← Акыда

Акыда · id 7699

سلسلة الأسماء والصفات

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (219 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إثبات صفة الإعطاء والمنع لله وقوله: (ويعطي يمنع) , هاتان الصفتان أيضاً متضادتان وهما: صفة الإعطاء وصفة المنع, فالله تعالى يعطي ما يشاء لمن يشاء, ويمنع ما يشاء, ولذلك قال رسول الله ﷺ في دعاء الرفع من الركوع: (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) , وقال: (رحمن الدنيا والآخرة تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء) .

стр. 107

الأسئلة

стр. 108

معنى حديث: (يعجب الله من الشاب ليست له صبوة) السؤال (يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة) هل هذا حديث أو أثر، وإذا ثبت فما معناه؟ الجواب بالنسبة لثبوته لا أذكر شيئاً فيه, ولا أدري درجته, لكن معناه أن الله سلط على الإنسان الشهوات، وبالأخص في بداية شبابه، فعقله ما زال ضعيفاً وتجربته ما زالت ضعيفة، ومع ذلك فإن شهوته قوية, فلذلك إذا تغلب عليها فقد انتصر، وكان محلاً للإعجاب به, ولهذا يستحق أن يظل في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 109

حشر المؤمنين إلى الشام لقتال اليهود قبل قيام الساعة السؤال أين يكون الناس قبل حشرهم إلى أرض الشام؟ الجواب الناس في الأرض: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] , لكن أول من يحشر إلى أرض الشام هم اليهود، كما قال تعالى: ((وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ)) أي تفرقوا في الأرض ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء:١٠٤] يحشرهم الله إلى الشام, وأول ذلك: طرد النبي ﷺ لبني قينقاع من المدينة؛ ولذلك قال الله فيه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر:٢] هذا أول حشر إلى الشام. وأما حشر المؤمنين إليه فقد جاء فيه: (يوشك أن يكون خير مهاجرهم مهاجر أبيهم إبراهيم) فيهاجرون إلى الشام لقتال اليهود, وهذا المقصود به خيرتهم، وإلا فلا يمكن أن يتسع الشام لكلهم؛ لأن الشام هو الذي ينزل فيه عيسى بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيجتمع إليه أنصاره من المؤمنين الذين هم خيرة أهل الأرض يومئذٍ ويكونون في الشام، وقد جاء قبل ذلك قوله ﷺ : (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) وهذا الحديث أخرجه الترمذي في السنن وإسناده حسن. وكذلك جاء في الشام عدد كبير من الأحاديث، جمعها الحافظ ابن عساكر فأوصلها إلى قرابة ألف حديث في فضائل الشام وحشر الناس إليه وغير ذلك, وبه فسر كثير من أهل العلم قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وهم أهل الغرب) وقال ﷺ : (هم أهل الشام) وإن كان الشام ليس في غرب المدينة، لكن يطلق عليه ذلك؛ لأن غرب المدينة البحر, والبحر من سار بساحله يوصله ذلك إلى الشام. وقال آخرون: هو اتجاه المغرب، كما جنح إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: كل الفتن والمصائب والبدع جاءت من المشرق، وأما المغرب فلم يأت منهم إلا خير، فجاء منه العلم والحفاظ في كثير من العصور, وهذه القاعدة يمكن أن تنقض بالعبيديين فقد ظهروا في البداية في المغرب في المهدية في تونس، ثم رحلوا إلى المشرق, لكن يجاب على هذا: بأن التشيع كله في الأصل من المشرق, فـ عبيد الله بن إسماعيل جاء أيضاً من المشرق, فأنشأ ذلك بالمغرب. وقال أحد علمائنا في شرحه لصحيح مسلم عندما بلغ هذا الحديث: الغرب في اللغة له ثلاثة معان: يطلق على الدلو العظيمة, يقول: لا أعرف بلداً من بلاد الله أكبر دلاء منا. ويطلق على مغرب الشمس، يقول: ونحن آخر المسلمين إلى جهة المغرب. ويطلق على القوة والشوكة، يقول: نحن أهلها، ولم يجاهد قوم دون إمام فينصروا ويغنموا غيرنا, وهذه دعوى، لكن المهم أنها مبشرات. وحشر المؤمنين إلى الشام لقتال اليهود جاء فيه الحديث الذي في الصحيحين: (لتقاتلن اليهود حتى تقاتل بقيتكم الدجال) , وفيه: (أنه حتى يقول الحجر والمدر: يا عبد الله! هذا يهودي خبيث تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) وجاء في مسند البزار وغيره من حديث نهيك السكوني ﵁: أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال في خطبة من خطبه: (لتقاتلن الدجال أو لتقاتلن بقيتكم الدجال , أنتم شرقي نهر الأردن وهم يومئذٍ غربيه) ، قال: ولا أدري ما الأردن يومئذٍ, والحديث في إسناده مجهول، لكن مع ذلك تشهد له الأحاديث السابقة الصحيحة.

стр. 110

سلسلة الأسماء والصفات [٧] بين يدينا عدد من الصفات الفعلية المتقابلة، وكلها مما يدل على عظمة الله .

стр. 111

من صفات الله الفعلية يقول الشيخ حفظه الله: [يخفض يرفع يعز ويذل يكره يمقت ويهدي ويضل] ما زلنا في ذكر بعض الصفات التي جاءت بالإثبات التفصيلي في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، فمنها:

стр. 112

إثبات صفة الخفض والرفع لله (الخفض والرفع) : فالله يخفض خفضاً حسياً وخفضاً معنوياً, فالخفض الحسي مثل خفض المنافقين في النار, حيث جعلهم تحت الكافرين فيها، ومثل خفضه لبعض المخلوقات عن بعض, فهذا هو الخفض الحسي، ومنه الخسف وغيره. وأما الخفض المعنوي: فهو مثل خفضه لمنزلة الكافرين في الدنيا وفي الآخرة، كخفضه في الدنيا لمنزلة أكثر الكافرين على أتباع عيسى بن مريم، فقد جعل أتباعه فوق الكافرين إلى يوم القيامة, فخفض الكافرين تحت رئاسة أتباع عيسى إلى يوم القيامة, كما تعهد بذلك لعيسى في قوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥] . وكذلك فإن من صفاته الرفع, وهو كذلك رفع حسي ورفع معنوي, فالرفع الحسي: مثل رفعه للأعمال الصالحة, كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] . ومثل رفعه لبعض عباده رفعاً حسياً كرفعه لإدريس ﵇، فقد قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم:٥٧] , وذلك في السماء الرابعة، حيث لقيه رسول الله ﷺ ليلة المعراج فيها. ومثل ذلك رفع الأرواح التي تعرج إليه فإنه يرفعها. وأما الرفع المعنوي: فهو رفع بعض الناس درجات فوق بعض, وقد تعهد الله بذلك للمؤمنين ولأهل العلم في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] , وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من تواضع لله رفعه) , فالتواضع مدعاة للرفعة يرفع الله به الدرجات, وكذلك ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها سبعين خريفاً في قعر جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، أو درجات في الجنة) , فهذا رفع حسي بالنسبة لرفع الدرجات في الجنة. ومثل هذا رفعه لكتابة أعمال المتقين، فإنه يرفعها فيجعلها في عليين, واختلف في تفسير عليين فقيل: هو اسم لأعلى الجنة, وقيل: هو الكتاب الذي تكتب فيه أعمال الصالحين, وهو مشتق من العلو؛ لارتفاع منزلته ومكانته, فقيل: هو جمع علِّيٍّ، والعلي: المرتفع، ومن ذلك قول الشاعر: كأن حوطاً جزاه الله صالحةً وجنةً ذات عليٍّ وأشراع لم يقطع الخرق تمسي الجن ساكنه برسلة سهلة المرفوع هلواع والآية محتملة للأمرين؛ لأنه جاء ذكر عليين في الآية مرتين, فقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] , وإذا أخذنا بهذا الجزء من هذه الآية ترجح المعنى الأول: أن عليين معناه أعلى الجنة، لكن قال بعدها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٨-٩] ففسر عليين بالكتاب, وحينئذٍ إذا أردنا الجمع بين القولين في الآية، فإما أن نقول في الآية الأولى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] , أي: في أعلى الجنة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩] ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩] محل كتاب مرقوم، فيكون على حذف مضاف. وإذا أردنا الجمع على القول الثاني فنقول: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ) معناه: كلا إن كتابة عمل الأبرار لفي عليين، أي: في الكتاب ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٨-٩] , فيكون الكتاب بمعنى الكتابة, وكون الكتاب بمعنى الكتابة وارد في القرآن وفي السنة, فمن القرآن قول الله تعالى في ثنائه على عيسى ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [آل عمران:٤٨] , فالكتاب الذي يعلمه عيسى إنما هو الكتابة؛ لأنه لو كان الكتاب معناه الكتب المنزلة لأغنى عن ذلك قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [آل عمران:٤٨] , فالكتاب المنزل الذي تعلمه عيسى هو التوراة والإنجيل, فلما عطف التوراة والإنجيل على الكتاب علم التغاير؛ لأن العطف يقتضي المغايرة, فلهذا كان المقصود أن يعلمه الكتابة, وكان عيسى من كتاب العالمين المشاهير، ومن أحسن الناس كتابة. وهذا الخفض والرفع من هاتين الصفتين ورد في السنة أيضاً في حديث قبض الأرواح: أن الملائكة يرتفعون بها إلى السماء, فإن كانت روحاً مطمئنة استأذنوا ففتحت لها أبواب السماء, وإن كانت نفساً خبيثةً لم تفتح لها أبواب السماء، وقيل: ارجعي من حيث جئت لا مرحباً بالنفس الخبيثة. وكذلك فيما يتعلق بالرفع الحسي في الحديث: رفع جبريل قرى قوم لوط حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم ردها على الأرض, وهذا بإذن الله وأمره. ومن هاتين الصفتين اشتق اسمان من أسماء الله تعالى وهما: الخافض والرافع, وقد رتبهما الشيخ على هذا الترتيب، على ترتيب الاسمين في السنة في حديث أبي هريرة في ترتيب الأسماء، فقد جاء فيه الخافض قبل الرافع, ومما يدل على ذلك من النصوص أيضاً قول الله تعالى: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] , فهذا وإن كان بغير اللفظ إلا أن معناه هو معنى الرفع والخفض المعنوي لا الحسي. وكذلك قول الرسول ﷺ في حديث حذيفة الذي أخرجه أحمد في المسند والحاكم في المستدرك وغيرهما: (تكون فيكم النبوة ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة، وسكت) . وقد صح عنه ﷺ في صحيح البخاري وغيره أنه قال: (كان حقاً على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه) ، وذلك في قصة القصواء ناقة رسول الله ﷺ التي لم يكن يقوى لها شيء، ولا تسابقها راحلة إلا سبقتها، حتى جاء أعرابي على قعود له أحمر فسبقها، وقد جاء في هذا الحديث الوضع مقابل الرفع، فهو صفة أخرى تقابل هذه، والجميع من الصفات الفعلية: الخفض والرفع والوضع.

стр. 113

إثبات صفة الإعزاز والإذلال لله قال: (يعز ويذل) وهذا أيضاً إثبات لصفتين متقابلتين كالسابقتين، فالله هو المعز المذل، وهذان الاسمان مشتقان من هاتين الصفتين. والمعز: من العزة التي هي المكانة والقدر. والمذل: من الذلة التي هي المسكنة وانحطاط المنزلة. وقد قال الله تعالى: ﴿تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] ومنهما اشتق له هذان الاسمان: المعز المذل، اللذان جاءا في حديث أبي هريرة. والعز: صفة الله ، ومنه اشتق العزيز، وهذه الصفة غير صفة المعز، فالمعز معناه: الذي يعز من شاء من عباده، والعزيز معناه: العزيز بنفسه، فالعزيز من صفات الذات، والمعز من صفات الأفعال. ومعنى العزيز مختلف فيه، فقيل: معناه الذي لا نظير له، من العزة التي هي القلة، وهذا من معاني الوحدانية، إذ العزيز عند المحدثين الذي انفرد به راويان في طبقة من طبقات الإسناد أو أكثر، فسمي عزيزاً لقلة رواته أو لندرة وجوده، ويمثلون له بما رواه أبو هريرة وأنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) , فهذا انفرد بروايته أبو هريرة وأنس عن رسول الله ﷺ ، وانفرد بروايته عن كل واحد منهما اثنان. والمعنى الثاني للعزيز: أنه من العزة التي هي القهر والقوة, فهو القوي وهو الجبار ذو القوة المتين, فهذا معنى العزة أيضاً، والعرب يقولون: (من عز بز) أي: من غلب سلب غيره عزته, وفي ذلك تقول الخنساء ﵂: تعرقني الدهر نفساً وحزا وأوجعني الدهر ضرباً وغمزا وأفنى رجالي فبادوا وبادوا وأصبح قلبي بهم مستفزا كأن لم يكونوا حمى يتقى إذا الناس إذ ذاك من عز بزا تريد هذا المثل.

стр. 114

إثبات صفة الكره والمقت لله (يكره) : كذلك من صفات الأفعال صفة الكره, فالله يكره بعض الذوات وبعض الأفعال, فهذه الصفة تتعلق ببعض الذوات وبعض الأفعال, فبعض الذوات مكروهة لدى الله كأهل النار، فإنه كرههم ومقتهم, وكذلك بعض الأفعال مكروهة عند الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء:٣٨] , وفي القراءة السبعية الأخرى: (كل ذلك كان سيئةً عند ربك مكروها) , فهذا الذي يكرهه الله من الأعمال هو ما لا يرتضيه لعباده، وهذا يشمل المحرمات التي حرمها عليهم، والمكروهات التي نهاهم عنها نهياً دون تحريم, ولذلك صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (إن ربكم حرم عليكم وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنعاً وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) فالمحرم والمكروه كلاهما مكروه بهذا المعنى، وكلاهما متعلق بهذه الصفة التي هي صفة الكراهة. (يمقت) : وهذه صفة فعلية أخرى موافقة في متعلقها للصفة السابقة, فالمقت -نسأل الله السلامة والعافية- أشد من الكره, والله يمقت بعض الذوات ويمقت بعض الأفعال, فبعض الأفعال مقيتة عنده -أي: مكروهة عنده- وبعض الذوات كذلك مقيتة عنده, ولذلك صح في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ في الحديث الطويل الذي رواه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم غير بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) , أي: مقت أهل الأرض جميعاً إلا بقايا من أهل الكتاب حافظوا على ديانتهم، وبقوا في الأديرة والمتعبدات منقطعين عن الناس. ومقت الله له أمارات تظهر على العبد, فإذا مقته الله كرهه الناس، كما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل, ثم ينادي به في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) , قال سفيان بن عيينة -أحد رواة هذا الحديث- ولا أراه إلا قال في البغض مثل ذلك، ومعناه: إذا مقت الله عبداً نادى جبريل، وقد جاء التصريح بذلك في رواية أخرى غير رواية سفيان بن عيينة: (إذا مقت الله عبداً نادى جبريل إني أكره فلاناً, فيبغضه جبريل، ثم ينادي به في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضه أهل السماء, ثم يوضع له المقت في الأرض) -نعوذ بالله- فيكون ممقوتاً لدى أهل الأرض. فالمقصود من مقت أهل الأرض: مقت أهل الإيمان منهم, لا مقت عوامهم وجمهورهم, فأكثرهم لا يؤمنون, فأهل الإيمان منهم يجدون أن نفوسهم المؤمنة لا تطمئن إلى هؤلاء الأشخاص، وتكرههم بسبب أعمالهم, وليس معنى ذلك: أن كل أهل الأرض سيبغضونهم، بل سيجتمع عليهم أولياؤهم الذين يزيدونهم غواية فيما هم فيه. ونلاحظ أن الصفتين السابقتين وهما (يكره ويمقت) ليستا من الصفات المتقابلة كما ذكرنا, فبينهما توافق لا تقابل, بخلاف: يخفض يرفع، يعز ويذل, فهذا فيه تقابل.

стр. 115

إثبات صفة الهداية والإضلال لله ومن الصفات المتقابلة قوله: (يهدي ويضل) , وهذا فيه إثبات لصفتين متقابلتين وهما الهداية والضلالة. فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء, فمن هداه فبفضله ومن أضله فبعدله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] , وهداية الله صفة من صفات الأفعال, لكنها تنقسم إلى قسمين: هداية إرشاد وهداية توفيق: فهداية الإرشاد هي إرساله للرسل وإقامته للحجة بالدليل العقلي والعلمي, فيهدي عبده بأن يريه الطريق, وهذه الهداية لا تقتضي نجاته, بل قد يعمل الإنسان بمقتضاها فينجو، وقد يخالفها فلا ينجو؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] ، وهداية الإرشاد هذه كثيراً ما يقابلها العمى في القرآن. وقد أثبتها الله لرسوله ﷺ في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] . وأما الهداية الثانية: فهي هداية التوفيق، وهي من صفات الله المختصة به فلا يتصف بها من سواه، ولذلك نفاها عن رسوله ﷺ فقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] , ولذلك ينبغي لمن يقرأ الفاتحة أن ينوي في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] , هداية التوفيق لا هداية الإرشاد؛ لأن هداية الإرشاد قد حصلت، ويبقى أن يسأل الله هداية التوفيق, وهي الاستقامة بعد أن عرف المنهج، فهداية الإرشاد معناها مجرد أن تقوم عليك الحجة, وقد قامت عليك بهذا الكتاب الذي تقرؤه وبالرسول الذي جاء به، وهداية التوفيق هي التي تسألها الله، فتسأله أن يوفقك لما يرضيه ولسلوك طريق الذين ارتضاهم. وهذه الهداية يقابلها الإضلال، والهداية والإضلال يترتبان على المحبة والكره, فمن أحبه الله هداه، وكل من تعلقت به صفة المحبة لابد أن يهديه الله, وكل من تعلق به المقت والبغض لابد أن يضله الله. ولهذا فإن الناس ينقسمون في الآخرة إلى سعداء وأشقياء فقط: فالسعداء هم الذين هداهم الله حين أحبهم، والأشقياء هم الذين أضلهم الله حين مقتهم. وفي الدنيا ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: إلى مؤمن ومنافق وكافر، لكن في الآخرة هم قسمان فقط, ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥] , فالشقي: يشمل الكافر والمنافق، والسعيد: هو المؤمن الذي مات على الإيمان. وهذا الإضلال يشمل إضلالين: إضلالاً عاماً: وهو من بداية عمر الإنسان إلى أن يموت على ضلالته. وإضلالاًً خاصاً: وهو الإضلال في الخواتيم, وهو أن يختم الله له بالضلالة، نسأل الله السلامة والعافية. ولا اعتراض على الله في اختياره: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ، وقال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] , فيختار من شاء للهداية على أساس حكمته وعلمه الذي لا إخلاف فيه ولا تناقض، ويختار من شاء -نسأل الله السلامة والعافية- للضلالة, فيضله ويحول بينه وبين الهداية, حتى لو قامت عليه كل الحجج وجاءته الهداية -هداية الإرشاد- فإنه لا ينتفع بها كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩-١١١] , فهذا يدلنا على أن هداية التوفيق منحة ربانية, فليست راجعة إلى عقل ولا إلى علم, وإنما هي منحة ربانية يهبها لمن يشاء؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣] , فهذا اختيار رباني. وقد جاء في حديث المهدي أنه يصلحه الله في ليلة, فهو لم يكن مهتدياً ولكن الله يهديه ويصلحه في ليلة واحدة.

стр. 116

إثبات صفة الإقبال والإعراض لله [يقبل يعرض يتوب يرحم يأخذ منا الصدقات يُطعم وليس يُطعم. ] (يقبل ويعرض) هاتان الصفتان من صفات الأفعال المتقابلة, ولا يشتق منهما اسمان لله بخلاف السابقتين الهداية والضلالة فإنه يشتق منهما اسمان لله, فهو الهادي المضل، الهادي لمن يشاء، المضل لمن شاء، لكن (يقبل) : صفة من صفات الأفعال التي لم يرد اشتقاق اسم منها, وكذلك (يعرض) : هي صفة من صفات الأفعال التي لم يرد اشتقاق اسم منها. وإقبال الله على عبده هو غاية التشريف؛ لأنه هو الذي يلي منزلة الرؤية, فالله إذا أقبل على عبده, فتمام رؤية العبد له ما يقع يوم القيامة حين يكشف عنه الحجاب فيراه رأي العين، وهي الزيادة التي قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] , وأما في الدنيا فقد حجب المخلوق عن الرؤية, لكنه عوض أهل الإيمان بالإقبال فيقبل الله عليهم، ويكون هذا تعويضاً عن الرؤية. وإقبال الله على عبده إنما يكون بحسب اقتراب العبد منه, ولذلك قال: (فإن أتاني يمشي أتيته هرولة) هذا هو الإقبال، ويكون أيضاً بحسب إتقانه لعمله الصالح الذي يعمله، كما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه، وقال: يا ابن آدم! إلى من تلتفت وأنا خير مما التفت إليه) , فالإقبال هنا يقابله الإعراض, وإقباله مقتض لرحمته وعنايته وحفظه ورعايته، وإعراضه مقتض لتعرض الإنسان لسخطه ومقته، ولذلك فإن نظره هو من جنس إقباله, فنظره بعين الرحمة يحصل به كل مقتضيات الرحمة, والله أخبر أن من لا يرتضيهم لا ينظر إليهم, وقد أخبر عن كثير من الناس يوم القيامة أنه لا ينظر إليهم ولا يزكيهم كما في قوله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧] . والمقصود هنا: لا ينظر إليهم بهذه النظرة، أي: نظرة الإقبال التي تقتضي الرحمة. أما النظر الذي يقصد به العلم والإحاطة والبصر, فالله مبصر لكل الكائنات، لا تخفي منه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً, ولا يمكن أن يحتجب عنه أي شي، فهو يرى كل شي، لكن النظر بعين رحمته هو الذي يختص به أهل الإيمان والمحبة, والنظر بعين السخط -نسأل الله السلامة والعافية- هو لأهل الكفر والشقاوة.

стр. 117

إثبات صفة التوبة لله (يتوب يرحم) : هذه صفة من صفات الأفعال, ولم يذكر لها مقابل، وقد اشتق منها اسم الله : التواب) ، وتوبة الله على عباده قسمان: توبة سابقة لتوبة العبد, وتوبة لاحقة لتوبة العبد, فالتوبة السابقة لتوبة العبد هي التي تقتضي توفيقه لأن يتوب, والتوبة اللاحقة هي التي تقتضي قبول توبته فلا يمكن أن يتوب أحد حتى يتوب الله عليه، فأولاً يوجه قلبه للتوبة, ثم بعد ذلك إن شاء تاب عليه توبة ثانيه وهي قبول توبته، وإن شاء لم يتب عليه. ولهذا فإن الله يقول في كتابه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:١١٧] , هذه هي التوبة الأولى عليهم بمعنى توفيقهم للتوبة, أي: توفيقهم لأن يتوبوا, ثم قال: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧] , وهذه توبة غير الأولى، ولذلك عطفها بثم، والعطف يقتضي المغايرة: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) . قال: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] , (ثم تاب عليهم) : هذه التوبة الأولى (ليتوبوا) أي: التوبة الثانية وهي التي بدأهم بها في قوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) معناه: وقد تاب على الثلاثة الذين خلفوا. فإذاً: الثلاثة الذين خلفوا لما كانوا يعانونه من الضيق ذكر الله في هذه الآية توبتهم الآخرة قبل توبتهم الأولى, أما النبي والمهاجرون والأنصار؛ فلأنهم ليسوا من أهل هذه المعاناة؛ وقد قفلوا ولم يجدوا كيداً، فإنه جعل التوبة الأولى في الوقوع هي الأولى في الذكر، ثم ذكر التوبة الثانية بعدها على الترتيب. ونظير هذا فيما يتعلق بالتوبة الشفاعة، فالشفاعة أيضاًَ لا يمكن أن يشفع أحد لدى الله إلا بعد الإذن له بالشفاعة, فيأذن الله له بالشفاعة ثم بعد ذلك يشفع, فالشفاعة تسبق فعل الشافع وتعقبه, تسبقه بالتوفيق له والإذن فيه, وتعقبه بقبوله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] , وكما قال تعالى في الملائكة: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] .

стр. 118

إثبات صفة الرحمة لله (يرحم) : هذه صفة من صفات الله وهي صفة الرحمة, وهي صفة عظيمة كتبها الله على نفسه, لكن اسم الرحمة يطلق على صفة من صفات الله وعلى لازم تلك الصفة، وهو فعل من فعل الله, وتجدونهما معاً في النصوص, فالله وصف نفسه بالرحمة في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢-٣] , ومع ذلك ذكر الرحمة التي هي فعله في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] , وقد صح عن رسول الله ﷺ في الصحيحين أنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فادخر عنده تسعاً وتسعين رحمة لعبادة المؤمنين في الجنة, وأنزل رحمة واحدة في الدنيا فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها) , فهذه الرحمة المخلوقة ليست هي الصفة, وإنما هي متعلق الصفة وأثرها؛ لأنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها) . أما الرحمة غير المخلوقة فهي صفة الله، وهي المذكورة في قوله: (إن رحمتي سبقت غضبي) , وفي رواية: (تغلب غضبي) , والمقصود بذلك: تزاحم الصفتين في المتعلق. ورحمة الله هي من أكثر صفاته أثراً, وصفات الله لها آثار في خلقه, فما يتعلق منها بالخلق له آثار, لكن رحمته هي أوسعها أثراً، ولهذا قال الله فيها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] , ولذلك عدّ الله من آثارها شيئاً عظيماً فقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣] , فالليل والنهار وما سكن فيهما كل ذلك من رحمة الله, ولهذا قال في المطر: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠] , فكل هذا من آثار رحمة الله؛ ولهذا إذا نظرنا إلى ما فيه أهل الأرض من المعايش والخيرات والبركات التي جعلها الله في هذه الأرض، ومن أعظمها هذا الأكسجين الذي يتنفسون به، والماء الذي يشربونه, وستر الله الجميل الذي يجعل بعضهم يركن إلى بعض ويميل إليه, وجبل قلوبهم على الألفة والمحبة وغير ذلك، كل هذا أثر من آثار رحمة الله , ومع ذلك فما في الدنيا من رحمة الله المخلوقة إلا رحمة واحدة من مائة رحمة. ويذكر عن عبد الله بن المبارك ﵀ أنه دخل على هارون الرشيد , فوعظه فبكى هارون بكاءً شديداً, وكان في غزو، وكان هارون يغزو في كل سنة، وكان عبد الله بن المبارك كثيراً ما يغزو معه، فسأله أن يحدثه بما يزيده طمعاً فيما عند الله تعالى وترغيباً لما عنده, فقال: يا هارون! ما نصيبك في هذه الدنيا من رحمة الله؟ قال: أوفر نصيب، فقد منّ الله علي بالإيمان والعقل والحكمة والعلم وإمارة المؤمنين، وأن ملكي شمل مشارق الأرض ومغاربها، وامتن علي بالمال والأولاد وصالح الأهل، وغير ذلك من أنواع ما يرغب فيه, فقال: هذا حظك من رحمة واحدة قسمت بين أهل الدنيا كلهم برهم وفاجرهم أولهم وآخرهم, فما ظنك بنصيبك من تسعة وتسعين رحمة يوم القيامة؟! نلت من هذه الرحمة الدنيوية هذا النصيب, وهي رحمة واحدة، فكيف سيكون نصيبك من تسع وتسعين رحمة يوم القيامة؟! ولذلك فإن هذه الرحمة أمر الله بها عباده، فهي كما ذكرنا من الصفات التي هي للتعلق والتخلق, وقد ذكرنا أن أسماء الله منها ما هو للتخلق والتعلق، ومنها ما هو للتعلق فقط, والتعلق معناه: أن يسأل الله به ويدعى به, لكن لا يمكن أن يتصف به المخلوق, وذلك مثل الكبرياء والعظمة والجلال, ومنها ما هو للتعلق والتخلق ومنه الرحمة, فقد أمر الله بها، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من لا يَرحم لا يُرحم) , وصح عنه في الحديث المسلسل بالأولية: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) , وهذه الرحمة متعلقها في الأصل من يحتاج إليها وهم كل ضعيف مبتلى، فهم أحق الناس بالرحمة. والبلاء أنواع: فمنه البلاء في الدين، ومنه البلاء في البدن، والبلاء في المال، والبلاء في الأهل، والبلاء في العقل وغير ذلك, فأولى الناس بالرحمة هم المبتلون؛ ولذلك جاء في حديث ابن عمر في صحيح مسلم وهو أيضاً في الموطأ وكتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: (لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم, فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد, وإنما الناس مبتلىً ومعافىً فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية) , فرحمة أهل البلاء مختلفة باختلاف الحال, فمثلاً: الفاجر الذي هو مبتلى في دينه, رحمته أن تحاول أن تعينه على الشيطان، وأن لا تعين الشيطان عليه حتى يهتدي على يديك، والكافر رحمته هي محاولة إدخاله في الإسلام، والمبتلى بأي بلاء رحمته بحسب ذلك، ولهذا يقول أحد الحكماء: ارحم بني جميع الخلق كلهم وانظر إليهم بعين الرفق والشفقة وقر كبيرهم وارحم صغريهم وراع في كل خلق حق من خلقه فهو مخلوق لأرحم الراحمين.

стр. 119

إثبات صفة الأخذ لله (يأخذ منا الصدقات) : هذه صفة أخرى من صفات الله وهي صفة الأخذ، وهذه الصفة متعددة المتعلق: فالمتعلق الأول: أن يأتي أخذ الصدقات بمعنى قبولها، فالله هو الذي يأخذ الصدقات بمعنى: يتقبلها، وقد جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ ما صح عنه أنه قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وما تصدق عبد من كسب طيب إلا كان كأنما وضعها في كف الرحمن، ولا يزال ينميها له كما ينمي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون كالجبل) فمن تصدق من كسب حلال كأنما وضع صدقته في كف الرحمن، يعني: يأخذها الله منه ويتقبلها، ويكون قرضاً حسناً عند الله ، فلذلك لا يزال الله ينمي له صدقته هذه ويضاعف له أجرها بحسب انتفاع الناس بها أبد الآبدين، (كما ينمي أحدكم فلوه) أي: كما يربي أحدكم فلوه، أي: ولد فرسه (أو فصيله) أي: ولد ناقته، حتى تكون هذه الصدقة كالجبل، وتنمية الله ليست مثل تنمية البشر، فيبارك فيها ويضاعفها أضعافاً مضاعفة وهكذا، فلذلك قال: (يأخذ منا الصدقات) . أما المتعلق الثاني: فالأخذ بمعنى الإذلال، فالله يأخذ أعداءه أخذ عزيز مقتدر، ومعنى ذلك: أن يهلكهم بأخذ البغتة، وقد ذكر أمثلة لذلك، كأخذه لقوم نوح بالطوفان، وأخذه لقوم هود بالرياح، وأخذه لقوم صالح بالصيحة، وأخذه لغيرهم من الأمم، وهذا هو الأخذ الوبيل الذي يأخذ به أعداءه وهو الذي ينبغي أن يخافه أهل الإيمان دائماً وأن لا يأمنوا مكر الله: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] . إذاً: هذان متعلقان بصفة الأخذ، الأول: أخذ بمعنى القبول، والثاني: أخذ بمعنى الإذلال.

стр. 120

إثبات صفة الإطعام لله (يطعم وليس يطعم) : هاتان الصفتان متقابلتان بالإثبات والنفي، إحداهما: صفة الإطعام: فالله يطعم عباده فهو الذي تكفل لجميع مخلوقاته برزقها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦] ، ولذلك فهو الذي يطعم هذه المخلوقات كلها.

стр. 121

سلسلة الأسماء والصفات [٨] الله موصوف بكل كمال منزه عن كل نقص، ولهذا فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، وينفون عنه سبحانه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، ومن ذلك إثبات صفة الحكم والاستفهام لخلقه وهو أعلم بهم، وأنه لا ند له ولا نظير ولا يعجزه شيء .

стр. 122

إثبات صفة الحكم لله يقول الشيخ حفظه الله: يحكم بالحق يستفهم وهو أعلم. كذلك من الصفات المثبتة لله صفة الحكم، فقد أثبتها لنفسه في كثير من الآيات، وإثباتها في القرآن جاء بصيغة الفعل، وجاء بصيغة الاسم بالحصر: فصيغة الاسم مثل قول الله تعالى على لسان يعقوب ويوسف ﵉: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٦٧] ، فيعقوب ﵇ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف:٦٧] ، ويوسف ﵇ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] ، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] . وبالفعل مثل قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة:١١٣] ، ونحو هذا من الآيات التي فيها الإثبات بالفعل. والمقصود بالحكم الفصل، والفرق بينه وبين صفة القضاء: أن صفة القضاء يختلف إطلاقها باختلاف المخاطب، فمثلاً: قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] ، إن كان الخطاب لأمة الدعوة فقضى هنا بمعنى: أمر، وإن كان الخطاب لأمة الإجابة فقضى بمعنى: أوجب، فالقضاء المطلق هو بمعنى الأمر فقط الذي لا يشمل جزماً، وإن كان لأمة الإجابة الذين آمنوا وصدقوا محمداً ﷺ فهو على سبيل الإيجاب والجزم. أما الحكم فلا يكون إلا جازماً، ولذلك فالقضاء قد يكون بالخطاب التكليفي الشرعي وقد يكون بالخطاب القدري، فإن الله يقضي بمعنى: يوجب، أو يحرم، فهذا هو قضاؤه التشريعي، أما قضاؤه القدري فمعناه: تنفيذ ما علم وأراد أن يقع في الأزل، فما أراده الله يقضيه، أي: ينفذه ويوقعه على وفق إرادته وعلمه. أما الحكم فكذلك يتعلق بالدنيا والآخرة: ففي الدنيا يطلق على الخطاب التشريعي، كقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] . وفي الآخرة يطلق على فصل الخصام يوم القيامة عندما يتجلى الباري لفصل الخصام، فيختصم الناس إليه، وحينئذٍ يقام الخصام بين كل فريقين اخلتفا، فكل خلاف في الدنيا يُفصل في ذلك الوقت، ولذلك سمي ذلك اليوم يوم الفصل، ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: (الله أكبر! أنا أول من يجثو بين يدي ربي يوم القيامة للخصام، حين أنزل الله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩-٢١] ) ، وهؤلاء هم الذين كفروا من أهل المبارزة يوم بدر وهم: عتبة بن ربيعة. وشيبة بن ربيعة. والوليد بن عتبة بن ربيعة. والذين آمنوا الذين يخاصمونهم وهم الخصم الثاني هم: علي بن أبي طالب. وحمزة بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. فيجثو الناس بين يدي الله للخصام، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] ، فهذا هو الحكم الأخروي المذكور في قوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:١١٣] وكثير من الآيات فيها تعليق الحكم بيوم القيامة. ومثله قول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦] ، والمقصود: الحكم الأخروي، ولهذا كان ابن عمر ﵁ إذا ذكر وقعة الجمل يقول: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦] ، يقصد بذلك إحالة الحكم في مثل هذا إلى الله ؛ فهو الذي يفصل فيه وحده. وحكم الله بالحق دائماً؛ لأنه لا يقول إلا الحق، كما قال تعالى: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص:٨٤] ، ولذلك فإن الملائكة ﵈ إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] ، فحكمه لا يكون إلا بالحق، وهذا الحق معناه: الحق المحض الذي ليس فيه جور ولا ظلم ولا تهافت ولا تناقض ولا اختلاف في وجه من الوجوه؛ فليس مثل حكم غيره، فالحاكم في الدنيا حاكم مخلوق حتى لو كان معصوماً فإنه يحكم وفق البينة ووفق ما يسمع، لكن قد لا يكون ذلك حقاً محضاً، ولهذا جاء في حديث أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال للرجلين اللذين اختصما عنده: (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما أقتطع له جمراً من النار، فليأخذه أو ليدعه) . فالحاكم الدنيوي يقضي، ولكن قضاءه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، وإنما هو بحسب الظاهر فقط، أما حكم الله تعالى فهو الحق المحض الذي لا يمكن أن يقع فيه اختلاف ولا لبس، وهذا وجه الفرق بين صفة الله وصفة المخلوق، فالحكم يثبت للمخلوق ويثبت لله ، لكن حكم الله بالحق دائماً، وحكم المخلوق الله أعلم به؛ فقد يوافق الحق وقد لا يوافقه، ولهذا قال: يحكم بالحق.

стр. 123

استفهام الله وقوله: (يستفهم وهو أعلم) ، أي أن الله يستفهم، وهذا الاستفهام أنواع، فمنه: - استفهام تقريري، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] . - ومنه استفهام إنكاري، وكثيراً ما يقع في القرآن للرد على المشركين، فيأتي الاستفهام إنكارياً، ولكنه لا يقصد به الاستعلام؛ لأنه هو أعلم، ونظير ذلك الاستفهام من أجل الاستشهاد مثل حديث: (إن لله ملائكة سيارين في الأرض بغيتهم حلق الذكر، فإذا وجدوهم حفوهم بأجنحتهم، وتنادوا: أن هذه طلبتكم، فيمكثون ما شاء الله، ثم يرتفعون إلى ربهم، فيقول: ماذا يقول عبادي؟ فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويهللونك، فيقول: وهل رأوني؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوني؟ فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوك لكانوا لك أشد ذكراً، فيقول: وماذا يسألونني؟ فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا عليها أشد حرصاً ولها أشد طلباً، فيقول: ومماذا يستعيذونني؟ فيقولون: يستعيذونك من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا منها أشد خوفاً، فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقولون: يا رب! فيهم عبدك فلان وليس منهم إنما جاء لحاجة، فيقول: هم الرهط أو هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) . فهذا الاستفهام كله وهذه الأسئلة كلها لا يقصد بها زيادة علم، وإنما يقصد بها استشهاد الملائكة على ذلك، والملائكة يشهدون كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦] ، فالملائكة يشهدون هذا، والله يسألهم لتثبت الشهادة عندهم بأنه استشهدهم على هذا. والاستفهام في اللغة معناه طلب الفهم، لكنه في الاصطلاح لا يقصد به ذلك، بل يقصد به السؤال مطلقاً. وأسئلة الله لخلقه بالاستفهام كثيرة، سواء كانت على وجه التشريع مثل سؤاله لموسى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] ، وهذا النوع من الاستفهام لا يدخل في الأنواع السابقة؛ فليس استفهاماً إنكارياً ولا تقريرياً ولا استشهادياً، وإنما يسمى استفهاماً تأنيسياً، فيؤنسه بهذا السؤال؛ لأنه يخاطبه ديان السماوات والأرض، وهو بشر فلو خاطبه بغير هذا الخطاب لأمكن أن ينشق شغاف قلبه من خشية الله، ولكنه أنسه فخاطبه بهذا الاستفهام العجيب فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] ، وهنا أجاب موسى بهذا الجواب الذي فيه إطناب، وأراد بذلك التزود بتكليم الله له فقال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] ، وكان الجواب المطلوب على طبق سؤاله أن يقول: عصاً، فيكفي لو قال: عصاً، ولكنه انتهز فرصة تكريم الله له هذا التكريم العجيب، فأطال مدة الجواب، ولهذا قال: (يستفهم وهو أعلم) . وقد جاء في عدد من الأحاديث التي فيها سؤال الله تعالى للملائكة: (فيسألهم وهو أعلم) ، وهذا يدلنا على أن الاستفهام لا يقصد به الاستخبار ولا زيادة علم. والألفاظ الواردة في القرآن في الابتلاء والامتحان التي يأتي بعدها (ليعلم) ، فلا يقصد بها مزيد علم لله وإنما يقصد بها إيضاح ذلك للناس، وهو الخروج من حيز العلم الغيبي إلى علم الشهادة، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] ، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨] ، ثم عقب الآية لينفي احتمال تجدد العلم فقال: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن:٢٨] فلا يمكن أن يزداد علمه بحصول ذلك.

стр. 124

نفي المعين والظهير والند والنظير عن الله قال الناظم ﵀: [وما له معين أو ظهير وما له ند ولا نظير] قوله: (وما له معين أو ظهير) ، قد نفى الله عن نفسه الكفء في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، وهذا نافٍ لأن يكون له معين من خلقه، فلا يمكن أن يستعين بأحد من خلقه؛ فهو القادر على ما يشاء لا يحتاج إلى أحد من خلقه. وكذلك الظهير، فالظهير هو الذي يشد الظهر أو يساعد الإنسان على أن يحتاج به إلى قوة، والله لا يحتاج إلى ذلك، وأما ما يوهم ذلك من الآيات مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١] ، فمفهوم هذا قد يتوهم منه بعض الناس أن غير المضلين يمكن أن يتخذوا عضداً، وليس الحال كذلك، بل المقصود أنه يقوي بهم الحق، فغير المضلين يجعلهم جنوداً للحق، وهو الذي يؤيدهم وينصرهم ولا يحتاج إلى نصرتهم، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤] . ومثل هذا قوله حكاية عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] ، ومثل هذا قوله تعالى خطاباً لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنُّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٦-٨٧] ، فكل هذا إنما المقصود به: نصرة الحق؛ إذ لا يحتاج الله إلى أحد من خلقه، لذلك قال: (وما له معين أو ظهير وما له ند ولا نظير) والعكس أيضاً: ليس له ند، والند هو المكافئ الذي يمكن أن يقاتل الإنسان أو يواجهه، فقد كان أهل الحرب قديماً يجعلون المباراة بين كل اثنين يتقاربان في الشجاعة والقوة، ويسمى أحدهما ند الآخر. وهكذا المباراة أيضاً، باراه بمعنى: سابقه، ومنه فلان يباري الريح، أي: يسابقها. ومنه النديد، فكل ذلك وارد: الند والنديد والقرن والقرين، فالنديد جاءت في شعر الأسود بن عبد يغوث في غزوة بدر في قوله: وما لأبي حكيمة من نديد أتبكي أن يضل لها بعير أي: لا يقارنه أحد، وأبو حكيمة هو زمعة بن الأسود؛ وقد قتل يوم بدر كافراً. وقوله: (وما له ند ولا نظير) ، كذلك نفى النظير، أي: الذي يمكن أن يواجهه أو يرد عليه أي شيء، أو يشاركه في أي شيء، فكل هذا مردود، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ، وقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ، وهذا هو الذي يسميه أهل الكلام في إثبات الوحدانية لله بدليل التمانع، فإنهم يقولون: لو أمكن تعدد الآلهة فإن الإلهين إما أن يتفقا وإما أن يختلفا، فإن اختلفا فلابد أن يغلب أحدهما الآخر أو لا يغلبه، فإن لم يستطع أحد منهما التغلب على الآخر فهما عاجزان لا يتصفان بالألوهية، وإن غلب أحدهما الآخر فالمغلوب غير إله؛ لأنه غُلب، والغالب غير إله؛ لأنه كان يمكن أن يُغلب، وما جاز على المثل جاز على مماثله، وإن اتفقا فسيصنعان شيئاً، والعالم كله لابد أن يكون مصنوعاً للإله، فجواهر الأفراد وهي الذرات التي لا يمكن أن يشترك في صناعتها اثنان، وإذا صنعها واحد فقد استغنت عن الآخر، وكل جوهر فرد إذا صنعه أحدهما فقد استغنى عن الآخر، والمستغنى عنه غير إله، والآخر مثله؛ لأن ما جاز على المثل جاز على مماثله، فانتفى التعدد بالكلية، وأخذوا هذا الدليل من هذه الآية: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] .

стр. 125

حفظ السماوات والأرض لا يئود الله ومن فيهما لا يعجزونه قال الناظم ﵀: [ولم يكن يئوده حفظ السما والأرض أو يعجزه من فيهما] كذلك من الصفات المنفية عن الله أنه لا يئوده -أي: يثقله- حفظ السماء والأرض، وقد جاء ذلك في آية الكرسي في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] . وآده الشيء يئوده بمعنى: أثقله، كما قال الشاعر: جبل على جمل يكاد يئوده فتراه يمشي مشية المرحوض جبل، معناه: رجل ضخم. على جمل يكاد يئوده، معناه: يثقله. فتراه يمشي مشية المرحوض: أي المثقل. فالله لا يعجزه شيء من خلقه، فلا يئوده حفظ السماوات والأرض، كما قال: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] . وقوله: (أو يعجزه من فيهما) ، كذلك لا يعجزه أحد من خلقه، ولذلك فإن الجن قالوا هذا كما حكى الله عنهم: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن:١٢] ، فهذا لا يمكن أن يقع أبداً. وأعجزه يعجزه معناه: انقطع دونه ولم يستطع الوصول إليه، وهو من العجز، والعجز معناه القصور دون الشيء أو الكسل عنه، وفعلها: عجَز يعجز عجزاً، وأما عجِز يعجز بالكسر في الماضي والفتح في المضارع فمعناها: كبرت عجيزته، أو صار عجوزاً، وفعلها: عجز، فالعجز معناه: ضخامة العجُز. و (من) في الأصل تطلق على العاقل وحده، لكنها تطلق عليه مع غيره لاختلاطه به أو اشتراكهما في العموم، وما في السماوات وما في الأرض فيهم العقلاء وغير العقلاء، فأطلقت لفظة (من) لتشمل كل ذلك. ومن في السماوات ومن في الأرض هذا يشمل أنواع المخلوقات، وقد ذكر الله منها أربعة أصناف في العالم العلوي وأربعة أصناف في العالم السفلي، وذلك في سورة فصلت في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩] ، وهذه قشرة الأرض. ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٠-١٢] ، فالسماوات السبع تقابل الأراضين السبع، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:١٢] ، وهذا يقابل قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت:١٠] . وقوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت:١٢] ، هذا يقابل قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت:١٠] . وقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ [فصلت:١٢] ، هذا يقابل قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت:١٠] ، فهذه أربعة أنواع تقابلها أربعة. وبالإضافة إلى هذا فجنود الله تعالى لا حصر لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] ، وقد جاء في الحديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ فما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله أو راكع) ، هذا بالنسبة للسماء. وكذلك بالنسبة لكثرة جنود الله في الأرض من الملائكة والجن وغير ذلك من الجنود التي لا نعلمها، ومع هذا فجميع هؤلاء لا يخفي أحد منهم أحداً عن الله ، ولا يلتبس عليه كلامهم ولا خطابهم ولا وظائفهم ولا ما هم فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١] ، فكل من في السماوات والأرض قد علم الله صلاته وتسبيحه، أو قد علم هو صلاة نفسه وتسبيح نفسه فلم يعلمها غيره. فنحن لا نعلم تسبيح الحصى، ولا تسبيح البحار، ولا تسبيح الجبال، لكن الجبال تعرف تسبيحها والبحار تعرف تسبيحها وهكذا، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ، فنحن لا نعرف ذلك، ولكنها هي تعرف ذلك، وهو يعرف تسبيح كل ذلك لا يلتبس عليه.

стр. 126

نفي صفة الإعياء عن الله وذكر بعض الأدلة على البعث قال: [لم يعي بالخلق ابتداءً من عدم كذاك لا يعيا بإحياء الرمم] كذلك نفى الله عن نفسه صفة الإعياء، أي: التعب بخلق الخلق، فإن الله يقول في سورة (ق) : ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥] ، وهذا الاستفهام إنكاري معناه: لم نعي بالخلق، وهذا مثال للاستفهام الإنكاري الذي سبق، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣] ، وهذا دليل من أدلة البعث، وقد ذكر الله في القرآن البعث في سبعمائة وسبعة وستين آية، وأثبته بعدد من البراهين العقلية العجيبة، ومنها: الاستدلال بخلق الأكبر على خلق الأصغر، فالذي يخلق السماوات والأرض لا يعيا أن يخلق إنساناً. وهكذا الاستدلال بالنشأة السابقة على النشأة اللاحقة وبالنشأة الأولى على النشأة اللاحقة، فهذا الإنسان خلقه الله من عدم فهو الآن يمشي ويتكلم، وإذا صار تراباً أو رميماً فلا يعيي الله ولا يعجزه أن يعيده كما كان؛ لأنه قد خلقه قبل هذا. وكذلك الاستدلال بإخراج الضد من ضده، فإن المشركين كانوا يفتون العظام ويقولون: يزعم محمد أن ربه سيحيي هذا أو يعيده إنساناً بعد أن صار رميماً، والرميم عندهم ضد الحي تماماً. فالله يستدل على البعث بإخراجه للضد من ضده، ولذا أخبر أنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ومثل لذلك أيضاً بالنار، كما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧١-٧٣] . وكذلك استدل على البعث أيضاً باختلاف حال الإنسان نفسه، فالإنسان في حياته يمر به كثير من الأحوال المتباينة، فما الفرق بين حاله في بعثه بعد الموت مع أحواله الأخرى؟! فإنه ينام ويوقظه الله، ويمرض ويبرئه الله ويشفيه، ويجوع ويطعمه الله ويسقيه، ويكون ضعيفاً ويقويه ثم يضعفه بعد قوة، ويكون شعره أسود ثم يعيده ذا شيبة، فهذه أحوال كلها بقدرة الله وإرادته، فلا يمكن أن يعجزه تغييره أحوال الإنسان من حال إلى حال. وترون هذه الأدلة كلها وزيادة عليها في خواتم سورة يس، في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس:٧٧] ، وهذا إخراج الشيء من ضده، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] ، وهذا تغير حاله وخلقه من نطفة إشارة إلى الأطوار التي يمر بها، وهي التسعة المذكورة في سورة المؤمنون في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢-١٦] . كذلك قال: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] * ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] * ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] ، وهذا الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة اللاحقة، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] ، وهذا الاستدلال بعلم الله تعالى بجميع الكائنات حيث لا يفوته ذرة من الإنسان، كما قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤] ، فلا يمكن أن يذهب منه شيء عن علم الله . ثم قال سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس:٨٠] ، وهذا إخراج الشيء من ضده تماماً، ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [يس:٨٠-٨١] وهذا استدلال بالأكبر على الأصغر ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] . ثم استدل بتمام قوته وقدرته وأنه لا يفعل بالعلاج كما يفعل المخلوق، فالمخلوق يعالج، والله يستحيل عليه العلاج؛ لأن أمره إنما هو كن، فلا يستطيع شيء أن يمتنع عليه أين كان، والمخلوق إنما يعالج ويتعب؛ لأن كثيراً من الأشياء قد تغلبه وتمتنع عليه، والله لا يمكن أن يمتنع عليه أي شيء أراده، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] . وكذلك من الأدلة على البعث القسم، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] ، وقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] ، فهذا قسم على البعث، ومعناه: لتبعثن، وقد حذف المقسم عليه هنا لعلمه من المجادلة وسبب نزول الآية، ولهذا قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٢-٣] ، فيفهم من الآيات أن المقسم عليه هو البعث، وأن المعنى: لتبعثن. فلهذا قال: (لم يعي بالخلق ابتداءً من عدم كذاك لا يعيا بإحياء الرمم) وهذا ضرب مثل، ولهذا قال الله تعالى في سورة الروم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم:٢٧-٢٨] ، فهذا مثل عجيب، فلذلك قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ، أي: من ناحية تصورنا نحن، وإلا فالجميع يقول له: كن فيكون. وأهون هنا معناه: أقل إعجازاً له؛ لأن الشيء إذا عرف وخرج للوجود فابتكره مبتكر وأبدعه مبدع إذا حاكاه غيره وصوره على نفس التصميم السابق، فإن الثاني لا يلحق بالأول في الإبداع، بل الإبداع للأول الذي ابتكره، فلهذا كان الخلق الثاني أقل إعجازاً من الخلق الأول، فأنتم تعجبون من خلقه لكم وإنشائه لكم بعد الموت، فخلقه لكم من العدم في البداية أعظم وأعجب من إحيائكم بعد أن متم؛ لأن الخلق الأول أكبر معجزة وأغرب من الخلق الثاني والإحياء بعد الموت بكثير. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 127

سلسلة الأسماء والصفات [٩] الكلام صفة كمال لله ، والله تعالى تكلم بكلمات تشريعية وكلمات كونية، وكما أنه تعالى يتكلم فهو أيضاً يتصف بالسكوت، ولكنه سكوت عن علم فهو صفة كمال لله تعالى.

стр. 128

كلمات الله الشرعية والكونية يقول الشيخ حفظه الله: [ويتكلم متى شاء بما شاء. ] التكلم صفة كمال لله ، وكلامه تعالى شرعي وكوني.

стр. 129

ميزة الكلمات الشرعية والكلمات الشرعية لها ميزات: الميزة الأولى: هي الاختيار لها، فإن الله يصطفي لهذه الكلمات من شاء من خلقه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، في القراءة الأخرى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته) وهنا بحث دقيق وهو في تفسير قوله: (رسالته) و (رسالاته) ما الفرق بينهما؟ و الجواب أن قوله (رسالته) هي الشريعة بكاملها، وقوله (رسالاته) هي الأحكام على كثرتها، فكل حكم رسالة بخصوصها، مثلما تكتب رسالة إلى شخص في أمر تريده ثم ترسل إليه رسالة أخرى، فكل ذلك يسمى رسالة وتجمع على رسائل، فكذلك نزول الملك بسورة أو بآيات يسمى رسالة، والشريعة بكاملها تسمى رسالة، فلهذا جمعت تارة وأفردت أخرى، وبهما قرئ في هذه الآية. وكذلك قوله تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالتِي وَبِكَلامِي) وفي القراءة الأخرى: ﴿بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ، فهذا باعتبار الأحكام المنزلة عليه. والاصطفاء المذكور أيضاً في قوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] ، فهو اجتباء مخصوص، ولا يمكن أن يكون هذا لكل البشر، بل قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١] . كذلك من مميزات هذا النوع من الكلمات -أي: الكلمات الشرعية- أنه محصور في الكتب المنزلة، وقد ختمت بالقرآن، فلا يمكن أن ينزل منه شيء بعد القرآن، وختم التشريع أيضاً ببعض القرآن وهو قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ، فعلى هذا قد اكتملت الكلمات التشريعية، وما رضيه الله لخلقه من الشرائع قد أكمله عندما أنزل هذه الآية على محمد ﷺ وهو واقف بعرفة في حجة الوداع. الميزة الثالثة: التفاوت في التشريع، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في الكلام على النسخ فتتنزل شريعة تصلح لمدة محددة ثم تنسخ بشريعة أخرى، ويبقى ذلك الكتاب غير صالح للتطبيق فيما بعد، ولكن يجب الإيمان به بأنه كتاب منزل من عند رب العالمين، والكتب التي تأتي بعده تأتي مصدقة لما فيه من الأخبار ملزمة للإيمان به، كما قال تعالى: ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة:٩٧] . الميزة الرابعة: أن هذه الكلمات محصورة العدد، فالقرآن -مثلاً- محصور العدد، حتى حروفه محصورة وكلماته محصورة وسوره محصورة وآياته محصورة، فسوره مائة وأربع عشرة سورة، وكلماته معروفة عددها، وحروفه معروف عددها، وذلك بخلاف ما سنذكره في الكلمات الكونية، وهذه الكلمات الشرعية يقع فيها التبديل والنسخ، فليست مقصودة بقوله: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣٤] ، بل هذه الكلمات يقع فيها التبديل كما قال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١] ، ومن هنا ترد دعوى النصارى التي يروجون لها اليوم في الكتب الخضراء التي طبعوها في أمريكا لترويج المسيحية والتي يقولون فيها: إن الإنجيل ثبت في القرآن أنه كلام الله، وثبت في القرآن أيضاً: أنه لا مبدل لكلمات الله، فلا يمكن أن يبدل ولا أن يغير، فكيف تزعمون أننا غيرنا فيه أو بدلنا؟ فيجاب: بالقول بعدم توارد الآيتين على محل واحد، فالإنجيل كلام الله من الكلمات التشريعية، والكلمات الكونية هي التي لا تبديل فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣٤] . فالكلمات التشريعية تبدل حتى في القرآن؛ لقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١] .

стр. 130

ميزة الكلمات الكونية أما الكلمات الكونية فهي كلمات الفعل التي يخلق الله بها خلقه ويدبر بها أمره، وهذه تمتاز بأنها يخاطب بها كل شيء من خلق الله، ولا يجتبى لها ولا يختار، بل يخاطب بها المؤمن والكافر والشجر والحجر وغير ذلك فيقال للشيء (كن فيكون) . وهذه الكلمات تمتاز أيضاً بأنها لا حصر لها ولا يمكن أن تعد، كما دلت على ذلك الآيات: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي)) ﴾ [الكهف:١٠٩] معناه: الكلمات الكونية: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] ، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] ، ولا يقصد به هذا القرآن، فأنت تستطيع أن تكتبه بيدك ولا تنفذ أقلامك ولا مدادك، لكن المقصود الكلمات الكونية التي لا تنحصر. وهناك ميزة أخرى للكلام الكوني: وهو أنه مستمر لا انقطاع فيه، فهو الذي به تدبير الأمر كله في الدنيا والآخرة، وهذا الكلام نسب إلى الكوني بلفظة (كن) ؛ لأنه جاء فيه لفظ: (كن) ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] ، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، فهي تكوينية، وليس معناها أنها منسوبة إلى الكون، بل هي منسوبة إلى (كن) التي هي فعل أمر التكوين، فبها يكون الله ما شاء من خلقه؛ ولهذا يخاطب بها العاقل وغير العاقل، ويخاطب بها الكافر والمؤمن. فالكلمات التشريعية يقف عندها البر ويتعداها الفاجر، فالبر إذا جاءه أمر الله الصريح في القرآن: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦] امتثل ذلك، والفاجر إذا جاءه هذا لم يمتثل. فإذاً: ليس فيها إجبار ولا إكراه، بل فيها تخيير ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] ومعناه: أن الكلمات الشرعية هي تشريعات هذا التشريع، أما الكلمات الكونية فإنها تسيير لا محيد عنه، ولا يستطيع أي شيء أن يخالفه؛ فلذلك هي التي لا يتعداها بر ولا فاجر، فالبر إذا قيل له: مت، لا يستطيع أن يمتنع، والفاجر إذا قيل له: مت، لا يستطيع أن يمتنع، فالنفوس جميعاً بيد الله، وإذا قال: (كن) لا يستطيع شيء أن يتخلف ولا أن يتأخر ساعة ولا أن يتقدم: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] .

стр. 131

الكلام صفة كمال لله تعالى (والتكلم) : صفة كمال، ولهذا يعد كلام الله تعالى من صفات كماله، فهو مقتضٍ للكمال بنوعيه: الكلام الكوني والكلام التشريعي، فالكلام الكوني متضمن للكمال من جهة أنه لا يحتاج إلى معالجة ولا إلى أسباب، فهو الغني الحميد لا يحتاج إلى أي شيء من خلقه، أما المخلوق فإنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا بمعالجة وتعب ونصب، والله يخلق الأشياء بقوله: (كن) فيكون، فلا يحتاج إلى أي معالجة؛ ولهذا كان الكلام هنا صفة كمال. كذلك الكلمات التشريعية صفة كمال؛ لأن بها الاختيار التفضيلي، وبها الامتحان للناس، وبها البيان وبها الإعجار والتحدي: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] ، فهذا كله يقتضي وصف الله بالتكلم. وهذا التكلم لا يحل البحث في كيفيته، ولكن يجب الإيمان بعظمته وجلاله؛ ولهذا لم يرد شيء في وصف التكلم إنما جاء في وصف الكلام، إلا آية واحدة من كتاب الله جاء بها ما يشعر بهيئة التكلم، وهي قوله : ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] فبين هنا أن الملائكة ﵈ إذا تكلم الله بشيء من أوامره تغشى قلوبهم ذلك؛ لجلال الله وعظمته وجلال كلامه، ففزعوا هذا الفزع الشديد، ثم يفزع عن قلوبهم أي: يزول عنها ما بها من الفزع. والتفزيع معناه إزالة الفزع، والمقصود به إعادة الطمأنينة ورجوع التفكير، ففي وقت الكلام لا يمكن أن يتدبروا ولا أن يتفهموا إجلالاً لله ولكلامه، فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] وهذا يشعر بعظمة تكلم الله في الملائكة الذين وصفهم الله بالقوة والشدة: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠] ومع ذلك إذا تكلم الله وصلوا لهذا الحال، بحيث لا يفهمون ولا يستوعبون وإنما يقولون: (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) ؟ وإنما يستوعب منهم من خصصه الله لذلك وهيأه له وهم المصطفون منهم في قوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً﴾ [الحج:٧٥] ، ولذلك يسألهم بقية الملائكة عما وجه إليهم: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] . وكذلك كتابة هذا الكلام الكوني أو التشريعي من صفات الكمال، فقد كتب الله الكلمات الكونية قبل خلق الخلق كلهم، فأمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، فجرى بذلك: رفعت الأقلام وجفت الصحف، وجعل ذلك في صحف عنده فوق العرش. والكلمات التشريعية كذلك يكتبها، فقد كتب التوراة بيمينه لموسى في الألواح، وأنزل على إبراهيم صحفاً وعلى موسى صحفاً، وكذلك القرآن فإنه مكتوب عنده في اللوح المحفوظ، كما قال في وصف القرآن: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] . وقد اختلفت القراءة في هذه الآية فجاء في بعض القراءات السبعية: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) (فِي لَوْحٍ محفوظٌ) أي: قرآن مجيد محفوظ في لوح، وفي بعضها: (في لوح محفوظٍ) أي: أن اللوح نفسه هو المحفوظ، فاللوح حافظ ومحفوظ، محفوظ بأمر الله بحيث لا يمكن أن يطلع عليه إلا من اختاره الله لذلك، وحافظ لأنه يحفظ ما كتب فيه من القرآن المجيد، وقد اشتهر على الألسنة اللوح المحفوظ، مع أنه يمكن أن يوصف أيضاً بأنه حافظ، والعرب يقولون: كتاب حافظ، بمعنى: كتاب جامع، ويقولون: بنو فلان لا يحيط بهم كتاب حافظ، معناه: كتاب يجمع أسماءهم.

стр. 132

كلام الله صفة اختيارية والله يتكلم، وقد أثبت ذلك كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ [الشورى:٥١] ، وكلامه صفة من صفاته الاختيارية، وهذا معنى قوله: (متى شاء بما شاء كما شاء) ، فهو صفة اختيارية. ومعنى الصفة الاختيارية: الصفة المتكررة التي تتعلق بالمشيئة والإرادة، فكل صفة تعلقت بالمشيئة والإرادة وكانت متكررة فهي من الصفات الاختيارية، أما الصفات التي لم يرد تعليقها بالإرادة كالاستواء ونحوه فلا تعد من الصفات الاختيارية، بل هي من صفات الأفعال فقط، والصفات المعلقة بالإرادة هي مثل: الإحياء والإماتة والخلق والرزق وإنزال المطر وغير ذلك، فهذه كلها معلقة بالمشيئة. قال: (ويتكلم متى شاء) : معناه: في أي ساعة شاء، وفي أي وقت شاء، فالكلمات التشريعية قد تكلم بها في الوقت الذي شاء وأكمل تشريعه، والكلمات الكونية لا يزال يتكلم بما شاء منها (يتكلم متى شاء بما شاء) . [كما شاء] . معناه: أن كلامه التشريعي يأتي بلغات مختلفة على ما شاءه الله ، فتارة ينزله بالعبرية وتارة بالعربية وغير ذلك، فيتكلم بأية لغة شاء، وينزل بها كلامه، وهذا معنى قوله: (كما شاء) . وأيضاً: فإن ذلك الكلام تارة يكون محكماً وتارة يكون متشابهاً، وكلٌ من عند الله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] ، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] ، فكل من عند ربنا، بمعنى أنه هو الذي شاء لهذا أن يكون مجملاً، وشاء لهذا أن يكون متشابهاً، لذلك قال: (كما شاء) .

стр. 133

الكلام الكوني لا ينفد ثم تكلم على الكلام الكوني بعد الكلام التشريعي فقال: [لو أن الكلم مداده البحر بسبعة أمد وشجر الأرض قلام ما نفد] (لو ان) هذا بنقل الهمزة وهي قراءة ورش عن نافع في كل القرآن. (لو ان الكلم) ، معناه: لو أن الكلم وهو اسم جنس وواحدته: كلمة، والمقصود به: كلام الله الكوني. (مداده البحر بسبعة أمد) البحر المقصود به: ما يعرفه الناس من المحيطات والبحار والأنهار، فكلها يطلق عليها البحر؛ لأن (أل) التي فيها جنسية. (بسبعة أمد) معناه: بسبعة أبحر غير المعروفة، فهذه الأرض ما فيها كله بحر واحد، فهو المقصود هنا، واليبس من الأرض حوالي الربع فقط وكل البقية بحار، ومع ذلك فهذا البحر المعروف لدنيا، وهو ما في الدنيا من الماء كله، سواء كانت بحاراً أم محيطات أو أنهاراً أو بحيرات أو بحيرات جوفية؛ كل ذلك داخل في قوله: بحر، (لو أمد) هذا البحر بسبعة أبحر من مثله ما نفدت كلمات الله، وعدد السبعة كما ذكرناها من قبل له سر الله أعلم به، ولكن المقصود هنا المبالغة، أي: أنه لا يمكن أن يحتوي مخلوق أياً كان هذه الكلمات الكونية. (وشجر الأرض قلام) : كذلك لو أن شجر الأرض كله كان قلاماً، وقلام: جمع قلم، وأقلام أيضاً جمع قلم. (ما نفد) : أي: هذا الكلام، وهذا مأخوذ من الآيتين المذكورتين: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] وفي قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف:١٠٩] .

стр. 134

صفة السكوت لله [ورحمة سكت عن أشياء من غير نسيان على ما جاء]

стр. 135

السكوت عن علم صفة كمال صنيع الشيخ هنا أن الصفات المتقابلة من صفات الله يذكرها في حيز واحد؛ ليكون ذلك أسهل لفهمها واستيعابها، فعندما ذكر صفة الكلام ذكر الصفة التي تقابلها وهي صفة السكوت، وهي أيضاً صفة كمال؛ لأن السكوت يقتضي المعرفة بما يسكت عنه؛ ولذلك يقول عبد الله بن الزبعرى ﵁: فإن أحلف ببيت اللـ ـه لا أحلف على إثم ما من إخوة بين قصور الشام والردم كأمثال بني ريطـ ـة من عرب ومن عجم هشام وأبو عبد مناف مدره الخصم وذو الرمحين أشباك من القوة والحزم يكن القول في المجلس أو ينطق عن حكم فالسكوت إذا كان عن علم فهو صفة كمال، وهذه الصفة لم ترد في القرآن، ولكنها وردت في حديثين: أحدهما: قوله ﷺ : (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) وهذا الحديث وإن كان في إسناده شيء، لكن معناه يشهد له قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة:١٠١] ، وكذلك يشهد له قوله ﷺ : (وإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) . والحديث الثاني: هو قوله ﷺ : (وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) فهذا أيضاً شاهد للسابق في إثبات صفة السكوت، وكلا الحديثين يصل إلى درجة الحسن فيكون بذلك صحيحاً لغيره.

стр. 136

اختلاف الأمة فيما سكت عنه من رحمة الله بها وإثبات صفة السكوت أشار له الشيخ بقوله: (ورحمة سكت عن أشياء) فبين أن السكوت التشريعي إنما يكون على أساس علم ورحمة بعباده، فسكت عن أشياء لم يبين للناس الحكم فيها، وإنما أرجعهم فيها إلى تدبرهم وعقولهم واستنباطهم، وهذا من رحمته. ولذلك حصل الخلاف فيها، ومن هنا قال بعض أهل العلم: الخلاف في مسائل الاجتهاد فسحة، والمقصود بكونه فسحة ورحمة من عند الله : أن المسائل الاجتهادية لو كانت كلها منصوصة نصاً؛ لوقع الناس في حرج، ومن هنا قال الشعراني في كتابه الميزان: إن الاختلافات الفقهية كلها خلافات صورية لا خلافات حقيقية؛ وذلك أن للشريعة حدين، أحدهما: حد العزيمة، والثاني: حد الرخص، وما بينهما متسع، فإذا وجدت مسألة اختلف فيها العلماء فقال بعضهم بإباحتها وقال طائفة أخرى بتحريمها، فاعلم أن الذي قال بالإباحة نزع إلى جهة الرخصة وأن الذي قال بالتحريم نزع إلى جهة العزيمة، وبهذا تكون الشريعة أصلاً واحدة، لكن مشارب الناس فيها وأفهامهم مختلفة. ومن هنا فإن من اضطر للأخذ بقول من مسائل الخلاف فمن فقهه أن يأخذ بالأيسر، فإذا وقع الإنسان في ضائقة ومشكلة ووجد خلافاً بين أهل العلم في مسألة معينة -ولم يكن ذلك اتباعاً للهوى- فاختلافهم هنا رحمة بالنسبة إليه ليأخذ بالألطف والأرفق، وهذه المسألة بحثها الأصوليون كثيراً ولم تزل محتاجة إلى زيادة بحث.

стр. 137

العمل بالضعيف وشروطه كما يحتاج الناس إلى البحث فيها حتى في معادلة الأقوال، فإن الأصوليين يبحثون فيها في العمل بالضعيف فقط، يقول سيدي عبد الله بن الحافظ إبراهيم في مراقي السعود: وذكر ما ضعف ليس للعمل إذ ذاك عن وفاقهم قد انعزل بل للترقي في مدارج السنا ويعرف المدرك من به اعتنى وكونه يلجي إليه الضرر إن لم يكن يشتد فيه الخور وثبت العزو وقد تحقق ضر من الضر به تعلق وهنا يقول: إن العلماء ذكروا الأقوال الضعيفة في كتبهم، وذكروا الأحاديث الضعيفة في كتبهم، وذلك ليس للعمل، فلم يذكروها ليعمل بها أساساً، (إذ ذاك عن وفاقهم قد انعزل) بل قد اتفقوا على أن العمل بالراجح واجب لا راجح، (بل للترقي في مدارج السنا) أي: بل ذكروها للترقي، ومعناه زيادة رفع الدرجات، (في مدارج السنا) في حصر العلم وجمعه، والسناء: الرفعة، أي: لتعلم كل ما قيل في الأمر، فيتقوى لديك الحق وتعرف أدلته وما نوقش فيه (ويعرف المدرك من به اعتنى) أي: وأيضاً ليعرف مدارك الناس فمن كان صاحب عناية بذلك فإنه يعرف واضح الدلالة من خفيها، وقطعي الدلالة من ظنيها. (وكونه يلجي إليه الضرر) أي: وأيضاً لكون الضعيف قد تلجئ الضرورة للعمل به، لكن بشروط وهي: الشرط الأول: (إن لم يكن يشتد فيه الخور) أي: إن لم يكن يشتد فيه الضعف، فإذا كان الحديث موضوعاً أو ضعيفاً جداً لا ينجبر، فهذا لا يعمل به، وكذلك القول إذا كان قولاً ضعيفاً جداً فإنه لا يعمل به؛ ولذلك قال: (إن لم يكن يشد فيه الخور) . والشرط الثاني: (وثبت العزو) ، أي: لابد أن يثبت عزوه أيضاً لمن قال به من أهل العلم إذا كان قولاً مثلاً. والشرط الثالث: (وقد تحقق ضر من الضر به تعلق) أي: أن يتحقق أن الضرورة قد نزلت، (ومثل الضرورة الحاجة الكلية) والحاجة الكلية تنزل منزلة الضرورة، وهذه قاعدة من القواعد الفقهية: أن الحاجة الكلية أي: العامة تنزل منزلة الضرورة فيستباح بها بعض المحظورات، والضرورات تبيح المحظورات؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] وإن الله يذكر دائماً بعد آيات التحريم الضرورة، فمثلاً في الأطعمة في سورة المائدة، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣] ، وهكذا بعد كل استقطاع وعد للمحرمات يأتي ذكر الضرورة كقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥] .

стр. 138

ذكر الاختلاف المذموم (ورحمة سكت عن أشياء) هذا اللفظ هو الذي جاء في الحديث، فالمقصود بـ (أشياء) هنا: ما لم يرد فيه نص قطعي الدلالة والورود، فيصبح محلاً للاجتهاد قابلاً للاختلاف فيه، والاختلاف أصله مذموم، ولكنه في مثل هذا الموطن محمود، فأصل الاختلاف عموماً مذموم؛ ولذلك جعله الله تعالى نوعاً من أنواع العذاب وجعله منافياً للرحمة، فجعله نوعاً من أنواع العذاب في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] ، وجعله منافياً للرحمة في قوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨-١١٩] ، وفسر به الشرك في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٠-٣٢] . وتوعد الله عليه في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] ، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥-٤٦] ، وقد حذر الرسول ﷺ من الاختلاف كثيراً، وبالغ في التحذير منه حتى سمى القتال فيه كفراً، والمقصود بذلك أنه: كفر دون كفر كما جاء في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) وكذلك قوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) فالمقصود بهذا: كفر دون كفر. والتحذير من الاختلاف عموماً ورد في النصوص بكثرة؛ لكن الخلاف في المسائل الاجتهادية فسحة ورحمة، والله سكت عنها رحمة، وكان قادراً على أن يجزم بها بالتشريع بالنص، ولكنه سكت عنها رحمة بعباده وتوسعة عليهم. (من غير نسيان) ، فالسكوت لابد معه من التنزيه، فإنه لا يسكت عن جهل كما يحصل لنا نحن، فنحن نسكت إذا جهلنا، فالله متصف بالعلم الكامل الذي لا يعروه قصور؛ فلذلك لا يمكن أن تأخذه سنة ولا نوم ولا يمكن أن ينسى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢] فلذلك قال: (من غير نسيان) ، فالنسيان مستحيل عليه: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى) وهذه صفة جاءت عرضاً في تقرير الصفة المثبتة فحين أثبت صفة السكوت جاء في تقريرها عرضاً الصفة المنفية التي هي النسيان، فالنسيان صفة منفية عن الله . (على ما جاء) يشير بهذا إلى أن الحديثين الواردين في صفة السكوت فيهما كلام من ناحية الصناعة الحديثية، لكنه ثبت معناهما فلا ضرر في ذلك الكلام حينئذٍ، لهذا قال: (على ما جاء) أي: على ما ورد، وهذا يشير فيه إلى الكلام فيهما، فليست هذه الكلمة تسليماً كما يمكن أن يتفهمه من كان من أهل الاستعجال، بل قصد بها التنبيه على ذلك.

стр. 139

سلسلة الأسماء والصفات [١٠] الله تعالى محيط بخلقه علماً وقهراً، وحيثما توجهوا إليه أقبل عليهم، فلذلك ينبغي أن يراقب المرء ربه، ويمتثل شرعه وأمره.

стр. 140

ذكر صفات الإحاطة والصورة والوجه

стр. 141

إثبات إحاطة الله بخلقه يقول الشيخ: [أحاط بالناس وأينما يول مستقبل فثم وجه الله جل] هذه صفة أخرى وهي صفة الإحاطة، وهذه الصفة عبارة عن صفتين: الصفة الأولى: صفة الإحاطة بمعنى كمال العلم والإدراك، وهذه هي معنى المعية العامة. والصفة الثانية: بمعنى القهر والجبروت، وهذه الإحاطة التي بمعنى القهر تنقسم إلى قسمين: ناجز ومتأخر. فالناجز منها: هو أخذ الله الوبيل الذي يأخذ به المكذبين، فأخذه الوبيل الذي يأخذهم به هو من إحاطته بمعنى قهره وجبروته، فهو قهر ناجز. وأما المتأخر فهو أخذهم يوم القيامة. ففي قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٣-٤٥] هذا كله من الناجز، ثم قال: ﴿بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٦] فهذا هو المتأخر، والناجز مقتضٍ للمتأخر، فإذا جاء أخذه الشديد فأهلك قوماً في الدنيا بكفرهم، فذلك متضمن لعذابهم يوم القيامة؛ لأن من مات على الكفر فلابد أن يعذب يوم القيامة؛ ولهذا قال الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] والإحاطة في هذه الآية المقصود بها: القهر الناجز؛ لأن ذلك نزل في أصحاب بدر فقد أحاط الله بهم فساقهم إلى حتوفهم، وقدمهم إلى تعجيل العذاب لهم نسأل الله السلامة والعافية، ولهذا أوحى إلى رسوله ﷺ أماكن مصارعهم، فجعل يضع يده في مكان ويقول: (هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان) . فهذا هو تجلي الإحاطة الناجزة بالعباد: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) ، لكن الناس هنا لها وجهان: فإما أن يكون المقصود بها الناس عموماً، أي جميع الخلائق من البشر، فهذا إحاطة قهر، فهو غالب على أمر الجميع، وإما أن يكون المقصود بالناس المهلكين منهم بالخصوص، فتكون الآية مثلاً نازلة في أصحاب بدر وتختص بأهل القليب، ويكون هذا من العام المراد به الخصوص. والعام ثلاثة أقسام: عام باقٍ على عمومه، وعام مخصوص، وعام مراد به الخصوص، والفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص: أن العام المخصوص يأتي أولاً عاماً ثم يخصص بعد ذلك، والعام المراد به الخصوص ينزل أول ما ينزل على أن معناه الخصوص، ولفظ (الناس) يأتي في القرآن على الوجهين، فمن العام الباقي على عمومه قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١-٣] ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ، قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء:١] . ومن العام المراد به الخصوص قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، هذا كله من العام المراد به الخصوص.

стр. 142

إثبات صفة الإقبال والوجه لله جل وعلا قوله: (وأينما يول مستقبل فثم وجه الله جل) هذا مأخوذ من آية البقرة، وهو متضمن لصفتين من صفات الله : فالصفة الأولى: صفة الإقبال، فالله يقبل على عبده إذا أطاعه بالعبادة. والصفة الثانية: إثبات صفة الوجه لله ، فالله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ، فهاتان الجهتان مملوكتان لله ، فليس التوجه إلى إحداهما تعظيماً لتلك الجهة، بل هي مملوكة لله ، وإنما يتوجه الإنسان حيث أمر فقط، فإذا أمره الله بالتوجه إلى أي جهة توجه إليها. والمشرق معناه مكان شروق الشمس، والمغرب معناه مكان غروبها، وقد جاء في القرآن لفظ المشرق والمغرب بالإفراد كما هنا: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) ، وجاء بالتثنية كما في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧] ، وجاء بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠] . ومعنى الإفراد: الجنس أي: جنس المشرق، فيشمل جهات الشروق كلها. وجنس المغرب في جهة الغروب فيشمل أماكن الغروب كلها، والمقصود بالمشرقين والمغربين: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، ومغرب الشتاء ومغرب الصيف؛ لأنهما الطرفان، وخطوط العرض ثلاثة؛ ولذلك تسمى المشارق والمغارب، فالمشارق باعتبار الخطوط الثلاثة: مدار السرطان وخط الاستواء ومدار الجدي، وعليها أيضاً المغارب فهي ثلاثة، ولذلك قال: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) ومع هذا ذكر الطرفين فقط في قوله: (رب المشرقين ورب المغربين) ، فالمشرقان المقصود بهما الطرفان، وجعل ما بينهما وسطاً فهو مندرج فيهما، والوسط إذا اندرج أمكن إسقاطه لذكر الحدين، وكذلك يقال في المغربين. وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥] ، معناها: إلى أي اتجاه أقبلتم (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فإن أطعتم فإن الله يقبل على من أطاعه، وإن كان توليكم معصية فإن الله بالمرصاد لمن عصاه، ومن هنا لا يمكن أن يعجزه أحد من خلقه، بل لا يمكن أن يتصرف أي تصرف إلا وهو محيط به، هذا معناها من الناحية العقدية. لكن اختلف في معناها من الناحية الفقهية، فقالت طائفة من أهل العلم: إنما نزلت هذه الآية في القبلة أول ما خرج رسول الله ﷺ من مكة، فقد كان بمكة يصلي قبل الركن اليماني فيستقبل البيت ويستقبل الشام معاً، فلما اتجه إلى المدينة اختلفا عليه، فكان الشام قبل الشمال والبيت جهة الجنوب، فتحير بينهما فأنزل الله تعالى هذه الآية فكان في ذاك تخييراً للقبلة، ثم نسخ هذا بتعيين البيت في قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] . وقالت طائفة أخرى: بل المقصود بها: قبلة السائر الراكب في النافلة فإنه يصلي إلى أي اتجاه كان، وعلى هذا تكون محكمة غير منسوخة، والإحكام أولى من النسخ، وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة بناء على هذا الخلاف في تفسيرها. ووجه الله يطلق على ثلاثة معان: فالإطلاق الأول: بمعنى ذات الله ، أي نفس الله ، فيشمل نفسه وجميع صفاته، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] والمقصود: بقاء ذاته : والإطلاق الثاني: بمعنى السبيل فوجه الله بمعنى سبيله، والعرب يقولون: جاء فلان من هذا الوجه أو خرج في هذا الوجه أي: في هذا السبيل، وعلى هذا قولك: تصدق فلان لوجه الله، أي: في سبيل الله، وما أخرج لوجه الله معناه: في سبيل الله. والإطلاق الثالث: بمعنى الصفة المخصوصة وهي المقصودة هنا، فهو إثبات صفة الوجه، وهي من الصفات التي سبق الكلام فيها والإشكال الذي جاء فيها، وذكرنا الحل ذكره ابن القيم والحل الذي ذكره ابن حجر، فالوجه صفة ثابتة لله يجب الإيمان بها، ويجب مع ذلك الإيمان بأن وجهه لا يشبه وجوه المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وتنطبق على هذه الصفة القاعدتان السابقتان: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، وأن القول في الصفات كالقول في الذات.

стр. 143

الكلام على الصورة في حق الله أما بالنسبة للصورة فلم يذكرها الشيخ هنا، وقد جاء فيها عدد من الأحاديث، منها قوله ﷺ : (إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) وهذا الحديث الراجح فيه أنه ليس من أحاديث الصفات أصلاً، وأن الضمير في قوله: (فإن الله خلق آدم على صورته) يعود على الأخ، أي: صورة أخيك هذا، فإذا كنت تحترم أباك آدم فاعلم أن وجه أخيك هذا قد خلق على صورة وجه آدم، فعظمه واحترمه أن تلطمه وتضربه على وجهه؛ ولهذا فاحترام الوجه مطلوب حتى في حق الكفرة، فإن الله عندما علم الملائكة القتال، قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] وهذا يقتضي اتقاء الوجه في الضرب. والأحاديث الأخرى فيها التصريح بالصورة في قوله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) وفي رواية: (على صورة الرحمن) فاختلف العلماء في معناه: فقالت طائفة: المقصود بها الصورة التي يرتضيها الله ، فإن أكمل صورة عند الله هي الصورة التي خلق عليها آدم، وعلى هذا لا تكون الصورة صفة من صفات الله وإنما المقصود بها الاختيار، فصورة الرحمن معناها: الصورة التي هي أفضل الصور عنده وهي التي خلق عليها آدم. القول الثاني: أن الصورة صفة من صفات الله ، وحينئذٍ تكون من الصفات المشكلات التي يجب الإيمان بها ولا يحل البحث في كيفيتها، وليس معناها أن آدم بينه وبين الله تعالى تشابه، بل المقصود أنه خلق سميعاً بصيراً متكلماً، وهذه صفة الله فإنه سميع بصير متكلم، وآدم كذلك. وأما الصورة التي جاءت في حديث يوم القيامة: (أن الله يتجلى لعباده المؤمنين في صورة ينكرونها، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: لست ربنا، ثم يتجلى لهم في أحسن صورة فيعرفونه فيكشف عن ساقه فيخرون له سجداً) ، فالصورة حينئذٍ المقصود بها ما يريهم الله . فالصورة الأولى ليست ذات الله قطعاً؛ لأنهم لم يعرفوه بها. والصورة الثانية كذلك؛ لأنها بدل عن الأولى، فليس المقصود أن ذلك نظر إلى ذاته ، وأن ذاته يجوز إطلاق الصورة عليها بدلالة هذا الحديث؛ لأن هذا الحديث فيه أنهم يرونه في صورته فيقولون: لست ربنا فيأتيهم في صورة أخرى، فهذا دليل على أنه ليس المقصود بذاته؛ لأنه لا تعروه الحوادث والآفات، ولا يمكن أن يحصل عليه تغير؛ لأن التغير منافٍ للخلود، ولكن المقصود ما يتجلى لهم.

стр. 144

الكلام على حجاب الله تعالى والحجاب ليس على الله فهو غير محجوب ولا يمكن أن يحجب أصلاً، بل الحجاب على الناس؛ ولهذا قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، فالناس هم المحجوبون، فيكشف الحجاب عن الناس فيتجلى لهم ببعض صفاته أو بالكمال الذي فيه فيعرفونه. وهذا الحجاب أنواع: منه حجاب النور، وهذا في حق المقربين والمصطفين، والحجاب الآخر: هو الحجاب الكوني في حق من سواهم؛ ولهذا قال: (لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه السماوات والأرض وما فيهما) السبحات: هي أنوار وجهه، وقال: (رداؤه الكبرياء) وهذا معناه: اتصافه بصفة الكبرياء وتجليه بها، وحظره بأن يتصف بها من سواه، وهذا تشريف لصفة الكبرياء؛ لأن الله جعلها رداء نفسه فهي صفة عظيمة جداً محظورة على الخلائق، فهي صفة كمال لله، ولو حاول البشر الاتصاف بها كانت صفة نقص فيهم، وهي مذمومة ولا يجوز أن يتصفوا بها أصلاً. فإذا قيل: كل صفة كمال اتصف بها المخلوق فالله أولى بالاتصاف بها، وأن كل صفة نقص هي عيب في المخلوق فالله منزه عنها من باب الأولى. فما يقال في صفة الكبرياء؟! فالجواب عن هذا: أن صفة الكبرياء بالنسبة للمخلوق في أصل التصور البشري هي صفة كمال وليست صفة نقص، ولهذا يتصف بها الملوك والجبابرة والكبراء، ولكنها صفة نقص شرعاً، فلو لم ينزل الشرع بتحريمها لكان الناس يتنافسون فيها؛ لأنها من المظاهر التي تميل إليها الطباع، وأيضاً فإن هذه القاعدة محلها فيما لم ترد فيه النصوص، أما ما وردت فيه النصوص فالله أعلم بنفسه.

стр. 145

الأسئلة
следующие страницы →