Полный текст (2 242 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
تفسير قوله تعالى: (والله من ورائهم محيط) وبيان منهج أهل السنة في الأسماء والصفات
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] ، هل تمر كلمة (محيط) على ظاهرها لعدم الوقوع في شيء مما يخل بالأسماء والصفات، أو يلتمس لها بعض التأويل؟ منهج أهل السنة في الأسماء والصفات باختصار: أننا نثبت لله ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه ، ونثبت لله ما أثبته له رسوله ﷺ ، وننفي عنه ما نفاه عنه رسوله محمد ﷺ ، وإذا أثبتنا شيئاً لله تنفى المماثلة والمشابهة، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا بإيجاز واختصار شديد كالمضمن في قولنا: لا إله إلا الله، فـ (لا إله) نفي الآلهة، (إلا الله) إثبات الألوهية لله .
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) نفي المماثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] إثبات السمع والبصر لله .
أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] من العلماء من التمس لها بعض التأويل، فقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: أن الله مهلكهم، واستدل قائل هذا القول بقول الله سبحانه تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف:٤٢] أي: أهلك ثمره، ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف:٤٢] ، واستدل أيضاً بقول الله : ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس:٢٢] ، فمن العلماء من قال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] ، أي: أن الله مهلكهم، ومنهم من قال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: محصٍ لأعمالهم ومجازيهم عليها.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج:٢١] أي: كريم.
قال تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢] ، من أهل العلم من قال: أي: مثبت في اللوح المحفوظ عند الله .
ومنهم من قال قولاً لا أعلم عليه دليلاً ألا وهو: أنه مثبت في جبهة إسرافيل، ولا أعلم لهذا القول سنداً لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكلمة (مَحْفُوظٍ) من أهل العلم من قال: (مَحْفُوظٍ) أي: مثبت، ومنهم من قال: مَحْفُوظٍ من أن تمتد له أيدي العابثين، كما قال سبحانه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، فمن أهل العلم من فسر (الباطل) بالشيطان.
стр. 2032
الأسئلة
стр. 2033
حكم إقامة جماعة ثانية في مسجد له إمام راتب
السؤال
ما حكم إقامة جماعة الثانية في المسجد الذي له إمام راتب؟
الجواب
الجماعة الثانية في المسجد الذي له إمام راتب جائزة إذا لم يتعمد مقيمها التخلف لإحداث فتنة، أما إذا أتى رجل متأخراً عن الجماعة الأولى ومعه فئة أخرى من الناس، جاز لهم أن يصلوا صلاة في جماعة، وهذا أفضل وأحب.
أما الدليل على فضله واستحبابه فمنه: أولاً: عموم الأحاديث التي وردت في فضل صلاة الجماعة.
وثانيا: ً خصوص حديث النبي ﷺ في الرجل الذي جاء متخلفاً، فقال ﷺ : (من يتصدق على هذا؟ من يتجر على هذا؟) .
أما حجة المانعين، فمن حججهم: أن النبي ﷺ أتى يوماً إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، فذهب وصلى بأهل بيته، وليس في هذا ما يمنع، فما الذي أدرانا أن هناك ناس في المسجد لم يكونوا قد صلوا، والنبي ﵊ ترك الصلاة معهم، فليس فيه مانع.
وكذلك من حججهم: بعض أفعال الصحابة، والإجابة على هذا أن المرفوع يقدم على الموقوف، والله أعلم، فكفى بحديث رسول الله ﷺ (من يتصدق على هذا؟) .
أما الأشياء التي يثيرها البعض ويقولون: إن هذا كان مفترضاً وكان هذا متنفلاً، وإمامة المفترض للمتنفل جائزة إذ هو أفضل منه.
إلى غير هذه الأشياء، فإنها لم تكن هذه على عهد أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد نقلت مقولة عن الإمام الشافعي ﵀ في معرض المنع وفهمت على غير وجهها، فكان السؤال الموجه للشافعي فيها عن قوم يتعمدون التأخر لإنشاء جماعة، فرأى الكراهية، فكانت الفتوى مقترنة بسؤال وجه الشافعي رحمه الله تعالى إلا إذا كان عموم المذهب الشافعي على شيء آخر فالله أعلم، لكن هذه الفتوى اطلعنا عليها في بعض كتب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فتعكر النقل عن الشافعي، فقد يقلل النقل المنقول عن الشافعي في الكراهية، وإنما هو مختصر بأقل من عموم الفتوى، والله أعلم.
стр. 2034
حكم صلاة المسافرين في جماعة ثانية بعد انتهاء الأولى
السؤال
هل يجوز للمسافرين إذا أتوا بعد فراغ الجماعة أن يصلوا في جماعة ثانية؟
الجواب
نعم جائز.
стр. 2035
حكم التلفظ بالنية
السؤال
هل التلفظ بالنية بدعة، وتبطل الصلاة؟
الجواب
أما بطلان الصلاة فلا أعلم دليلاً على بطلانها، أما التلفظ بالنية فلم يرد عن النبي ﷺ ، وهي للبدعة أقرب.
стр. 2036
عدم الالتفات إلى وساوس الشيطان أثناء العبادة
السؤال
إني أعمل العمل ويجئ الشيطان لي في وسط الطريق ويقول: افعلي كذا وكذا من أجل أن يقال عليك: كذا وكذا، وأنا كثير الاستعاذة، وهذا أمر يجعلني أتمنى الموت إن كان خيراً لي وأخاف أن أظل على هذه الحالة فيختم لي بسوء الخاتمة.
الجواب
لا تلتفتي للشيطان ما دمت قد بدأت العمل لله، فأكمليه لله، ولا تلتفتي إلى وساوس الشيطان.
فمثلاً: دخلت المسجد تصلي ركعتين وفي نيتك من الأصل أن تصلي ركعتين طويلتين تتأنى فيهما وتبتهل فيهما إلى ربك ، فمضيت على هذه الحالة فدخل رجل، فشرح صدرك وسررت بدخول هذا ورؤيته لك على هذه الحال، فلما سئل النبي ﷺ فقال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) كما في صحيح مسلم.
يعني: من المبشرات.
أنك ترى هذا الذي دخل عليك أنت لم تنوِ الرياء ولم يتسرب إليك الرياء، إنما دخل عليك وأنت على هذه الحال فأتم عملك لله، وأنت مثاب ومأجور وهذه من المبشرات، فإذا عملت عملاً، وانتابك الشيطان ليفسد عليك العمل فتعوذ بالله فقط وامضِ في عملك ولا تلتفت إليه.
стр. 2037
حال حديث: (أنا بريء من كل مسلم يعيش بين أظهر المشركين)
السؤال
ما صحة حديث: (أنا بريء من كل مسلم يعيش بين أظهر المشركين) ؟
الجواب
حديث (أنا بريء من المسلم يعيش بين ظهراني المشركين) لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، فالحديث مرسل، أرسله قيس بن أبي حازم، رجح المرسل الإمام البخاري، وأبو حاتم الرازي، والإمام الدارقطني، وغيرهما من الأئمة، فالصواب في حديث: (أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين، لا تتراءى نارهما) أنه مرسل، والمرسل من قسم الضعيف.
أما معناه فمن العلماء من قال: هو في الديات، أي: لا أؤدي عنه دية إذا قتل، ومنهم من قال: هي براءة عامة مما يصيبك، فمثلاً: أنت تعيش في بلاد المشركين، وقد قال لك الرسول ﷺ : هاجر إلى المدينة، وأنت اخترت البقاء في بلاد المشركين، فإذا أصابك شيء فلا يلزم الرسول ﷺ بشيء تجاهك.
ثم قال الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢] يعني: إذا كان هناك رجل يعيش في وسط المشركين واستنصرك وقال لك: تعال انصرني فأنا مظلوم فعليك النصر إلا على قوم بينك وبينهم ميثاق.
стр. 2038
تفسير سورة الطارق
كل نفس عليها حافظ من الله يحفظها ويحفظ أعمالها، وقد أقسم الله على هذه الحقيقة في سورة الطارق، وحث الإنسان على النظر في مبدأ خلقه، ليستدل به على قدرة الله على بعثه يوم الحساب، متوعداً الكافرين الذي يكيدون بالمسلمين بأنه يكيد بهم، فلا يستعجل مستعجل لإهلاكهم، فقد جعل الله لإهلاكهم موعداً.
стр. 2039
تفسير قوله تعالى: (والسماء والطارق)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول الله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق:١] .
أطلق على النجم أنه طارق؛ لأنه يطرق السماء ليلاً، وقد ورد في الباب حديث: (أعوذ بك من طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمان!) ، وقد يستدل مستدل بهذا الحديث على أن الطارق يطلق أيضاً على ما يطرق نهاراً، ولكن من العلماء من قال: إن إطلاق الطارق على الآتي نهاراً من باب المجاز، وفي قوله ﵊ -عند من صحح الخبر-: (أعوذ بك من طوارق الليل والنهار) أطلق على طارق النهار اسم طارق من باب المجاز وهذا كما قال الرسول ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) ، فالمراد بالأذانين الأذان والإقامة، فأطلق على الإقامة أذاناً من باب التغليب، وكما تقول العرب: جاء العمران، ويقصدون: أبا بكر وعمر ﵁، وكما يقولون: أرأيت الشمسين؟ ويقصدون: الشمس والقمر.
فالطارق: أصله الذي يطرق ليلاً، ومنه قول النبي ﷺ : (إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلاً يتخونهم يلتمس عثراتهم) ووصف النجم بأنه طارق؛ لأنه يطرق السماء ليلاً.
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ [الطارق:١-٢] ، من العلماء من قال: إن كل آية فيها: (وما أدراك) فقد أدراه الله -أي: محمد ﵊ أما التي فيها: (وما يدريك) فلم يُعلمه الله به، فكل آية فيها: (وما أدراك) فقد أدراه، (وما يدريك) فلم يدره، واستدل القائلون بهذا القول بعدة أدلة في كتاب الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٤-١٥] ، أما: وما يدريك، فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣] ، فلم يخبره الله بموعدها بالضبط، ومن العلماء من قال: إن هذا القول أغلبي، والله أعلم.
﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:٣] أي: أن الطارق هو: النجم الثاقب، أي: المضيء؛ لأنه يثقب بضوئه ظلام الليل، إذاً: الطارق: الآتي ليلاً وهو: النجم.
стр. 2040
تفسير قوله تعالى: (إن كل نفس لما عليها حافظ)
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق:٤] ، (لما عليها) .
أي: إلا وعليها حافظ، وكل نفس عليها حافظ.
ما المراد بالحافظ؟ لأهل العلم قولان: أحدهما: أن الحافظ: هو الذي يحفظ الأعمال ويكتبها، فالمعنى: ما من نفس إلا وعليها حافظ، وهو ملك يكتب الأعمال والأقوال ويحصيها ويسجلها، فالحافظ بمعنى: الكاتب الذي يكتب الأقوال والأفعال.
والمعنى الثاني للحافظ: من الحفظ، كما قال سبحانه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] أي: بأمر الله.
إذاً: هناك قولان في تفسير الحافظ: حافظ: يكتب الأعمال ويحفظها ويسطرها.
وحافظ: يحفظ الشخص من الأشياء التي لم يقدرها الله عليه، أما إذا قُدر عليه شيء فيتنحى الحافظ حتى يصاب الشخص بأمر الله .
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أي: إلا وعليها حافظ، والحافظ له معنيان كلاهما له شواهده من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ : الأول: بمعنى الكاتب: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] .
الثاني: بمعنى الحفظ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] .
فيقسم رب العزة سبحانه بالسماء، ويقسم بالطارق الذي في السماء وهو: النجم، وقد أقسم الله بالنجم في آيات أخر: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] ، يقسم الله بذلك على أن كل نفس عليها حافظ على الوجهين المتقدمين، فإذا اعتقدت هذا المعتقد استقامت سريرتك، وصلح حالك، وحفظت لسانك، إن علمت أن عليك حافظاً يسطر الأعمال والأقوال.
стр. 2041
تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان مم خلق)
قال سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥] تنبيه على أصل خلقة الإنسان حتى يتواضع ولا يغتر.
﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] .
الماء: هو المني، و (دافق) بمعنى: مدفوق، أي: خلق من ماء مدفوق، وكما قال العلماء في المني: إنه يخرج بشهوة، ودفق، ويتبعه فتور، فرب العزة يقول: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي: من ماء مدفوق، فهو تنبيه للإنسان على أصل خلقه الذي خلق منه حتى يتواضع لله ولا يستكبر، وإذا علم ما هو أصله، تواضع وخضع إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ [الطارق:٧] ، الصلب: فقرات الظهر، ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٧] المراد بالترائب عند جمهور المفسرين: موضع القلادة من صدر المرأة.
يعني: صدر المرأة بصفة عامة، أو بصورة أدق: المكان الذي يوضع عليه العقد الذي تلبسه المرأة، وهو المكان الذي بين الثديين، فالإنسان خلق من ماء دافق، ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ .
فعلى هذا هل الإنسان أصله من الرجل فقط، أم من الرجل والمرأة؟ هذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم، فمنهم من قال: خلق من الرجل فقط، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة:٣٧] ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ، ومنهم من قال: من الاثنين معاً، لقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْب وَالتَّرَائِبِ﴾ ، فالترائب: موضع القلادة من صدر المرأة، وهذا رأي جمهور المفسرين، بل نقل بعضهم الإجماع على هذا، وفي نقل الإجماع تحفظ.
стр. 2042
تفسير قوله تعالى: (إنه على رجعه لقادر)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٨] : ﴿إِنَّهُ﴾ [الطارق:٨] أي: ربه، ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ [الطارق:٨] الهاء في قوله: (على رجعه) ترجع إلى ماذا؟ فيها أقوال للعلماء: أحد هذه الأقوال: أن الضمير في قوله: (إنه على رجعه) راجع إلى الإنسان، أي: أن الله قادر على إرجاع الإنسان حياً بعد موته وذلك يوم القيامة.
وقول ثان: أن الله قادر على إرجاع الإنسان من حال الشيخوخة إلى حال الشباب إلى حال الطفولة، وهذا القول الثاني استظهره بعض العلماء في تأويل قول زكريا ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [آل عمران:٤٠] فزكريا أولاً قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم:٥] ، سأل ربه أن يرزقه الولد، ثم لما بشر بالولد قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أنى يكون لي ولد؟ ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم:٥] ، فلماذا هو سأل؟ ثم لماذا تعجب أن دعوته استجيبت؟ لأهل العلم التماسات للإجابة على هذا السؤال، فمنهم من يقول: إنه سأل وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:٣٨] فلما أخبره الله سبحانه أنه بشر بالذرية الطيبة أراد أن يستثبت من الخبر وهو لا يكذب لكن يفرح أكثر إذا أعيد الخبر على مسامعه، كأن يأتيك شخص مباشرة بخبر سار غاية السرور، يقول لك: حصل كذا وكذا، فتفرح فرحاً شديداً، لكن تريد أن يعاد الخبر على مسامعك مرة ثانية ومرة ثالثة، وتحب أن يعاد الخبر على مسامعك مرات، فهذا الوجه الأول: أنه أراد أن يعاد الخبر على سمعه مرات؛ تشوقاً لسماع البشرى.
والوجه الثاني: أنه سأل فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم:٨] أي: يا رب! هل الغلام سيأتيني وأنا على هذه الحالة من الكبر أو سأرد صبياً مرة ثانية؟ وزوجتي هي الآن عجوز عقيم عاقر، فهل سترجع شابة وتحمل؟ وكل هذا ليس بعزيز على الله ، وزكريا ﵇ كان يستفسر هذه الاستفسارات على قول بعض العلماء.
الشاهد: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ فيه أقوال: أحد الأقوال: أن الله قادر على إرجاع الإنسان حياً بعد موته للحساب يوم القيامة.
القول الثاني: أن الله قادر على إرجاعه من حال الشيخوخة إلى حال الشباب إلى حال الطفولة.
القول الثالث: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ أي: قادر على إرجاع المني إلى الأحليل وإلى صلب الرجل وإلى ترائب المرأة، فالله قادر على أن يرجع المني الذي أخرج بدفق إلى الصُلب الذي خرج منه، وإلى ترائب المرأة التي خرج منها، وإن كان هذا مستحيل بطرقنا الخاصة، فمستحيل تماماً أن يفعل هذا البشر، لكن الله سبحانه قادر على ذلك.
فهذه جملة الأقوال في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ .
стр. 2043
تفسير قوله تعالى: (يوم تبلى السرائر)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] .
قوله تعالى: (يوم تبلى السرائر) بعد قوله: (إنه على رجعه لقادر) جعل بعض العلماء يختار أن المراد بقوله: (إنه على رجعه لقادر) أي: على إرجاع الإنسان حياً بعد موته، قالوا: بدلالة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ، فإن الإعادة يوم القيامة، وآخرون قالوا: لا.
نحن سننظر إلى قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ على أنه جملة ابتدائية، فالمعنى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:٩-١٠] ، فيكون أنشأ معنىً جديداً متماسكاً فضلاً عن المعنى الذي سلف، ولا يلزم أن يكون بين كل الآيات ربط، فمن نظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ على أن الفقرات انتهت وبدأت بفقرات جديدة، حمل الآيات على المحامل التي تقدمت، ومن ربط بين: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ و ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ ، قال: قادر على إحيائه يوم تبلى السرائر.
(يوم تبلى) أي: تختبر وتظهر، (السرائر) : الأمور التي كان الشخص يسرها في الدنيا، فالأمور التي كان الشخص يسرها ويكتمها عن الناس في الدنيا تظهر، كما قال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠] ، ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس:٣٠] ، والآيات في هذا الباب كثيرة.
والابتلاء: يكون بمعنى الإظهار، وقد يكون بالخير وقد يكون بالشر، والابتلاء أيضاً يطلق على الفتنة والتعذيب الذي يظهر ما في دواخل الإنسان، كما في قول موسى ﵊: (إني بلوت بني إسرائيل بأقل من هذا فلم يصبروا) ، أو كما ورد في الحديث.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الطارق:١٠] أي: ما له من قوة يتقوى بها ولا ناصر ينصره.
стр. 2044
تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الرجع)
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق:١١] المراد بالرجع: الشيء الذي يأتي ويرجع مرة أخرى بعد مدة، ووصفت السماء بأنها ذات الرجع؛ لأنها ترجع بالمطر في المواسم على رأي أكثر المفسرين لهذه الآية، ففصل الشتاء تأتي فيه أمطار ثم ترجع السماء في فصل الشتاء القادم أيضاً وتأتي بالأمطار، وهكذا.
﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:١٢] ما هو الصدع؟ الصدع: التشقق، تقول: تصدع السقف: يعني: تشقق السقف، والناظر لهذه الآيات يجدها مترابطة، فالسماء وصفت بأنها (ذات الرجع) أي: تأتي بالمطر الذي ينزل كالمني، (والأرض ذات الصدع) أي: لها صدع وتشقق، فيها فتحات يدخل منها المطر فتنبت النبات، وكذلك المني المدفوق من الذكر ينزل في الفرج ويخرج الذرية بإذن الله تعالى، فبعض العلماء يربط بين الآيات مثل هذا الربط، وصفت السماء بأنها ذات الرجع كما وصف الإنسان بأنه يخرج منه ماء دافق، وهذا الماء يستقبله الفرج كما تستقبل الأرض ذات الصدع -ذات الشقوق- المطر فتنبت الأرض نباتاً، وتنبت النساء ذرية، وهذا النبات مآله إلى الزوال، وهذا الآدمي مآله إلى الموت، وهكذا الدنيا ضربت مثلاً، والله أعلم بكتابه وبتأويله.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:١٣] (إنه) أي: هذا القرآن.
(لقول فصل) أي: حق ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٤] أي: وما هو باللعب والباطل.
стр. 2045
تفسير قوله تعالى: (إنهم يكيدون كيداً)
قال الله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥] أي: يمكرون مكراً، والخطاب في (إنهم) عائد إلى الكفار.
(يكيدون كيداً) : يدبرون تدبيراً ويتآمرون مؤامرات، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] فهم لهم مكر وتدبير للفتك بالإسلام والمسلمين، ولكن لربنا تدبير أيضاً، فيقول سبحانه: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٦] أي: أنا أكيد كيداً، وقد قال بعض أهل العلم: إن من كيد الله : أنه يمدهم في طغيانهم، ويمدهم في النعيم، وينعم عليهم بالنعم، ويستدرجهم بهذه النعم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] يفتح لهم أبواب النعم ويقذف في قلوبهم الغرور، ثم يسقطون سقطة ينتقم الله فيها منهم .
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٧] أي: أنظرهم وأخرهم.
(أمهلهم رويداً) أي: قليلاً، فستأتيهم عاقبة أعمالهم السيئة التي عملوها.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2046
تفسير سورة الأعلى
سورة الأعلى وما أدراك ما سورة الأعلى! سورة كان النبي ﷺ يحبها، ويكثر من قراءتها، وشرع لأمته قراءتها في كل ليلة في صلاة الوتر، وما هذا إلا لعظم ما اشتملت عليه من المعاني العظيمة، ففيها تمجيد لله سبحانه، وبيان بعض أسمائه وأفعاله، وفيها البشارة للنبي ﷺ بحفظه للقرآن، وبشارة أخرى بيسر الأحكام، ثم ختمها بالترغيب في الزهد في هذه الحياة الدنيا، فما أعظمها من سورة!
стр. 2047
تفسير قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى)
قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] .
سبح: أي نزه ومجد وعظم.
سبح: أي: قل: سبحان الله، نزه الله، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣٠-٣١] إلى قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ﴾ [التوبة:٣١] أي: تنزه عما يوصف به من أعدائه، تنزه عن الولد، تنزه عن الزوجة، تنزه عن الشريك، تنزه عن الأب، تنزه عن الأم، وهكذا، (فسبح) معناها اللغوي والشرعي أيضاً: نزه، وتطلق كلمة (سبح) بمعنى: اذكر الله بقولك: سبحان الله، وتطلق كلمة (سبح) بمعنى: صل، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩] أي: صل صلاة الفجر وصلاة العصر على قول جمهور المفسرين.
إذاً سبح من معانيها: نزه، ومن معانيها: مجّد، ومن معانيها: عظم، ومن معانيها: قل: سبحان الله، ومن معانيها: صل لله، ومنه: قول ابن عمر: لو كنت مسبحاً لأتممت، أي: لو كنت مصلياً صلاة النافلة في السفر لأتممت صلاتي ولم أقصرها في السفر.
وهل المراد بـ (سبح اسم ربك الأعلى) : سبح ربك الأعلى، أو سبح الاسم نفسه يعني: نزه الاسم نفسه؟ فيها: قولان لأهل العلم: فمنهم من قال: إن كلمة: "اسم" هنا، تحصيل حاصل في هذا الباب، والمراد تسبيح الرب سبحانه، كما قال الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلامِ عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر في قصيدة مطلعها: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر فقوما وقولا بالذي قد علمتما ولا تخمشا وجهاً الشاهد قوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما، والمعنى: اجلسوا إلى الحول، ابكوا علي أو صيحوا علي، واعملوا الذي تعملوه من ذلك لمدة سنة ثم اسم السلام عليكما، يعني: يكفي وسلمكما الله فقد أديتما ما عليكما، فمن العلماء من قال: ثم اسم السلام عليكما، أي: ثم سلام عليكما، لا تبكيا علي بعد هذه السنة، فقال: إن (اسم) زائدة هنا، والمراد: ثم السلام عليكما مباشرة، وفي هذه الآية من العلماء من قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ أي: نزه ربك، ومجد ربك، وعظم ربك، وصل لربك، وقل: سبحان ربي الأعلى، وكان ابن عمر ﵄ إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى، ومن العلماء من قال: نزه الاسم أيضاً، فلا يتسمى أحد باسم الله، ولا يوجد أحد يقول: اسمي الله، ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أسماء الله التي لا يتسمى بها إلا هو فيسمي بها نفسه، فالكفار مثلاً سموا اللات بهذا، وأخذوه من لفظ الجلالة: (الله) وأضافوا إليه التاء، وأخذوا اسم: العزى: من العزيز، فنزه اسم ربك عن أن تسميه كما يسميه المشركون، وأن تصفه كما يصفه المشركون، فهذا القول الثاني.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ تقدم أن ابن عمر كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى، وصح من مجموع الطرق أن النبي ﵊ لما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم، ولما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] قال: (اجعلوها في ركوعكم) .
стр. 2048
حكم التسبيح في الركوع والسجود
هل قوله ﵊: (اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم) على الوجوب أو على الاستحباب؟ أي: هل يجب على الشخص أن يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وأن يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، أم أن هذا مستحب؟
الجواب
ورد عن النبي ﵊ لفظ آخر في الركوع وفي السجود غير اللفظ، فلو كان التسبيح بهذا اللفظ واجباً لما تركه وقال بدلاً عنه: (سبحانك الله ربنا وبحمدك، اللهم! اغفر لي) ، وكان النبي يقول في صلاة الليل: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ، وكان يقول: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين) ، فلما تنوعت الأذكار أصبح الأمر في قوله: (اجعلوها في سجودكم) ، ليس أمر إيجاب، إنما أمر ندب واستحباب وإرشاد.
стр. 2049
حكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهد
الصلاة على النبي في التشهد: هل هي واجبة أو ليست واجبة؟ قيل: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد واجبة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، لكن هل قال الله في الآية: إن الله وملائكته يصلون على النبي فصلوا عليه وسلموا تسليماً في الصلاة بعد التشهد، أو هي مطلقة؟ هي مطلقة، إلا فقصرها على الصلاة يحتاج إلى دليل.
هل تجب الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد أو يستحب؟ افرض أنك متعب وتريد أن تسلم بسرعة، وأتيت إلى قولك: "أشهد أن محمداً عبده ورسوله"، السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله، وقضيت صلاتك، أو كان القطار سيتحرك وأنت تصلي فقلت في التشهد: "أشهد أن محمداً عبده ورسوله"، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فهل تصح هذه الصلاة؟ الرسول ﵊ لما علم ابن مسعود التشهد وصل إلى قوله: (أشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم قال: ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليك) ، افرض أنه لم يعجبك حاجة، والدعاء ليس بواجب، فلم تدع وسلمت؟ لا شيء عليك، أما حديث: أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي ويدعو ولم يحمد الله، ولم يصل على نبيه، ولم يثن على الله، فقال: (عجل هذا، إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه) ، فليس بصريح في الوجوب، وإذا لم يدع لا شيء عليه، ثم إذا دعوت الله هل واجب عليك أن تحمد الله قبل الدعاء وتثني عليه وتصلي على النبي أم أنه مستحب؟
الجواب
مستحب، أما استدلال من استدل بقوله: علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: (قولوا: اللهم! صل على محمد) ، فقد قال الإمام الشوكاني: إن هذا للتعليم؛ لأنهم سألوه: علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ فليس فيه صيغة وجوب.
قال الله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ، وقال الله لموسى: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨] ، لكن فرق بين الأعلى في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ، وفي قوله لموسى: (إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى) أي: الأعلى على أعدائك.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢] ، خلق الخلق فسوى خلقهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] .
стр. 2050
تفسير قوله تعالى: (والذي قدر فهدى)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣] قدر المقادير وهدى الخلائق إلى هذه المقادير التي قدرت لها، مثلاً كتب لك أن تموت في القاهرة، فيهديك الله إلى أن تذهب إلى القاهرة حتى تلقى حتفك هناك، أو كتب لك أن ترزق في المنصورة بمال أو بزواج، فتساق إلى هذا المكان حتى يمضي فيك وقضاء الله وأمره، فقدر المقادير وهدى الخلق إلى هذه المقادير التي قدرت لها، ومن العلماء من قال: هدى الذكور إلى مآتي النساء، هدى الرجال إلى كيفية جماع النساء، وهدى البهائم إلى كيفية جماع إناثها، هدى الذكور بصفة عامة إلى مآتي الإناث، فالمعنى: هدى الذكور إلى مآتي النساء، وهدى الخلق إلى ما كتب لهم وقدر لهم.
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى:٤] المرعى هو: النبات الذي يُرعى، والنبات الذي تأكله الدواب والأنعام.
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى:٥] ، (الغثاء) : اليابس، يعني: أخرج المرعى وكان أخضر، ثم سرعان ما يبس المرعى وأصبح متفتتاً، كما لا يخفى عليكم في شأن النبات، فالبرسيم أخضر، وبعد مدة ينشف ويعملون منه ما يسمى: (بالدريك) .
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ [الأعلى:٥] أي: يبساً ﴿أَحْوَى﴾ [الأعلى:٥] : من الحوة وهي: التغير من الخضرة إلى السواد.
يعني: يبدأ في اليبوسة وتغير اللون.
стр. 2051
تفسير قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى)
قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦] أي: سنقرئك -يا محمد- هذا القرآن فلن تنساه، قال فريق من العلماء: إن النبي ﷺ -مع أنه كان أمياً- حفظ القرآن، وأتقن الحفظ ﵊، ففي الآية -إذاً- معجزة لرسول الله ﵊، فمع كونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فقد حفظ صلوات الله وسلامه عليه هذا القرآن، ولم يكن هناك معلم من البشر يعلمه، فدل ذلك على الإعجاز.
وكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه بالقرآن الذي تلي عليه حتى لا ينساه، فكان جبريل يقرأ والرسول يقرأ معه، فنزل على النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦-١٧] أي: جمعه لك في صدرك وأن تقرأه.
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨] أي: فاستمع لقراءته.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] أن نبينه للناس، فهذه الآيات مشابهة لقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ وفي هذه الآية دليل على أن الحافظ هو من حفّظه الله ، وأن الذاكرة من الله، وهذا يحملك على عدم الكبر والغرور.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٧] هذا الاستثناء دليل على أن النبي ﷺ قد ينسى بعض الآيات إذا أراد الله ذلك، وهل ثبت أن النبي نسي بعض الآيات؟ نعم.
ثبت أن النبي ﷺ نسي بعض الآيات التي رفعت من الصدور تماماً، وليس من صدر النبي ﷺ فقط بل من عموم أمة محمد، كما ورد في صحيح مسلم بسند حسن عن حذيفة قال: (إن سورة الأحزاب كانت في طولها مثل البقرة!) ، فنسخت من الصدور، وبقي منها هذا القدر، وأيضاً قد ينسى النسيان المعتاد، كما قال ﵊: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون) ، وقال: (يرحم الله فلاناً! لقد أذكرني آية كيت وكيت من سورة كيت وكيت، كنت أنسيتها) .
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:٧] ، كقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء:١١٠] ، وكقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل:١٩]
стр. 2052
تفسير قوله تعالى: (ونيسرك لليسرى)
قال تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] .
(نيسرك) أي: سنهيئك، (لليسرى) : لعمل الخير، فالشخص قد ييسر لليسرى، وقد ييسر للعسرى.
يعني: قد يسهل لعمل الخير، فيكون عمل الخير خفيفاً على قلبه في غاية الخفة بصفة عامة، وقد يسهل لعمل الشقاوة، فيكون عمل الخير عليه من أثقل ما يكون، فالله سبحانه قد يشرح صدر العبد لعمل الخير، وقد يشرح صدره للكفر والعياذ بالله، فقوله تعالى: (وَنُيَسِّرُكَ) أي: سنهيئك -يا محمد- ونسهل عليك عمل الخير، فيقوم إلى صلاة الليل -مثلاً- وهو منشرح الصدر فرحاً بالقيام لصلاة الليل، وفرق بين شخص قام إليها فرح، وشخص إذا ضربته بالسياط لا يقوم، والتيسير لليسرى ليس في الصلاة فحسب، بل في كل أبوب الخير، شخص يخرج من جيبه الجنية أو العشرة جنيهات يتصدق بها وهو في غاية السعادة، وشخص إذا جاء ليخرج عشرة قروش صدقة مع أنه ينفق مئات وآلاف الأموال في الباطل، لكن عشرة قروش لله ثقيلة عليه، وكأنه سيموت إذا خرجت منه هذه العشرة قروش!! فالأول ميسر لليسرى، والثاني ميسر للعسرى، وكشخص تقول له: صم تطوعاً، فيبادر ويسعد غاية السعادة؛ لأنه صائم، وشخص يأتي عليه رمضان وهو في أشد الكره لرمضان.
التيسير لليسرى من نعم الله على العبد، وكما قال الله في شأن الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] ، على قول من قال: إن الضمير يرجع إلى الصلاة، ومنهم من قال: إنه راجع إلى الاستعانة بالصبر والصلاة معاً.
قال : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ أي: نسهلك لعمل الخير، ومن العلماء من قال: سنجعل شريعتك سمحاء سهلة، (فالأيسر) الأسهل.
أي: يا محمد! شريعتك سمحاء سهلة، ليس فيها التشديد، وليس فيها الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، وقد قال النبي: (بعثت بالحنيفية السمحة) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] .
ومن أسباب التيسير لليسرى: دعاء الله ، ومن ذلك: دعوة موسى ﵇ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥-٢٦] .
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥-٧] فإذا جاهدت نفسك وأخرجت مالاً لله، راجياً ثواب الله، فالله يهيئ لك عمل الخير، فالخير يفتح باباً آخر للخير، وقد تمشي وتجد -مثلاً- طوبة في الطريق أو حجراً، فتقول: أرفع الحجر؛ لأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويحضرك حديث النبي ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، فتقول: أنا أمطت الأذى فآخذ أيضاً بأعلاها: "لا إله إلا الله"، فباب خير يجرك إلى باب آخر من الخير، وهكذا
стр. 2053
تفسير قوله تعالى: (فذكر إن نفعت الذكرى)
قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى:٩] (ذكِّر) يعني: عظ، ففيه حث على الوعظ، وهذا مسلك الأنبياء عموماً ومنهم: نبينا محمد ﷺ .
قال العرباض بن سارية: (خرج علينا رسول الله ﷺ ، فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون) ، وكان موسى ﵊ يعظ بني إسرائيل، فوعظهم مرة موعظة حتى بكوا منها واخضلت لحاهم بدموعهم، ورب العزة قال: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣] فالموعظة مسنونة، لكن ينبغي ألا يكثر في الوعظ.
قال أهل العراق لـ ابن مسعود: لماذا لا تعظنا -يا ابن مسعود - أكثر مما تعظنا؟ قال: إني أكره أن أُملكم، إنما أتخولكم بالموعظة كما كان النبي يتخولنا ﷺ بالموعظة، وكان ابن مسعود يحدثهم كل خميس.
فإذا قال قائل: فلماذا دروس العلم تقام يومياً؟ فالإجابة: هناك فرق بين العلم وبين الوعظ، فالوعظ: جانب من جوانب العلوم، لكن هناك علوم وفرائض يجب أن تُتعلم.
يقول الله سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: فعظ وخوف، ورغب ورهب.
﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] ، ما معنى (إن) في هذا المقام؟ من العلماء من قال: (إن) بمعنى (قد) ، فالمعنى: فذكر فقد تنفع الذكرى.
ومن العلماء من قال: هنا مقدر محذوف، والتقدير: فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع.
ومن أهل العلم من قال: (إنْ) في هذا المقام بمعنى: (حيث) ، فالمعنى: فذكر حيث تنفع الذكرى، فعلى هذا الأخير لا تكون التذكرة إلا إذا ظن الشخص أنها ستنفع، أما إذا ظن الشخص أن التذكرة ستسبب بعداً عن الدين أو سباباً للدين؛ فالأولى الإمساك عنها.
أي: إذا كان الواعظ يظن والتذكرة ستنفع هذا الشخص، أو إذا لم تنفعه التذكرة فلن يأتي منه شر؛ فحينئذ يذكره، لكن إذا كان الشخص يتوقع من حاله أنه إذا ذكر سب الدين، ففي هذه الحالة يمسك عنه؛ لأن التذكرة ستؤدي إلى مفسدة أعظم من حاله التي هو عليها، فمن العلماء من قال: (إن) هنا بمعنى: (حيث) ، وهذا له شواهد في اللغة والشرع، فالوعظ قد يمسك عن التذكرة لأقوام خشية أن ينالوا الشرع بسوء، فمن الناس من إذا جئت تذكره يسب السنة والدين!! ففي هذه الحالة الإمساك عن تذكرته أولى وأنفع، وبعض العلماء -كما سمعتم- يقول: (إن نفعت الذكرى) بمعنى: (حيث تنفع الذكرى) ، ومنهم من يقول: فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، ممكن تقول لواحد شقي: افعل كذا وكذا، فيقول لك: تعلمني يا ابن الكلبة!! ويشتم.
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ [الأعلى:١٠-١١] أي: سيتعظ من يخاف الله، ويتجنب هذه التذكرة الشقي الذي كتب في علم الله أنه سيموت على الكفر.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى:١٠] أي: سيتعظ وينتفع بالتذكرة من يخشى، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ [الأعلى:١١] يبتعد عنها وعن الانتفاع بها الأشقى.
قال فريق من أهل العلم: المراد بالأشقى: الكافر الذي سبق في علم الله أنه سيموت على الكفر، والتقييد بما سبق في علم الله؛ لأن هناك كفاراً انتفعوا بالذكرى، فالصحابة كانوا كفاراً، ولما ذكرهم الرسول ﵊ تذكروا.
﴿الَّذِي يَصْلَى﴾ [الأعلى:١٢] أي: يدخلها يصلي بحرها، ويذوق هولها.
﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:١٢] لماذا وصفت النار بأنها كبرى؟ قال الرسول ﷺ : (ناركم التي توقدون عليها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم!) .
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١٣] أي: لا هو بميت فيستريح، ولا هو بحي يحيا، قال النبي ﷺ : (يؤتى بالموت في صورة كبش، فيوقف على قنطرة بين الجنة والنار، وينادى: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت، وينادى: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، فيذبح الموت على قنطرة بين الجنة والنار) ، ثم تلا النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩]-الذي هو ذلك اليوم- ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩-٤٠] فالحسرة متعددة على الكافر، يوم موت الكافر يوم حسرة عليه، فبعد الموت لا مجال للتوبة، ويوم ذبح الموت على قنطرة بين الجنة والنار يوم حسرة أيضاً على الكفار، فبعد ذلك لا مجال أبداً للرأفة ولا للرحمة ولا لأي شيء.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ كما قال تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] .
стр. 2054
تفسير قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى)
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] ، (الفلاح) : هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، والمطلوب هو: الجنة، والمرهوب هو: النار، (فأفلح) معناها: قد فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه.
(من تزكى) : (مَنْ) بمعنى: الذي (تزكى) أي: زكى نفسه من الشرك ومن المعاصي، ومن العلماء من قال: تزكى: من الزكاة، أي: أخرج الزكاة، لكن القول الأول أقرب، وعليه كثير من أهل العلم في هذه الآية، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] أي: زكى نفسه، ففي قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قولان مشهوران: القول الأول: تزكى من الذنوب، أي: تطهر من الذنوب والمعاصي والشرك.
القول الثاني: تزكى أي: أخرج الزكاة، والقرينة التي تؤيد قول من قال: إن المراد بالتزكي: إخراج الزكاة، قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٥] فقالوا: ذكر الصلاة بعد الزكاة، وحمل بعضهم ذلك على زكاة الفطر وصلاة عيد رمضان، وقال آخرون بالعموم.
стр. 2055
تفسير قوله تعالى: (بل تؤثرون الحياة الدنيا)
قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى:١٦] أي: تقدمون وتفضلون الحياة الدنيا على الآخرة، وقيل للدنيا: دنيا، لقرب زوالها، فالأدنى: هو الأقرب، والدنيا: هي القريبة، أي: قريبة الزوال.
﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا﴾ [الأعلى:١٧-١٨] أي: المذكور في هذه السورة كلها، أو على وجه الخصوص ذكر إيثار الحياة الدنيا موجود مثبت في الصحف الأولى، ففي قوله: (إِنَّ هَذَا) قولان: القول الأول: الإشارة ترجع إلى كل ما ذكر في هذه السورة.
القول الثاني: ترجع إلى أقرب مذكور، وهو: إيثار الحياة الدنيا، أي: أن الخلق يؤثرون الحياة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة:٢٠-٢١] ، فهذا الشيء بالضبط موجود في الصحف الأولى، ومثبت ومسطر في الصحف الأولى.
ما هي الصحف الأولى؟ ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأعلى:١٩] ، فدل ذلك على إن إبراهيم ﷺ نزلت عليه صحف، كما قال الله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٦-٣٧] أي: وبما في صحف إبراهيم الذي وفى أيضاً.
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩] موسى ﷺ ذكرت له صحف، وذكرت له التوراة، وذكرت له الألواح، فهل الألواح والتوراة والصحف الأولى التي نزلت على موسى هي مسمى لشيء واحد؟ هل نقول: إن التوراة هي: صحف موسى وهي الألواح، أم هي ثلاثة أشياء؟ لأهل العلم قولان في هذا الباب، ولا دليل يحكم به في هذه القضية عن النبي ﷺ .
(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى) (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) فالتحذير من إيثار الدنيا على الآخرة ليس موجوداً في شرعنا فحسب، بل هو على لسان الأنبياء عموماً، فهناك أمور يدعو إليها جميع الأنبياء وهناك أمور يحذر منها جميع الأنبياء، فجميع الأنبياء يدعون إلى التوحيد، ويحذرون من الشرك، ويرغبون في الآخرة، ويزهدون في الحياة الدنيا، ويحذرون من المسيح الدجال، كما قال نبينا محمد ﵊: (ما من نبي إلا وقد أنذره قومه، ألا وإني أنذركموه: إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور) .
هذا، وقد كان رسولنا ﵊ يحث على قراءة سورة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) في الصلوات، ففي صلاة العشاء يقول لـ معاذ: هلا صليت بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) ، وكان يقرأ بها في الركعة الأولى من صلاة الوتر، ويقرأ في الثانية: بالكافرون، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وكان ﵊ يقرأ بها في الركعة الأولى من صلاة الجمعة، وكان ﵊ يقرأ بها أحياناً في العيدين، ويسن أن يقرأ بقصار المفصل في صلاة العشاء، وفي صلاة المغرب على وجه الخصوص، وإن قرأ أحياناً بغيرها فلا بأس، لكن هذا يكون الغالب، كما قال النبي لـ معاذ: (أفتان أنت يا معاذ! هلا صليت بـ (الشمس وضحاها) و (سبح اسم ربك الأعلى) و (الليل إذا يغشى) و (والسماء والطارق)) ، كما في الروايات، فالأتبع للسنة أن تقرأ سورة من قصار المفصل كاملة في الصلاة، أو تقرن بين سورتين إن شئت، فهذا هو الأقرب إلى اتباع سنة النبي ﵊، وإن قرأت بغير ذلك جائز ولا إشكال في ذلك، لكن لا يستعرض الإمام عضلاته على المصلين، فإن هناك من الأئمة من يلزم المصلين بطريقته وبحفظه، فهو يحفظ القرآن، ويقرأ لهم مثلاً في صلاة الفجر بعشر آيات من سورة البقرة، ثم في صلاة المغرب يكمل العشر الآيات التي بعدها، وهكذا.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2056
تفسير سورة الغاشية
سورة الغاشية من السور التي جاء فيها بيان أحوال طائفتين من الناس: الطائفة الأولى هم أهل الوجوه الخاشعة الذين حق عليهم العذاب، والطائفة الثانية هم أهل الوجوه الناعمة الذين أعد الله لهم النعيم المقيم إلى آخر ما جاء في هذه السورة العظيمة من الآيات التي تبين قدرة الله ووحدانيته.
стр. 2057
تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث الغاشية)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فسنتناول بمشيئة الله تفسير سورة الغاشية، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ بسورة الغاشية في الركعة الثانية من ركعتي الجمعة، ويقرأ في الركعة الأولى: بـ (سبح اسم ربك الأعلى) .
يقول الله : ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [الغاشية:١] ، من العلماء من قال: (هل) هنا بمعنى: (قد) ، فالمعنى: قد أتاك حديث الغاشية.
الخطاب لمن؟ منهم من قال: إنه للرسول ﷺ .
ومنهم من قال: إنه لعموم الإنسان.
فالمعنى على هذا الوجه: قد أتاك أيها الإنسان حديث الغاشية، أو قد أتاك يا محمد حديث الغاشية.
ومن العلماء من قال: إن هذا الاستفهام للتنبيه، ومجيء الاستفهام لقصد التنبيه له شواهد في سنة رسول الله ﷺ متعددة، قال النبي ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ بن جبل! ثم سكت، ثم قال: يا معاذ بن جبل! ثم سكت، ثم قال: يا معاذ بن جبل! وكل مرة معاذ يجيب: لبيك وسعديك يا رسول الله، والرسول يسكت، ففي الثالثة قال: هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: إن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله إن هم فعلوا ذلك ألا يعذبهم) ، فاستفهم الرسول ﷺ من معاذ حتى يلفت انتباه معاذ إلى ما سيلقى عليه، ولهذا نماذج متعددة في سنة رسول الله ﷺ .
من العلماء من قال: إن الاستفهام للتنبيه، وقال آخرون: المعنى: إن كنت تسأل أيها الإنسان عن حديث الغاشية فقد جاءك حديث الغاشية.
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ﴾ [الغاشية:١] والحديث المراد به هنا: الخبر؛ خبر الغاشية، فكلمة (الحديث) لها عدة معان، فالقرآن حديث، قال الله : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] فأطلق على القرآن حديثاً، وحديث رسول الله ﷺ حديث، وكلام الناس حديث، فالحديث يطلق على الكلام، ويطلق على الخبر.
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] أي: خبر الغاشية، والغاشية للعلماء فيها قولان: القول الأول: أن المراد بالغاشية: النار، ومستند هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠] تغشى أي: تغطي على وجوه الكافرين.
ومن أهل العلم من قال: إن الغاشية هي القيامة؛ لأنها تغشى الناس بأهوالها وكروبها.
ومن أهل العلم من قال: إن الغاشية هي النار وهي القيامة معاً، فلم يرد خبر يقصر الغاشية على النار دون القيامة، ولا يقصر الغاشية على القيامة دون النار، فالقول بالتعميم أولى، فالنار غاشية، والقيامة -أي: الساعة- غاشية، لأنها تغطي على كل ما سواها من أخبار وفظائع وأنباء.
стр. 2058
تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذٍ خاشعة)
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] .
ما هي متبوعات هذه الغاشية؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية:٢] من أهل العلم من قال: إن الوجوه الخاشعة هي: وجوه الكفار، لقول الله : ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى:٤٥] يعني: هؤلاء هم الكفار، وتأيد هذا القول بأن الله وصف وجوهاً بأنها خاشعة، وبعد آيات قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨] فهناك وجوه خاشعة، ووجوه ناعمة، فقالوا: إن الوجوه الخاشعة هي: وجوه الكفار، والوجوه الناعمة هي: وجوه أهل الإيمان، ومن أهل العلم من قال: إن الوجوه الخاشعة عموم الوجوه، فكل الوجوه تخشع -أي: تخاف- لقوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] لكن القول الأول أصح، لذكر الوجوه الناعمة بعد ذلك، فالمراد إذاً -والله أعلم- بالوجوه الخاشعة: وجوه أهل الكفر، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ وأصل الخشوع هو: الخضوع والذل، والخشوع يطلق على الخضوع، ويطلق على الذل، ويطلق على الانخفاض كذلك، كما قال الله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر:٧] أي: ذليلة أبصارهم ومنخفضة أبصارهم، ونقول: رجلٌ خاشع في صلاته.
أي: خاضع ومنكسر بين يدي ربه .
стр. 2059
تفسير قوله تعالى: (عاملة ناصبة، تصلى ناراً حامية)
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢-٤] ، قد يطرح سؤال فحواه: هذه الوجوه الخاشعة: كيف جمعت بين الخشوع بين كونها تصلى النار في قوله تعالى: وبين قوله: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ؟! المعهود أن من مستلزمات الخشوع أن يأمن العبد، لكن الإجابة: أن الخشوع في الدنيا غير الخشوع في الآخرة، فالخشوع من الله في الدنيا يتبعه أمنٌ في الآخرة، أما عدم الخشوع لله في الدنيا يتبعه ذلٌ وانكسارٌ في الآخرة، فالخشوع والذل في الآخرة للكفار غير خشوع المؤمنين لربهم في الدنيا، فمن كان يسجد لله ويذل نفسه لله في الدنيا فهو آمن في الآخرة، ومن استكبر عن السجود في الدنيا أذل في الآخرة، كما جاء في حديث صحيح البخاري وغيره: (ويأتي رب العزة فيكشف عن ساق، أو فيكشف عن ساقه، ويأتي يسجد له كل من كان يسجد له في الدنيا، ويأتي من كان يسجد رياءً وسمعة كي يسجد، فيخر لوجهه طبقاً واحداً، لا يستطيع السجود) ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] .
قوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ يعني: متعبة، ومنه: قول الله : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] أي: إذا فرغت من أعمالك الدنيوية ((فَانصَبْ)) أي: فاجتهد واتعب في عبادة ربك ، واتعب في دعاء ربك ، على قول.
القول الثاني: إذا فرغت من الصلاة، ((فَانصَبْ)) أي: فاجتهد في الدعاء بعد الصلاة، وهو قول قتادة، ومنه قول رسول الله ﷺ في شأن خديجة: (إن جبريل بشرها ببيت من القصب لا نصب فيه ولا وصب) .
فالنصب هو: التعب، فقوله : ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ يعني: الوجوه الخاشعة، أو هي وجوه قوم حالهم أنهم يعملون وينصبون، يعملون ويتعبون، فيطرح هنا
السؤال
متى هذا التعب؟ ومتى هذا النصب؟ من العلماء من قال: إن هذا التعب والنصب في الآخرة، يعني: أن أصحاب الوجوه الخاشعة لا يعملون أعمالاً مريحة، وإنما يعملون أعمالاً شاقة مرهقة متعبة، فإن قال قائل: وهل في الآخرة عمل ونصب؟ الإجابة: نعم.
أهل النار ليسوا في سجن وعذاب في النارِ فقط، بل يسميه العامة: أشغال شاقة مؤبدة مضافة إلى السجن الذي هم فيه، وليس كتأبيد الأشغال في الدنيا، بل خالدين مخلدين فيها، فإن قال قائل: ما هذه الأعمال التي يعملوها في النار؟ ف
الجواب
من هذه الأعمال: الصعود والنزول -يعني: يصعدون في النار في جبال وينزلون- كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن:١٧] ، وكما قال سبحانه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧] أي: سأتعبه في الصعود، والصعود في الدنيا يتعب، فأنت إذا صعدت بيتاً مرتفعاً أو سلالم مرتفعة تتعب وترهق، فما بالك إذا صعدت في النار؟ إضافة إلى عذاب النار ولهيبها يرهق أيضاً فيها بالصعود، فإن قال قائل: وهل النار فيها انخفاضات وارتفاعات؟ فالإجابة: نعم.
ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان جالساً مع أصحابه إذ سمع صوتاً، فقال لأصحابه: (أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجرٌ ألقي في النار منذ سبعين خريفاً فلم يصل إلى قعرها إلا الآن) فالشاهد: أن من أنواع العمل؛ العمل المرهق المتعب في النار، وهو: أن يرهق الشخص فيها صعوداً -أي: يصعد في النار- كما قال الله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] فالذي يصعد في السماء، يتعب ويرهق ونفسه ينيقطع، ففي النار عذاب إضافة إلى كونها ناراً، عذاب الصعود، كما ذكره الله : ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ وقوله: ((يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)) ، ومن أهل العلم من قال: إن النار من شدة حرِّها ترفعهم فيها وتخفضهم، وهذا أيضاً نوعٌ من العمل، وذلك مثل القدر الذي يغلي بالماء وتحته نارٌ شديدة، فإنك عندما تضع فيه مثلاً بطاطس، فإن البطاطس تصعد إلى أعلى وتنزل ثانيةً، وهكذا تفعل بهم هذه النار الشديدة، ترفعه إلى أعلى ثم يهبط، ثم يرفع إلى أعلى وهكذا، فأحد الأقوال في تفسير العمل الذي يعمله أهل هذه الوجوه الخاشعة أن العمل: الصعود في النار، وقول آخر: إن المراد بالعمل هو: التلاعن الدائم بين أهل النار، فهم فدائماً في سباب وتلاعن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] الآيات، وكما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] ، ومن هذا العمل أيضاً: الصياح والعويل والدعاء على أنفسهم بالهلاك، كما قال الله : ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤] ، إلى غير ذلك من الآيات، فمن أنواع العمل: العتاب الزائد، والتلاعن الزائد بين أهل النار، كما قال تعالى أيضاً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] وكما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، فمن أهل العلم من قال: إن هذا العمل والنصب يعني: هذا العمل المتعب المرهق يكون في النار، ومن أهل العلم من قال: إن هذا العمل وهذا النصب يكون في الدنيا، فأصحاب هذه الوجوه الخاشعة عملوا أعمالاً وأنفقوا أموالاً طائلة، وعملوا أعمالاً كبيرةً في دنياهم ولكنهم لم ينتفعوا بهذه الأعمال، بل ذهبت هذه الأعمال سدىً، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد:٦] أي: أنفقت كثيراً من الأموال في عداوة محمد وعداوة المسلمين، وكما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] ، وكما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:١٨] ، فمن العلماء من قال: أن هذا العمل والتعب كان في الدنيا لكن لم ينتفعوا بهذا العمل في الآخرة، كما قال جل ذكره: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٥] ، لكن القول الأول أن هذا العمل والنصب في الآخرة قول أكثر المفسرين، وهو القول الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ بعد قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فخشوع وجوه أهل الكفر يكون يوم القيامة.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي: ذليلة ساكنة؛ أسكنها الذل، وأسكنتها جرائمها وشركها بالله، فذلت وانكسرت يوم القيامة.
﴿تَصْلَى نَارًا﴾ [الغاشية:٤] (تَصْلَى) أي: تذوق، أو ترد، أو تدخل، فكله من معنى ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ فقد قال النبي ﷺ : (ناركم التي توقِدون، جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم) .
стр. 2060
تفسير قوله تعالى: (تسقى من عين آنية)
قال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٥] ، ما معنى آنية؟ الآنية هي: التي بلغت أعلى درجات الحرارة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣] ، إناه: يعني: نضجه واستواؤه.
((لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)) فكان البعض يتحين وقت نضج الطعام في بيت رسول الله، فإذا ظن أن الطعام طبخ واستوى استأذن ودخل حتى يأكل من الطعام، فالمراد (بإناه) : نضجه واستواؤه، كذلك ((عَيْنٍ آنِيَةٍ)) فالعين: معروفة، أما الآنية، فهي التي بلغ الماء فيها أعلى درجات الحرارة.
стр. 2061
تفسير قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع)
قال الله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] الضريع: بعض أهل العلم يقولون: هو طعامٌ خبيث من نبات يقال له: ضريع يعرفه العرب، وهو سمٌ من السموم، يمزق الأمعاء في الدنيا، لكن ضريع الآخرة أشد.
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ فإن قال قائل: كيف قيل هنا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٦] وهو: صديد أهل النار، أو غسالة أهل النار، فكيف يوفق بين هذه الآيات؟ من العلماء من قال: إن هذا محمولٌ على التنوع، فمن الكفار من ليس لهم طعام إلا من ضريع، وكفار آخرون ليس لهم طعامٌ إلا من غسلين، فأهل النار يتفاوتون في العذاب، كما قال : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ، وكما قال جل ذكره: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سأله العباس وقال: يا رسول الله! أبو طالب كان يحوطك ويرعاك ويمنعك فهل نفعته بشيء، قال: (نعم.
هو في ضحضاح من نار يغلي منهما دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) فدلت هذه النصوص على أن أهل النار يتفاوتون في العذاب، كما قال جل ذكره: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨] ، وكما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٢-١٣] فدلت هذه النصوص على أن أهل النار يتفاوتون في العذاب.
الشاهد: أن من أهل العلم من قال: إن هناك طوائف من أهل النار طعامها الغسلين، وطوائف من أهل النار طعامهم ضريع، وقولٌ آخر: إن الأطعمة تتنوع لكن في وقت معين طعامهم الضريع ليس لهم إلا الضريع، فمثلاً: ألف سنة طعامهم الضريع، وألف سنة أخرى طعامهم الغسلين، ليس لهم إلا هو، ((لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ)) وثم أقوال أخر.
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وهل الضريع والغسلين طعام حتى يقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ ؟ الإجابة: أن الضريع والغسلين أطلق عليهما تجوزاً: طعام وإلا فهما كما قال سبحانه: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] ، ومن العلماء من قال: هو استثناء منقطع، ليس لهم أكل لكن لهم الضريع، كما قال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس فاليعافير ليست بأنيس.
قال سبحانه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ * ﴿لا يُسْمِنُ﴾ هذا الضريع لا يسمن الأجسام، ((وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ)) فلما كان ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ فوجه الضرر فيه محض؛ أنه لا يشبعهم بل يزيدهم ألماً إلى آلامهم.
стр. 2062
تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة)
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ كما أسلفنا أن من أهل العلم من قال: إن من أسباب تسمية الآيات مثاني، وإطلاق المثاني على آيات القرآن: أنه يأتي بأوصاف قومٍ وأوصاف قومٍ مقابلين لهم، فلما ذكر الله سبحانه أوصاف الكافرين ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ ثنى بوصف حال المؤمنين فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ ، فمن أهل العلم من قال: إن المراد بالوجوه الناعمة: المتنعمة التي تعيش في نعيم، ومنهم من قال: الوجوه التي ظهر عليها أثر النعمة وأثر النعيم، وفي هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ ما يستدل به، لقول القائلين بأن أهل الإيمان لا يعتريهم خوف يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٦] وهذه مسألة اختلف فيها بعض الاختلاف ألا وهي: هل أهل الجنة يعتريهم شيء من الخوف والحزن يوم القيامة أو أن هذا الخوف والحزن لا يعتري إلا الكفار؟ من أهل العلم من قال: إن الخوف والحزن لا يعتري إلا الكفار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] أي: عند الموت ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣٠-٣١] ، وكما قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨-٦٩] ، ومن أهل العلم وهم الأكثر من قال: إن أهل الإيمان يعتريهم هذا الخوف والحزن لما ورد عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: (قول كل نبي من الأنبياء: نفسي نفسي، إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله) الحديث، ولقول المرسلين على جنباتي الصراط: (رب سلم سلم) ، ولقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] ، وبعد ذلك يكون المآل إلى الطمأنينة والأمن بالنسبة لأهل الإيمان، والله أعلم.
стр. 2063
تفسير قوله تعالى: (لسعيها راضية)
قال تعالى: ﴿لِسَعْيِهَا﴾ [الغاشية:٩] والمراد بالسعي: العمل الذي عملته في الدنيا تتقرب به إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩] .
مشكوراً مِن مَن؟ من أهل العلم من قال: مشكوراً من الله ، وهذا رأي الأكثرين، وفريقٌ قالوا: مشكوراً من الله، ومشكوراً من أصحاب العمل أنفسهم، سيشكرون سعيهم يوماً ما.
قال الله سبحانه: (لِسَعْيِهَا) أي: لعملها الذي عملته في الدنيا راضية، أي أن أصحاب هذه الوجوه راضون عن سعيهم وعملهم الذي عملوه في الدنيا، ومن العلماء من قال قولاً آخر، فقال: إن معنى: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية:٩] أي: أنها راضية بالثواب الذي أعطاه الله لها مقابل السعي، وراضية بالأجر الذي أعطيته مقابل هذا السعي، فشخصٌ -مثلاً- تصدق بلقمة من كسب طيب فأخذها الله ورباها ونماها له حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم، ما له ألا يرضى وقد تضاعف الأجر إلى هذا القدر؟! ورجلٌ عمل حسنة فجاءت يوم القيامة بعشر أمثالها، ما باله لا يرضى؟ ورجلٌ عمل حسنة فجاءت يوم القيامة بثمانمائة ضعف، ما باله لا يرضى؟ فقال هذا الفريق: إن معنى قوله سبحانه: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي: لثواب سعيها راضية، وأيد هؤلاء العلماء قولهم بأن المؤمن لا يكاد يرضى بالقدر الذي عمله من الخير في الدنيا يوم القيامة، بل يتمنى أنه عمل خيراً أكثر من ذلك، كما قال النبي ﷺ في معنى الحديث: (ما من أحدٍ يموت له عند الله خير يرجو أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد) فمع أنه شهيد وقتل في سبيل الله، لكن يريد أن يرجع إلى الدنيا حتى يقتل في سبيل الله، وقال ﵊: (والذي نفسي بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا ثم أقتل) الحديث.
إلخ، فتمنى النبي ﷺ أن يقتل مرات في سبيل الله، فأهل الصلاح يتمنون يوم القيامة أنهم لو زادوا من الخير، هذا قولٌ من الأقوال.
والله أعلم بالصواب.
إذاً: فمعنى قوله : ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ فيه قولان: أولاً: المراد بالسعي هو: العمل، لكن من العلماء من أجرى التفسير على ظاهر الآية، ومنهم من قدر إضماراً فيها.
يعني: منهم من قال: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي: هي راضية عن عملها الخير الذي عملته في الدنيا، ترجو به وجه الله ، فقد وجدته في الآخرة.
القول الثاني: أنها لثواب سعيها وللمقابل الذي أخذته لسعيها راضية عن هذا المقابل وشاكرة لهذا المقابل، كما قال النبي ﷺ : (يقول الله يوم القيامة لأهل الجنة: يا أهل الجنة! هل تريدون شيئاً أزيدكم؟! فيقولون: يا ربنا! وهل فوق ما أعطيتنا؟ ألم تبيض وجوهنا، ألم تجرنا من النار، فيقول الله سبحانه: أحلل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً) الحديث.
стр. 2064
تفسير قوله تعالى: (في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية)
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية:١٠] يستفاد من هذه الآية ضمناً وليس صريحاً: أن الجنة في السماء، أما الدليل على ذلك من السنة: حديث المعراج؛ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تجاوز السماء السابعة وصل إلى سدرة المنتهى، ورب العزة يقول: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٤-١٥] ، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ من العلماء من يقول: عالية القدر، لكن هي عالية القدر، وعالية المكان كذلك.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ هل يستفاد من علو الجنة زيادةٌ في النعيم؟ من العلماء من قال أو أومأ إلى ذلك، وذلك لأن السقف إذا كان منخفضاً يتضايق السكان الذين فيه، فإذا كان مرتفعاً ينفس على من بداخله، وهذا واضح، فمن العلماء من قال: يستفاد من علو الجنة -أي: علو سقفها، وفوقها عرش الرحمن- يستفاد منها زيادة النعيم، قوله: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا﴾ [الغاشية:١١] أي: لا تسمع في الجنة ﴿لاغِيَةً﴾ [الغاشية:١١] ، منهم من قال: لا تسمع في الجنة نفساً لاغية، كما قال سبحانه: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥-٢٦] حتى إن شرب الخمور، لا يسكرهم ولا يذهب بعقولهم، ويحملهم على السباب والشتائم، كما قال تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣] أي: من جراء شرب الكئوس ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الطور:٢٣-٢٤] فليس في الجنة يا ابن كذا، ولا يا ابن كذا، ولا سخرية من بعضهم البعض، ولا أي شيء قبيح يضايق، ولا كلمات جارحة، ولا سباب، ولا أفعال، ولا غمز، ولا لمز، ولا همز، ولا عيب، ولا غير ذلك من الشتائم.
﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ ، كقوله: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ ، وكقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] ، لا تسمع فيها كلمة تنكد وتعكر عليك أبداً.
﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية:١١-١٢] ، قال الله هنا: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠] ، وفي الثالثة: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] ، فهناك عينٌ وعيون، وكلٌ في النعيم بحسب عمله.
стр. 2065
تفسير قوله تعالى: (فيها سرر مرفوعة)
يقول الله سبحانه: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣] .
لماذا كانت هذه السرر مرفوعة؟ من العلماء من قال: إن هذه السرر رفعت كي يطلع أهلها على النعيم الذي أعد لهم في الجنة.
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣-١٤] والأكواب هي: أكواب الدنيا المعروفة، ومن العلماء من قال: الأكواب ما لم يكن له عروة ولا خرطوم.
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ أما موضوعة، فمن أهل العلم من قال معناها: حاضرة، أي: جاهزة مستعدة إذا طلبت الماء أو طلبت أي شراب، فتأتيك الأكواب جاهزة معدة، ومنهم من قال: موضوعة بجانب العين الجارية.
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ﴾ [الغاشية:١٤-١٥] ، والنمرقة هي: النمارق التي يتكأ عليها كالوسائد.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية:١٥] يعني: الوسائد التي يتكأ عليها مصفوفة.
﴿وَزَرَابِيُّ﴾ [الغاشية:١٦] من أهل العلم من قال: إنها العبقري الحسان، وهي السجاجيد ونحوها التي تفرش على الأرض، ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٦] مبثوثة أي: منتشرة، متفرقة هنا وهناك، كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] (بث) أي: فرق ونشر.
стр. 2066
تفسير قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت .)
قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] من أهل العلم من قال: فمن طرح له
السؤال
لماذا مُثل بالإبل ولم يمثل مثلاً بالفيل وهو أعظم خلقاً من الجمل؟ فأجاب الحسن البصري رحمه الله تعالى على ذلك بقوله: إن الفيل لم يكن معروفاً عند العرب كمعرفتهم للإبل، وقال أيضاً: ثم إن الفيل كالخنزير، لا يؤكل لحمه، ولا يركب ظهره، ولا يحلب دره، أما الناقة، فيحلب لبنها، ويركب ظهرها، ويؤكل لحمها، فوجه الانتفاع بالجمال أكبر بمراحل من الانتفاع بالفيل، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ على هذه الحال من فضل الخلق، كما هي ظاهرة بادية أمام أعينكم معشر العرب.
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إن قال قائل مثلاً: لماذا لم يقل: أفلا ينظرون إلى الشياه كيف خلقت؟ فالمطرد: أن توجيه النظر يكون إلى الأعظم دائماً، فالعرب كان كثيرٌ منهم أهل فخر واختيال، وكما قال الرسول ﷺ في شأن الفخر والخيلاء قال: (الفخر والخيلاء من الفدادين أهل الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم) ، يعني: أهل الإبل ينظرون إلى الناقة ورأسها مرتفع في السماء وأهلها يشتبهون بها، وتجده أعرابياً جلفاً جافاً ومع ذلك مستكبر غاية الكبر، ولا يبالي بأي شخص؛ لمعاشرته للجمال، أما الذي يرعى الغنم يكون فيه سكينة ووقار، فلا يخفى عليك أن الشاة دائماً رأسها منكساً في الأرض، فيكون أهل الشياه أهل تواضع، كما قال الرسول ﷺ : (ما بعث الله من نبيٍ إلا ورعى الغنم) لذلك تجد في الأنبياء تواضع، فإذا مثلت للأعرابي: أفلا ينظرون إلى الشياه كيف خلقت؟ يحتقر التمثيل ويقول: لا أريد أن أكون من أهل هذه الشياه.
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:١٧-٢١] حالك أنك مذكر، ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] ، وبين قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] لأن في باب التذكرة أنت فقط مذكر، وأمر الهداية مرده إلى الله، إلا أن من أهل العلم من قال: أن هذه الآية مسبوقة بآية السيف، لكن منهم من حملها على أنها في باب التذكير؛ وليس لك إلا التذكير، لأنك لست بمجبرٍ لهم، ولا بمسلط على قلوبهم فيؤمنوا، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] * ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] ، وكما في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق:٤٥] ، لست بمكره لهم على الإيمان.
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية:٢٣] من أهل العلم من قال: (إِلَّا) هنا بمعنى: (لكن) ، فالمعنى: لكن من تولى وكفر، ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٤-٢٥] أي: رجوعهم، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٦] أي: يوم رجوعهم إلينا.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 2067
الأسئلة
стр. 2068
الجمع بين الأمر بترك صيام آخر شعبان وفعل النبي ﷺ
السؤال
حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) ، وحديث: (كان النبي ﷺ يصوم شعبان كله) وفي الرواية الأخرى: (إلا قليلاً) كيف يمكن التوفيق بينهما؟
الجواب
حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) الراجح بلا تردد أنه ضعيفٌ لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، وهذا قول يحيى بن معين، وقول الإمام أحمد بن حنبل، وقول ابن عدي رحمه الله تعالى، وقول طائفة كبيرة من أهل العلم، وقد اعتبروه من الأحاديث التي استنكرت على بعض رواته وهو العلاء بن عبد الرحمن، ومن العلماء من حسن الحديث بناء على أن الحديث من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وهذا الإسناد مركب عليه عدة أحاديث في صحيح مسلم، لكن هذا الحديث بالذات ليس في مسلم، فقالوا: إسناده حسن، لكن العلماء الذين ضعفوه قالوا: هذا الحديث من الأحاديث التي أخذت على العلاء.
يعنى: قد يكون الراوي ثقة، لكن لا ينفي بعض الأحاديث، فقالوا: من الأحاديث التي استنكرت على العلاء هو هذا الحديث، ومن العلماء من ضعف العلاء مرة واحدة بسبب روايته لهذا الحديث، من الذين ضعفوه يحيى بن معين، والإمام أحمد، وابن عدي رحمه الله تعالى، وغيرهم جمع كبير من العلماء.
إذاً: لا إشكال، فالباب قد فرغ بحديث: (كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً) ومما يدل على تضعيفه أيضاً: (أن النبي نهى عن صيام يوم الشك إلا إذا وافق صوم أحدكم) فمعنى ذلك قد يوافق صوم أحدكم يوم الشك، فإذا كنت تصوم الإثنين والخميس وجاء يوم الشك يوم الإثنين، فصم يوم الإثنين ولا شيء عليك، وهذا يوم الشك يعني يوم الثلاثين من شعبان وهو بعد منتصف شعبان، لكن أيضاً يلتمس الجمع لمن حسنوه، ووجه الجمع: أن النهي في قوله: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) ليس النهي للتحريم، ولكن للتنبيه، فالمعنى: من كان يشق عليه أن يواصل صيام النصف الثاني من شعبان برمضان، يعني إذا صمت مثلاً خمسة عشر يوماً من النصف الثاني من شعبان، فيأتي رمضان ويشق عليك المواصلة، فلا تصم هذه الأيام حتى تتفرغ وتتقوى للفريضة، أما من استطاع أن يصوم هذه الأيام مع رمضان، فليصمها، على فرض تحسين الحديث، والله سبحانه أعلم.
стр. 2069
حكم الصلاة على الفرش المزخرفة برسم الصليب
السؤال
في بعض المساجد والمنازل على السجاد والمفروشات علامة الصليب فهل يجوز أن نصلي عليها أم لا؟
الجواب
الصلاة عليها جائزة مع الكراهة، أما الكراهة لأمرين: الأمر الأول: أنها تشغل المصلي، وقد صلى النبي ﷺ في خميصة لها أعلام مخططة بخطوط، فلما انصرف من صلاته قال: (اذهبوا بخميصتي هذه وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) فقال عمر: (إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس) ، ثم أيضاً في صحيح البخاري من طريق عمران بن حطان، عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ لا يدع الصليب إلا نقضها) ، والله أعلم.
стр. 2070
حكم الصلاة مع الجماعة الثانية والثالثة بنية النافلة
السؤال
ما حكم الجماعة الثانية والثالثة والرابعة في الصلاة أثناء النافلة؟
الجواب
الجماعة الثانية في المسجد صحيحة، وقد قدمنا الأدلة على ذلك، منها: حديث (من يتصدق على هذا) .
следующие страницы →