Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
حكم التكافل الاجتماعي
السؤال
هل التكافل الاجتماعي حرام أم حلال؟
الجواب
إذا كنت تقصد التكافل الاجتماعي الذي أسسه من سنة الرسول ﷺ ومن كتاب الله ، يعني (مثل المؤمنين في توادهم وتراحهمم كمثل الجسد) ، (المؤمن أخو المؤمن) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] (يرحم الله الأشعريين كانوا إذا أرملوا في الغزو جمعوا أزوادهم) كل واحد يحضر الأكل الذي معه ويأكلون جميعاً، فله أسس كثيرة جداً، لكن إذا كنت تقصد صورة معينة فاسأل عن الصورة المعينة.
стр. 1997
مشروعية التوسط عند اتخاذ السترة للصلاة
السؤال
هل عند اتخاذ سترة يراعى ألا أتوسط هذه السترة؟
الجواب
هناك حديث فيه النهي عن تعمد ذلك، يعني تقف أمام السترة مباشرة ولا تنحرف يميناً أو يساراً، لكن الحديث لا يثبت، فقف أمام السترة حيث تيسر لك.
стр. 1998
القول في كتاب: إحياء علوم الدين
السؤال
ما القول في كتاب إحياء علوم الدين؟
الجواب
كتاب إحياء علوم الدين القول المجمل فيه أن مؤلفه حاطب ليل؛ لأن الشخص الذي يجمع حطباً في الليل يمكن أن يجمع حطباً ويكون في الحطب حيات وثعابين، ففيه أحاديث باطلة وموضوعة وفيه أشياء صحيحة.
стр. 1999
حكم زواج المرأة واحتجابها من أخيها من الرضاعة
السؤال
أخ أراد الزواج مني وله صلة قرابة قوية، ولكن تبين أنه أخ لي من الرضاعة، فهل أحتجب منه؟
الجواب
إذا كان أخاً لك من الرضاعة فيحرم عليك الزواج به، ويجوز له أن يراك، لكن إذا خشيت منه الفتنة فحينئذ تمتنعي منه ليس تحريماً ولكن درءاً للمفاسد، فالله لا يحب الفساد.
стр. 2000
الأشياء التي يجوز أن يراها والد الزوج من زوجة ابنه
السؤال
ما الذي يجوز للمرأة أن تظهره لوالد الزوج من المرأة؟
الجواب
يجوز أن تظهر ما يرى غالباً من المرأة، يعني مثلاً إن رأى والد الزوج شعرها جاز له، إن رأى أماكن الوضوء منها فلا بأس بذلك، وهذا رأي كثير من أهل العلم ونقله البيهقي رحمه الله تعالى في سننه بصفة عامة في شأن المحارم.
стр. 2001
حكم دخول العاقد على زوجته قبل إعلان البناء
السؤال
ما الفرق بين الخاطب والعاقد قبل إعلان البناء أمام الناس؟ وهل للعاقد جميع الحقوق الشرعية وأن الزوجة يجب عليها أن تنفذ جميع ما يطلبه؟
الجواب
لا، ليس كذلك، صحيح أن العاقد زوج شرعي، لكن البناء له وقت أيضاً ووقت مضبوط شرعاً، الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فكان هناك وقت واضح في البناء، والرسول ﵊ جاءت امرأة إليه فقالت:: (يا رسول الله إن رجلاً تزوج ابنتي وإنه يستحثني -يستعجل عليها لكي يبني بها- أفأصل شعرها) فالشاهد أنه كان هناك وقت معلوم في البناء، لا بأس أن يكون البناء بعد العقد مباشرة ولا خلاف في ذلك، لكن محل السؤال لو أن عاقداً ذهب إلى من عقد عليها في بيت أبيها وطلب منها أن يجامعها في بيت أبيها، هل يجب عليها أن تطيعه؟ طبعاً لا يجب عليها أن تطيعه؛ لأن البناء له وقت يشهر فيه الزواج، وعلى هذا سار أصحاب رسولنا محمد ﵊، ثم إنه أدفع لشبهات قد ترد، وأدفع لمشاكل قد ترد، وقد مثلنا بنماذج متعددة: رجل دخل بامرأة وقال: أنا ما دخلت بها، إذا إرخيت الستور وجب الصداق كاملاً كما قضى به أمير المؤمنين عمر إذ هو مظنة البناء، فنقول لها: إذا كانت في بيت أبيها فلا يلزمها أن تستأذن الزوج كلما أرادت أن تخرج أو تدخل؛ لأن الرسول قال: (الرجل راعٍ في بيته ومسئول عن رعيته) فما دامت البنت عند أبيها لم يدخل بها الزوج فهي مسئولة من أبيها، كذلك -نحن لم نقل إنها ليست زوجة، هي زوجة لكن تحت مسئولية أبيها ما دامت لم يبن بها- الرسول ظل عاقداً على عائشة ثلاث سنوات، لم يرد أن عائشة إذا أرادت أن تخرج ذهبت إلى الرسول وقالت: أنا أريد أن أذهب إلى مكان كذا يا رسول الله! ولم يرد أن الرسول جامعها قبل البناء المشهر المعلوم لدى عموم المسلمين، لأن بعض الأخوات يفتين فتاوى خاطئة في هذا الباب وللأسف، ثم إنهن ندمن على هذه الفتوى، واحدة تدرس الأخوات وبعدها جاءتها واحدة وقالت لها: أنا معقود علي والزوج يأتي عندنا ويريد مني الجماع فهل أمكنه؟ قالت لها: طبعاً مكنيه؛ لأن الرسول قال: (أيما رجل دعا امرأته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح) حملت الأخت في بيت أبيها، فلما حملت بدأت تستتر، لكن نفس الحديث إذا أمعنت النظر فيه: (أيما رجل دعا امرأته إلى فراشه) فراشه أين؟ في بيت الزوجية، والله أعلم.
стр. 2002
حكم من هجر قريبته لارتكابها نوعاً من أنواع الشرك
السؤال
لي خالة تؤمن بالجبت والطاغوت وتذهب إلى الكنيسة للعلاج من الجن، ووعظتها فلم تستجب، فنهرتها وتبرأت منها وهجرتها، والآن أخاف خوفاً شديداً من قطيعة الرحم؟
الجواب
إذا كان عملك لله فلا تندم، لكن صلها واستمر في النصح بأدب ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] ، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن آل فلان ليسوا بأوليائي لكن لهم رحم سأبلها ببلالها) فأنت استمر في النصح لها برفق ولين ولا تقطع الصلة.
стр. 2003
ما الحكم في رجل تقدم لخطبة امرأة ووالده يعمل مدير بنك
السؤال
تقدم شاب للزواج بي، إلا أن والده مدير بنك فما الحكم؟
الجواب
النظر هو إلى الشاب نفسه هل هو ذو دين وماله من حلال، إذا كان كذلك فليُقبل، وإذا كان ليس بذي دين وماله من حرام فيُرفض.
إلى هنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2004
تفسير سورة الانشقاق
أخبر الله في هذه السورة الكريمة عن أحداث وأهوال عظام تحصل يوم القيامة، كانشقاق السماء واستماعها إلى ربها، وتمدد الأرض وإلقاء ما فيها.
وأخبر سبحانه أن الإنسان في هذه الحياة كادح ثم هو ملاق عمله، وأن من أشد الأهوال التي يمر بها الإنسان يوم القيامة عندما يدعى لأخذ كتابه، فهل سيأخذ كتابه بيمينه فيسعد سعادة ما بعدها شقاوة، أم سيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره فيصلى نار جهنم والعياذ بالله؟! ولهذا استنكر على المعرضين تكذيبهم وعدم إيمانهم، وأخبر أنه يعلم بما يعملون، وتوعدهم بالعذاب الأليم.
стр. 2005
تفسير قوله تعالى: (إذا السماء انشقت .
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:١-٢] .
قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ ﴿انشَقَّتْ﴾ معناها: تصدعت وتشققت.
لماذا تتصدع وتتشقق؟ قد أسلفنا الإجابة على هذا: أنها تتشقق كي تنزل منها الملائكة، كما قال الله : ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أي: عن الغمام، ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٥-٢٦] ، فتتشقق السماء كي تنزل منها الملائكة.
﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ﴾ [الانشقاق:١-٢] معنى (أذنت) : استمعت، أما الدليل على أن المراد بها استمعت فقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١] أي: يقولون: هو سمّاع.
أي: أننا نشتمه وإذا جئنا واعتذرنا إليه بأي عذر قبله فهو رجل سمّاع لكل ما يقال له.
الشاهد: أن قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١] أي: سمّاع.
الشاهد الثاني: من سنة رسول الله ﷺ : قوله ﵊: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) ، أي: ما استمع الله لشيء استماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.
ومن لغة العرب قول القائل: صم إذا سمعوا خيراًَ ذكرت به فإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (أذنوا) أي: استمعوا.
فدلت هذه الأدلة من الكتاب والسنة ولغة العرب على أن المراد بالأذن في قوله تعالى: (أَذِنَتْ) أي: استمعت.
ما معنى استمعت؟! وهل السماء تفهم وتستمع؟! الإجابة: نعم.
فالسماء استمعت لأمر الله ، ولها فهم، لكن كيفيته يعلمها الله، والدليل على ذلك: قول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب:٧٢] ، فالسماوات والأرض والجبال أبين أن يحملن الأمانة، فدل ذلك على أن لهن فهم يعلمه الله، فمن ثم رفض قبول الأمانة وحملها ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] .
ودليل آخر على أن للسماء فهم يعلمه الله: قوله : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان:٢٩] ، فدل ذلك على أن السماء لها بكاء.
أي: تبكي على أهل الصلاح الذين كانت ترفع أعمالهم الصالحة من أبواب السماء فإذا ماتوا انقطعت الأعمال الصالحة فبكت عليهم السماء، أما أهل الفجور والعصيان فلا تبكي عليهم السماء، كما قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ ، وكذلك الأرض في نفس المعنى.
يقول الله : ((وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا)) أي: استمعت السماء لقول ربها ولأمر.
((وَحُقَّتْ)) أي: حقق الله عليها الاستماع، حق عليها أن تستمع لله، وهناك قول آخر، أي: وجدير بها أن تستمع لأمر الله .
ومن العلماء من قال: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي: سمعت لربها وأطاعت.
﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق:٣] أي: بسطت وزيد في مساحتها وطولها، فبعد أن كان يعتريها الأمت والجبال فيوم القيامة تزول الجبال وتفرض الأرض فلا يصبح فيها أمت -أي: لا يصبح فيها عوج- كما قال تعالى: ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٧] ، فتمد الأرض وتبسط فيزاد في مساحتها، وعلى رأي القائلين بأن الأرض كروية فإن معنى مدها: بسطها وفردها، قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] ، فهي أرض أخرى أو هي نفس الأرض لكن يعتريها أشياء فتصبح كأنها أرض أخرى، والقولان لأهل العلم لكن الظاهر أنها أرض أخرى.
стр. 2006
تفسير قوله تعالى: وإذا الأرض مدت .)
قال الله : ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ فإذا مدت -كما أسلفنا القول- أو فردت فما بداخلها وما بثناياها يطلع ويخرج على وجهها، كالشيء المنثني إذا فردته خرج ما بداخله ما بين الكسرات، وهكذا الأرض بداخلها أشياء أطبقت عليها فإذا فردت خرج ما بداخلها من أشياء.
ومن ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٤] .
((وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا)) أي ما بداخلها.
وما هو الذي بداخلها؟ قال النبي ﷺ : (تقيء الأرض -تقيء من قاء يقيء- أفلاذ كبدها كأمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيأتي القاطع ويقول: -وهو ينظر إلى الذهب والفضة الذي ألقته الأرض على وجهها- في هذا قطعت رحمي، ويأتي القاتل ويقول: في هذا قتلت، ويأتي السارق ويقول: في هذا قطعت يدي) أي: في هذه الأشياء التي لا قيمة لها وأصبح لا وزن لها فالقاتل يستحقر نفسه كيف أنه قتل أخاه المسلم من أجل هذا الذهب الذي ألقته الأرض ولفظته، وهذا على قول من قال: إن قوله تعالى: ((وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا)) أي: ما بداخلها من كنوز ومن معادن من ذهب وفضة وعلى القول الآخر: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٤] أي: ألقت ما فيها من الأموات الذين كانوا بداخلها، كما قال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق:٤٤] ، وكما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:٤] أي: أثيرت واستخرج ما بداخلها.
إذاً: القول الأول: أن (ألقت ما فيها) ، أي: ما بداخلها من كنوز، على ما ورد في حديث النبي ﵊، والقول الثاني: (ألقت ما فيها) أي: من الأموات، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ فبعد أن كانت لهم كفاتاً أحياءً يمشون عليها وأمواتاً يدخلون في بطنها، يوم القيامة تلفظ كل من في بطنها وتتخلى عن المسئولية.
(ألقت ما فيها وتخلت) أي: قائلة: يا رب! هذه المسئولية التي حملتني إياها فهؤلاء عبيدك الذين دفنوا في بطني هاهم بين يديك وهذه المعادن التي أودعتها فيّ هاهي بين يديك، وتفرغ تماماً وتتخلى عن كل مسئولية قد حملتها هذه الأرض.
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٤-٥] استمعت ما يملى عليها وتؤمر به من الله .
стр. 2007
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح .)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ﴾ [الانشقاق:٦] والخطاب لعموم الإنسان المؤمن والكافر.
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق:٦] (كادحٌ) .
أي: عامل، و (كدحاً) عملاً، فالمعنى: يا أيها الإنسان المؤمن! يا أيها الإنسان الكافر! يا أيها الإنسان العاصي! فهو لفظ عام ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق:٦] أي: عاملٌ إلى ربك عملاً ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فملاقٍ عملك يوم القيامة وإنك ساعٍ إلى ربك سعياً فملاقٍ سعيك، وكل أعمالك التي تعملها الآن ستلقاها يوم القيامة.
وقد تواردت بذلك الآيات في كتاب الله والأحاديث في سنة رسول الله ﷺ ، كما قال الله : ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] وكما قال : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩] فإذا كان الشخص لابد أن يلقى عمله يوم القيامة فيجدر به أن يحسن العمل الذي سيقابله يوم القيامة.
(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) : هل ملاقٍ كدحك أو ملاقٍ ربك؟ الأقرب في هذه الآية أنه ملاق لكدحه وإن كان سيلاقي ربه أيضاً كما قال النبي ﷺ : (إنكم ملاقوا ربكم) والأحاديث ثابتة بذلك عن رسول الله ﵊.
стр. 2008
تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بيمينه .)
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق:٧] * ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] في الآية فضل اليد اليمنى في الآخرة وتلقي الكتب بها، وأما فضلها في الدنيا فقد قال النبي ﷺ : (لا يعطي أحدكم إلا بيمينه ولا يأخذ إلا بيمينه) ، وقال ﵊: (لا يمسّن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) ، وقال ﵊: (لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها) ، فاليد اليمنى مفضلة، وقد قال النبي ﷺ : (الأيمنون الأيمنون) فكل ما هو على اليمين له فضل، وقد شرب النبي ﷺ ماءً ثم ناول فضله من عن يمينه، وكان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.
قال الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق:٧] المراد بالكتاب الكتاب الذي أثبتت فيه أعمال العبد.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] قال النبي ﷺ : (من نوقش الحساب عذب) أو (من حوسب عذب) ، وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: (يا رسول الله! أوليس يقول الله : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] فقال النبي ﷺ : ذاك العرض) أي: المراد بالحساب اليسير في هذه الآية العرض، وأما المراد بالعرض في هذا الحديث فمن العلماء من قال: عرض أعمال العبد على العبد نفسه، ومنهم من قال: عرض العبد على الله، والصواب من القول هو ما أيده حديث رسول الله ﷺ أن المراد بالعرض عرض أعمال العبد بين يديه أمام ربه ، فقد قال النبي ﵊: (إن الله يدني المؤمن يوم القيامة ويضع عليه كنفه ويستره عن الناس ويقرره بذنوبه، عملت يوم كذا وكذا، وعملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب! نعم يا رب! حتى يظن العبد أنه هلك، فيقول الله : أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) ومن العلماء من جنح إلى تفسير العرض بالعرض على النار والمرور عليها والورود والله سبحانه أعلم.
إذاً: المراد بالحساب اليسير هنا على ما فسره النبي ﷺ : عرض أعمال العبد عليه بين يدي ربه .
стр. 2009
تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره .)
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠] إن قال قائل: في هذه الآية أن كتاب بعض الناس يؤتى من وراء الظهر وآيات أخرى فيها أن الكتاب يؤتى بالشمال فكيف يجمع بين الآيات التي فيها أن الكتاب يؤتى بالشمال كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥] وغيرها من الآيات التي فيها أن الكتاب يؤتى من وراء الظهر كهذه الآية؟ أجاب عددٌ من العلماء: بأنه لا يمتنع أن يؤتى العبد كتابه بشماله وراء ظهره.
أي: يأخذه بيده اليسرى من خلف ظهره، قال الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ [الانشقاق:١٠] أي: كتاب أعماله ((وَرَاءَ ظَهْرِهِ)) أي: بشماله ويده الشمال موضوعة خلف ظهره ويتناول كتابه على هذا الوجه.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١١] (ثبوراً) .
هلاكاً فيدعو على نفسه بالهلاك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] وهذا الموقف من المواقف التي هي في غاية الحرج والرعب يوم القيامة، فمواقف يوم القيامة كلها أهوال إلا على من خفف الله عنه، ومن أشد هذه الأهوال: وقت تلقي الكتب وتطاير الصحف، وعرض الأعمال على الموازين، والمرور على الصراط، فدعوى المرسلين على جنبتي الصراط: (رب سلم سلم) فهذه كلها مواقف يواجهها العبد يوم القيامة فيأتي وقت استلام الكتاب والله أعلم هل يناول الكتاب باليد اليمنى ويمد يمينه لتلقي كتابه أو يتناوله باليد اليسرى من وراء الظهر؟ وهل يمر على الصراط كالبرق أو يتعثر على الصراط أو يسقط؟ هل ترجح كفة حسناته أم تطيش؟ كلها أهوال، والمعافى من عافاه الله، قال الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١٠-١١] يدعو على نفسه بالهلاك؛ ولكن كما قال تعالى: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ [الفرقان:١٤] أي: هلاكاً واحداً ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤] أي: لا تقولوا: يا رب الهلاك مرة ولكن قولوها مرات.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ أي: يقول: واثبوراه ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١٢] أي: يدخل السعير مصلياً بحرها ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:١٣] أي: كان في الدنيا مسروراً لا يخاف الآخرة ولا يرجو لها حساباً ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٤] (يحور) يرجع.
والمعنى: يرجع حياً بعد موته ﴿بَلَى﴾ [الانشقاق:١٥] بلى ليحور، أي: بلى ليرجعن ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق:١٥] .
стр. 2010
تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بالشفق .)
قال الله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق:١٦] أي: فلا يظن هذا الظن السيئ: أنه لا بعث ﴿فَلا﴾ أكد هذا النفي قوله تعالى: ﴿أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق:١٦] .
أي: أقسم أن البعث آتٍ بالشفق وأقسم على بطلان ظنه أنه لا بعث بالشفق، والمراد بالشفق شفقان شفق أحمر وشفق أبيض، والشفق هو الحمرة التي تكون في اتجاه غروب الشمس مستعرضة في السماء وهي التي بها يدخل وقت العشاء، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وقت العشاء ما لم يغب الشفق) فالمراد بالشفق هنا الشفق الأحمر، أما الشفق الأبيض فقد يمتد إلى منتصف الليل أو إلى قريب الفجر، فالشفق المعول عليه في الحديث في انتهاء وقت المغرب هو الإحمرار الذي يكون في اتجاه غروب الشمس وإذا اختفى هذا الإحمرار دخل وقت صلاة العشاء، فرب العزة يقسم بهذا الشفق فيقول سبحانه: ((فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ)) وقوله: ﴿فَلا﴾ نفيٌ للظن الذي تقدم ثم أكد هذا النفي بقوله تعالى: ﴿أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق:١٦-١٧] .
((وَسَقَ)) معناها: جمع وحوى ولف وضم.
أي: والليل وما جمع.
والليل يجمع أشياء، فالليل فيه تنتشر الشياطين وفيه تنزل الثريا، وفيه تخرج السباع والهوام من أماكنها وتنتشر الحشرات، وينتشر أهل الشر والفساد يسطون على العباد، وتحاك المؤامرات في الليل، فلهذا أستعيذ بالله منه في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] ، وهو الليل إذا دخل وهو القمر أيضاً كما قال النبي ﷺ ، فقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ دل على أن الليل يجمع أشياء، ولذلك قال النبي ﵊: (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ) ، وقال ﵊: (فأوكئوا القرب واذكروا اسم الله، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، وخمروا الآنية واذكروا اسم الله، وأطفئوا المصابيح واذكروا اسم الله) .
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: وما جمع وحوى.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٨] أي: اكتمل واستوى، وهذا حينما يكون مكتملاً وذلك ليلة الرابع عشر، فيكون القمر متسعاً ومتسقاً، فقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ أي: إذا اكتمل، فإن للقمر منازل، كما قال سبحانه: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] فيتسق القمر في ليلة الرابع عشر والخامس عشر.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ من العلماء من قال: إن هذا القسم مردود على ما سبق ونفي الظن أنه لا بعث، ومنهم من قال: إنه قسم مبتدأ لما سيأتي ﴿أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٦-١٨] على ماذا هذه الأيمان؟ على الآتي ألا وهو ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٩] فالمعنى: أقسم بالشفق، وبالليل وما وسق، والقمر إذا اتسق ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أي: أنكم سوف تركبون طبقاً عن طبق.
وفي قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قراءتان: القراءة الأولى: ((لَتَرْكَََبَنَّ)) بالفتح، والقراءة الثانية: ((لَتَرْكَبُنَّ)) بالضم، وقول من قال: ((لَتَرْكَََبَنَّ)) قال فريق من العلماء: إن المخاطب بهذه الآية هو النبي ﵊، فالمعنى لتركبن يا محمد حالاً بعد حال، ولتتغيرن بك الأمور حالاً بعد حال، وللعلماء في هذه -الحال بعد الحال- جملة أقوال: القول الأول: لتركبن يا محمد سماءً بعد سماء -وهذا في المعراج- وتنتقل من سماء، إلى سماء واستدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح:١٥] فسماء بعد سماء.
يعني: طبقاً عن طبق.
القول الثاني: ﴿لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٩] يا محمد! لتتغيرن أحوالك من حالٍ إلى حال فأنت في حالٍ مستضعف، وفي حالٍ قوي، في حال فقير، وفي حال غني، كما قال الله : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦-٨] فتغيرت أحوالك يا محمد.
والقول الثالث: ﴿لَتَرْكَََبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٠] ، أي: لتعلون منزلة بعد منزلة وشرفاً بعد شرف وقربة إلى الله بعد قربة، هذا إذا كان المراد في قوله: ((لَتَرْكَبُنَّ)) محمداً ﵊، وهو قول تقلده كثيرٌ من المفسرين.
القول الثاني: أن المراد بقوله: (لَتَرْكَََبَنَّ) أي: السماء.
أي: لتتغيرن أحوال السماء حالاً بعد حال، فمرة تكون السماء كالمهل، ومرة تنشق، ومرة تنفطر، ومرة تصبح السماء وردة كالدهان، فتتغير أحوال السماء من حالٍ إلى حال، ومن لونٍ إلى لون آخر، هذا على تأويل: (لَتَرْكَََبَنَّ) لأن الكلام فيه يعود على السماء، وأنها تتغير أحوالها لما يعتريها من أمر ربها .
القراءة الثانية: (لَتَرْكَبُنَّ) بضم الباء والمراد بها: الناس أو الإنسان، والمراد بالأحوال أو بالأطباق التي يركبها الناس ((طبقاً عن طبق)) جملة أقوال أحد هذه الأقوال: أن طبقاً عن طبق: حالاً بعد حال، في بطن أمك نطفة، ثم بعد أن تكون نطفة تكون علقة، ثم تكون بعد ذلك مضغة، ثم بعد المضغة تخرج من بطن أمك، ثم تكون طفلاً، ثم تقوى، ثم بعد القوة يحصل لك الضعف والشيب، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] .
فقوله تعالى: ((طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ)) أي: حالاً بعد حال، من النطفة، إلى العلقة، إلى المضغة، إلى الطفل، إلى الشباب، إلى الشيخوخة، إلى الموت.
القول الثاني: في ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَق﴾ حالاً بعد حال؛ لكن المراد به: تعتريك أيها الإنسان أحوال، فيعتريك الموت، ثم بعد الموت البعث، والمرور على الصراط، والميزان، وتلقي الكتاب، والجنة أو النار، فكلها أحوالٌ تعتري الإنسان، وكلها أطباق تعتري الإنسان.
والقول الثالث: أن ﴿لَتَرْكَََبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أيها الإنسان! إنك ستتغير أحوالك، من صحة إلى ضعف، ومن ضعف إلى مرض، أو من مرض إلى صحة، ومن صحة إلى مرض، ومن غنى إلى فقرٍ، ومن فقرٍ إلى غنى، ومن رفعة إلى ضعة وذلة، ومن ضعة وذلة إلى رفعة، كما قال الله : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] .
هذه بعض الأقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَََبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٠] .
والحاصل: أن أحوال الإنسان لا تثبت على شيء واحدٍ أبداً، فإنك الآن في حياة وسيأتيك الموت لا محالة، وبعد الموت البعث، وأنت الآن قوي وغداً ستضعف ولابد، وأنت الآن غني وقد تتقلب بك الأحوال، وهكذا فالشاهد أن قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أي: لتتغيرن أحوالكم أو أحوالك يا محمد حالاً بعد حال أياً كان هذا الحال.
إذاً: المعنى: أن حال الإنسان لا يثبت على وضع واحد، فجدير بالإنسان إذا كان هذا شأنه، أن يكون شاكراً في السراء، صابراً على البلاء في الضراء.
стр. 2011
تفسير قوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون .)
قال الله: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق:٢٠] أي: ما لهم لا يؤمنون وهذه أحوالهم؟! وهذا استفهام المراد منه التوبيخ لهؤلاء المعرضين عن طريق الله .
﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إذا كنت أيها الشاب لابد وأن تمر بك حالة تضعف فيها وتمرض فلم لا تؤمن ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون، ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق:٢١] سجد النبي ﷺ في هذه الآية.
قال أبو رافع ﵁: (صليت خلف أبي هريرة ﵁ صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فقلت له في ذلك، قال: صليت خلف النبي ﷺ فجهر بها فسجد فيها فلم أزل أسجد حتى ألقاه ﵊ فسجود التلاوة مشروع عند هذه الآية، والأحاديث التي صحت في سجود النبي ﷺ سجود التلاوة في أربعة مواقف: سجد النبي سجود التلاوة في النجم، وفي العلق، وفي الانشقاق، وفي (ص) .
قال سعيد بن جبير: (سألت ابن عباس عن سجدة (ص) فقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام:٨٤] الآيات إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] فأمر نبيكم ﵊ أن يقتدي بهم، وممن أمر نبيكم أن يقتدي به داود ﷺ فسجدها داود -أي: أن داود سجد في قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤]- فسجدها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وما سوى هذه السجدات ففيها آثار موقوفة وبعض دعاوى الإجماع، أما سجدة (الم تنزيل) فقد قال عنها أمير المؤمنين علي: إنها من عزائم السجود، وكذلك القول في سجدة فصلت، أما سجدات الحجر والنحل والرعد والأعراف وغير ذلك من السجدات، فالوارد فيها آثار عن أصحاب النبي ﷺ ، وسجود التلاوة لا يشترط فيه الوضوء على الصحيح، لأن النبي ﵊ لما قرأ آية النجم فسجد فيها سجد من معه من المسلمين والمشركين ويُبعد أن يكون كلهم على وضوء.
قال الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق:٢١-٢٢] من العلماء من قال: (بل) بمعنى (لكن) فهذا عند بعض العلماء ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢١-٢٣] (يوعون) معناها: يكتمون ويسرون، وهي من الوعاء.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق:٢٤] فيه دليل على أن البشارة لا تكون في كل الأحوال بالخير، وقد تقدم الكلام على ذلك، فإن البشارة إذا أطلقت فهي بشارة بالخير وهذا إذا لم تكن مقيدة، لكن إذا قيدت قد تكون بالخير أو بالشر على حسب الوارد فيها، فقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧-١٨] بشرهم بالجنان، وقوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] وبشرهم بالجنان أيضاً، أو كما قال الرسول: (هي الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن أو ترى له) ، لكن قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قيدت البشارة بالعذاب الأليم، وكذلك قول النبي ﷺ : (وحيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار) .
قال الله سبحانه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الانشقاق:٢٤-٢٥] (إلا) بمعنى: (لكن) .
﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٥] أي: غير مقطوع، والله أعلم.
وقد فاتنا في تفسير هذه السورة شيئين فلزم الرجوع إليهما: الشيء الأول: قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] أين جوابه؟ أم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] ماذا سيحدث؟ من العلماء من قال: إن جوابه هو قوله: ((إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ)) ، فالمعنى: يا عبد الله! إنك ستلاقي كدحك.
الوجه الثاني: أن الجواب محذوف، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ هنالك تعلم كل نفس ما قدمت وما أخرت.
الشيء الثاني: قوله تعالى في شأن المؤمن: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:٩] ، من المراد بالأهل الذين ينقلب إليهم -أي: يرجع إليهم- المؤمن يوم القيامة مسروراً؟ من أهل العلم من قال: إن المراد بالأهل هنا: الحور العين اللواتي أعدهن الله للمؤمن، كما في حديث النبي ﷺ : (في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلون لا يراهم الآخرون) .
إذاً: من العلماء من قال إن قوله تعالى: ((وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ)) أي: من حور العين اللواتي أعدهن الله للمؤمن.
القول الثاني: أن قوله: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:٩] ، أي: إلى ذويه من أهل الصلاح الذين سبقوه في الجنان، فأنتم تعرفون أن دخول الجنة على مراحل، فهناك قوم يسبقون إلى الجنان، وقوم يتأخرون، كما قال النبي ﷺ : (إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام) ، وكما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠-١١] ، وكما قال النبي ﵊: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة) ، فدل ذلك على أن دخول الجنان على مراحل.
فقوله: ((ويَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ)) أي: إلى أهله الذين سبقوه من أهل الصلاح إلى الجنان، وينقلب أيضاً إلى ذويه.
وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 2012
الأسئلة
стр. 2013
المهدي بين الحقيقة والخيال
السؤال
هل المهدي حقيقة أم خيال؟
الجواب
المهدي توسع فيه المتوسعون، ونفاه أيضاً آخرون، والتوسط فيه: ما ورد عن رسول الله ﷺ ، وكل الوارد فيه أحاديث محصورة محدودة جداً: منها: قول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجلاً يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه يواطئ اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً) ، وهذا الحديث ليس فيه ذكر اسم المهدي.
والحديث الثاني في صحيح مسلم: (كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم) ففي الحديث أن إمامنا يأتي يقدم عيسى ﵊ للصلاة بالناس فيقول عيسى: لا، بعضكم على بعض أئمة، كرامة من الله لهذه الأمة.
وحديث ثالث في نفس المعنى.
فهذا الذي يحضرني في شأن المهدي.
وقد زاد ناس جملة أحاديث أخر في غاية الكثرة في شأن المهدي ولم تثبت عن رسول الله ﷺ ، وآخرون نفوا كل الأحاديث متبعين الظن وتاركي سنة النبي ﷺ ، والصواب التوسط فيه والوقوف مع الوارد عن رسول الله ﷺ ، فمثلاً: جاءت أوصاف في شأن المهدي (أنه أقنى الأنف، وأجلى الجبهة) لكن هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﵊، وأكثر الأوصاف التي وردت فيه لا تثبت عن رسول الله ﷺ ، وورد حديث آخر: (إذا رأيتم الرايات السود مقبلة من قبل خراسان، فاعلموا أن فيها خليفة الله المهدي) الحديث من ناحية الإسناد، إسناده ثابت، لكن بعض أهل العلم يرى أن به بعض العلل، وقد نفاه بعض (الدكاترة) في الجامعات، وفي الحقيقة أن (دكاترة) الجامعات مشاربهم في أكثر أحوالها من المعتزلة، فهم يشربون من شراب المعتزلة الفكري والعقلي، ويتركون في أكثر أحوالهم وأحيانهم سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 2014
الإحرام من الميقات لمن نوى الحج أو العمرة
السؤال
شخص يذهب لأداء العمرة إن شاء الله؛ ولكنه سيبيت ليلة أو ليلتين في جدة فهل إحرامه يكون من جدة أو من رابغ؟
الجواب
إحرامه يكون من رابغ؛ لأن النبي ﵊ قال في شأن المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة) فإذا خرجت تريد الحج أو العمرة فأحرم من الميقات الذي تمر به، أما إذا كنت خارجاً لشغل والعمرة أو الحج عرضاً في رحلتك فإذا نويت العمرة من أي مكان فأحرم، لكن لو كنت خارجاً بقصد العمرة، فأحرم من الميقات ولا بأس أن تبيت ليلة أو ليلتين في جدة في إحرامك.
стр. 2015
حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وحكم إعطاء الزوج منها
السؤال
أقوم بتحفيظ بعض الأولاد القرآن الكريم في بيتي.
فهل يجوز أن آخذ على ذلك أجراً؟ وهل لزوجي حق في هذا المال؟
الجواب
نعم يجوز أن تأخذ على ذلك أجراً، وهو رأي الجمهور لحديث: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) والأحاديث التي تقاومه إما ضعيفة، كحديث: (علمت رجلاً القرآن، فأهدى به قوساً) فالراجح أنه ضعيف.
إذاً: الأحاديث التي تقاوم حديث جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن إما ضعيفة وإما موجهة.
وإذا كانت السائلة امرأة فالأجرة لها، إلا إذا منعها الزوج من التدريس وبشرط عليها، فله ولها الشرط الذي اتفقا عليه.
стр. 2016
حكم تغسيل المرأة لزوجها والصلاة عليه
السؤال
هل للمرأة أن تصلي على زوجها بعد موته وتغسله؟
الجواب
نعم.
لها أن تصلي عليه بعد موته وأن تغسله، أما الصلاة عليه فلأن سعد بن أبي وقاص لما مات أرادت أم المؤمنين عائشة أن يصلى عليه في المسجد حتى تصلي عليه من غرفتها، فكأن الناس أنكروا ذلك، فقالت: سبحان الله!! ما أسرع ما نسي الناس، وهل صلى رسول الله ﷺ على سهل بن بيضاء إلا في المسجد) .
أما تغسيل زوجها فلقول أم المؤمنين عائشة: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ إلا نساؤه) .
стр. 2017
حكم تأخير قضاء رمضان للحامل إلى بعد رمضان الثاني
السؤال
عليّ أيام من رمضان الماضي والآن حامل، وأجد مشقة في تحمل الجهد، فهل لي أن أرجئه إلى ما بعد الولادة؟
الجواب
نعم.
لكي أن ترجئي صيام الأيام إلى ما بعد الولادة، والصحيح أنه ليس عليكِ كفارة أيضاً.
стр. 2018
أفضلية ميامن الصفوف
السؤال
هل يمين الصف الأول في الصلاة أفضل من يسار الصف الأول؟
الجواب
بالنسبة لصفوف الصلاة، فقد ورد حديث يفضل اليمين على اليسار وهو حديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) لكن هذا اللفظ معلول، والصحيح عند العلماء بلفظ: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف) ولفظ (ميامن الصفوف) بعيد، فعلى ذلك يستوي الأمر في شأن الصلاة؛ لكن إذا كان الشخص فرداً واحداً فالرسول حوّل ابن عباس من على يساره فجعله عن يمينه، لكن إذا كانوا اثنين أو ثلاثة فالأمر واسع.
стр. 2019
صلاة الطفل يمين الإمام
السؤال
هل يصف الولد بجانب أمه إذا كان أبوه إماماً؟
الجواب
لا.
الولد يتقدم عن يمين أبيه والأم تتأخر، لحديث أنس: (صليت عن يمين النبي ﷺ والعجوز خلفنا) .
стр. 2020
المراد بالحمو
السؤال
هل أبو الرجل يكون حمواً؟
الجواب
من ناحية الاسم، أو التعريف اللغوي: الأحماء هم أقارب الزوج، لكن ليس هو الحمو المراد في حديث: (أرأيت الحمو؟) فإن الحمو في حديث: (أرأيت الحمو؟) هو أخو الزوج أو قريب الزوج الذي ليس محرماً لزوجة الابن.
стр. 2021
حكم الحج مع معارضة الوالد
السؤال
من حج أو أراد أن يحج مع معارضة أبيه؟
الجواب
ينظر إلى سبب معارضة أبيه، إن كان أبوه يعارضه على أصل الحج ويقول له: لا تحج أصلاً، فلا يطاع الأب، لكن إذا قال له الوالد: أنا لا أمنعك من الحج؛ لكن هذا العام صحتي لا تسمح أن أترك وحدي مثلاً فأخشى على نفسي الموت، أو أي سبب، فحينئذٍ يطاع الوالد إذا أخره عاماً لعلته -والله أعلم- وهذا مبني على الخلاف حول الحج على الفور أو على التراخي، أي: بمجرد ما تستطيع الحج: هل تحج فوراً أو يجوز لك أن تُؤخر الحج شيئاً ما؟! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 2022
تفسير سورة البروج
ذكر الله سبحانه قصة الذين حفروا للمؤمنين الأخاديد، وأضرموا فيها النيران، ثم ألقوا من يثبت على دينه فيها، مبيناً أن سبب النقمة من الكفار على المسلمين في كل عصر وحين هو إيمانهم بالله العزيز الحميد.
стр. 2023
تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات البروج .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الله.
وبعد: قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:١] يقسم الله بالسماء ذات البروج.
أي: التي لها بروج، و (البروج) من العلماء من قال: إنها الكواكب والنجوم، وشاهد ذلك من التنزيل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر:١٦] ، فمن العلماء من قال: البروج: النجوم الكبار أو الكواكب.
ومنهم من قال: (البروج) : مطالع الشمس والقمر.
قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:٢] .
اليوم الموعود على رأي جمهور المفسرين هو يوم القيامة.
стр. 2024
بيان جواب القسم في قوله تعالى: (والسماء ذات البروج)
من العلماء من قال: جواب القسم هو قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] وكلمة (قُتِلَ) في كتاب الله في عموم الآيات إلا شيء مستثنى بدليل كلمة ((قُتِلَ)) معناها: لعن، ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠] ، ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧] ، ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] إلى غير ذلك، فمن العلماء من قال: إن جواب القسم في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ، هو قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ أي: أن الله يقسم أن أصحاب الأخدود ملعونون.
ومن العلماء من قال: إن جواب القسم متأخر شيئاً ما، وهو ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] أي: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ، وثم أقوال أخر.
стр. 2025
تفسير قوله تعالى: (وشاهد ومشهود)
قال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣] ، أما (الشاهد) له معنيان: الأول: قد يطلق على الحاضر.
الثاني: يطلق على الناظر أو الرائي.
تقول مثلاً: شهدت موسم الحج، أي: حضرت موسم الحج.
فمن معاني الشهادة: الحضور، ومن معانيها: الرؤية، شهدت كذا وكذا، أي: رأيت كذا وكذا.
فمن العلماء من قال: المراد بـ (الشاهد) : الحاضر، فأقسم الله بالشاهد.
ما هو الشاهد على تأويل الشاهد بالحاضر؟ للعلماء في ذلك أقوال: أحدها: أن (الشاهد) : كل الخلائق، والمشهود: يوم القيامة، فالمعنى على هذا التأويل: أن الله يقسم بالناس أو بالخلائق التي ستشهد موقف الحساب، (فالشاهد) أي: الحاضر وهم الخلائق، و (المشهود) : هو يوم القيامة.
القول الثاني: أن (الشاهد) : هم الذين يصلون الجمع، يعني: هم الحضور الذين يحضرون صلاة الجمع، و (المشهود) : هو يوم الجمعة.
الثالث: أن (الشاهد) : هم الحجيج الذين يشهدون عرفات، فـ (المشهود) : هو عرفات.
الرابع: أن (الشاهد) : هم الحجيج، والمشهود: يوم النحر.
هذه بعض الأقوال في تفسير (الشاهد) بمعنى: الحاضر.
والقول الثاني في تفسير (الشاهد) : بمعنى: الرائي والناظر، أو بمعنى أوسع شيئاً ما: (الشاهد) : الذي تقوم به الشهادة، وتثبت به الدعاوى، فمن العلماء من قال: إن (الشاهد) أي: الشاهد على الخلائق والذي تقوم به الدعاوى، فـ (الشاهد) هو الله، و (المشهود) : هو التوحيد، واستدل لهذا القول بقول الله : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] .
والقول الثاني: أن الشاهد: هو محمد ﷺ ، والمشهود: الخلائق أيضاً مشهود عليهم، والذي يشهد للقول الثاني قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] .
الثالث: أن (الشاهد) : هم الأنبياء عموماً، والمشهود عليهم: أممهم.
الرابع: أن (الشاهد) : أمة محمد ﷺ ، وتشهد على سائر الأمم؛ لقول النبي ﷺ : (أنتم شهداء الله في الأرض) ، أو (يدعى نوح يوم القيامة، فيقال: يا نوح! هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقول قومه: ما جاءنا من نذير، فيقال لنوح: من يشهد لك يا نوح؟ فيقول: محمد ﷺ وأمته) .
هذه بعض الأقوال في تفسير (الشاهد) و (المشهود) ، واختار قوم من أهل العلم العموم، فقالوا: كل ما يصلح أن يطلق عليه شاهد فهو شاهد، وكل ما يصلح أن يطلق عليه مشهود فهو مشهود، وهذا اختيار ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، فعلى ذلك: يدخل في لفظ (الشاهد) الحجيج الذين يشهدون الحج، والمصلون الذين يشهدون الجمع، والمصلون الذين يشهدون الأعياد، ويدخل في لفظ (الشاهد) الشاهد الذي تثبت به الدعاوى، وعموم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأمة محمد ﷺ ، وهذا المسلك يسلكه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في مواطن متعددة، فتجده دائماً يجنح إلى القول بالعموم، كما تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات:١] ، فللعلماء في تفسير: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات:١] أقوال: منها: أنها الملائكة، ومنها: أنها البقر الوحشي، ومنها: أنها القسي التي تنزع منها السهام إلى غير ذلك من الأقوال، فكان ابن جرير الطبري دائماً يجنح إلى اختيار القول العام الذي تندرج تحته كل هذه الأقوال.
فقوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣] : أقسم الله بثلاثة أشياء: بالسماء ذات البروج، وباليوم الموعود، وبالشاهد والمشهود، وإذا أقسم الله بشيء دل هذا القسم على أهمية، المقسم به، فاليوم الموعود له أهمية وصلوات الجمعة والأعياد والحج لها أهمية، وكذلك كل ما ذكر تحت قول ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣] فله أهمية، فلا تجد في كتاب الله أن الله يقسم بشيء حقير، إنما يقسم بالسماء والطارق، ويقسم بالشمس وضحاها، ويقسم بالليل إذا يغشى، وبالضحى.
إلى غير ذلك.
стр. 2026
تفسير قوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود .)
قال الله سبحانه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] (قُتِلَ) أي: لعن.
(أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) : أطلق عليهم أصحاب الأخدود؛ لأنهم هم الذين حفروه، فهم القتلة الظلمة، وليس المقصود: المقتولين، فـ ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ ، لعن الذين خدوا الأخدود.
و (الأخدود) : شق في الأرض، فلعن الله من شق هذه الشقوق في الأرض، وأضرم فيها النيران، وألقى فيها المؤمنين.
قال تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٥] لماذا وصفت النار بأنها ذات الوقود؟ من العلماء بل جمهورهم من قال: وصفت النار بذات الوقود؛ لبيان عظمها وشدة هولها، فكانوا قد أججوا حطباً وأوقدوا نيراناً عظيمة، فوصفت بأنها ذات الوقود لهذا.
قال تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج:٦] يعني: الذين خدوا الأخاديد جلسوا بجوارها، فليس معنى (عَلَيْهَا) فوقها، وقد قدمنا أن حروف الجر في الكتاب العزيز تتناوب: (إِذْ هُمْ عَلَيْهَا) ، أي: على جوانبها.
(قُعُودٌ) ، أي: حضور يشاهدون أهل الإيمان وهم يعذبون.
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ ، فـ ((عَلَيْهَا)) : ليس معناها كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥] ، يعني: قائماً بالمطالبة.
قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٧] أي: حضور يشاهدون.
стр. 2027
تفسير قوله تعالى: (وما نقموا منهم .)
قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] ، كانت الجريمة التي بسببها ألقي أهل الإيمان في النار أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد.
قد يقول قائل: إن الله قال في كتابه الكريم: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] فيكف تسلط أهل الكفر على هؤلاء المؤمنين وقذفوهم في النار؟ ف
الجواب
لأهل العلم أجوبة على ذلك: منها: أن المراد بالسبيل المنفي في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] السبيل إلى القلوب بالحجج، فلا يستطيع الكافر أن يصل بحجته إلى قلب مؤمن أبداً، بل كما قال الله : ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى:١٦] أما السبيل على الأبدان فقد نيل من بعض المرسلين عليهم الصلاة والسلام، بل قتل بعضهم، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١] فأفادت الآية أن هناك أنبياء قتلوا بغير حق، وأيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء:١٥٥] فدلت الآيات على أن هناك أنبياء قتلوا، وأن هناك من يأمر بالقسط من الناس قتل وشرد وطرد وأخرج.
إذاً: السبيل المنفي هو: سبيل الوصول بالحجج إلى قلوب المؤمنين، فدائماً حجة الكفار داحضة واهية.
يقول الله : (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) .
أي: سبب انتقام أهل الكفر من المؤمنين ليس لذنب صنعوه إنما هو الإيمان بالله العزيز الحميد.
(إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ، ورد في هذا الباب حديث أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى وهم مشابه لسياق الآيات في سورة البروج، لكن هل هو المراد بالآيات الكريمة أو هو فعل وحدث مستقل تم في ظروف أخر؟ الجواب: من العلماء من نزل الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث صهيب ﵁ الذي فيه: (كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إن كبرت فابعث لي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه السحر، فكان هذا الغلام إذا ذهب إلى الساحر مر في طريقه براهب، فجلس يستمع إلى الراهب فأعجبه كلامه، فكان الغلام يتخلف عند الراهب كثيراً فيؤذيه أهله ويؤذيه الساحر، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا سألك أهلك: لمَ تأخرت؟ فقل: حبسني الساحر، وإذا سألك الساحر فقل: حبسني أهلي، فمضى على هذا الحال مدة، وذات يوم مرّ هذا الغلام على دابة عظيمة قد حبست الناس ومنعتهم من المرور، فقال: اليوم أعلم أأمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب، فأخذ حجراً وقال: اللهم إن كنت تعلم أن أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة واجعل الناس يمرون، فرمى الدابة فماتت، فمر الناس، فعلم أن أمر الراهب أحب إلى الله من أمر الساحر، فازداد تعلقه بالراهب، وكان يداوي الأمراض، فيبرئ الأكمه والأبرص والأعمى بإذن الله، فسمع به جليس للملك كان قد كبر فعمي، فأرسل إليه فجاءه، فقال: إني سمعت أنك تبرئ الأسقام وها أنا قد عميت، فقال: إنما يشفي الله ، فإن آمنت به دعوت الله لك فشفاك، فآمن بالله، فدعا الله فشفاه، فذهب هذا الرجل إلى الملك، وذهب الغلام إلى الراهب، فقال الراهب للغلام: أنت الآن أفضل مني وإنك ستبتلى، فإذا ابتليت فلا تدل عليّ، فذهب جليس الملك إلى الملك، فإذا به قد رد إليه بصره، فقال الملك: من رد إليك بصرك؟ قال: الله.
قال: أو لك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فما زال يضربه ويقرره حتى اعترف له أن الذي فعل به هذا هو الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني! قد بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص وتشفي العمي، قال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله : قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فما زال يضربه ويؤذيه حتى دل على الراهب، فجيئ بالراهب، فقيل له: إما أن ترجع عن دينك وإلا قتلت، فثبت -أي: ثبته الله فجيئ بالمنشار فوضع على مفرق رأسه ثم نشر فشق نصفين، ثم جيء بجليس الملك فقيل: إما أن ترجع عن دينك وإلا قتلت، فثبته الله، فنشر بالمنشار نصفين، ثم جيء إلى الغلام، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى أن يرجع عن دينه، فأمر به الملك أن يؤخذ ويرسل إلى أعلى قمة جبل ويلقى من فوقها، فذهبوا به، فاعتصم بالله وقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فهلكوا جميعاً، وجاء الغلام يمشي إلى الملك، فقال: ماذا فعل بك؟ قال: أنجاني الله ، فأرسله مع قوم آخرين، وقال: احملوه معكم في قرقور -أي: قارب صغير- وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فألقوه في البحر، ففعلوا فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فلعبت بهم الأمواج فأغرقتهم وأنجاه الله وجاء يمشي، وقال: قد كفانيهم الله بما شاء) الحديث، وفي الأخير: (أن الغلام قال للملك: إنك لست بقاتلي إلا أن تفعل ما آمرك به؛ فتجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع نخل، وتستخرج سهماً من كنانتي، وتقول: باسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلب الغلام، وأخرج سهماً من كنانته وقال: باسم الله رب الغلام، فجاء السهم في صدغه فمات، وآمن الناس كلهم أجمعون، قالوا: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فقيل للملك: قد وقع ما كنت تحذر، فأمر بالأخاديد فخدت، فشقت الشقوق في الأرض، وأضرمت فيها النيران، وبدأ بقذف كل من آمن فيها، وكان من هؤلاء -كما ذكر النبي ﷺ المرأة التي كانت ترضع طفلاً صغيراً لها، فأشفقت على طفلها بعد أن نظرت إليه نظرة الوداع، فخشيت على طفلها فقال لها ولدها: يا أماه! لا تقاعسي فإنك على الحق، فتقدمت وألقيت في النار) هل هذا هو الوارد في سورة البروج، أم هذه واقعة أخرى؟ من العلماء من نزلها على سورة البروج، وهي بها لائقة.
ومنهم من قال: تعددت أحوال أهل الإجرام.
ومن العلماء من قال: إن أصحاب الأخدود في بلاد نجران التي على الحدود بين اليمن والسعودية، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] أي: لعن هؤلاء الذين خدوا الأخاديد للناس أياً كانوا ومن كانوا.
﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٥-٨] فهذا ليس جرماً ينتقم من الشخص من أجله، كما قال القائل: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] ، فعلى ذلك: قد يبتلى شخص فيسجن ويقول: ليس عليَّ ذنب، فقل: وما ذنب أصحاب الأخدود؟ وما ذنب نبينا محمد ﷺ لما قال الكفار أو كما حكى الله مقالتهم، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ؟ ما ذنب إبراهيم ﵊ إذا قال له قومه: ﴿اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت:٢٤] ؟ ما ذنب لوط وقد قال الله : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦] ؟ فليس لهؤلاء جميعاً ذنب إلا الإيمان بالله .
قال الله : ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] ، (العزيز) : منيع الجناب، عظيم السلطان الذي لا يغالب.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٩] .
стр. 2028
تفسير قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين .)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] هنا يقف الحسن البصري قفة فيقول ﵀: (سبحانك ربنا ما أحلمك وما أرحمك! قوم بطشوا بعبادك المؤمنين، وخدوا لهم الأخاديد، وأضرموا فيها النيران وقذفوهم فيها، وتفتح لهم باب التوبة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ دليل على أنهم لو تابوا لقبلت توبتهم، فعلى ذلك: من زلت قدمه في مسألة، فلا ينبغي أن تهدر جميع حسناته بجانب هذه المسألة التي زلت فيها قدمه إن فتح له باب التوبة، فهؤلاء قتلوا الناس وحرقوهم وجلسوا على شفير النيران يتفرجون عليهم، ومع ذلك إن تابوا تاب الله عليهم، وفي عدة آيات من كتاب الله كلما ذكرت كبيرة من الكبائر أو جريمة من الجرائم أتبعت بفتح باب التوبة؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] قتل، زنى، أشرك، لكن إذا تاب تاب الله عليه.
قل ذلك لمضيع الصلاة ومتبع الشهوات حتى يتوب، فإن تاب قبلت توبته، وهذه قاعدة أصيلة من قواعد ديننا الحنيف السمح، وهذا من رحمة الله ربنا بنا، كما قال الله : (يا عبادي! إنكم تخطئون في الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم) ، وفي الحديث: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) ، وفي الحديث: (إن إبليس قال لربه سبحانه: وعزتك! لا أبرح أغوي العباد ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله: وعزتي! لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني) .
وهكذا فكل من أذنب فليعلم أن باب التوبة مفتوح للتائبين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فلا ينبغي أبداً أن يقنط أحد من رحمة الله .
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، (فتنوا) .
أصل الفتنة: الاختبار بالنار، ثم أطلق لفظ الفتنة على كل ما يئول إلى مكروه وسوء، كما قال الشاعر: لئن فتنتي لهي بالأمس أفتنت سعيداً فأصبح قد قلى كل مسلم وألقى مصابيح القراءة واشترى وصال الغواني بالكتاب المتيم.
فالفتنة في الأصل: الاختبار بالنار، ثم أطلقت الفتنة على كل ما يئول إلى مكروه أو سوء.
وتطلق الفتنة على الشرك، وتطلق على الصرف والإضلال ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦١-١٦٢] أي: بمذلين، ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٣] .
стр. 2029
أقوال العلماء عند تكرار العذاب في الآية
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] ما هو وجه قوله (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) ، واتباعه بقوله: (وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) ؟ من أهل العلم من قال: هما عذابان: عذاب جهنم للكفر، وعذاب إضافي وهو: عذاب الحريق مقابل تحريقهم لأهل الإيمان، كما قال الله : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل:٨٨] فهم فعلوا شيئين: كفروا، وصدوا عن سبيل الله، ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨] ، فعذاب على الكفر، وعذاب للصد عن سبيل الله.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٢-١٣] فأثقال للكفر، وأثقال مع أثقالهم للإغواء والإضلال.
فمن العلماء من قال: هما عذابان: عذاب جهنم للكفر، وعذاب الحريق نتيجة تحريق المؤمنين.
ومن أهل العلم من قال: إن المراد بعذاب جهنم الأولي في قوله تعالى: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) : الزمهرير.
قال تعالى: (عَذَابُ الْحَرِيقِ) ، الذي هو التعذيب بالنار، فعليه هم يعذبون عذابا بالزمهرير الذي هو البرد الشديد، ثم يتبع الزمهرير بالحريق الذي هو النار، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص:٥٧] .
(حميم) : انتهى حره وبلغ الدرجة العليا من الحر، و (غساق) : بلغ المنتهى في البرودة.
ومن أهل العلم من سلك مسلكاً آخر، فقال: لهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا، قال: فإن النار التي أضرموها وألقوا فيها أهل الإيمان تطاير عليهم شررها فأحرقهم.
فعلى هذا القول الأخير، يرد التعكير على قول من قال: من الكتاب أو المؤلفين أن كل قوم مجرمين ذكرت عقوبتهم الدنيوية في كتاب الله إلا أصحاب الأخدود فلم تذكر لهم عقوبة في الدنيا، وادخر لهم العذاب في الآخرة، فثم قول يثبت -وهو قول من أقوال العلماء وليس مرفوعاً للنبي ﷺ أن الذين خدوا الأخاديد للناس أحرقوا بشررها في الدنيا؛ لهذه الآية، والله أعلم.
стр. 2030
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:١١] في كتاب الله كثيراً ما يؤتى بحال أهل الإيمان بعد حال الكفار، ولهذا -كما أسلفنا- سمي القرآن مثاني، فمن العلماء من قال: سمي القرآن مثاني؛ لأنه يأتي بحال ويأتي بالحال المقابلة لها، يأتي بحال أهل النيران ثم يأتي بحال أهل الجنان أو ينعكس الأمر، فيأتي بصور من العذاب وصور مقابلة لها، ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٧-٥٨] ، فالله : قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] ثم قال في المقابل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وقد قدمنا أن التقييد بعمل الصالحات فيه رد على الصوفية من وجوه، منها: أن الصوفية يقولون: إن المجانين أعلى درجة من غير المجانين.
ولكن عند جمهور أهل السنة: أن المؤمن الذي يعمل الصالحات أعلى درجة من المجنون؛ لأن المجنون لم يعمل صالحات، فعلى ذلك الذين يتبركون بلعاب المجانين، ويقولون: إن فيه بركة، وأن الله يضع سره في أضعف خلقه -والله أعلم بهذا كله- كل هذا مناقض لقواعد أهل السنة.
فأهل السنة عندهم: أن المؤمن العامل الصالح أفضل من المجنون، فمن الأقوال فيه: أنه يختبر في عرصات يوم القيامة، فالله أعلم هل ينجح في الاختبار أو لا ينجح، وهو وإن دخل الجنان فهو في درجة الله أعلم بها، لكن قال الله رب العزة: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] .
وفي الآية أيضاً في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، رد على الصوفية ورد على المرجئة، فالمرجئة يقولون: لا يلزم مع الشهادتين عمل، ومن نطق بهما فهو على إيمان كإيمان جبرائيل وميكائيل، وهذا قول الغلاة منهم، والآية فيها رد عليهم؛ لأن فيها البشارة للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ .
يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] وهذه الآية في معناها جملة آيات وعدة أحاديث عن النبي ﷺ ، فكما هو معلوم أن الله واسع المغفرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] وكما قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] في عدة آيات فكذلك وصف نفسه بأنه شديد العقاب، ووصف بطشه بأنه شديد، فعلى ذلك: يلزم المؤمن أن يكون دائماً بين حالتي الخوف والرجاء، خوف من الله أن يصيبه ببعض ذنوبه، وطمع في رحمة الله ، وفي هذا الباب حديث -وإن كان فيه بعض الكلام؛ لأن من العلماء من حسنه- وفيه: أن النبي ﷺ عاد شاباً من الأنصار يحتضر، فقال له: (كيف أنت؟ قال: يا رسول الله! أرجو وأخاف، فقال النبي ﷺ : ما اجتمع مثل هذان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجوه وأمنه من الذي يخاف) فهاتان الحالتان ينبغي بل يلزم أن تصاحب المؤمن دائماً -أي: حالة الخوف، والرجاء- لأن ذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلوات والسلام، قال الله : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] .
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيد﴾ من أهل العلم من قال: يبدئ العذاب ويعيده، أي: أنه سيبدئ العذاب على الكافرين ويعيده عليهم، واستدل قائل هذا القول بحديث النبي ﷺ الذي أخرجه البخاري ومسلم: (ما من عبد يؤتيه الله إبلاً فلا يؤد زكاتها؛ إلا فتح لها يوم القيامة بقاعٍ قرقر، فتمر عليه أثمن ما كانت وأعظم ما كانت، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، كل ما مر عليه أخراها أعيد عليه أولاها) فقال: يبدئ ويعيد، يبدئ العذاب ويكرره عليهم.
ومنهم من قال: ((يُبْدِئُ)) أي: يبدئ الخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ﴾ [الروم:٢٧] أي: في الآية على هذا التأويل الأخير إثبات للبعث، واختار عدد من أهل العلم التعميم وأنه يبدئ العذاب ويعيده، حتى أن منهم من قال: يبدئ رحمته ويعيدها أيضاً، فيرجع بالتوبة على التائبين، وهكذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤] ، أما (الْغَفُورُ) فمعروف، أما (الْوَدُودُ) فمن العلماء من قال: معناها: الحبيب.
قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] (ذُو الْعَرْشِ) ، هل المجيد صفة للعرش أم هي صفة لله ؟ قولان لأهل العلم: أما (المجيد) التي في آخر السورة، (بل هو قرآن مجيد) ، فمن العلماء من فسر المجيد بالكريم لما ربط بين الآيتين ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧] وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج:٢١] ، فقال: (المجيد) هو: (الكريم) .
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج:١٧] ، من العلماء من قال: (هل) بمعنى: (قد) ، ومنهم من قال: هي استفهام، لكن المراد من هذا الاستفهام: لفت نظر النبي ﷺ ، والمراد منه: التنبيه، هل أتاك حديث الجنود وما حل بهم؟ ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج:١٨] ، نعم.
قد جاءك هذا الحديث ولكن الذين كفروا في تكذيب مستمر، فالمعنى: أنه قد أتاك حديث الجنود يا محمد وما حل بهم، وقد بلغ قومك حديث الجنود وما حل بهم، ولكنهم في إباء وعناد، والله قال في آية أخرى: (وَإِنَّكُمْ) أي: يا معشر قريش ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧-١٣٨] يعني: أنتم تمرون بمدائن قوم لوط، وبمدائن ثمود، (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ مُصْبِحِينَ) في صباحكم وأنتم مسافرون، ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ، وكما قال سبحانه: (وَإِنَّهُمَا) أي: مدائن قوم لوط ومدائن قوم ثمود، ((وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ)) أي: لبطريق ﴿مُبِينٍ﴾ [الحجر:٧٩] أي: واضح للمارة، فالله يقول: قد أتاك حديث الجنود وما حل بهم يا محمد، وبلغ قومك حديث الجنود والذي حل بفرعون وثمود، ولكن: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج:١٩] ، أي: دائماً في تكذيب وعناد.
стр. 2031
تفسير قوله تعالى: (والله من ورائهم محيط) وبيان منهج أهل السنة في الأسماء والصفات
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] ، هل تمر كلمة (محيط) على ظاهرها لعدم الوقوع في شيء مما يخل بالأسماء والصفات، أو يلتمس لها بعض التأويل؟ منهج أهل السنة في الأسماء والصفات باختصار: أننا نثبت لله ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه ، ونثبت لله ما أثبته له رسوله ﷺ ، وننفي عنه ما نفاه عنه رسوله محمد ﷺ ، وإذا أثبتنا شيئاً لله تنفى المماثلة والمشابهة، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا بإيجاز واختصار شديد كالمضمن في قولنا: لا إله إلا الله، فـ (لا إله) نفي الآلهة، (إلا الله) إثبات الألوهية لله .
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) نفي المماثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] إثبات السمع والبصر لله .
أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] من العلماء من التمس لها بعض التأويل، فقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: أن الله مهلكهم، واستدل قائل هذا القول بقول الله سبحانه تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف:٤٢] أي: أهلك ثمره، ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف:٤٢] ، واستدل أيضاً بقول الله : ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس:٢٢] ، فمن العلماء من قال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] ، أي: أن الله مهلكهم، ومنهم من قال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: محصٍ لأعمالهم ومجازيهم عليها.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج:٢١] أي: كريم.
قال تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢] ، من أهل العلم من قال: أي: مثبت في اللوح المحفوظ عند الله .
ومنهم من قال قولاً لا أعلم عليه دليلاً ألا وهو: أنه مثبت في جبهة إسرافيل، ولا أعلم لهذا القول سنداً لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكلمة (مَحْفُوظٍ) من أهل العلم من قال: (مَحْفُوظٍ) أي: مثبت، ومنهم من قال: مَحْفُوظٍ من أن تمتد له أيدي العابثين، كما قال سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، فمن أهل العلم من فسر (الباطل) بالشيطان.
стр. 2032
الأسئلة
стр. 2033
حكم إقامة جماعة ثانية في مسجد له إمام راتب
السؤال
ما حكم إقامة جماعة الثانية في المسجد الذي له إمام راتب؟
الجواب
الجماعة الثانية في المسجد الذي له إمام راتب جائزة إذا لم يتعمد مقيمها التخلف لإحداث فتنة، أما إذا أتى رجل متأخراً عن الجماعة الأولى ومعه فئة أخرى من الناس، جاز لهم أن يصلوا صلاة في جماعة، وهذا أفضل وأحب.
أما الدليل على فضله واستحبابه فمنه: أولاً: عموم الأحاديث التي وردت في فضل صلاة الجماعة.
وثانيا: ً خصوص حديث النبي ﷺ في الرجل الذي جاء متخلفاً، فقال ﷺ : (من يتصدق على هذا؟ من يتجر على هذا؟) .
أما حجة المانعين، فمن حججهم: أن النبي ﷺ أتى يوماً إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، فذهب وصلى بأهل بيته، وليس في هذا ما يمنع، فما الذي أدرانا أن هناك ناس في المسجد لم يكونوا قد صلوا، والنبي ﵊ ترك الصلاة معهم، فليس فيه مانع.
وكذلك من حججهم: بعض أفعال الصحابة، والإجابة على هذا أن المرفوع يقدم على الموقوف، والله أعلم، فكفى بحديث رسول الله ﷺ (من يتصدق على هذا؟) .
أما الأشياء التي يثيرها البعض ويقولون: إن هذا كان مفترضاً وكان هذا متنفلاً، وإمامة المفترض للمتنفل جائزة إذ هو أفضل منه.
إلى غير هذه الأشياء، فإنها لم تكن هذه على عهد أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد نقلت مقولة عن الإمام الشافعي ﵀ في معرض المنع وفهمت على غير وجهها، فكان السؤال الموجه للشافعي فيها عن قوم يتعمدون التأخر لإنشاء جماعة، فرأى الكراهية، فكانت الفتوى مقترنة بسؤال وجه الشافعي رحمه الله تعالى إلا إذا كان عموم المذهب الشافعي على شيء آخر فالله أعلم، لكن هذه الفتوى اطلعنا عليها في بعض كتب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فتعكر النقل عن الشافعي، فقد يقلل النقل المنقول عن الشافعي في الكراهية، وإنما هو مختصر بأقل من عموم الفتوى، والله أعلم.
стр. 2034
حكم صلاة المسافرين في جماعة ثانية بعد انتهاء الأولى
السؤال
هل يجوز للمسافرين إذا أتوا بعد فراغ الجماعة أن يصلوا في جماعة ثانية؟
الجواب
نعم جائز.
стр. 2035
حكم التلفظ بالنية
السؤال
هل التلفظ بالنية بدعة، وتبطل الصلاة؟
الجواب
أما بطلان الصلاة فلا أعلم دليلاً على بطلانها، أما التلفظ بالنية فلم يرد عن النبي ﷺ ، وهي للبدعة أقرب.
следующие страницы →