← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تفسير سورة النساء [٩٢-٩٩] لقد حرم الله قتل النفس المسلمة، ومن قتل مؤمناً خطأً لزمه كفارة وهي عتق رقبة مؤمنة وتسليم الدية لأهل المقتول، وإن كان المقتول معاهداً بدأ بتسليم الدية ثم تحرير رقبة، وأما إن كان مسلماً ولكنه من قوم كفار فتلزم القاتل الكفارة بعتق رقبة أو صيام، ولا دية لأهل المقتول.

стр. 317

تفسير قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٩٢] . قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ) أي: وما كان ينبغي لمؤمن، فبعض العلماء قدر هنا كلمة (ينبغي) . ومن العلماء من قال: وما كان يحل لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ. والمؤمن المراد به هنا: المسلم، فليس المراد به المؤمن الذي هو أعلى درجة من المسلم، إنما المراد بالمؤمن هنا: المسلم، والمعنى واحد، وما كان لمسلم أن يقتل مسلماً إلا خطأ لها نفس معنى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) . و (إلا) هنا قد يكون من معانيها: لكن، (ففي) ترد كثيراً في كتاب الله بمعنى لكن.

стр. 318

حكم من قتل المعاهد خطأ قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٢] أي: معاهدات، أي: أنهم قوم كفار لكن بينهم وبين المسلمين معاهدات، فدلت الآية على جواز عقد المعاهدات مع الكفار، والأدلة على ذلك لا تكاد تحصى من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ . ﴿إِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، فقدمت الدية على الرقبة المؤمنة، وهذا الآية تؤكد أن المسلمين يحترمون العهود والمواثيق، فإذا قتلت شخصاً خطأ، وكان هذا الشخص مؤمناً من قومٍ مؤمنين فابدأ بتحرير الرقبة ثم الدية، وإذا كان الشخص من قوم كفار بيننا وبينهم معاهدة فابدأ بتسليم الحقوق لهم ثم بعد ذلك حرر رقبة المؤمنة، فهذا مما يدل على أن ديننا يحترم العهود والمواثيق في جملة أدلة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨] .

стр. 319

حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء:٩٢] ، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟ قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء:٩٢] ، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء:٩٢] ، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٢] ، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) ؟ الظاهر أنه لم يذنب. فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله أعلم. قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ [النساء:٩٢] ، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء:٩٢] فيما يشرع .

стр. 320

حكم من قتل مؤمناً من قوم كفار خطأ يقول الله سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:٩٢] ، أي: إذا كان المقتول مؤمناً لكن قومه كفار، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، وحذفت الدية المسلمة إلى أهله، وهذه الآية استأنس بها العلماء الذين يقولون باعتبار المقاصد في الأحكام؛ لأن المؤمن لما قُتل وهو من قوم كفار، فإذا أعطينا للقوم الكفار الدية وسلمناهم الدية استعانوا بها على قتال أهل الإيمان، فخشية أن يستعينوا بالدية على أهل الإيمان حذفت الدية -والله أعلم- ومنع منها الكفار، واقتصر على تحرير الرقبة فقط، وهذا من اعتبار المقاصد في الأحكام، وفي الحقيقة أنه من المسائل الشائكة جداً. ونضرب مثالاً آخر -ونحتاج من أخينا الشيخ صالح أن يعقب لنا بما يدور عندهم في المحاكم-: في مرض الموت قال رجل: زوجتي طالق، فسئل: لماذا طلقتها؟ فقال: طلقتها لكي لا ترث، ثم مات، وكان هذا الطلاق غير رجعي، إما أنه آخذ ثلاث تطليقات فتكون مبتوتة، أو أنه طلاق قبل البناء، فالشاهد: أنه طلاق غير رجعي، ثم مات الرجل، فهل يعتبر هذا الطلاق أو لا يعتبر؟ إذا اعتبرت المقاصد قلت: الشاهد أن مسألة طلاق المرأة في مرض الموت تنازع فيها السلف، وقد ذكرنا أن أمير المؤمنين عثمان يرى أن هذا الطلاق لا يقع، وقد ورث عثمان ﵁ امرأة عبد الرحمن بن عوف لما طلقها عبد الرحمن في مرض الموت، وأبى ذلك عبد الله بن الزبير وقال: (لا أورث مبتوتة) . وورد أن أمير المؤمنين عمر لما بلغه أن غيلان بن جرير الثقفي طلق أزواجه كلهن خشية الميراث، قال له: (إني يخيل إليَّ أن الشيطان فيما يسترق من السمع أخبرك بموتك، فقسمت ميراثك على بنيك وطلقت نساءك، فوالله لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال، فراجع النساء، ثم ما لبث إلا أياماً حتى مات) . فلا أدري بم تقضي المحاكم اليوم يا شيخ صالح؟ الشيخ صالح: تبطل جميع تصرفاته عند مرض الموت. الشيخ: أخوكم الشيخ صالح حفظه الله يقول: إن الجاري في المحاكم الآن أنها إذا طلقت في مرض الموت وثبت أن هذا المرض هو مرض الموت ولم يقم من مرضه؛ لأنه إذا قام من المرض ثم تعافى وبقي على طلاقه ثبت الطلاق، لكن إذا ثبت أنه مرض الموت ولم يقم منه بطلت جميع تصرفاته. والإمام الشافعي يرى أن الطلاق واقع هو وأبو محمد ابن حزم. وإن سألنا عن الدليل، هل تعلم لهم دليلاً يا شيخ صالح حفظك الله؟ هل تعلم دليلاً لإبطال تصرفات المريض كلها؟ الشيخ صالح: لسوء نيته. الشيخ: دليل القانونيين أنه سيء النية، وما الذي أدخل القانونيين في نيته؟!! الشيخ صالح: هكذا اعتبروه. الشيخ: هكذا اعتبروه، هب أن هناك سيء النية مثله وهو صحيح لم يمرض، كرجل معافى وصحيح، فقال: زوجتي طالق؛ حتى أحرمها من الميراث، فهذا سيء النية. الشيخ صالح: نعم سيء. الشيخ: سيء، ولكن لا يؤاخذه القانون. الشاهد: أن أبا محمد ابن حزم ﵀ سبقه الإمام الشافعي ﵀ وسبقهم عبد الله بن الزبير ﵀ ورضي عنه، وقالوا: بأنه يقع الطلاق، شأنه شأن الصحيح، وأمير المؤمنين عثمان ﵁ رأى عدم الوقوع، وليست هناك أدلة صريحة عن رسول الله ﵊ في هذا الباب، ونرجع إلى التفسير:

стр. 321

كفارة القتل الخطأ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) أي: بطريق الخطأ. (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) فذكرت الكفارة. فإن قال قائل: إن الله وضع الخطأ والنسيان والاستكراه عن أمة محمد ﷺ ، فإن الله تبارك عندما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله في الحديث القدسي: (قد فعلت قد فعلت) ، فلماذا يؤاخذ المؤمن هنا بقتل الخطأ وفرضت عليه كفارة؟! وأيضاً قد ورد عن النبي ﷺ ما يصح من شواهده أنه قال: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، وإن كان في إسناده بعض المقال إلا أنه يشهد له قوله تعالى: (قد فعلت) في الحديث القدسي. فالإجابة على هذا: بأن إثم قتل الخطأ مرفوع عن الشخص لكنه ألزم بنوع كفارة. وقد يقول قائل: إنها ابتلاء من الله له يبتليه بأن يكفّر كفارة دنيوية، فهو لم يلزم بالاستغفار؛ لأنه لم يرتكب إثماً في الحقيقة في الأصل، إنما ألزم بكفارة، وقد يقول قائل: إنها من باب معاونة أهل المقتول والمساهمة في تحرير رقاب أهل الإيمان، وليس لها تعلق بالإثم اللاحق بالقاتل الخطأ. وهذا وجه قوي، والله أعلم. ومن أهل العلم من قال: إن هذه الصورة مستثناة من المؤاخذة بالخطأ، فيكون الأصل أن المسلم لا يؤاخذ بالخطأ، لكن وردت أدلة تستثني بعض صور الخطأ التي يؤاخذ بها المسلم ويحاسب عليها، فلَزِمَنَا المصير إليها لوجود الدليل من الكتاب أو من السنة، وشأن ذلك شأن أي عام في الكتاب أو السنة، فهناك عمومات تأتي في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵊ وتستثنى منها أمور، فليكن هذا من العام، أي: ليكن عدم المؤاخذة بالخطأ عام، استثني منه قاتل الخطأ بأن فرضت عليه كفارة بنص في كتاب الله، فلا يكون هناك معنى لإنشاء خلاف بين الآية وبين الآية الأخرى، والله أعلم. (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) قيدت الرقبة هنا بأنها مؤمنة، وفي آيات أخرى لا تتعلق بالقتل أطلقت الرقاب، قال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١] أي: هذا الكافر ما اقتحم العقبة، ما هي العقبة؟ قال فريق من العلماء: إنها جبل في النار. ومنهم من قال: إنها الصراط. وهذه العقبة يقتحمها الناس بأعمالهم، فينقم الله على الكافر المجادل فيقول: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) ، أي: ما عمل أعمالاً تؤهله لاقتحام العقبة، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) ، تعظيم لهذه العقبة ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد:١٣] ، أي: لم يقتحم العقبة بفك رقبة، فالرقبة هنا أطلقت ولم تقيد بأنها رقبة مسلمة ولا رقبة كافرة، فبعض أهل العلم يحمل هذا الإطلاق على المخصص الوارد في آيات أخرى، وبعضهم -ورأيهم أسلم- يقول: إذا أطلقت الرقبة نطلقها، وإذا قيدت الرقبة نقيدها. فمثلاً: قال تعالى في شأن كفارات الأيمان: ﴿َفكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩] ، ففي اليمين لم تقيد الرقبة بأنها مؤمنة، لكن في القتل قيدت الرقبة بأنها مؤمنة ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، فيشترط في الرقبة -أي: العبد أو الأمة- أن يكونا مسلمين، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء:٩٢] أي: مدفوعة، ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] إلى أهل المقتول. وهذه الدية مسلمة فمن؟ ومن الملزم بها؟ هل القاتل أو العاقلة؟ إذا قتل شخصٌ شخصاً خطأً فهل يلزم القاتل أن يسدد الدية وحده بمفرده، أو أن رجال قبيلته يساهمون في هذه الرقبة، فالدية في حالة القتل الخطأ ليست على القاتل فحسب إنما هي على العاقلة وهم رجال القبيلة، فكلٌ يدفع قسطاً ويؤدون عن الشخص في حالة قتل الخطأ، لكن في حالة قتل العمد فإن الجاني هو الذي يتحمل، فإن ساعده أهله بشيء فلا مانع من ذلك، لكن الذي يُلزم بدفع الدية هو القاتل. والدية قدرها مائة من الإبل. ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] أي: يعتق عبداً مسلماً أو أمة مسلمة، وإضافة إلى ذلك يدفع ويسلم دية إلى أهله، ويقدرها الناس الآن أو في بعض بلاد العرب بما يقارب مائة وخمسين ألف ريال سعودي. وصور القتل الخطأ تتعدد وتتنوع، ففي بعض البلاد تجري الأحكام أنك إذا كنت تقود سيارة فصدمت رجلاً في الطريق وقتلته، فتكون قد قتلت خطأً، وتلزم أنت مع العاقلة بسداد الدية إلى أهله، وطبعاً قوانين المحاكم التي تجري في المحاكم لا تسقط عليك أي شيء من الناحية الشرعية إنما هي في وادٍ آخر، إلا إذا عفا عنك أهل المقتول خطأ فالحمد لله، وبقي عليك فقط تحرير الرقبة المؤمنة. ومن صور القتل الخطأ: أن تلقي حجراً مثلاً من فوق السطح -من فوق سطح البيت مثلاً- ألقيت أحجاراً أو أخشاباً على أناس بطريق الخطأ فماتوا فتتحمل أنت ديتهم، وإذا كنت تقود سيارة وصدمت شخصاً فإنك تتحمل أنت أيضاً الدية، هذه بعض صور القتل الخطأ، والصور تتعدد. ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢] ، ففيه ندب إلى الصدقة، وحثٌ من طرف خفي لأهل الميت على الصدقة، فإذا كان المقتول عمداً قد حث الله أهله على الصدقة، فأهل المقتول خطأً من باب أولى، فالمقتول عمداً يقول تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ﴾ [المائدة:٤٥] إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة:٤٥] ، أي: إذا قتل أخوك أو قتل أبوك ثم عفوت عن القاتل فقد كفرت ذنوبك وخطاياك، فإذا كان الله ندب إلى العفو في حالة القتل العمد، فلأن يندب إلى العفو في القتل الخطأ من باب أولى؛ لأن القاتل خطأ ما تعمد أن يقتل. والفقهاء يفرقون أحياناً بين قاتل العمد وقاتل الخطأ بناءً على الآلة التي استعملت في القتل، وهذا من ضمن جملة أشياء يفهمها إخواننا المختصون بذلك، ولعل الشيخ صالح بن عبد الجواد حفظه الله تعالى يتحفنا في هذا الجانب، وما هو سائرٌ في المحاكم في هذه الأيام، فبعضهم يفرق في الآلات، فإذا ضرب شخصٌ شخصاً بحجر مثلاً فقتله به، وشخص ضرب شخصاً آخر برصاص وأطلق عليه رصاصة، فالأولى عمد والأخرى قد تكون خطأ. ومن اللطائف التي سيقت في هذا الباب: أنه في بعض السجون في بعض البلاد العربية أتوا برجل تشاجر معه آخر فضربه بالفأس فقتله، فأخذوه وأثبتوا في محضر الشرطة: بمَ قتلته؟ قال: بالفأس، فدخل السجن انتظاراً للمحكمة، فسأله السجناء والخبراء بالمشاكل وقالوا له: ما هي جريمتك؟ قال: قتلت شخصاً بالفأس، قالوا له: إنك إن قلت للقاضي: قتلته بالفأس، سيحكمون عليك بالإعدام؛ لأنك قاتل عمد، ولكن إذا سألك القاضي، فقل: قتلته بيد الفأس ليس برأس الفأس -أي: بالخشبة- فقال: لقد اعترفت، قالوا له: إذا جاء وقال لك: لمَ اعترفت؟ فقل له: إن إخوة يوسف قالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢] وما أرادوا أحجار القرية إنما أرادوا السكان، فقل: أنا قلت بالفأس وأريد يد الفأس، فجعلوها قارنة لصرف الحد عنه وانتقاله من العمد إلى شبه العمد.

стр. 322

تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا .) ثم قال تعالى محذراً من القتل العمد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] ، ذكرت الآيات القتل الخطأ والقتل العمد، وبعض كتب المالكية أدخلوا قسماً ثالثاً وهو: شبه العمد، أي: أن هناك حالات تشك هل هي عمد أو خطأ؟ فمثلاً: رجل ضرب رجلاً بشيء يشك فيه هل يكون عمداً أو خطأ، فهذه فيجعلونها شبه عمد. وفي الحقيقة أن من أهل العلم من يلغي هذه المرحلة بحديث (ادرءوا الحدود بالشبهات) فيرجعها إلى الخطأ؛ لعدم وجود شبه دليل صريح على مسألة شبه العمد، والله أعلم. فمثلاً: مدرس يؤدب طالبه، وفي أثناء الضرب مات هذا الطالب، أو رجل يعالج بالقرآن وهو يضرب المريض فمات هذا المريض، فيحتمل أنه أراد قتل المريض، ويحتمل أنه لم يرد. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] هل أي مؤمن يقتل مؤمناً متعمداً جزاؤه جهنم أم أن المتأول له أحكام؟ لأن من أصحاب النبي ﷺ من قاتل وقتل فعلاً، فطائفة معاوية ﵁ قتلت عمار بن ياسر في طائفة من أصحاب علي ﵁، فهل كل من قتل مؤمناً متعمداً جزاؤه جهنم؟ التقييد الأول: جزاؤه جهنم إذا لم يغفر الله له؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فإذا لم يغفر له فلن يكون جزاؤه جهنم؛ وقد جاء (أن قوماً أتوا إلى رسول الله ﵊، زنوا فأكثروا، وقتلوا فأكثروا، وسرقوا، فهل لهم من توبة؟ فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ) ، وكذلك حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض. ثم كان مآله إلى أن تلقته ملائكة الرحمة عندما تاب. إذاً تقيد الآية بما إذا لم يغفر له. وروي عن الحبر الكبير عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: (ليس لقاتل مؤمنٍ توبة) ، واحتج بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] ، فقد تراكمت عليه العقوبات؛ ولذلك يقول النبي ﵊: (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) . ولذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى رغم عدله الواسع المنتشر وسيرته الحسنة، إلا أنه كلف -عندما كان أميراً على المدينة من قبل بني أمية- أن يضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير، فضربه وتركه في برد المدينة القارس الشديد، وكان خبيب رجلاً صالحاً حتى مات خبيب في البرد، فكان عمر كلما ذكر بعد أن ولي الخلافة يبكي ويقول: من لي بـ خبيب؟! من لي بـ خبيب؟! من لي بـ خبيب؟! ويتأسف غاية الأسف على الذي صنعه بـ خبيب. قال ﵊ كما في رواية المسند -كما في معنى الحديث-: (إن المقتول يأتي يوم القيامة آخذاً بتلابيب قاتله معه رأسه، يقول: يا رب! سل هذا فيما قتلني. فيقال: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيبوء بإثمه وإثمه فيتحمل القاتل كل ذنوب المقتول ويكون من أصحاب النار) عياذاً بالله. فالآية فيها تقييدات، فمن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم إذا لم يتب الله عليه، ويقول: ابن القيم: إذا لم يكن متأولاً، وهذا التأول يكون مقبولاً أو تكون له وجهة شرعية مثلاً. فمثلاً: أصحاب النبي ﷺ تقاتلوا فيما بينهم، فرب العزة يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩] ، هناك شخص مؤمن في طائفة معاوية يتخيل أنه مصيب وأنه يطالب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل مظلوماً، ويبدأ برفع السيف على أخيه المسلم من وجهة شرعية، فحينئذٍ هذا التأول وإن كان لا ينجي صاحبه من العذاب جملةً إلا إذا غفر الله له، لكن لا يخلد صاحبه في النار. وهناك قيود أخر، منها: إذا لم يكن المقتول يستحق القتل، فإذا كان المقتول زانياً محصناً فقتل، أو قاتل نفس بغير حق فقتل، أو مرتداً عن دينه فقتل، أو كان قاطع طريق، أو فعل فِعل قوم لوط واستوجب حداً أقامه عليه الإمام، فهناك استثناءات تضبط لنا هذه الآية. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] سبق أن عبد الله بن عباس يرى أنه ليس لقاتل النفس توبة، ويقسم في بعض الروايات أن آية النساء هذه نزلت بعد آية الفرقان، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] ، فـ ابن عباس يرى أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] ، يرى أن هذه الآية هي القاضية على آية الفرقان في الحكم. أما جمهور الصحابة فلم يوافقوا على هذا الرأي وقالوا: له توبة إن تاب؛ لقول النبي ﵊ (إن للتوبة باباً مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) ، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وهناك جملة أدلة منها: قوله ﵊: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار) ، وقوله ﵊: (الحج يهدم ما قبله) ، وعمومات احتج بها أصحاب النبي ﷺ . ومن أهل العلم من التمس وجهاً لـ عبد الله بن عباس فقال: إن مراد عبد الله بن عباس ﵄: أن قاتل المؤمن في الغالب أنه لا يوفق للتوبة، فإن قيل: إن هناك من يقتل ويتوب، فالإجابة: أن هناك من يقتل ويتوب، ولكن في الغالب أن الذي يقتل لا يتوب، فإن وجد شخص أو ثلاثة أو عشرة، لكن الغالب على أن القتلة لا يتوبون، وهذا أحد الالتماسات لتوجيه رأي عبد الله بن عباس ﵄، وجعله يرجع إلى رأي جمهور الصحابة ﵃، وبعض العلماء يحمل الآية على المستحل، والله أعلم. ﴿فجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] ، فاجتمع عليه الغضب واللعن. ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] ، في قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ﴾ [النساء:٩٣] دليلٌ على أن النار مخلوقة، (وَأَعَدَّ لَهُ) دليل على أن النار معدة الآن، وقوله تعالى أيضاً: ﴿اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ﴾ [آل عمران:١٣١] ، وكذلك قول رسول الله ﷺ (اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين، فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها) ، وقد رآها النبي في صلاة الكسوف، وكل هذه أدلة تدل على أن النار مخلوقة الآن، وقوله: (بينما رجل يمشي في حلة أعجبته نفسه يتبختر إذ خسف به فهو في نار جهنم يتجلل فيه) ، وقال الرسول ﵊: (لما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها) ، فكل هذه أدلة تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن.

стр. 323

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ) أي: سافرتم، والضرب في الأرض معناه: السفر، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠] ، وقال جل وعلا: ﴿َإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] ، وقال ﷺ (ضربت الشياطين مشارق الأرض ومغاربها) ، ﴿ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٤] أي: خرجتم غزاة مسافرين في سبيل الله. (فتبينوا) في قراءة: (فتثبتوا) ؛ وذلك لأن المصحف لم يكن على عهد الرسول ﵊ منقوطاً، فكانت الكلمة بدون نقط لا فوق ولا أسفل فتحتمل القراءتين معاً، وقد نزلت الآية في طائفة من أصحاب رسول الله خرجوا غزاةً، فالتقوا برجل كان بين بعضهم وبينه ثأر قديم في الجاهلية، فسلم عليهم بتحية الإسلام، وكان معه غنم له، فقتلوه وساقوا غنمه، فنزلت فيهم الآية، وجاء أيضاً أنها نزلت في أسامة بن زيد أنه قتل رجلاً بعد أن قال: لا إله إلا الله، فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] ، والآية ليست على ما يفهمها الجهلة الذين ينتمون إلى جماعة التوقف -وهم من أجهل الطوائف- حيث أسسوا جماعة التبين بناءً على هذه الكلمة، والآية نفسها ترد عليهم، ففيها: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:٩٤] وهم يقولون للمصلين: لستم مؤمنين. فالآية أخذوا منها كلمة (التبين) ، وبنوا عليها جماعة وجعلوا لهم أميراً من أجل كلمة التبين التي في الآية، فلو نظروا إلى آخر الآية: ﴿لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:٩٤] أي: احكموا لمن ألقى إليكم السلام بالإيمان، والرسول ﷺ يقول: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المؤمن) ، وهم أبوا أن يقروا بحديث رسول الله ﵊. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] أي: إذا خرجتم غزاةً في سبيل الله -واصطلاح (في سبيل الله) محمولٌ على الجهاد- فتبينوا، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ [النساء:٩٤] ، فالآية تفيد أن السلام من شعار المسلمين، ولذلك لما قدم موسى على الخضر سلم عليه، فقال له الخضر: وأنى بأرضك السلام! قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ فعلم الخضر أن موسى أتى بتحية المسلمين، فلذلك تعجب كيف يأتي من عند الفراعنة ويحمل هذه التحية! قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء:٩٤] أي: بتهجمكم عليه وقتله، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء:٩٤] ، أي: تورعوا عن هذا المشبوه، وابتغوا الغنيمة عند الله ، فالآية تفيد أن الشخص يترك المشتبه ويطلب الرزق الحلال الطيب من الله، فترك المشتبه سيرة أصحاب رسول الله ﷺ ، فهذا عبد الله بن سلام يقول لبعض التابعين: (إنك بأرض الربا فيها فاشٍ، فإذا أقرضت رجلاً وأهدى لك شيئاً فلا تقبله فإنه ربا) . قال تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:٩٤] ، أسامة بن زيد نزلت فيه الآية فكان يتمنى أنه لم يولد إلا بعد أن نزلت هذه الآية أو بعد هذه الغزوة؛ لأنه قتل نفساً مؤمنة بغير حق. (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله يا أسامة؟! قال: يا رسول الله! إنما قالها متعوذاً، قال: أقتلته يا أسامة! بعد أن قال لا إله إلا الله؟ كيف بك يا أسامة! إذا جاء بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!) ، فقتل النفس المؤمنة -يا عباد الله- جرم كبير، وقد جاءت فيه نصوص الوعيد المتكاثرة غاية الكثرة عن رسول الله ﷺ .

стр. 324

تفسير قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .) قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥] كلمة (غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) تأخر نزولها عن سائر الآية، فقد كان في الآية أول ما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) نزلت هكذا أول الأمر، فجاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله يشتكي ضرره وفقدان بصره، فأنزل الله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] وهناك دليل على أن بعض الآيات قد ينزل متأخراً عن بعض، والرسول ﵊ هو الذي يقول (ضعوا هذا الجزء في هذه الآية، وضعوا هذه الآية في سورة كذا وكذا) ، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] نزلت هكذا، ثم بعد مدة نزل قوله تعالى: (من الفجر) . قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء:٩٥] ، فالقاعدون لهم أجر، وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من آمن بالله ورسوله كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، مات في سبيل الله أو مات في أرضه التي ولد فيها، قالوا: أفلا نبشر الناس يا رسول الله؟! قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) . فالقاعدون لهم درجات لكن أعلى منهم درجات المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. والجهاد أعم من القتال، ولذلك المستشرقون لما جاءوا يترجمون هم والمستغربون بدءوا بترجمة كلمة (الجهاد) التي في كتاب الله بمعنى القتال، فأخطئوا؛ لأن الجهاد صورته أوسع، فقد يكون جهاداً بالمال، وقد يكون جهاداً بالنفس لا بالسيف فقط، والجهاد بالنفس يكون بالخروج لأي عملٍ يرضي الله وينصر دينه، وقد يكون جهاداً بالقلب، (فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن) ، فاصطلاح الجهاد أعم من اصطلاح القتال، أما القتال فهو أحد صور الجهاد في سبيل الله، فلذلك الترجمة ينبغي أن تكون من رجل ملم بالأحكام الشرعية لا من رجل جاهل. قال تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِم﴾ [النساء:٩٥] جهاد المال الآن يتمثل في صور منها: أن تنشر كتيباً أو شريطاً فيه رفع معنويات المسلمين أن تحث المسلمين على أعمال البر أن تتصدق بمصحف، فأفعال الخير والبر واسعة غاية الاتساع والحمد لله. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥] ، قال ﷺ : (أهل الجهاد لهم مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) ، ويقول ﵊: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء؛ لتفاضل ما بينهم) .

стр. 325

تفسير قوله تعالى: (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) قال تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:٩٦] درجات ومغفرة للذنوب ورحمة من الله بهم. ثبت أن النبي ﷺ قال: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له عند أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهل بيته) . والجهاد -كما علمتم- بالنفس وبالمال، وصوره لا تنقضي ولا تنقطع إلى يوم القيامة، فاقتطع من قوتك وانشر شيئاً ينصر الله به دينه ويؤيد الله به سنة نبيه محمد ﵊.

стр. 326

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ .) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧] . نزلت هذه الآية في قومٍ من المسلمين المستضعفين الذين كانوا يسكنون بمكة، فأجبرهم أهل مكة للخروج معهم لقتال رسول الله ﷺ ، فكان المسلم الذي في صفوف رسول الله يضرب بسهمه فيصيب أخاه المسلم الذي في صفوف المشركين، فتحسر المسلمون الذين مع رسول الله ﷺ وتأسفوا على ذلك وقالوا: قتلنا إخواننا، فنزلت الآية رافعةً الحرج عن المسلمين الذين هم في صفوف النبي ﵊، ومحذرةً لأهل الإسلام الذين دخلوا في صفوف المشركين يكثرون السواد. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ توفتهم وهم ظالمون لأنفسهم: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ ، أُخرجنا عنوة ورغم أنوفنا: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ في هذا أنه ليس كل من أتى بعذر قبل منه، قال تعالى: ﴿َأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ .

стр. 327

تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء:٩٨] أي: الذين استضعفوا حقيقة وأخرجوا كرهاً من الرجال والنساء والولدان، قال ابن عباس: (كنت أنا وأمي من المستضعفين بمكة) ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٨-٩٩] ، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجزاكم الله خيراً.

стр. 328

الأسئلة

стр. 329

سنة النبي ﷺ في قراءة القرآن في الصلاة السؤال قال أحد إخواننا: في لقاء سابق أجبت على سؤال بشأن قيام إمام المسجد بقراءة القرآن في صلاة الفجر، بدءاً من سورة البقرة بترتيب المصحف حتى نهايته، وأن هذا الأمر لم يفعله النبي ﷺ ، ويرد البعض بأن المصحف لم يكن قد دون على عهد الرسول وعليه فلا تثريب على من يفعل ذلك؟ الجواب إذا قال الأخ: إن المصحف لم يكن رتب، فهذا أيضاً دليل عليه ليس دليلاً له، صحيح أن المصحف لم يكن رتب على عهد الرسول، فمن الذي ألزمك أن تقرأ على الناس يومياً ابتداءً من البقرة كل يوم جزءاً حتى تنتهي إلى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ؟ هل درج على ذلك سلفنا من أصحاب النبي ﵊ الذين دونوا المصحف؟ هل درج على ذلك التابعون؟ رسولنا محمد يقول: (هلا قرأت في العشاء -أي: في صلاة العشاء- بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، وبـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] * ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢] ) ، وكان يقرأ في صلاة الظهر بنحو ذلك، وبنحو ستين آية أو ثلاثين آية في العصر، فالتزام الترتيب لم يلتزمه رسول الله ﷺ ولا أصحابه، فالإمام غير مطالب أن يتعلم الحفظ ويختبر نفسه وحفظه على المسلمين، ينتهي من ربع ويبدأ في الربع الذي بعده حتى يختم القرآن في سنة أو سنتين، فما سلك هذا السبيل وما تكلف هذا التكلف أصحاب نبينا محمد ولا سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، والله أعلم.

стр. 330

فضل الجهاد في سبيل الله السؤال هل للمجاهد الذي لم يقتل في المعارك التي خاضها أجرٌ، علماً بأنه لم يذهب متطوعاً ولكنه كان يعمل في القوات المسلحة وخاصةً في المعارك التي قامت؟ الجواب إذا كانت معارك ضد الكفار لإعلاء كلمة الله فله أجره، وكل خطوة يخطوها تكفر بها عنه سيئة وترفع بها درجة، وكل غبار يصيبه يثاب عليه يوم القيامة، أما إن كانت حروباً لقتال المسلمين، كالذين ذهبوا في حرب اليمن يقتّلون المسلمين هناك لنصرة الاشتراكية، فحرب اليمن ليس فيها أجر فيما علمت؛ بل إنها حرب مضيعة للمسلمين وتقتيل لهم وتشريد، فالكل مسلمون، فعلى حسب نوع الحرب التي خاضها.

стр. 331

كتاب في أسباب النزول السؤال هل هناك كتاب في أسباب النزول محقق؟ الجواب نعم هناك كتاب (الصحيح المسند من أسباب النزول) للشيخ مقبل الوادعي ﵀.

стр. 332

ما جزاء الإحسان إلا الإحسان السؤال أخت تقدم لها أخ وهي ملتزمة ونحسبها كذلك، وتراجع عن خطبتها بعد أن أعجب بدينها وحسن أخلاقها لا لشيء إلا لأنها صارحته بعيب خلقي فيها، ولم يكتفِ الأخ بالإعراض عنها وإنما ثبط من عزم على التقدم لها، فما يقال لهذا الأخ؟ الجواب نقول له: اتق الله في هذه الأخت المسلمة كما اتقت الله فيك، فجزاء الإحسان الإحسان، فهي قد أخبرتك بالذي فيها إحساناً منها أو تقوى منها لله سبحانه حتى لا تغشك، فلا تكن أنت منفراً، ثم دعها هي التي توضح للخطاب ما بها كما وضحته لك. والذي سيعمله سيلاقيه يوم القيامة.

стр. 333

قيام الليل هو التهجد السؤال ما الفرق بين صلاة التهجد وصلاة قيام الليل؟ الجواب لا أعرف فرقاً بينهما، فقيام الليل هو التهجد.

стр. 334

صلاة ركعتين بعد العصر من خصوصيات النبي ﷺ السؤال في حديث عائشة: (أن النبي لم يكن يترك ركعتين بعد العصر) ؟ الجواب الظاهر أنها من الخصوصيات برسول الله ﵊، لحديث: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) .

стр. 335

مقدار التشهد الأول السؤال هل التشهد الأول في الصلاة الرباعية يقف عند (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله) ، أم يكمل التشهد إلى (إنك حميد مجيد) ؟ الجواب الأولى -فيما ظهر لي- أنه يقف عند (أشهد أن محمداً عبده ورسوله) لأمرين: الأمر الأول: أن ابن مسعود لما علم التابعي التشهد أتى إلى قوله: (أشهد أن محمداً عبده ورسوله) ، وقال: إذا بلغت ذلك فقم، وابن مسعود هو راوي حديث التشهد وهو أعلم به من غيره. الأمر الثاني: لما ورد في إسناد حسن: (أن أبا بكر وعمر كانا يجلسان في التشهد الأوسط كأنما يجلسان على الرد) أي: الحجارة المحماة، أي: يسرعون.

стр. 336

أبناء الأمة من الحر ينسبون إليه السؤال نقرأ عن السراري في الإسلام، فما هو موقف أولاد هؤلاء السراري، هل ينسبون لآبائهم أم ماذا؟ الجواب إذا جاءت امرأة من الإماء لرجل حر، فجامعها هذا الرجل وولدت له ابناً، فهذا الابن ينسب للرجل، مثل إبراهيم ابن رسول الله، فـ إبراهيم هو ابن مارية، ومارية كانت أمة عند رسول الله ﵊.

стр. 337

وجود زناة في عهد النبي ﷺ السؤال ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] ، هل تدل هذه الآية على أنه كان هناك زناة وزانيات في المجتمع الإسلامي أثناء نزول الآية؟ الجواب نعم كان هناك زناة وزوانٍ في عهد رسوله الله ﵊، وقد روى ابن عباس قول النبي ﵊ في تلك المرأة: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه) . وهي امرأة كان الرجال يدخلون عليها، ولم يستطع أحد أن يثبت عليها شيئاً، فلا يوجد شهود أربعة رأوا واحداً يزني بها، ومع ذلك ما انتهت، وقد زنت الغامدية وجاءت وتطهرت. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 338

النصارى مشركون السؤال هل النصارى مشركون؟ الجواب نعم مشركون؛ لأن الله يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢] . وقال النبي ﵊: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي ولا بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار) .

стр. 339

تفسير سورة النساء [١٠١-١٠٤] احتوت آيات القرآن الكريم على دروس ومواعظ، وأحكام وفوائد، من تدبرها حق التدبر عرف أسرارها، واستنبط مكنوناتها، واستخرج كنوزها، ومن تلك الأحكام الجليلة والفوائد النبيلة: أحكام صلاة الخوف، وقصر الصلاة للمسافر، ورفع الحرج والضيق عن أمة محمد ﷺ ، وغيرها.

стр. 340

تفسير قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض) فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١] . هذه الآية أصل القصر في السفر، فقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٠١] أي: سافرتم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠] أي: يسافرون. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٥٦] أي: سافروا. فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٠١] أي: وإذا سافرتم، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء:١٠١] الجناح المراد به: الإثم، ومعنى الآية: وإذا سافرتم فليس عليكم إثم إذا قصرتم الصلاة. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] (من) هل المراد بها للتبعيض، أي: من بعض الصلوات؟ أو المراد: تنقصون الصلاة من أربع إلى اثنتين؛ لأن بعض الصلوات ليس فيها قصر كصلاة الصبح وصلاة المغرب؟ فلقائل أن يقول: ليس عليكم جناح أن تقصروا من بعض الصلوات، وهي صلاة الظهر والعصر والعشاء، أما سائر الصلوات فتصلى كما هي. ولقائل أن يقول: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة التي هي أربع، فتصلوها ركعتين، وهذا واضح. فـ (تقصروا من الصلاة) ، هل هي من الخمس الصلوات تقصرون في بعضها، أو (تقصروا من الصلاة) ، أي: من الصلاة الرباعية إلى ركعتين؟ الأخير أظهر، والله أعلم.

стр. 341

رفع الحرج عن هذه الأمة قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] هذه الآية من إحدى الآيات التي ترفع الحرج عن أمة محمد ﵊، فالشخص إذا كان مسافراً فقد يكون مرهقاً متعباً، والله رحيم به قد خفف عنه الصلاة من أربع إلى ركعتين، ومما يدل على ذلك: ما روي في صحيح البخاري وإن كان قد انتقد لكن له شواهد: أن النبي ﷺ قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) فالسنن الرواتب في السفر لا تصلى وأنت تثاب على تركها في السفر كما كنت تصليها في بلدك، وإنما يصلي منها: ركعتا الفجر والوتر، وما سوى ذلك من النفل الراتب فلا، مثل: ركعتي الظهر أو الأربع القبلية أو البعدية، وكركعتي المغرب البعدية، وكذا ركعتي العشاء البعدية، فكل هذه النوافل لا تصلى في السفر. وهذه مسألة اختلف فيها العلماء على قولين، ويحسمها قول ابن عمر ﵄: (ما زاد رسول الله ﷺ في السفر على ركعتين) ، وقوله: (لو كنت مسبحاً -أي: مصلياً النافلة بعد الفريضة- لأتممت الفريضة) . أما النفل غير الراتب -أي: التطوع المطلق- كصلاة الضحى أو صلاة التهجد، أو صلاة تحية المسجد، أو ركعات الوضوء، أو صلاة الاستخارة، أو صلاة الفتح، أو نحو ذلك من الصلوات التي ليست راتبة، فلك أن تصليها، وذلك لما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان يصلي النافلة على الراحلة حيثما توجهت به) أي: النفل المطلق، والله سبحانه أعلم. فالآية من آيات رفع الحرج عن أمة محمد ﵊، وقد تقدم منها جملة آيات: كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٦] ، وقول النبي ﷺ (بعثت بالحنيفية السمحة) إلى غير ذلك، وقوله تعالى:: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣] . فكل هذه الآيات فيها رفع الحرج عن أمة محمد ﵊، وهي نصوص يحتاج إليها عند عدم وجود النص الخاص، فلو شق أمر على شخص فوق طاقته، فيتدخل النص للتخفيف عنه، كقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . قال تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١] أي: ظاهراً.

стр. 342

توجيه القول بأن علة القصر هي الخوف قال تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء:١٠١] هذا التقييد يفيد أن القصر للخوف، لكن هذا بينه عمر ﵁ في مسألته لرسول الله ﷺ ، فلقد جاء (سائل يسأل أمير المؤمنين عمر يقول: لماذا القصر وقد أمن الناس، والله يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] ؟ فقال أمير المؤمنين عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي ﷺ ، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) . إذاً: التقييد في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] على رأي بعض العلماء يخرج مخرج الغالب، فسواء خفت أن يفتنك الذين كفروا، أو لم تخف من فتنة الكفار فلك أن تقصر الصلاة مادمت مسافراً. وخروج مخرج الغالب تقدمت له نماذج متعددة من كتاب الله: كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فـ (أضعافاً مضاعفة) خرجت مخرج الغالب، ولا يفهم من الآية أنه يجوز الأكل من قليل الربا أو أقل من الضعفين. كذلك قوله تعالى في خروج مخرج الغالب: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور:٣٣] أي: على الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] أي: إذا أردن تعففاً، فقوله: (أردن تحصناً) خرجت مخرج الغالب، وليس معنى الآية: إذا أرادت البنت أو الأمة فجوراً أنه يجوز لك أن تكرهها على الزنا. فكذا قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] عند بعض العلماء خرج مخرج الغالب، سواء خفت فتنة الذين كفروا أو لم تخف فتنة الذين كفروا فلك أن تقصر الصلاة.

стр. 343

اختلاف العلماء في وجوب قصر الصلاة للمسافر قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء:١٠١] أي: ليس عليكم إثم، وقد استدل بها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة من أهل العلم: على أن القصر ليس بواجب إنما هو مستحب؛ لأن الله قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] ، فنفي الجناح لا يقتضي الوجوب، فإذا قلت لك: لا جناح عليك أن تسافر، فليس معناه: يجب عليك السفر، إنما إذا سافرت فليس عليك إثم. ومن هذا الباب: قوله تعالى في الصفا والمروة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] أي: فلا إثم عليه أن يطوف بهما، وقد يقول قائل: إذاً السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب لهذه الآية: ((فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ)) [البقرة:١٥٨] أي: لا إثم عليه، وكذلك القول في مسألة قصر الصلاة: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] أي: لا إثم عليكم، فلا يستفاد الوجوب. والحقيقة أن الوجوب لا يستفاد لا في السعي بين الصفا والمروة، ولا في قصر الصلاة من الآيتين، وإنما يستفاد عند من رأوا الوجوب خاصة في قصر الصلاة من نصوص أخرى. ما هو الدليل على وجوب القصر عند من قال بوجوبه؟ الدليل الأول: قول أم المؤمنين عائشة ﵂: (فرضت الصلاة مثنى مثنى، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) وقد استدل به فريق من العلماء على وجوب القصر. الدليل الثاني: فعل رسول الله ﷺ في أسفاره، فلم يثبت أنه ﵊ أتم في أي سفرة سافرها. وجمهور أهل العلم قالوا: إن القصر في السفر مستحب وليس بواجب، فمن أتم في السفر فصلاته صحيحة ليست بباطلة، وقالوا: إن قول أم المؤمنين عائشة ﵂: (فرضت الصلاة مثنى مثنى) عورض بقول ابن عباس ﵄ الذي فيه: (فرضت الصلاة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين على لسان محمد ﷺ . قالوا: فهذا صحابي بين أن الصلاة فرضت أربعاً في الحضر واثنتين في السفر. وقالوا هذا لكي يعكروا الاستدلال بحديث عائشة، ولكنهم في الحقيقة وافقوا أثر عائشة ﵂، والأثران متفقان على أن صلاة السفر ركعتان، لكن الخلاف في أصل فرض صلاة الحضر هل كانت اثنتين أو أربعاً، وهذا خلاف لا يضر؛ لإجماع العلماء على أن صلاة الحضر أربع ركعات. وقد استدلوا على عدم الوجوب بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] وبفعل أمير المؤمنين عثمان ﵁ لما صلّى بالناس بمنى، ولا شك أن الآتي إلى منى في الحج يكون مسافراً، ولكن عثمان صلّى بالناس الظهر أربع ركعات، وتابعه على ذلك أصحاب رسول الله ﵊، حتى الذي لم يوافقه في الرأي كـ ابن مسعود الذي قال: (لقد صليت مع رسول الله ﷺ بمنىً ركعتين، ومع أبي بكر بمنىً ركعتين، ومع عمر بمنىً ركعتين، فياليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) ومع هذا القول إلا أنه تابعه على الصلاة وصلى معه، فلو كانت باطلة لما صلّى معه أصحاب رسول الله ﵊.

стр. 344

تفسير قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٢] الخطاب لرسول الله ﵊، وقواد الجيوش له تبع، فلا تسقط صلاة الخوف بوفاة رسول الله ﵊ كما زعم البعض؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ [النساء:١٠٢] ؛ وذلك لأن الصحابة صلوا صلاة الخوف بعد رسول الله ﵊.

стр. 345

الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] في الآية رد على قوم متواكلين، يتركون أهليهم وذراريهم بدون طعام ولا شراب ويخرجون إلى البراري والصحاري أو غيرها ويجوعون أهاليهم ويقولون: نحن المتوكلون، فالآية فيها رد على هؤلاء؛ لأن أخذ الحذر وحمل السلاح، واكتساب الأرزاق لا ينافي التوكل. ومن ثم ذم أهل اليمن لما كانوا يحجون من بلادهم ولا يحملون معهم الزاد والطعام، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا وصلوا إلى مكة في الحج سألوا الناس، فأنزل الله فيهم: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة:١٩٧] أي: تزودوا بالطعام والشراب ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] . من العلماء من قال: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] أي: تتقي سؤال الناس وتتقي إحراج الناس بمد يدك إليهم، ومنهم من قال: هذا إشارة إلى زاد آخر وهو زاد الآخرة، أي: أن المسلمين يتقون ربهم فهو خير زاد. والحقيقة أن المعنيين متداخلان؛ لأن تقوى سؤال الناس تدخل في تقوى الله، ولأنك إذا مددت يدك إلى الناس لم تتق ربك بإحراجك للمسلمين على هذا النحو الذي تصنعه. ففي قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] ما يرد به على المتواكلين من المتصوفة ومن سار على طريقتهم.

стр. 346

المراد بإقامة الصلاة وقوله تعالى: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٢] ليس المراد بالإقامة هنا التي عقب الأذان؛ لأن الرسول ﷺ لم يكن يؤذن ولم يكن هو الذي يقيم، بل الذي يؤذن هو الذي يقيم إلا إذا دعت الحاجة إلى غير ذلك. أما المراد بـ (إقامة الصلاة) أي: إذا صليت بهم، ومنه: قول النبي ﷺ لما سئل عن أمراء السوء: (قالوا: أفلا ننابذهم ونقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا. ما أقاموا فيكم الصلاة) فإقامة الصلاة المراد بها الصلاة نفسها. أي: ماداموا يصلون ويأمرون بالصلاة أن تصلى فلا تقاتلوهم. وعلى هذا الغرار قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣] وهذا واضح جلي. قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٢] أي: صليت بهم، أو أمرت بمن يقيم الصلاة لهم.

стр. 347

كيفية صلاة الخوف قال تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] هذه إحدى صور صلاة الخوف، ولصلاة الخوف صور ثمان، جلها ورد بسند ثابت عن رسول الله ﵊، والاختلاف فيها من اختلاف التنوع وليس من اختلاف التضاد. بمعنى أن النبي ﷺ صلاها مرة هكذا، ومرة هكذا، ومرة هكذا، فتعددت صفات صلاة الخوف التي صلى بها النبي ﷺ ، وذلك حتى يصلي المسلمون في الحروب حيثما تيسر لهم، ولا يلتزمون بصفة معينة، وإنما يفعلون الأسهل لهم عند مواجهة عدوهم، وهذا أيضاً من باب التيسير على أمة محمد ﵊. وهذه الصورة المذكورة في الآية الكريمة حاصلها: أن المصلين يصفون صفين: صف وراء رسول الله، وصف ثانٍ خلفهم ويصلون كلهم، ولا يشترط في هذه الصلاة استقبال القبلة، بل يتجهون إلى العدو، فلو كانت ظهورهم أمام العدو وصلوا إلى القبلة قتلهم العدو، فلا يشترط فيها استقبال القبلة، فالإمام يصف المسلمين صفين على ما ورد في هذه الآية الكريمة، ويصلي بهم جميعاً ركعة، ويقرأ بهم جميعاً الفاتحة، ويركع، ويركع معه صف، وبعد ذلك يسجد ويسجد معه نفس الصف، يأتي معه الصف الأول ركعة، ثم يقوم الرسول بالصف الأول، فيتأخر الصف الأول ويتقدم الصف الثاني يصلي بهم النبي ﷺ ركعة هم الآخرون، ثم يسلم النبي ﷺ ، فيكون قد صلى ركعتين هو نفسه، وكل صف صلّى ركعة، فيصلون فرادى، وكل شخص يكمل الركعة التي لم يصلها، هذه هي الصورة الواردة في هذه الآية. وقلنا: إن هناك ثمان صور لصلاة الخوف، فصلّ كما تيسر لك وكيفما كانت الصلاة فيها نكاية للعدو وإرهاباً له وتستراً منه. وورد في الباب ما يقرر -كما يسميها البعض- صلاة الطالب، ولكن إسنادها ضعيف، وكيفيتها أجازها بعض العلماء عند الضرورة، وصلاة الطالب فحوى الدليل الوارد فيها (أن رجلاً كان يجمع الجموع لقتال رسول الله ﷺ بعرفات، فحث النبي ﷺ بعض الناس على قتله، فقام رجل، فقال: أنا أقتله يا رسول الله، ولكني لا أعرفه، قال: علامتك أنك إذا أتيته أخذتك قشعريرة) فذهب الرجل، وأمسك عن الكلام كأنه يريد مظاهرة هذا العدو ومناصرته ضد رسول الله، فلما رآه أخذته القشعريرة، فلما تمكن منه قتله. والشاهد: أن الصلاة حضر وقتها وهو أمام هذا الرجل، فصلى إيماءً -أي: بالإشارة- والصلاة بالإيماء جائزة، فقال النبي ﵊ لـ عمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) ، فكيفما تيسر للمسلم أن يصلي فليصل. قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] أي: الصف الثاني يكون مسلحاً، فإذا سجدت أنت ومعك الصف الأول، فليكن الصف الثاني من ورائكم، أي: قياماً يراقبون العدو. قال سبحانه: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] ولمَ لم يقل: (فإذا سجدتم) فليكونوا من ورائكم وقال: (وإذا سجدوا) ؟ لأنه خطاب لرسول الله وهو خطاب للحاضر على ما هو وارد في الآية، وهذا يسميه العلماء من باب التلوين في الخطاب، وذلك لجذب انتباه القارئ، كما قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الإنسان:٢١] الضمير للغائب، ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان:٢٢] ولم يقل: كان لهم جزاء، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢] ولم يقل: (وجرين بكم بريح طيبة) ونحو ذلك كثير. قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] أثار بعض العلماء سؤالاً وهو: لماذا قيل في الفريق الأول: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] وفي الفريق الثاني: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] فأضاف الحذر للفريق الثاني؟ فأجاب ملتمسون على ذلك بالتماسات، قال فريق منهم: لأن العدو وهو يتربص بكم، قد يقوى غدره وتقوى همته للقتال لما يراكم منشغلين بالصلاة، فجاء التحذير للفريق الثاني إضافة إلى حمل السلاح. أو أن المصلين أنفسهم عندما يرون أن العدو لم يهجم عليهم في الركعة الأولى يظنون أنه لن يهجم في الركعة الثانية، فيكسل بعضهم، فنبه على أن يحذروا، والله أعلم.

стр. 348

تفسير قوله تعالى: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم) قال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] . من أهل العلم من قال: إن الأذى هو يسير العذاب، ويستدل بقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران:١١١] فيقول: الأذى هو اليسير، ولكن اعترض على هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران:١٨٦] .

стр. 349

مواقيت الصلاة قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ﴾ [النساء:١٠٣] أي: ذهب عنكم العدو ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٣] أي: أتموها، أي: إذا كنتم حضوراً. ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] أي: مؤقتاً، محدداً بوقت، وقد سئل النبي ﷺ : (أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها) ، وفي رواية: (الصلاة على وقتها) ، وقد نبهنا أن من الناس من يروي الحديث أحياناً بالمعنى فيخطئ، فمن الناس من قال: (أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها) وهذه رواية وردت، ولكن عند التحقيق نجد إسنادها ضعيفاً، أما رواية الصحيحين فهي: (الصلاة لوقتها) ، فرواية: (الصلاة في أول وقتها) ضعيفة الإسناد، ثم من ناحية المعنى هناك إشكالات؛ لأنه أحياناً يسلم القول بأن الصلاة في أول وقتها أفضل، وأحياناً لا يسلم. فصلاة العشاء مثلاً ليست أفضل في أول وقتها، بل إذا أخرت العشاء ما لم يشق على المأمومين فتأخيرها أفضل، قال الرسول ﷺ : (هذا وقتها لولا أن أشق على أمتي) فوقتها يبدأ بسقوط الشفق الأحمر. وصلاة الظهر يقول النبي ﷺ : (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة -أي: انتظروا حتى يبرد الجو- فإن شدة الحر من فيح جهنم) وفي بعض أوقات السنة في صلاة الفجر قال الرسول ﵊: (أسفروا بالصبح، فإنه أعظم للأجر) . أما وقت صلاة الفجر فقد جاء فيه جملة نصوص، تبين أنه يبدأ من رؤية الخيط الأبيض من الخيط الأسود وينتهي بطلوع الشمس، ويستحب في بعض أوقات السنة أن تصلي صلاة الفجر في أول وقتها؛ لحديث أم المؤمنين عائشة: (كان النساء ينصرفن من صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس) أي: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بما يقارب الستين إلى المائة آية، ومع ذلك تنصرف النساء متلفعات بمروطهن. (لا يعرفن من الغلس) ، أي: من اختلاط ظلام الليل ببياض النهار، فيدل هذا على أنه ﵊ كان يبكر بصلاة الفجر. وورد حديث: (أسفروا بالصبح) ومعناه أي: انتظروا حتى يظهر الصبح ويتأكد من دخوله، ويظهر البياض. و (أسفروا) من قولهم: أسفرت المرأة إذا كشفت. وظاهر الحديثين أن بينهما إشكالاً: (أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر) ، وحديث: (كن ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس) ، فمن العلماء من سلك هذه الوجهة، ومنهم من سلك هذه الوجهة. - فالأحناف في باكستان يدخلون الصبح قبيل طلوع الشمس، وإذا دخلوا مبكرين يستمرون في القراءة أحياناً حتى تطلع عليهم الشمس وهم يصلون، ويستدلون بحديث: (أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر) ، وبعضهم يعكس القضية. - ومن أهل العلم من حاول الجمع، فقال: نبدأ بصلاة الفجر في أول وقتها ونطيل القراءة حتى يسفر علينا الصبح، ولكن هذا ما زال معارضاً بقول أم المؤمنين: (ما يعرفن من الغلس عند الانصراف) . - ومن أهل العلم من قال: إن هذا يتنزل على بعض أيام السنة دون بعض، وهذا وجه طيب وقوي، فبعض أيام السنة ينصرفن من الصلاة لا يعرفن من الغلس، وهي الأيام التي يطول فيها الليل، فيأخذ النائمون حظهم من النوم، فيقومون إلى الصلاة مبكرين، فيصلي بهم رسول الله ﷺ وينصرف النسوة متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس. وفي الليالي القصيرة ينتظر حتى يقوم النائمون من نومهم؛ لأنك إذا انتهيت من صلاة العشاء وجلست بعد العشاء وجدت الساعة الثانية عشرة أو الواحدة، ولم يبق إلا ثلاث ساعات للفجر. فمن العلماء من قال: هذا يتنزل على الليالي طويلة الليل، وهذا يتنزل على الليالي قصيرة الليل. فالله أعلم بالصواب في هذا، والحمل على التنويع الظاهر فيه أنه أولى؛ لأنه مسلك يسلكه كثير من الفقهاء في كثير من المسائل، كصلاة الخوف التي تقدمت أحياناً صلى الرسول ﷺ هكذا، وأحياناً صلى هكذا، وأحياناً صلى على هذا النحو، والله أعلم. أما صلاة الظهر فإذا اشتد الحر أخرناها، وإذا دخل البرد أو كان الجو طيباً بارداً صليناها في أول وقتها، وأول وقتها هو زوال الشمس عن منتصف السماء، ونعرف ذلك: أن تأتي بعصا أو أن يقف الإنسان في الشمس، عند الساعة العاشرة صباحاً -مثلاً- فترى ظل في اتجاه اليسار، وهذا الظل يبدأ في التناقص والتناقص إلى أن يأتي وقت يثبت عنده الظل ويبدأ في التحول من النقصان إلى الزيادة في الاتجاه الآخر، فيسمى هذا الوقت وقت الزوال. أي: أن الشمس زالت إلى الناحية الأخرى، وفي هذا الوقت -وقت الزوال- تكره الصلاة، لكن إذا زالت الشمس مباشرة دخل وقت صلاة الظهر. وهل هذا التوقيت يكون للجمعة أو للجمعة شأن خاص؟ جمهور أهل العلم يقولون: نعم يكون وقت الجمعة مثل وقت الظهر تماماً. لكن الحنابلة يقولون: لا، بل وقت الجمعة يبدأ من وقت صلاة العيد أو من وقت الضحى، فعندهم تجوز صلاة الجمعة الساعة العاشرة، وهذا يفعله بعضهم في بلاد الحرمين الآن كالدمام وغيرها، يصلون الجمعة مثلاً الساعة الحادية عشرة، والظهر وقته في التقويم الساعة الثانية عشرة مثلاً. ما دليلهم على ذلك؟ استدلوا بما ورد عن بعض الصحابة أنه قال: (كنا ننصرف من صلاة الظهر مع رسول الله ﷺ ، وليس للتلول فيء يستظل به) والتلول جمع تل، وهو الجبل الصغير. والفيء هو الظل إذا ارتد من الناحية الثانية، أي: أن الظل في الصباح في هذا الاتجاه، فإذا بدأ يتجه إلى الناحية الأخرى يسمى فيئاً، فقوله: (ليس للتلول فيء يستظل به) أي: لم تزل الشمس، لأن الشمس إذا زالت أصبح للتلول فيء، ومن ثمّ دخل وقت الظهر، فمادام الصحابي قال: (ليس للتلول فيء يستظل به) دل ذلك على جواز الصلاة قبل الزوال. أما الجمهور فقالوا: إن معنى قول الصحابي: (ليس للتلول فيء يستظل به) ليس صريحاً في نفي الفيء، فقد يكون الفيء قليلاً يصلح للاستظلال، فيصبح كالمعدوم، فيدل على أننا نبكر بالجمعة بعد الزوال مباشرة، فهذا هو قول الجمهور في هذا الباب. أما بالنسبة لوقت العصر فيبدأ إذا صار ظل كل شيء مثله، كما في حديث الرسول ﵊، لكن هل يضاف ظل الزوال أو لا يضاف؟ تقدم ظل الزوال، لكن إذا وقفنا أنا وأنت وقت الظهر أو الساعة العاشرة مثلاً، وكان الظل طوله ثلاثة أمتار في اتجاه اليمين، أو أن ظل كلما دخل الوقت تناقص، ثم جاء عند الزوال مثلاً ثبت طوله متراً، ثم بدأ يتحول إلى الناحية الأخرى ويزداد متراً وخمسة أمتار وعشرة، فهذا ظلك عند وقت الزوال الذي هو متر يسمى (ظل الزوال) ، أي: هو الظل الذي هو ثابت للشيء بعد تحوله من الطول إلى القصر وإلى الطول مرة ثانية. فهذا ظلك وهذا هو وقت الظهر فهل يضاف إلى هنا الظل مثله كي يدخل وقت العصر أم لا يضاف؟ بمعنى: هب أنني مسكت عصا ووضعتها وقت الظهر عند الزوال وطول ظلها ١٠سم، وطولها هي متر، فوقت العصر يدخل إذا كان طولها متراً وعشرة سم. يعني: طولها الأصلي يضاف إليه طولها ساعة الزوال، وهذا رأي جمهور أهل العلم، أن وقت صلاة العصر يبدأ إذا صار ظل كل شيء مثله مضافاً إليه ظل الزوال، وإضافة ظل الزوال إلى ظل المثل لم يرد في حديث الرسول، بل ورد في حديث الرسول ﷺ : (إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت العصر) ليس فيه إضافة ظل الزوال، لكن جمهور العلماء قالوا: هذه متعينة؛ لأنه أحياناً قد تكون واقفاً في الظهر وظلك متراً عند الزوال في بعض أيام السنة فهل معنى ذلك أن العصر يبدأ؟ الجواب لا؛ لأن بينهما وقتاً بلا شك. أما الأحناف فقد استدل بعضهم باستدلال غريب مضحك، على أن وقت العصر يبدأ إذا صار ظل كل شيء مثليه، استدلوا بحديث الأجير الذي استأجر أجراء فعملوا له نصف النهار، -حديث اليهود أو النصارى- ثم تركوا الأجر وجاء وقت الظهر إلى العصر، ثم تركوا الأجر فعملت أمة محمد ﷺ فأصابت أجرين، وهذا استدلال لا أعرف له وجهاً أصلاً، والإعراض عنه أولى. أما وقت المغرب فإنه يبدأ بمجرد غروب الشمس وينتهي بسقوط الشفق الأحمر، وهو الحَمار الذي يكون في اتجاه غروب الشمس، والشفق شفقان: شفق أحمر يكون في اتجاه غروب الشمس وبسقوطه يدخل وقت العشاء. وشفق أبيض قد يمتد في بعض ليالي السنة إلى منتصف الليل. أما وقت العشاء فإنه يبدأ بسقوط الشفق الأحمر، وأما نهاية وقت العشاء فمن أهل العلم من قال -وهو اختيار البخاري -: أنه إلى منتصف الليل؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (وقت النبي ﷺ العشاء إلى منتصف الليل) . وأما الجمهور فقالوا: إن وقت العشاء يمتد إلى صلاة الفجر، لحديث الرسول ﵊: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى) لكن استثني من هذا الحديث صلاة الصبح بالإجماع، فوقتها ينتهي بطلوع الشمس. وأما وقت الضحى فإنه يبدأ من ارتفاع الشمس في السماء بقدر رمح أو رمحين، وهناك مسائل تتعلق بالكتاب الموقوت تأتي في باب آخر، والله سبحانه أعلم.

стр. 350

تفسير قوله تعالى: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] (لا تهنوا) أي: لا تضعفوا. (فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) أي: في طلب الأعداء وقتلهم وجهادهم. و (القوم) : المراد بهم الكفار، وقد تقدم أن الإطلاق العام قد يأتي ويراد به الخصوص. وأحياناً يأتي الاصطلاح العام ويراد به عدة أصناف: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران:١٧٣] فالقائلون أناس، والمقول لهم أناس، والذين جمعوا لهم أناس. وقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] هذه الآية من التسلية للمؤمنين، يسلي الله عباده المؤمنين، فإن كنت تتألم أيها المؤمن فغيرك أيضاً من الكفار يتألم، ونحوها: كقوله تعالى لنبيه محمد ﵊: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] . ونحوها: قول النبي ﷺ لـ فاطمة: (يا بنية، إنه قد حل بأبيك ما ليس الله بتارك منه أحداً من الناس) أي: الموت. فقوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] هذا تسلية لأهل الإيمان، إن كنت تجرح في القتال فالكافر يجرح، وإن كنت تقتل فهو يقتل، وإن كنت تجمع المال والديون كي تجهز العدة فكذلك الكافر، وإن كنت تبيت قلقاً فهو يبيت قلقاً، وأنت ترجو من الله ما لا يرجو، فإذا تساويتما في هذه، فأنت أضفت طلباً من الله والكافر لا يطلبه، أضفت أنك تطلب الجنة والكافر لا يطلب ذلك. فجدير بك أن يكون صبرك أعظم من صبر هذا الكافر؛ لأن لك طلباً وهو ليس له طلب، فلتصبر أنت أكثر من صبره. قال: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٠٤] وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 351

الأسئلة

стр. 352

حكم جمع الصلاتين جمع تقديم السؤال يسأل الوالد هل يجوز له أن يجمع صلاة الظهر مع صلاة العصر جمع تقديم؟ الجواب بالنسبة لجمع صلاة الظهر مع العصر جمع تقديم، يشهد له فعل الرسول ﵊ بعرفات؛ لأن الرسول بالإجماع صلى العصر في وقت الظهر، وهذا متفق عليه، وكان مسافراً فصلى الظهر مع العصر جمع تقديم، ووردت رواية في إسنادها إشكال فقهي أو حديثي من طريق قتيبة بن سعيد بن جميل لن نتعرض لها، وفيما ذكر يكفي بالنسبة لجمع التقديم بين الظهر والعصر. أما أن تجمع العشاء مع المغرب جمع تقديم فلا أعلم أي حديث ثابت في هذا إلا حديث ابن عباس ﵄ وهو مطلق، قال: (صلى النبي ﷺ الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، سبعاً وثمانياً -أي: جمعاً- من غير عذر من خوف ولا مرض ولا سفر) ولم يذكر أنه جمع تأخير. ومعنى: سبعاً وثمانياً: أي: الظهر مع العصر ثماني ركعات مجتمعة، والمغرب مع العشاء سبع ركعات مجتمعة. ولم يذكر في الحديث أنها تقديم ولا تأخير، وهذا يستأنس به لمن قال بجمع التقديم، لكن كنص صريح في المغرب والعشاء أنها قدمت فلا أعلم شيئاً فيه، والله أعلم.

стр. 353

قصر الصلاة للمسافر السؤال هل يقصر الرجل في بيت ولده إذا كان ولده في بلدة أخرى أم يتم؟ الجواب يقصر في بيت ولده، إذا كان بلدة بلد الولد مسافة قصر كالقاهرة وأنت مثلاً في المنصورة فيقصر.

стр. 354

حكم تحديد مسافة القصر بثلاثة أيام السؤال هل يقصر لمدة ثلاثة أيام فقط؟ الجواب لا نعلم دليلاً على تحديد أيام القصر، والذين استدلوا على تحديد القصر بثلاثة أيام أو بعدد معين من الأيام أدلتهم صحيحة لكنها ليست صريحة، فـ ابن عباس -مثلاً- يقول: (إن الرسول ﵊ سافر تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة) فإذا زدنا عن تسعة عشر يوماً أو سبعة عشر يوماً أتممنا، وإذا أقللنا عن تسعة عشر يوماً قصرنا، وهذا وجه عليه مأخذ؛ لأنه ما أدراك أن الرسول ﷺ إذا مكث شهراً سيتم؟! أما الآخرون فقد أخذوا من فعل الرسول ﵊ في الحج حيث مكث في الحج يوم النحر الذي هو العاشر من ذي الحجة، ويوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر إلى وقت الزوال، ثم صلى الظهر بمزدلفة، فقالوا: إن صلاة الفجر التي صلاها الرسول ﵊ في منى يوم الثالث عشر مكان صلاة الفجر التي صلاها في مزدلفة يوم النحر؛ لأنه ﵊ لم يصل الفجر يوم النحر في منى، بل جلس في منى يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، إن سلم لهم بهذا القول. وقد بنوا على أن الرسول ما مكث مدة متصلة يقصر فيها الصلاة إلا هذه الثلاثة الأيام، لكن السؤال أيضاً يرد عليهم: من أخبركم أن الرسول ﷺ إذا مكث أكثر لم يتم بل لم يقصر؟ ابن عباس ﵁ عدّ المدة التي خرج فيها الرسول ﷺ من المدينة إلى أن رجع المدينة، فالرسول ﵊ تحرك من المدينة إلى الحج يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وتحرك من مكة راجعاً يوم الثالث عشر، ولا أدري كيف حسبها ﵁ لكنها وصلت إلى تسعة عشر يوماً. لكن الأدلة ليست صريحة، ولذلك اختار عدد من العلماء المتحررين من التقليد أن الشخص إذا مكث أي مدة مادام مسافراً ولم يتخذ دار إقامة أن له قصر الصلاة، والله أعلم.

стр. 355

حكم صلاة الفجر جماعة بنية السنة الراتبة السؤال هل يجوز لرجل أن يصلي جماعة وفي نيته أن يصلي سنة الفجر وبعد ذلك يصلي الفرض منفرداً وهذا خاص بصلاة الفجر؟ الجواب الذي يظهر أنه لا يجوز، بل يصلي معهم الفجر، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →