٨] . فـ ﴿أَسْفَرَ﴾ بمعنى: تنفس، إذاً: ﴿أَدْبَرَ﴾ بمعنى: ﴿عَسْعَسَ﴾ . وهذا القول قول قوي، ومن العلماء من قال: ﴿عَسْعَسَ﴾ معناها: دخل وأقبل، واستدل أن الله أقسم بذلك فقال: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١-٢] فأقسم بالنهار، وأقسم بالليل إذا غطى وأظلم، فهي محتملة للمعنيين. ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٨] : فكلها آيات دالة على قدرة الله ، وإذا حاججت ملحداً فلياحجج بمثل هذه الأدلة، كما حاجج إبراهيمُ الجبار فقال له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ [البقرة:٢٥٨] إن كنت تزعم أنك إله ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] .

стр. 1953

تفسير قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم .) ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩] : من هو هذا الرسول الكريم؟ جماهير المفسرين على أن المراد به: جبريل ﷺ ، وسياق الآيات يدل على ذلك، ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير:٢٠] : أي: جبريل قوي، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠] : له مكانة عند الله . فجبريل ذو قوة، قال الله : ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٦] ، فالمرة هي: القوة، كما في حديث: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) ، فهو ذو قوة وذو مرة، وجبريل ﷺ له ستمائة جناح، قال النبي ﷺ : (رأيت جبريل على صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح) ، وتقدمت نماذج من قوة جبريل ﷺ . ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ : أي: له مكانة عند الله ، والله يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٠] يعني: له مكانة عند الله، والدليل على أن لجبريل مكانةً عند الله : قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوَّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * ﴿مَنْ كَانَ عَدُوَّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٩٧-٩٨] ثم نص على جبريل ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] . ومن الأدلة على ذلك: أن النبي ﷺ قال -كما في الصحيحين-: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريلَ: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريلُ: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه) وهذا يدل على مكانة جبريل ﷺ عند الله . ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قال الله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] ، فـ ﴿مَكِينٍ﴾ أي: ذو مكانة. ﴿مُطَاعٍ﴾ : في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة. ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: مطاع هناك. ﴿ثَمَّ﴾ أي: هناك. (مُطَاعٍ ثَمَّ) أي: جبريل ﵊ مطاع في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة، كما في الحديث أنه يقول: (إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فتحبه الملائكة) . ﴿أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١] : أمين على الوحي، لا كما يقول الشيعة السفلة القذَرة: إن جبريل خان ونزل بالرسالة على محمد ﵊، وكان اللائق أن تنزل على علي، ويضربون خدودهم ويشقون جيوبهم قائلين: خان الأمين، خان الأمين، وإنه لعجبٌ أن يوصف الأمين بأنه خائن! كيف يلتئم هذا؟! فرب العزة يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٥] ، فمن خزعبلات الشيعة هذه المقولات الكاذبة التي لا تروج إلا على سفيه مثلهم. واعلموا أن الشيعة يمارسون أعمالهم في أوساط ضالة، مثل جماعة التكفير والهجرة التي لا تقر بتراث السلف وتقول: الصحابة رجال ونحن رجال، فيعبثون بهم كما شاءوا، أو يبثون أفكارهم في اليساريين الذين يطعنون في الكتاب والسنة أصلاً، إذ هم أهل شك وزندقة مثلهم، وهذا الصنف الثاني يسمونهم الثوريين، والشيعة تحمل شعار الثورة، أو في الأوساط المتصوفة. وهذه خطط أعمالهم، فيعملون في ثلاثة أوساط: الوسط الصوفي، تحت ستار محبة آل بيت رسول الله ﷺ . الوسط البدعي الذي لا يقر بالتراث ولا يقر بـ البخاري ولا بـ مسلم، ويقول: نحن رجال والصحابة رجال، وينزل نفسه منزلة الصحابة، وهم أوساط التكفير والهجرة. الوسط اليساري الشيوعي الذي تتبناه جريدة: روز اليوسف، ونحوها، فمثل هذه الأوساط يعبث فيها الشيعة. قال : (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين﴾ [التكوير:٢٠-٢١] وأمين على الوحي، كما قال الله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٥] وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل:١٠٢] فالقرآن محفوظ، نزل به أمين -وهو جبريل- على أمين وهو محمد ﷺ ، وهو لا يشبه الباطل، ولا يستطيع الشيطان المساس به، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت:٤١-٤٢] أي: الشيطان على قول، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .

стр. 1954

تفسير قوله تعالى: (وما صاحبكم بمجنون .) ثم جاء الكلام على صاحبنا ورسولنا محمد ﷺ فقال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] : يا قرشيون! يا من اتهمتم نبيكم أنه مجنون! ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ بل قد نزل بالوحي أمين على نبي عاقل بل هو أعقل الخلق ﵊، ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ انتقل الخطاب إلى المشركين، وصاحبهم هو: رسول الله ﷺ . ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ كما ادعيتم. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] من رأى مَن؟ النبي ﷺ رأى جبريل ﵊. وما معنى (الأفق) ؟ وما معنى (المبين) ؟ (الأفق) هو: الاتجاه المستعرض المرتفع نحو مشرق الشمس. و (المبين) هو: المظهِر والموضح للأشياء، فالمكان المرتفع المستعرض اتجاه شروق الشمس هو: الأفق، فـ (الأفق المبين) أي: الأفق المظهِر والموضِّح للأشياء. فالرسول ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح، ورآه بالأفق في وقت تبين فيه الأشياء وتتضح فيه الأشياء؛ لأن هذا شأن أهل الخير، لا يأتيهم الخير في الظلام كأهل الشر والشياطين، نحو ما أورده بعض العلماء عن مسيلمة أنه سئل: كيف يأتيك الوحي -وهو وحي الشياطين-؟ قال: في ليلة ظلماء شديدة الظلمة؛ لأن الشياطين في الظلام تنتشر وتمارس كل ما تخفيه من تلبيس، ولهذا يستعيذ أهل الإسلام من شر الغاسق إذا وقب وهو: الليل إذا دخل أو القمر إذا دخل، والقمر من علامات دخول الليل؛ لأنه في الليل تبدأ الشياطين بأعمالها، ويبدأ شياطين الإنس وشياطين الجن في الانتشار ليلاً؛ ولذلك نادراً أن تجد أهل الشر والفساد يرتكبون حادثةً في الضحى؛ إنما الجرائم والسطو واللصوصية والاغتيالات والقتل أغلبه يكون في الليل، ففي الضحى الشياطين تكاد تبتعد؛ لأن عملها في الظلام، ورب العزة قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] والفلق المراد به: الصبح، ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٢-٣] لأن وقت الغاسق إذا وقب تبدأ الشياطين بالانتشار كما قال الرسول ﷺ : (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ) ، ومن ثَمَّ لما قال فرعون لموسى: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوىً * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً﴾ [طه:٥٨-٥٩] لأنه ستكون الأمور فيه واضحةً، ليس فيها تلبيسات ولا فيها شعوذة ولا فيها سحر ولا أي شيء، ولذلك أي ساحر وأي دجال يبدأ نشاطه في الليل، فتذهب -مثلاً- إلى المشعوذين الذين في كفر الأمير عبد الله بن سلام وهو مكان مظلم، ويأتون ببعض الخيالات والأوهام ليخدعوك بها، فيقول لك: انظر! فرس سيدنا علي يجري، وسيدنا علي راكب عليه! ويخدعون الناس السذج والعياذ بالله. فرب العزة يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ أي: رأى النبي ﷺ جبريلَ ﵊ بالأفق المظهِر للأشياء الموضِّح لها، فهو رأى رؤيا لا التباس فيها، ولا شك فيها، ولا يمكن لأحد أن يتشكل بصورته أو يقول: لعلك كنت في خيال، أو رأيت عفريتاً، أو كذا وكذا، لا أبداً، إنما ﴿رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ، رآه رؤية واضحة ﷺ .

стр. 1955

تفسير قوله تعالى: (وما هو على الغيب بظنين .) ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] : كثير من المفسرين قالوا: إنه محمد ﵊. وما هو (الغيب) ؟ قالوا: الغيب كل ما غاب عنا مما أمرنا أن نؤمن به، كالإيمان بالملائكة، والجنة والنار، وكل ما غاب عنا يدخل في عداد الغيب. فالرسول ﷺ ليس ﴿عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ . ويُستنبط من هذه الآية فائدة للدعاة إلى الله، فنبينا محمد ما هو ﴿عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) ومن العلماء من قال: (الضنين) : البخيل، يعني: الرسول ﵊ ليس ببخيل في تبليغه العلم الذي أرسله الله به، وأنت -مثلاً- كداعي أمة يمكن أن تكون لك معلومة لا تريد أن تظهرها؛ لأنك إذا أظهرتها ستتساوى مع الناس في العلم بها، ولا يكون لك فضل عليهم، فتحب أن تسرها في نفسك ولا تتكلم بها إلا عند موقف تظهر فيه -عياذاً بالله- علمك لتري الناس أنك أفضلهم، أما الرسول فليس هكذا أبداً، فما هو على الغيب ببخيل، بل يخبر بكل ما جاءه عن الله ، فجدير بكل حامل علم ألَّا يبخل بعلمه، ولا يضن بالعلم، فكما أنك تريد أن تصل إلى الجنة، فافتح لهم أبواب الخير التي توصلهم إلى الجنة. فإذا سئلت: ما هو وجه الاستفادة الدعوية من قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ؟ تقول: إنه ينبغي على الداعي إلى الله ألَّا يكون بخيلاً في تعليم الناس دينهم، وتعليم الناس ما ينفعهم، فنبينا محمد ﵊ كان بهذه المثابة، ليس بضنين على الغيب. والقول الآخر في قوله: ﴿بِضَنِينٍ﴾ أي: بمتهم، أي: أن النبي ﷺ ليس بمتهم بتزوير أو تحريف ما ينقله عن الله . القول الأول وجهه من قولك: ضن فلان بالشيء، أي: بخل به، وضن فلان أن يعطيني كذا أي: بخل أن يعطيني كذا وكذا. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير:٢٥] : تنقُّل من ضمير إلى ضمير إلى ضمير، فالله ذكر جبريل بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ، ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ، ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ﴾ انتقل الخطاب إلى القرآن، وهذه الانتقالات من العلماء من يسميها التلوين في الخطاب، أي: التغيير فيه، وهي تجذب نظر القارئ ونظر المتعلم ونظر المتدبر لكتاب الله . قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: وما القرآن، ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ . ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير:٢٦] : فكر يا مغفل! أنت يا جاهل! أين ذهب عقلك؟! ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ : بعقولكم؟! بعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] ، وبعضهم يقول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان:٤] ، وبعضهم يقول: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:٤٧] . عقولهم ناشفة!! ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٨] . فرب العزة يقول: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ : أي: أين تذهب بكم عقولكم عن هذا الكتاب؟

стр. 1956

تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين .) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧] أي: ما هذا القرآن إلا ذكر للعالمين. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] : لمن شاء أن يلتمس طريق الهداية. ثم تُختم السورة بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] : وهذا الختام ختام قاسٍ ولاذع على القدرية الذين يقولون: لا قدر، والشخص يختار لنفسه طريق الهداية إن شاء أو الغواية إن شاء، وهذا قول مردود، فإن الله قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:١٠٠] ، وقال أهل الإيمان: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] ، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] ، وفي كل صلاة نصليها نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٥] ، فرب العزة يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1957

الأسئلة

стр. 1958

كيفية إزالة النجاسة من الثوب إذا لم يمكن تحديد موضعها السؤال قد يتعرض الفراش الذي أنام عليه إلى بعض آثار الاحتلام ولا أستطيع أن أحدد مكان النجاسة، وكذلك ملبسي الداخلي ببعض آثار المذي ولا أستطيع تحديد مكان النجاسة، فكيف يكون التطهر؟ الجواب إذا كان المَنِي يابساً فافركه، افرك المكان؛ لأنه يُرى، وإذا تأكدت أن هناك منياً لكن لا تستطيع تحديد مكانه فاغسله، والغالب أنه يُحدد لأنه يُرى أثره، لكن خذ بالاحتياط - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]- فاغسله، والمَنِي عند عدد من أهل العلم طاهر؛ لقول عائشة: (كنت أفرك المني من ثوب النبي ﷺ ، والله أعلم، أما المذي فيجب أن يُغسل؛ لأن المذي نجس، والله سبحانه أعلم.

стр. 1959

هل بول النبي نجس ؟ السؤال سمعت أحد الناس يقول: إن الدم نجس إلا دم الرسول ﷺ وبوله وغائطه، وقال: وقد شربت امرأة بول الرسول ﷺ ! فما رأيكم؟ الجواب نعم، شربت امرأة بول الرسول ﷺ ؛ لكنها -على ما يظهر من سياق القصة- ما تعمدت شرب البول، وإنما وجدت تحت السرير إناءً كان يبول فيه الرسول، فشربت منه ظناً أنه ماء، وهذه المرأة هي: أم أيمن ﵂، لكن هل بول الرسول غير نجس؟ لا، بل بوله نجس، وكون امرأة شربت بول الرسول لا يدل على طهارة بول الرسول، فإن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] ، فالرسول بشر كسائر البشر إلا ما استُثني بالدليل، مثلاً: (تنام عيناي، ولا ينام قلبي) ، وقوله: (إني لست كهيئتكم، إني أواصل فيطعمني ربي ويسقيني) ، فهو بشر إلَّا ما استثني بالدليل، فنصير مع الدليل، أما الباقي فالرسول بشر صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1960

وصية حامل مفاتيح المسجد النبوي السؤال هذه الوصية التي من المدينة المنورة، من الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم الرسول! هل هي صحيحة؟ الجواب كل سنة تطلع هذه الورقة! ويقول لك: لابد أن توزعها، والذي لا يوزعها بيته سيُخرب أو يصاب ببلية، نحن نقطعها أمام الأشهاد، والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] .

стр. 1961

تلقين الخطيب للمستمعين التوبة السؤال هل يجوز أن يقول الإمام في خطبة الجمعة: قولوا جميعاً: تبنا إلى الله، وعزمنا على ألَّا نعود إلى ارتكاب المعاصي والذنوب أبداً، وندمنا على ما فعلنا؟ الجواب هذه اللهجة يكررها الناس في خطب الجُمع، وللأسف أن بعض الذين يقولونها أصحاب لحىً، فيظن الناس أن هذه سنة، وهي بعيدة عن سنة الرسول ﷺ ، ولا أعلم أن الرسول قالها قط، على الإطلاق، وديننا دين الإسلام فيه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] . تفشى في أذهان بعض الناس أنه إذا أذنب أحد ذنباً يقول: أذهب إلى الشيخ يتوِّبني!! من الذي قال لك: الشيخ يتوِّبك؟! باب التوبة مفتوح بينك وبين الله ، هذه الخرافات اتركها وراء ظهرك، واعلم أن ربك قريب كما قال عن نفسه ذلك، أما صيغ التتويب الجماعي: تبنا إلى الله تبنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا وندمنا على ما فعلنا، وبرئنا وبرئنا، كل هذه من البدع، الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] ، ومعنى: ﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ هنا هم المعتدون في الدعاء. والاعتداء له صور: فقد يكون الاعتداء بالتحليل والتحريم: قال الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧] ، والمعتدون هنا هم المعتدون في التحليل والتحريم، فهناك: معتدون في التحليل والتحريم. ومعتدون في الدعاء، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ، هم المعتدون في الدعاء.

стр. 1962

هل قنوت الفجر من الاعتداء في الدعاء ؟ السؤال هل قنوت الفجر من الاعتداء في الدعاء؟ الجواب لا، وردت في ذلك نصوص مرفوعة، فالمسألة محل اجتهادات فقهية، فقد ورد أن الرسول ﷺ قنت في الفجر، فمن الصحابة من رأى مشروعية الاستمرار عليه، ومنهم من رأى أن الشخص لا يستمر عليه، فهي مسألة اجتهادية، ولا يدخل ذلك في الاعتداء في الدعاء.

стр. 1963

حكم قنوت الفجر السؤال ما قولكم في القنوت في الفجر؟ الجواب نحن فصلنا القول فيه مراراً، فإن العلماء لهم فيه ثلاثة أقوال، ومن النصائح لطالب العلم: احرص على أن تكون مستمعاً أكثر منك متكلماً، إذا كان المتكلم يعرف أكثر منك قليلاً، فالعلماء لهم ثلاثة أقوال أو أربعة أقوال في هذه المسألة: قولٌ بأن القنوت في صلاة الفجر مستحب، وهو قول الإمام الشافعي وأصحابه. وبعضهم أوصله إلى الوجوب؛ لحديث البراء: (كان النبي يقنت في الفجر) . وبعضهم قال: لا يجوز، والله أعلم. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1964

تفسير سورة الانفطار يصور الله سبحانه أهوال يوم القيامة في أول سورة الانفطار، وأن هذا الكون يتغير ويتحول إلى شيء آخر، وعند ذلك يعلم العبد مجيء يوم القيامة، وموعد الحساب على كل صغيرة وكبيرة، وما يئول إليه حال الناس من انقسامهم إلى فسطاطين: فسطاط نعيم وهم الأبرار، وفسطاط جحيم وهم الفجار من الكفرة والمنافقين، ثم يكون الأمر بيد الله سبحانه، فمن شاء رحمه، ومن شاء عذبه.

стр. 1965

تفسير قوله تعالى: (إذا السماء انفطرت .) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فنتناول سورة الانفطار والمطففين بالتفسير، والله المستعان: يقول الله : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١] من العلماء من قدر محذوفاً وهو: واذكر أيها الإنسان إذا السماء انفطرت، أي: واذكر أيها الإنسان وقت انفطار السماء. ومعنى انفطرت أي: تشققت، ومنه قول الصحابي أن النبي ﷺ : (قام يصلي من الليل حتى تفطرت قدماه) أي: تشققت قدماه، وقوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل:١٨] أي: متشقق. فالانفطار المراد به: التشقق، فـ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ أي: إذا السماء تشققت، ولماذا تتشقق السماء؟ قال بعض أهل العلم: تتشقق السماء لنزول الملائكة، كما قال الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥] فلا تتشقق حتى تنزل الملائكة منها، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] فهذا هو سبب انفطار السماء عند بعض العلماء. وبعضهم قال: انفطارها لأمر الله، ومن علامات الساعة الكبرى. ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:٢] انتثرت معناها: تساقطت، يعني: السماء تتشقق، والكواكب يرمى بها وتتساقط على الأرض. فتخيل أن كوكباً مثلاً في حجم الأرض أو كما يقول المختصون بهذه الأمور الآن أضعاف أضعاف حجم الأرض كلها تنتثر! ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:٢] . ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:٣] من العلماء من قال: (فجرت) أي: ملئت وفاضت. ومنهم من قال: إن معنى (فجرت) : اختلط عذبها بمالحها كما أسلفنا في سورة التكوير أن البحر بينه وبين العذب برزخ كما قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:٢٠] فإذا كان يوم القيامة اختلط العذب بالمالح والمالح بالعذب. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:٤] أي: أثيرت وقلبت واستخرج من فيها.
следующие страницы →