Полный текст (219 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
إثبات إحاطة الله بخلقه
يقول الشيخ: [أحاط بالناس وأينما يول مستقبل فثم وجه الله جل] هذه صفة أخرى وهي صفة الإحاطة، وهذه الصفة عبارة عن صفتين: الصفة الأولى: صفة الإحاطة بمعنى كمال العلم والإدراك، وهذه هي معنى المعية العامة.
والصفة الثانية: بمعنى القهر والجبروت، وهذه الإحاطة التي بمعنى القهر تنقسم إلى قسمين: ناجز ومتأخر.
فالناجز منها: هو أخذ الله الوبيل الذي يأخذ به المكذبين، فأخذه الوبيل الذي يأخذهم به هو من إحاطته بمعنى قهره وجبروته، فهو قهر ناجز.
وأما المتأخر فهو أخذهم يوم القيامة.
ففي قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٣-٤٥] هذا كله من الناجز، ثم قال: ﴿بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٦] فهذا هو المتأخر، والناجز مقتضٍ للمتأخر، فإذا جاء أخذه الشديد فأهلك قوماً في الدنيا بكفرهم، فذلك متضمن لعذابهم يوم القيامة؛ لأن من مات على الكفر فلابد أن يعذب يوم القيامة؛ ولهذا قال الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] والإحاطة في هذه الآية المقصود بها: القهر الناجز؛ لأن ذلك نزل في أصحاب بدر فقد أحاط الله بهم فساقهم إلى حتوفهم، وقدمهم إلى تعجيل العذاب لهم نسأل الله السلامة والعافية، ولهذا أوحى إلى رسوله ﷺ أماكن مصارعهم، فجعل يضع يده في مكان ويقول: (هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان) .
فهذا هو تجلي الإحاطة الناجزة بالعباد: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) ، لكن الناس هنا لها وجهان: فإما أن يكون المقصود بها الناس عموماً، أي جميع الخلائق من البشر، فهذا إحاطة قهر، فهو غالب على أمر الجميع، وإما أن يكون المقصود بالناس المهلكين منهم بالخصوص، فتكون الآية مثلاً نازلة في أصحاب بدر وتختص بأهل القليب، ويكون هذا من العام المراد به الخصوص.
والعام ثلاثة أقسام: عام باقٍ على عمومه، وعام مخصوص، وعام مراد به الخصوص، والفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص: أن العام المخصوص يأتي أولاً عاماً ثم يخصص بعد ذلك، والعام المراد به الخصوص ينزل أول ما ينزل على أن معناه الخصوص، ولفظ (الناس) يأتي في القرآن على الوجهين، فمن العام الباقي على عمومه قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١-٣] ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ، قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء:١] .
ومن العام المراد به الخصوص قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، هذا كله من العام المراد به الخصوص.
стр. 142
إثبات صفة الإقبال والوجه لله جل وعلا
قوله: (وأينما يول مستقبل فثم وجه الله جل) هذا مأخوذ من آية البقرة، وهو متضمن لصفتين من صفات الله : فالصفة الأولى: صفة الإقبال، فالله يقبل على عبده إذا أطاعه بالعبادة.
والصفة الثانية: إثبات صفة الوجه لله ، فالله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ، فهاتان الجهتان مملوكتان لله ، فليس التوجه إلى إحداهما تعظيماً لتلك الجهة، بل هي مملوكة لله ، وإنما يتوجه الإنسان حيث أمر فقط، فإذا أمره الله بالتوجه إلى أي جهة توجه إليها.
والمشرق معناه مكان شروق الشمس، والمغرب معناه مكان غروبها، وقد جاء في القرآن لفظ المشرق والمغرب بالإفراد كما هنا: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) ، وجاء بالتثنية كما في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧] ، وجاء بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠] .
ومعنى الإفراد: الجنس أي: جنس المشرق، فيشمل جهات الشروق كلها.
وجنس المغرب في جهة الغروب فيشمل أماكن الغروب كلها، والمقصود بالمشرقين والمغربين: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، ومغرب الشتاء ومغرب الصيف؛ لأنهما الطرفان، وخطوط العرض ثلاثة؛ ولذلك تسمى المشارق والمغارب، فالمشارق باعتبار الخطوط الثلاثة: مدار السرطان وخط الاستواء ومدار الجدي، وعليها أيضاً المغارب فهي ثلاثة، ولذلك قال: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) ومع هذا ذكر الطرفين فقط في قوله: (رب المشرقين ورب المغربين) ، فالمشرقان المقصود بهما الطرفان، وجعل ما بينهما وسطاً فهو مندرج فيهما، والوسط إذا اندرج أمكن إسقاطه لذكر الحدين، وكذلك يقال في المغربين.
وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥] ، معناها: إلى أي اتجاه أقبلتم (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فإن أطعتم فإن الله يقبل على من أطاعه، وإن كان توليكم معصية فإن الله بالمرصاد لمن عصاه، ومن هنا لا يمكن أن يعجزه أحد من خلقه، بل لا يمكن أن يتصرف أي تصرف إلا وهو محيط به، هذا معناها من الناحية العقدية.
لكن اختلف في معناها من الناحية الفقهية، فقالت طائفة من أهل العلم: إنما نزلت هذه الآية في القبلة أول ما خرج رسول الله ﷺ من مكة، فقد كان بمكة يصلي قبل الركن اليماني فيستقبل البيت ويستقبل الشام معاً، فلما اتجه إلى المدينة اختلفا عليه، فكان الشام قبل الشمال والبيت جهة الجنوب، فتحير بينهما فأنزل الله تعالى هذه الآية فكان في ذاك تخييراً للقبلة، ثم نسخ هذا بتعيين البيت في قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] .
وقالت طائفة أخرى: بل المقصود بها: قبلة السائر الراكب في النافلة فإنه يصلي إلى أي اتجاه كان، وعلى هذا تكون محكمة غير منسوخة، والإحكام أولى من النسخ، وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة بناء على هذا الخلاف في تفسيرها.
ووجه الله يطلق على ثلاثة معان: فالإطلاق الأول: بمعنى ذات الله ، أي نفس الله ، فيشمل نفسه وجميع صفاته، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] والمقصود: بقاء ذاته : والإطلاق الثاني: بمعنى السبيل فوجه الله بمعنى سبيله، والعرب يقولون: جاء فلان من هذا الوجه أو خرج في هذا الوجه أي: في هذا السبيل، وعلى هذا قولك: تصدق فلان لوجه الله، أي: في سبيل الله، وما أخرج لوجه الله معناه: في سبيل الله.
والإطلاق الثالث: بمعنى الصفة المخصوصة وهي المقصودة هنا، فهو إثبات صفة الوجه، وهي من الصفات التي سبق الكلام فيها والإشكال الذي جاء فيها، وذكرنا الحل ذكره ابن القيم والحل الذي ذكره ابن حجر، فالوجه صفة ثابتة لله يجب الإيمان بها، ويجب مع ذلك الإيمان بأن وجهه لا يشبه وجوه المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وتنطبق على هذه الصفة القاعدتان السابقتان: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، وأن القول في الصفات كالقول في الذات.
стр. 143
الكلام على الصورة في حق الله
أما بالنسبة للصورة فلم يذكرها الشيخ هنا، وقد جاء فيها عدد من الأحاديث، منها قوله ﷺ : (إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) وهذا الحديث الراجح فيه أنه ليس من أحاديث الصفات أصلاً، وأن الضمير في قوله: (فإن الله خلق آدم على صورته) يعود على الأخ، أي: صورة أخيك هذا، فإذا كنت تحترم أباك آدم فاعلم أن وجه أخيك هذا قد خلق على صورة وجه آدم، فعظمه واحترمه أن تلطمه وتضربه على وجهه؛ ولهذا فاحترام الوجه مطلوب حتى في حق الكفرة، فإن الله عندما علم الملائكة القتال، قال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] وهذا يقتضي اتقاء الوجه في الضرب.
والأحاديث الأخرى فيها التصريح بالصورة في قوله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) وفي رواية: (على صورة الرحمن) فاختلف العلماء في معناه: فقالت طائفة: المقصود بها الصورة التي يرتضيها الله ، فإن أكمل صورة عند الله هي الصورة التي خلق عليها آدم، وعلى هذا لا تكون الصورة صفة من صفات الله وإنما المقصود بها الاختيار، فصورة الرحمن معناها: الصورة التي هي أفضل الصور عنده وهي التي خلق عليها آدم.
القول الثاني: أن الصورة صفة من صفات الله ، وحينئذٍ تكون من الصفات المشكلات التي يجب الإيمان بها ولا يحل البحث في كيفيتها، وليس معناها أن آدم بينه وبين الله تعالى تشابه، بل المقصود أنه خلق سميعاً بصيراً متكلماً، وهذه صفة الله فإنه سميع بصير متكلم، وآدم كذلك.
وأما الصورة التي جاءت في حديث يوم القيامة: (أن الله يتجلى لعباده المؤمنين في صورة ينكرونها، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: لست ربنا، ثم يتجلى لهم في أحسن صورة فيعرفونه فيكشف عن ساقه فيخرون له سجداً) ، فالصورة حينئذٍ المقصود بها ما يريهم الله .
فالصورة الأولى ليست ذات الله قطعاً؛ لأنهم لم يعرفوه بها.
والصورة الثانية كذلك؛ لأنها بدل عن الأولى، فليس المقصود أن ذلك نظر إلى ذاته ، وأن ذاته يجوز إطلاق الصورة عليها بدلالة هذا الحديث؛ لأن هذا الحديث فيه أنهم يرونه في صورته فيقولون: لست ربنا فيأتيهم في صورة أخرى، فهذا دليل على أنه ليس المقصود بذاته؛ لأنه لا تعروه الحوادث والآفات، ولا يمكن أن يحصل عليه تغير؛ لأن التغير منافٍ للخلود، ولكن المقصود ما يتجلى لهم.
стр. 144
الكلام على حجاب الله تعالى
والحجاب ليس على الله فهو غير محجوب ولا يمكن أن يحجب أصلاً، بل الحجاب على الناس؛ ولهذا قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، فالناس هم المحجوبون، فيكشف الحجاب عن الناس فيتجلى لهم ببعض صفاته أو بالكمال الذي فيه فيعرفونه.
وهذا الحجاب أنواع: منه حجاب النور، وهذا في حق المقربين والمصطفين، والحجاب الآخر: هو الحجاب الكوني في حق من سواهم؛ ولهذا قال: (لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه السماوات والأرض وما فيهما) السبحات: هي أنوار وجهه، وقال: (رداؤه الكبرياء) وهذا معناه: اتصافه بصفة الكبرياء وتجليه بها، وحظره بأن يتصف بها من سواه، وهذا تشريف لصفة الكبرياء؛ لأن الله جعلها رداء نفسه فهي صفة عظيمة جداً محظورة على الخلائق، فهي صفة كمال لله، ولو حاول البشر الاتصاف بها كانت صفة نقص فيهم، وهي مذمومة ولا يجوز أن يتصفوا بها أصلاً.
فإذا قيل: كل صفة كمال اتصف بها المخلوق فالله أولى بالاتصاف بها، وأن كل صفة نقص هي عيب في المخلوق فالله منزه عنها من باب الأولى.
فما يقال في صفة الكبرياء؟! فالجواب عن هذا: أن صفة الكبرياء بالنسبة للمخلوق في أصل التصور البشري هي صفة كمال وليست صفة نقص، ولهذا يتصف بها الملوك والجبابرة والكبراء، ولكنها صفة نقص شرعاً، فلو لم ينزل الشرع بتحريمها لكان الناس يتنافسون فيها؛ لأنها من المظاهر التي تميل إليها الطباع، وأيضاً فإن هذه القاعدة محلها فيما لم ترد فيه النصوص، أما ما وردت فيه النصوص فالله أعلم بنفسه.
стр. 145
الأسئلة
стр. 146
لا يفهم من قول الله: (قبل أن تنفد كلمات ربي) أن كلمات الله تنفد
السؤال
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] ، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] .
قد يفهم من ظاهر الآية أن كلمات الله تنفد بدليل قوله: (قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) ، فما الجواب عن ذلك؟
الجواب
لا يقصد بهذا أنها تنفد أبداً، بل هذا من الغايات التي لا حصر لها، فلن ينفد البحر أصلاً بالكتابة، فإذا كان الشيء يعلق على مستحيل فإنه مستحيل، فنفاد كلمات الله علق على أمر مستحيل، فالبحر لن ينفد وتنفد سبعة أبحر تمده من بعده، فالذي علق عليه أبلغ منه استحالة وأشد بعداً؛ ولهذا فقوله ﷺ : (إن الله لا يمل حتى تملوا) ، لا يقتضي إثبات الملل لله ، بل يقتضي نفي الملل؛ لأن معناه: لا يمل وأنتم تملون معناه: حين تملون، و (حتى) هنا بمعنى (حين) وهذا معروف في لغة العرب ومنه قول الشنفرى: صليت مني هذيل بخرق لا يمل الشر حتى يملوا معناه: لا يمل الشر حين يملونه.
стр. 147
البحث في كيفيات صفات الملائكة إذا تعلقت به فائدة لا حرج فيه
السؤال
النهي عن البحث في الكيفيات، هل يتعلق أيضاً بالملائكة كتكليم جبريل للنبي ﷺ ، هل يجوز البحث في كيفيته أم لا؟
الجواب
المخلوق مطلقاً البحث في كيفيته إذا كان مما يتعلق به فائدة للإنسان لا حرج فيه شرعاً؛ فلذلك البحث في كلام جبريل وعن نزول الوحي لا حرج فيه، ولهذا سأل الحارث بن هشام رسول الله ﷺ عن كيفيته، ولو كان مما لا ينبغي السؤال عن كيفيته لما أقر رسول الله ﷺ هذا الصحابي الجليل على السؤال عنه، وقد بين الرسول ﷺ الكيفية، فذكر أنه أحياناً يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، فلا يرى ملكاً ولا يستطيع أن يستوعب الكلام في ذلك الوقت، بل يسمع مثل صوت السلسلة الثقيلة على الحجر الصلب؛ ولهذا فإن من دون رسول الله ﷺ إذا كانوا عنده ونزل عليه الوحي على هذه الصورة يسمعون مثل أزيز النحل، كما كان عمر يسمعه، فيعرف أن هذا هو الوحي قد نزل ذاك الوقت، وهذا مما يمكن تفاوت الناس فيه بتفاوت قوتهم الروحانية، فمن كان ضعيف الروحانية لا يمكن أن يحس بشيء من هذا أصلاً، ومن كانت روحانيته قوية فإنه يمكن أن يسمع مثل أزيز النحل كما حصل لـ عمر، ومن قوى الله روحانيته بأكثر من هذا كرسول الله ﷺ سمعه مثل صلصلة الجرس، وتفاوت الناس في السماع إنما هو بتفاوت قوة الروحانية؛ لأن الملائكة من عالم الأرواح.
وهذه الهيئة بين فيها الرسول الله ﷺ أنها ليست في كل القرآن، بل يأتيه الوحي أيضاً عن طريق الملك فيكلمه فيعي عنه ما يقول، ولم يرد أنه ألقى إليه كلاماً من القرآن بحضرة أحد، بل كان يأتيه بصورة الملك فيكلمه ويسمع الناس التناجي بينهما، سولكن لا يسمعون شيئاً مما قال الملك، وقد كان رسول الله ﷺ في أول الأمر يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه به خشية أن ينساه، حتى أنزل الله عليه هذه الآية: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦-١٩] ، كان رسول الله ﷺ يطرق وقت نزول الوحي بصورة الملك، فإذا انطلق الملك عاد رسول الله ﷺ كما كان، فيقرأه رسول الله ﷺ كما قرأه جبريل.
стр. 148
مصطلح الروحانية مستعمل عند المتقدمين
السؤال
مصطلح الروحانية، هل هو سائغ لغة؟ وهل يستعمله المتقدمون؟
الجواب
نعم؛ لأن الروحانية اسم مصدر صناعي من الروح، والمقصود به قوة الروح وملكاتها المختلفة، ويستعمله المتقدمون كثيراً، وبالأخص الذي يتكلمون في هذا الفن.
стр. 149
كتابة كلمات الله الكونية غير محدثة بل هي أزلية
السؤال
هنا يرد إشكال فيما يتعلق بكتابة الله للكلمات الكونية، مع أنها غير محصورة؟
و
الجواب
أن كتابة الله لها في الأزل كتابة غير محدثة، والكتابة المحدثة هي المنتهية، أما القديم فإنه لا يقتضي فناءً ولا انحصاراً، فتلك الكتابة ليست محدثة أصلاً حتى يقال: إنه قد كتب وحصر، بل تلك الكتابة أزلية قبل الكون كله، فلا تقتضي انحصاراً ولا نفاداً.
وأيضاً: فإن كتابته لا تقتضي أن الله قد تكلم به من قبل في ذلك الوقت، بل المقصود أنه كتب كل ما أراد أن يتكلم به في المستقبل، ثم يتكلم في أي وقت بما شاء أن يقع فيه.
стр. 150
نزول بعض الملائكة غير جبريل ببعض الآيات إنما هو للتشييع فقط
السؤال
ورد أن بعض الآيات من القرآن نزل بها غير جبريل من الملائكة، مع أن الله قد استأمن جبريل على الوحي، فكيف يكون الجمع؟
الجواب
أن ما ورد في بعض الآيات من نزول غير جبريل من الملائكة بها فذلك إنما يكون تشييعاً فقط، وجبريل قد نزل ونزل معه غيره كما ورد في سورة الأنعام، وهي أطول سورة مكية نزلت دفعة واحدة على قول، وكانت السور المكية قصاراً، فجاءت سورة الأنعام طويلة فنزل معها عدد كبير من الملائكة، وقد ورد أن خواتم سورة البقرة نزل بها رضوان خازن الجنة، لكن ذلك لا يقتضي انفراده بالنزول، والقرآن كله نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ، فلو جاء معه ملك آخر بالبشارة فلا يخطر بذلك أن جبريل غير مؤتمن عليه، بل الملك الآخر للتشييع فقط ولتعظيم الشيء الذي نزل معه، والآية صريحة في أن كل القرآن نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ، فنزول رضوان مع خواتيم سورة البقرة إنما كان لتشييعها؛ وذلك لأنه لا يقرأ منها جملة إلا أوتيها، فقد كانت تشريفاً عظيماً.
стр. 151
تكليم الله لرسوله ﷺ ليلة المعراج نوع من أنواع الوحي
السؤال
عن تكليم الله لرسوله ﷺ ليلة المعراج؟ ف
الجواب
أن هذا نوع من أنواع الوحي، وقد أوصل العلماء أنواع الوحي إلى اثني عشر نوعاً باختلاف الوارد فيه، فمنها الثلاثة المذكورة في سورة الشورى: فالنوع الأول: هو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ [الشورى:٥١] ، والمقصود بالوحي رؤيا النوم، معناه: أن يرى ذلك في النوم، ومنامات الأنبياء وحي كما صح عن رسول الله ﷺ .
والنوع الثاني: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] ، وهذا مثل تكليمه لموسى، وتكليمه لمحمد ﷺ من وراء حجاب، فالرسول ﷺ ليلة المعراج كلمه الله من وراء حجاب وافترض عليه الصلوات الخمس، وشرفه بغير ذلك من أنواع التكليف، وهذه ميزة للنبي ﷺ وتفضل عليه، فموسى كلم في الأرض بسيناء، والرسول ﷺ كلم فوق سبع سماوات، وكلاهما كليم الله.
النوع الثالث: هو المذكور في قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] ، وفي القراءة الأخرى: (أَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) ، ومعنى ذلك في قراءة الرفع: أن هذا نوع مستقل، فالنوعان السابقان بينهما ما يجمعهما، وهذا النوع مستقل؛ لأنه بواسطة الملك، وأما قراءة النصب فتجعل هذا نوعاً آخر من حيث أن أنواعه كلها مترابطة.
والفرق هنا بين الرفع والنصب دقيق: فقراءة الرفع: (أَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) المقصود بها: أن الوحي سيكون على نوعين فقط: النوع الأول بالمباشرة والنوع الثاني بالواسطة -أي: بواسطة الملك- وإذا نصبت فقلت: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) فالمقصود بذلك حصر بالأنواع المختلفة وترابطها جميعاً، وغير هذا من الأنواع مثلما جاء في حديث الحارث بن هشام وغيره.
فإذاً: أنواع الوحي متعددة، وصوره وطرائقه مختلفة، وجبريل إذا جاء النبي ﷺ عرفه بأي صورة كان، ولم يلتبس عليه إلا مرة واحدة حين سأله عن الدين ولم يعرفه فيها حتى انطلق وأخبر الرسول ﷺ ، بأنه لم يعرفه، وقال: (ردوا علي الأعرابي) وفي رواية: (ردوا علي الرسول، فطلبوه ولم يجدوا شيئاً، فقال: إنه لجبريل، وإنه لم يأتني قط بصورة إلا عرفته إلا ما كان من هذه المرة) .
стр. 152
الخلائق التي كلمها الله
السؤال
ما هي الخلائق التي كلمها الله ؟
الجواب
أما الخلائق التي كلمها الله : فمنها ما جاء في القرآن من تكليم السماوات والأرض، ومن الوحي إلى النحل، وجاء في الحديث بعض التكليم لبعض الأشياء بعينها مثل القرية في قوله: (وأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي) ، وتكليم الجبال كذلك، لكن كل هذا من الكلمات الكونية، فليس في هذا التكليم تشريف بخصوصه، وإنما يكون الاجتباء بالكلمات التشريعية.
وبالنسبة لتكليمه لآدم ﵇ ولجميع الرسل فهو في اليقظة: وحياً من وراء حجاب، وفي المنام مباشرة، ومنه ما كان بواسطة الملك.
стр. 153
معنى قول النبي ﷺ في المطر: (إنه حديث عهد بربه)
السؤال
في حديث نزول المطر، وأن رسول الله ﷺ كان يقول فيه: (إنه حديث عهد بربه) فما المقصود بذلك، مع أنه إنما ينزل من مكان قريب؟
الجواب
أن المقصود به أن الله نزله من مكان لعبادته لا يعصى فيه إلى هذه الأرض التي هي مكان المعصية، فكان هذا الماء مباركاً، والله باركه في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً﴾ [ق:٩] وليس المقصود أن المطر منزل من ذات الله ، بل المقصود من خزائن رزقه وهي في السماء كما في قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] والسماء المقصود بها العلو مطلقاً فكل ما علاك فهو سماؤك، وقد جاء هذا في قول الشاعر: إذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصدق فالشاعر يصف فرساً يجري فيقول: (إذا ما استحمت أرضه من سمائه) أي: انصبغ بطنه من عرق ظهره، فسمى البطن أرضاً وسمى الظهر سماء، (جرى وهو مودوع) أي: متروك دون أن يحرك ودون أن يهمز، (وواعد مصدق) معناه: ما وعد به من السبق على غيره من الخيول لابد أن يصدق فيه.
стр. 154
كلام الله لإبليس كان من الوحي
السؤال
ما هو تكليم الله لإبليس؟
الجواب
أما بالنسبة لتكليم الله تعالى لإبليس عليه لعنة الله فيما جرى بينهما، فيبدو أنه أيضاً كان من الوحي، وأنه ليس بالمباشرة وإنما عن طريق الملك، فقد كان إبليس يدخل في عموم خطاب الملائكة، فحين أمر الملائكة بالسجود لآدم كان هو مأموراً معهم، ولكنه امتنع فكان سؤاله لربه وجوابه له وتعهده له بالبقاء.
وكذلك الكلام مع فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ * أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٠-٩٢] فهذا ليس كلاماً لفرعون، بل لم يكلمه الله وإنما أخبر عن هذا فقط، ولهذا لم يقل: (قال) وإنما قال: (أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ) (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) فلم يقل: فقال له، وإنما هو توعد من الله ولم يكلمه به.
стр. 155
كيفية خلق إبليس من نار
السؤال
كيف خلق إبليس من نار؟
الجواب
وبالنسبة لخلق إبليس فقد جاء أنه خلقه من نار، ولكن لا ندري كيف خلق من نار، بل هو خلق منها وسيعود إليها نسأل الله السلامة والعافية، فخلق من مارج من نار، أي: اقتطعت قطعة من النار وصور منها إبليس، ولهذا فإن معنى مارج من نار: أي: قطعة مشتعلة من النار خلق منها إبليس وذريته.
وأما في حجمه فلم يرد شيء، لكن ورد أنه يتعاظم في بعض الأحيان وينتفخ، وأنه يتصاغر في أحيان أخرى، ويبدو أن الجن أيضاً كلهم هكذا، فلهم ملكة التشكل بأشكال مختلفة، وبعضهم أعظم أجساماً من بعض، وبعضهم يسهل عليه التشكل في صور عظيمة وبعضهم ليس كذلك.
واختلف في ذرية إبليس هل خلقوا أيضاً من نار أم لا؟ والراجح أنه هو خلق من النار أما ذريته فإنهم خلقوا على خلق مختلف كخلق ذرية آدم، فإن آدم خلق من تراب، ولكن ذريته لا يمرون بنفس المرحلة التي مر بها، بل بعد ذلك يخلقون من نطفة، كذلك ذرية إبليس لا يخلقون من نار كما خلق هو.
стр. 156
دفن الجن لموتاهم
السؤال
أين يدفن الجن موتاهم؟
الجواب
لا أدري، لم يرد المكان في دفنهم، لكن هم يسكنون في هذه الأرض مثل غيرهم، والأرض قد جعلت كفاتاً أحياءً وأمواتاً، فيدفن فيها الموتى مطلقاً.
стр. 157
مآل أهل النار من الجن
السؤال
أين يكون مصير أهل النار من الجن؟
الجواب
بالنسبة للدنيا فإنهم يدفنون في هذه الأرض التي يسكنونها، فهذه الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً، لكن في يوم القيامة من كان منهم من أهل النار ذهب إليها، ويعود الشيء إلى أصله، كما قال أبو تمام في وصف رجل من ملوك المجوس قتله المعتصم فرماه في النار وقال: قد كنت تعبدها حياً فادخلها ميتاً، فقال فيه: صلى لها حياً وكان وقودها ميتاً ويدخلها مع الفجار وكذاك أهل النار في الدنيا همُ يوم القيامة جل أهل النار
стр. 158
سلسلة الأسماء والصفات [١١]
من أعظم صفات الله صفة الاستواء وصفة النزول إلى السماء الدنيا، وصفة العلو والفوقية، وأهل السنة يثبتونها بلا تشبيه ولا تعطيل، وقد ضل فيها المشبهة والمعطلة.
стр. 159
من صفات الله الفعلية
стр. 160
إثبات صفة الاستواء لله جل وعلا
يقول الشيخ حفظه الله: [قد استوى إلى السماء واستوى بعد على العرش بخلف المحتوى] هذه صفة أخرى هي صفة الاستوى وهي من الصفات الفعلية، وهي على نوعين: النوع الأول: المعدى بإلى، والنوع الثاني: المعدى بعلى فالنوع الأول: المعدى بإلى، جاء في السماء في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] والاستواء المعدى بإلى هو بمعنى التوجه والنظر، وأما الاستواء المعدى بعلى فمعناه الاستقرار والثبات.
وأما استواء الله على عرشه فلا يفسر، فهو من الصفات الثابتة التي قراءتها تفسيرها ولا يجوز تفسيره بأي شيء؛ لأننا لا علم لنا بهذا؛ فلهذا من فسره بما فسرنا به الاستواء في اللغة فقد ابتدع، فمن قال: استوى على العرش بمعنى: استقر عليه أو نحو هذا فقد ابتدع في دين الله، فلم يرد هذا عن أحد، بل قال الإمام أحمد: (لا كيف ولا معنى) .
لكن يكون الاستواء معلوماً إذا سئل عنه في اللغة العربية، فيقال: يطلق الاستواء على الاستقرار والثبات، لكن تفسيرها في الآية قراءتها، ولا يتعدى ذلك.
و (استوى إلى السماء) ليست مثل الاستواء على العرش والتفريق واضح؛ لأن هذه عديت بإلى وهذه عديت بعلى؛ فلهذا قال: (قد استوى إلى السماء واستوى بعد على العرش) وهذا الاستواء بعلى بخلف المحتوى، ومعنى ذلك: أنه مع اختلاف الاستواءين في التفسير فالاستواء المعدى بإلى قيل: معناه النظر والتوجه، فقد خاطب الأرض أولاً ثم خاطب السماء بعدها، خاطبهما بكلام يشملهما، ثم خاطب الأرض بتكوينها حيث بدأ بتكوين الأرض، ثم بعد ذلك كون السماء، وقوله: (بخلف المحتوى) المحتوى معناه: ما تحتويه الصفة من المعنى، والمقصود هنا: بخلف المعنى، فالمحتوى هو: المعنى، وهو من (احتوى الشيء) بمعنى جمعه، والمقصود بذلك: جمع اللفظ للمعنى.
قال: [وليس كاستوائنا نحن على الـ فلك والانعام بل العرشَ حَمَلْ وحامل] فهذا الاستواء الذي هو صفة الله يجب اعتقاد تنزيهه عن أن يكون مشابهاً لاستواء المخلوقين على فرشهم، أو على الفلك: وهو السفن، أو على الأنعام التي يركبونها، فالله لا يشبهه شيء من خلقه، ولا يمكن أن يكون كذلك؛ لأن من شأن الحامل أن يكون أكبر من المحمول، والله ذكر لنا أنه هو المتصف بصفة الكبر والكبرياء والكِبَر، فهو أكبر من أكبر خلق من خلقه، فلا يمكن أن يحده ولا أن يحيط به ولا أن يكون أكبر منه شيء أبداً، ولا يمكن أن يقارن بشيء من خلقه ، فلهذا احتاج إلى التصريح هنا بنفي التشبيه.
إذاً: لا يتوهم أن هذه الصفة تقتضي أن الحامل أكبر من المحمول، بل قال: (وليس كاستوائنا نحن) أي: البشر (على الفلك) والفلك: جنس وهو السفن، ومنه قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ [الجاثية:١٢] فالفلك: السفن، (والأنعام) أي: الدواب التي يركبها الناس.
(بل العرش حمل وحامل) بل الله هو الذي رفع العرش وهو الذي يحمله ويحمل حملته، فهذا رد على ما يتوهم من أن الحامل أقوى من المحمول أو أعظم منه، فحملة العرش على عظمهم، والعرش الذي هو أكبر منهم، هم محمولون، والله هو الذي حمل الجميع، فهو الذي خلق العرش وخلق حملته وحملهم ورفعهم، فلا يمكن أن يتصور أبداً حاجته إلى شيء من ذلك، فإنه لا يحتاج إلى العرش ولا إلى حملة العرش فهو العلي القدير.
وبالنسبة لحملة العرش فقد ورد في عددهم وفي صفتهم أشياء، فورد في عددهم يوم القيامة قول الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] ، وجاء في الحديث: أنهم اليوم أربعة وأنهم يوم القيامة ثمانية، وجاء في حديث العباس وصفهم بالأوعال وأن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين منكبه مسيرة خمسمائة عام.
وحديث الأوعال فيه ضعف، لكن مع ذلك له طرق أخرى، وجاء أيضاً في وصف حملة العرش وصف عظمهم، لكن عموم وصفهم بالأوعال لا يقتضي إثبات صفة الوعلية لهم، وإنما هو مجرد مثَل من تصورهم، ولذلك ذكر فيهم هذه الصفة العظيمة العجيبة: أن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين منكبه قدر ما بين السماء والأرض، أي خمسمائة عام.
стр. 161
إثبات صفة النزول لله جل وعلا
قال: [وحامل وإلى دنيا السما ينزل كل ليلة لا مثلما ينزل مخلوق بإخلا حيِّز منه وشغل حيز فميِّز] هذه صفة أخرى من الصفات الفعلية وهي صفة النزول، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا وذلك حين يبقى ثلث الليل، فلا يزال يقول: ألا من يدعوني فأستجيب له ألا من يسألني فأعطيه) فهذا النزول صفة ثابتة لله ، والمقصود به التجلي، فالله قريب في علوه علي في دنوه، فنزوله إلى السماء لا يقتضي منافاة علوه، بل هو العلي في دنوه.
واستواؤه على العرش أيضاً لا يقتضي بُعده، بل هو القريب في علوه، وهذا كله يقتضي قطع مشابهته لخلقه، فهو أقرب إليهم من حبل الوريد، وفي الحديث أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وقال: (إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنه سميع مجيب) .
وهذا النزول فيه حكم عظيمة منها: أنه تشريف للعابدين في هذه الساعة، مثلما جاء في الإخبار عن ضحك الله لمن يصلي في جوف الليل، وضحكه لمن يقوم في الصف للصلاة، وأن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف، ونحو ذلك، وهو مثل قوله: (فإن أتاني يمشي أتيته هرولة) فهو من قربه من عباده وإكرامه للعبَّاد منهم.
وقد خصص هذا الوقت من الليل بميزات عظيمة، فمنها أنه وقت كسل ونوم؛ ولهذا لم يشرع الله فيه فريضة لئلا يكون ذلك عنتاً على عباده، ولكنه جعله مجالاً للتنافس: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ، فيتنافس الناس في التقرب إلى الله في هذا الوقت، ولهذا قال الحافظ أبو الحسن الإشبيلي ﵀ في مقدمة كتابه التهجد: الحمد لله الذي أذن لعباده بطاعته، فخروا بين يديه متذللين ولوجهه معظمين، فلم يغلق بينه وبينهم باباً، ولا أسدل دونهم حجاباً، ولا خفض أودية ولا رفع شعاباً.
فهذا وصف عجيب جداً، هؤلاء يخرون في هذا الوقت، فتجافي جنوبهم المضاجع، ويخرون بين يدي الله فيقدمون إليه عبادتهم، ويتذللون بين يديه ويقدمون إليه طلباتهم وحوائجهم، في الوقت الذي لم يؤذن فيه لكثير من الناس، فهذا الوقت حجب فيه كثير عن باب الملك الديان، بعضهم حجب بالكفر وبعضهم حجب بالفسوق وبعضهم حجب بالغفلة وبعضهم حجب بملذات الدنيا وشهواتها من النوم وغيره، وبعضهم حجب بالمرض، فإذا أذن الله تعالى لقوم وشرفهم بأن يطرقوا الباب في هذا الوقت فيفتح لهم، فهذا تشريف عظيم جداً يستحضر الإنسان به مدى سعادته حين يتذكر أن من حوله يغطون في نومهم وأنه قد أذن الله له في هذا الوقت بأن يباهي به ملائكته.
ولهذا فإن هذا النزول لا يمكن أن يقاس بالصفات الفعلية الأخرى، فلا يمكن أن تقول: إن الله في الثلث الأخير من الليل دائم النزول باعتبار اختلاف البلدان، فما من ساعة إلا وهي أول الليل على قوم وفي النهار على قوم ووسط النهار وآخره على قوم، فليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود: أن هذا الوقت من الليل لكل طائفة من الناس هو هذا الوقت الذي شرف فيه أهل ذلك المكان، ولا تعارض في صفات الله، بل هو قادر على ما يشاء، كما أنه الآن يأمر ملايين الأوامر في وقت واحد وكلها يقول لها: كن فيكون، وليس هناك أمر قبل أمر ولا نهي قبل نهي، والحركات التي يتحرك بها العباد وتصور الآن المليارات منها في لحظة واحدة كلها بأمره، ولا يكون أمر قبل أمر، بل هي في لحظة واحدة كلها قال لها: كن.
فلهذا قال: (وإلى دنيا السما) ومعناه: إلى السماء الدنيا وهي سماء هذه الدنيا، والدنيا مختلف فيها: هل هي من الدنو أو من الدناءة؟ فقالت طائفة من الناس: الدنيا التي هي هذه الدار مشتقة من الدناءة؛ لأنها متدنية القيمة عند الله، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء، كما جاء في الحديث، وقيل: هي من الدنو؛ لأنها قبل الأخرى فهي أدنى منها إلينا، أي: أقرب وأدنى من الدار الآخرة، وسماء هذه الدنيا السماء الأولى.
(في كل ليلة لا مثلما ينزل مخلوق) وهنا اضطر أن ينفي ما تتوهمه العقول الضعيفة إذا قرأت صفة النزول، فيتوهم بعض الناس أن نزوله مناف لاستوائه، فوقت النزول لا يكون مستوياً فيه على العرش، ووقت الاستواء لا يكون فيه نزول إلى السماء!! قال: هذا إنما هو في صفات المخلوقين، أما في صفات الله فلا.
(لا مثلما ينزل مخلوق) لأن نزول المخلوق فيه شغل حيز وخلو حيز منه، والله لا يحويه مكان ولا يمكن أن يشمله ولا أن يحيط به مكان، وما الفرق بين أوامره التي تأتي في لحظة واحدة على المليارات من الحركات والسكنات والموت والحياة وغير ذلك، وبين نزوله واستوائه، فالجميع من صفات الله .
(لا مثلما ينزل مخلوق بإخلا حَيز منه وشغل حيز فميز) و (الحيز) معناه: المكان الذي يحوز الشيء ويحويه، والمعنى: ميز بين صفات الله وصفات خلقه، فلابد من التمييز هنا بين صفات الله العظيمة وبين صفات خلقه التي هي على قدرهم؛ لذلك أردف هذا بصفة أخرى وهي صفة العلو، وهذا مناسب جداً أن تذكر صفة العلو بعد صفة النزول؛ لأنه هو العلي في نزوله والقريب في علوه كما ذكرنا.
стр. 162
إثبات صفة العلو لله جل وعلا
قال: [وهو العلي لا تحده جهه ضل المعطلة كذا المشبهه] وهذا إثبات لصفة العلو، فالله أخبر عن نفسه بذلك في ثماني عشرة آية من آيات كتابه، وهذه الصفة تنقسم إلى قسمين: علو حسي، وعلو معنوي.
فالعلو الحسي: هو استواؤه على عرشه وارتفاعه فوق خلقه، والعلو المعنوي: هو القهر والكبرياء والعظمة.
والعلو جاء إثباته بلفظ العلو، وجاء إثباته بالفوقية، والفوقية أيضاً تأتي بالمعنيين: تأتي حسية ومعنوية، فالحسية مثل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] ، ففي هذه الآية إثبات صفة الفوقية الحسية، وأما الفوقية المعنوية فمثل قوله تعالى في أتباع عيسى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥] فهذه الفوقية ليست حسية، بل المقصود بها الفوقية المعنوية بالترفع عليهم فقط.
وكذلك فوقية الله على خلقه فوقية حسية وفوقية معنوية: فوقية حسية بارتفاعه وعلوه واستوائه على عرشه، وفوقيته المعنوية بمخالفته للحوادث وقهرهم بإحاطته بما هم فيه.
لكنه مع إثبات صفة العلو أراد أيضاً أن يأتي بما ينفي التشبيه فقال: (لا تحده جهة) فالعلو جهة، وهي جهة فوقية مثبتة لله ، لكن لا تحده، وهنا يقال: إن القاعدة: أن الجهة من الألفاظ التي يفصل فيها، فإن قصد بها مطلق الفوقية دون حد فنسبتها لله صحيحة، وإن قصد بها الحيز واحتواء مكان فهي ممنوعة مستحيلة.
فإذاً: الفوقية إثبات للجهة دون حد؛ لذلك قال النبي ﷺ للجارية حين سألها: (أين الله؟ فأشارت بأصبعها إلى السماء) ، وهنا لم يقصد امتحانها بصفة الفوقية أبداً، إنما قصد امتحانها في وجود الله والإقرار به.
стр. 163
الامتحان في الاعتقاد ابتداع
ومن هنا يغلط كثير من الناس فيظن أن الامتحان بالإيمان إنما هو في صفة الفوقية، بل الإيمان يحصل حتى لو جهل الإنسان بعض صفات الله ، ولا يجب الإيمان بها تفصيلاً، ومثل ذلك قوله ﷺ لها: (من أنا؟) فهذا لا يقتضي إلا سؤالها عن الإيمان برسالته فقط؛ لذلك قال: (أعتقها فإنها مؤمنة) ، ومن هنا قال البخاري ﵀: (الامتحان في الاعتقاد ابتداع) ، وقد نص العلماء على أن الامتحان في الاعتقاد وسؤال الناس عن اعتقادهم ونحو ذلك بدعة في الدين، وأنه لا يحل إلا في موضعين: أحدهما: من جاء من قبل الكفار هارباً فدخل إلى دار الإسلام، فيحل امتحانه ليعرف هل هو جاسوس للكافرين أو ليس كذلك، وأصل هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] .
الثاني: من كان مظنة الكفر ويراد عتقه، حيث يشترط الإيمان في الرقبة التي تعتق، فيحل امتحانها حينئذٍ حتى يعلم الإنسان إيمانها، وبشرط ألا تكون في الأصل من دار الإسلام، بأن كانت نسيبة من دار الكفر، أما من كان في دار الإسلام فلا يسأل من أجل العتق هل هو مؤمن أم لا، بل هذا من الابتداع.
والبخاري ﵀ قال: (الامتحان في الاعتقاد ابتداع) في قصته مع أهل نيسابور حين كان مع محمد بن يحيى الذهلي فسألوه عن تكلمنا بالقرآن، فأجاب: بأن تكلمنا بالقرآن صفة من صفاتنا وصفاتنا مخلوقة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، فشغبوا به فأخبرهم أن الامتحان في الاعتقاد ابتداع وبين لهم ذلك، وقد ذكر هذا الحافظ ابن حجر في هدي الساري مقدمة فتح الباري، وذكره الذهبي أيضاً.
стр. 164
المعطلة والمشبهة ضلوا في صفة العلو
وقوله: (لا تحده جهة) معناه: لا تحيط به جهة، (ضلَّ المعطلة كذا المشبهة) أي: ضل في هذه الصفة قسمان من الناس: المعطلة الذين ينفون هذه الصفات أصلاً، والمشبهة الذين يبالغون في الإثبات حتى يشبهونها بخلقه، فكلا الطائفتين على ضلال، والمعطلة مشتقة من التعطيل، والتعطيل معناه: الترك، بأن يكون الشيء عاطلاً أو عطلاً، فالعاطل معناه: الذي لا حركة به يقال: مبنى عاطل، أي: غير مشغول بالناس فلا حركة فيه، مثل قول الله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] ، والعطل معناه: الخالي من الزينة، وجيد معطل معناه: لا زينة فيه، ومن ذلك قول امرئ القيس: وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل أي: غير خال من الزينة.
فالتعطيل هو إخلاء الصفة عن معناها، والتشبيه هو من التشبه وهو تمثيل الله بخلقه وقد سبق شرحه.
стр. 165
إثبات صفة الاصطفاء لله جل وعلا
قال: [قد اصطفى من ملك ومن بشر رسلاً فأدوا عنه ما به أمر] أخبر أن الله متصف بصفة الاصطفاء، والاصطفاء هو الاختيار، فهو يختار ما يشاء، ما كان للناس الخيرة، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] .
والاصطفاء: افتعال من الصفوة فاصطفى أصلها: (اصتفي) ، فالطاء منقبلة عن تاء والألف منقلبة عن ياء، فـ (اصتفي) فاصطفيَ معناه أخذ الصفوة، فالتاء تقلب طاءً والياء تقلب ألفاً؛ لأن حرف العلة إذا تحرك وفتح ما قبله وجب قلبه ألفاً، وتاء الافتعال تنقلب طاءً إذا جاءت بعد حرف مستعلٍ مثل الصاد هنا.
стр. 166
الاصطفاء العام
والاصطفاء نوعان: اصطفاء عام وهو مثل قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٣-٣٤] ، فهذه الاصطفاء عام بمعنى: انتقاء الجنس والنوع، ومنه قوله ﷺ : (إن الله اصطفى من ذرية آدم إبراهيم، واصطفى من ذرية إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ذرية إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، وجعلني من قريش في المحل الأسنى، فأنا خيار من خيار من خيار، ولا فخر) .
فأحاديث الاصطفاء كلها من هذا الاصطفاء العام الذي لا مانع أن يدخل فيه أهل الكفر، فيختار العنصر بكامله ويكون خيره أكثر من شره وأفضل، لكن لا مانع أن يكون مع ذلك بعض الشر، كاصطفاء ذرية عمران على العالمين، واصطفاء ذرية إبراهيم، وفيهم من كان مؤمناً ومن كان كافراً كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وكما قال تعالى في سورة النساء: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ [النساء:٥٤-٥٥] فقد اصطفاهم الله عموماً بهذا التشريف الدنيوي.
والاصطفاء العام هو اصطفاء دنيوي وليس اختياراً أخروياً؛ ولهذا فإن قريشاً مثلاً اصطفاهم الله، لكن فيهم البر والفاجر، ففيهم أبو جهل وغيره؛ ولهذا كانت لهم القيادة حتى في جاهليتهم كما قال ﷺ : (قريش قادة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة) وهذا الاصطفاء يعلق به بعض الأحكام الشرعية؛ لأنه من أحكام في الدنيا، مثل الإمامة -مثلاً- في قريش، ومثل قوله: (قدموا قريشاً ولا تقدموها) ونحو ذلك.
стр. 167
الاصطفاء الخاص
أما الاصطفاء الخاص: فهو اختيار الفرد من العنصر، وهذا هو اصطفاء رسل الله من الملائكة والبشر دون غيرهم من الأجناس حيث قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] ، وهذا الذي ذكره الشيخ هنا في قوله: (قد اصطفى من ملك) معناه: من جنس الملائكة ملك، (ومن بشر) معناه: من جنس بني آدم.
والملك أصله مألكٌ مشتق من المألكة التي هي الرسالة؛ وذلك أنهم رسل الله يرسلهم بما شاء إلى خلقه، والمألُكة والمألكة بمعنى الرسالة: ومنه قول عدي بن زيد: أبلغي النعمان عني مألُكاً أنني قد طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شبق كنت كالغصان بالماء اعتصاري مألُكة بمعنى رسالة، وخفف فسمي ملكاً.
وأطلق على جنس بني آدم بشراً؛ لأنه الجنس من الحيوان الذين لم تغط بشرتهم بالشعر، أما بقية الحيوانات فقد غطي بشرها بالشعر.
وقيل: مشتق من البشر لظهور البشر على وجوههم؛ لأنهم إذا استبشروا ظهر البشر على وجوههم.
والبشر أطلق في القرآن على جنس البشرة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٩] ، فالمقصود أنها تزيل الجلود نسأل الله السلامة والعافية.
(رسلاً) جمع رسول، والمقصود بهم من حمل رسالة من عند الله ، ويجوز فيها الإسكان والضم يقال: (رسْلاً مبشرين ومنذرين) ويقال: (رسُلاً مبشرين ومنذرين) بالضم، ويجوز الإسكان في غير القرآن فيقال: رسْلاً أيضاً.
فهي جمع تكسير وفيها نوعان من أنواع التكسير: أحدهما تغير الشكل، والثاني النقص.
وأنواع التكسير إما نقص فقط أو زيادة فقط أو تغير شكل فقط، أو نقص وتغير شكل، أو نقص وزيادة، أو نقص وتغير شكل وزيادة هذه ستة، وقد تكون مصرحاً بها، وقد تكون مقدرة، فالجميع أثنا عشر نوعاً، والمذكور هنا اثنان منها في قوله: رسلاً.
(فأدوا عنه ما به أمر) (فأدوا) أي: بلغوا وائتمنوا على أمانات الله التي ائتمنهم عليها فأدوها إلى الناس، وهذا واجب، فمن صفات الرسل التي يجب الإيمان بها الصدق والأمانة والتبليغ، وهذه الصفات الثلاث يشملها قوله: (فأدوا عنه ما به أمر) .
стр. 168
الإيمان بصدق الرسل وأمانتهم وتبليغهم من الإيمان بالله
فمن الإيمان بالرسل الإيمان بصدقهم، فلا يجوز في حقهم الكذب فيما يبلغونه عن الله، وذلك أن الله يستحيل في حقه الكذب، وقد صدقهم بالمعجزات، وتصديق الكاذب كذب، فكذبهم يستلزم نسبة الكذب إلى الله تعالى الله عن ذلك، فاقتضى هذا نفي الكذب عنهم بالكلية فيما بلغوه عن الله فهم معصومون من الكذب.
ثانياً: الأمانة، فالله قد اختارهم وائتمنهم على الوحي، ولذلك قال خزيمة بن ثابت ﵁: صدقناك في خبر السماء أفلا نصدقك في خبر الأرض، وقال رسول الله ﷺ : (والله إني لأمين من في السماء) .
قال: إن الله ائتمنه فهو أمينه، وفي السماء معناه: العلي.
والثالثة: التبليغ أي: تبليغ الرسالات؛ لأن الله توعدهم على ترك التبليغ فوجب أن يكونوا قد بلغوا أنه قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] .
وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] .
وهذه من الكلمات التي سبق التنزيل بها، فقد قرئت في السبع (رسالاته) وقرئت (رسالته) .
فيستحيل في حقهم أضدادها وهي الكذب والخيانة والكتمان، لكن التبليغ لا يجب عليهم أن يبلغوا جميع أممهم؛ لأن الله جعل لهم أعماراً محددة يموتون فيها، فيجب على الرسول أن يبلغ من تقوم بهم الحجة سواء كان واحداً أو أكثر.
فالحجة قد تقوم بواحد إذا كان عدلاً ضابطاً؛ لأن روايته معتبرة، ولهذا فكثير مما روي عن رسول الله ﷺ انفرد به واحد، وإن كان القرآن لم يحصل فيه هذا إلا في آيتين اثنتين منه، لم يوجد من كتبها عن رسول الله ﷺ إلا خزيمة بن ثابت وشهادته بشاهدة رجلين، وهي خاتمة سورة التوبة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨-١٢٩] .
هاتان الآيتان انفرد بكتابتهما خزيمة وإن كان غيره قد حفظهما، لكن الحفظ لم يعتمد عليه في تدوين المصحف لاحتمال أن يكون قد نسخ في العرضة الأخيرة، وأما الكتابة فإنها مقتضية للإقرار في العرضة الأخيرة.
(فأدوا عنه) أي: عن الله .
(ما به أمر) أي: ما أمرهم ببيانه وتبليغه، فقد ينزل إليهم شيء لا يؤمرون بتبليغه، وقد ينزل إليهم شيء فيؤمرون بتبليغه إلى شخص بعينه، كما أمر الله رسوله ﷺ أن يقرأ على أبي سورة البينة.
والقاعدة هي ما ذكرناه أنه لا يجب عليهم تبليغ كل أحد، بل يجب عليهم تبليغ من تقوم بهم الحجة، وهذه التي نظمها شيخي رحمها الله بقوله: لا يلزم الرسول أن يبلغ جميع ما علم مما بلغ بل كان يكفيه إذا ما أنفق مرويّه واحداً أو ما اتفقا وهذا لفظ القاعدة في كتب التفسير: أنه إذا بلغ مرويه إلى شخص واحد تقوم به الحجة فذلك كاف؛ لأنه هو المؤتمن عليه يبلغه لمن وراءه.
وقد شرط التبليغ على الاتباع، فكل قوم يشترط عليهم تبليغ ما تعلموه لمن وراءهم كما قال ﷺ : (ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع) وقال: (بلغوا عني ولو آية) ، وقال: (نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) .
وقد بين ﷺ أن هذه الأمة عدول يؤدي كل جيل ما تحمل إلى الجيل الذي بعده.
(فأدوا عنه) أي: عن الله (ما به أمر) أي: ما أنزل عليهم مما أمرهم بتبليغه إلى الناس.
стр. 169
سلسلة الأسماء والصفات [١٢]
من الأركان التي يجب على كل مسلم الإيمان بها: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على رسله وأنبيائه، ما سمي منها وما لم يسم، وأن القرآن خاتمها وناسخها، وأنه كلام الله .
ومما يجب الإيمان به أن كلام الله صفة من صفاته، فهو يتكلم متى شاء بما شاء، بصوت وحرف لا يشبهه في ذلك أحد من خلقه.
стр. 170
وجوب الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا أرحم الراحمين! يقول الشيخ حفظه الله: [والكتب التي على رسل البشر أنزل من كلامه جل فذر قولهم القرآن قد دل على الـ كلام أو على الذي الكلام دل] من أركان الإيمان: الإيمان بالكتب المنزلة، وهذا الركن في أصله داخل في الركن الأول الذي هو الإيمان بالله؛ فأركان الإيمان ستة، لكن ثلاثة منها ترجع إلى واحد.
فالإيمان بالله يشمل الإيمان بالكتب المنزلة والإيمان بالقدر؛ لأن الكتب المنزلة كلام الله، والقدر من علم الله، فهذا كله يرجع إلى الإيمان بالله.
فإذاً: تعود هذه الأقسام في حقيقتها إلى أربعة: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر.
أما الإيمان بالكتب والإيمان بالقدر فهو من الإيمان بصفات الله، وللعناية بالإيمان بالكتب جُعل الإيمان بها ركناً مستقلاً من أركان الإيمان، وللعناية بالقدر وكثرة زيغ الناس فيه جُعل الإيمان به ركناً مستقلاً.
والكتب جمع كتاب، والكتاب في اللغة فعال للآلة، من (كتب) بمعنى: خاط، فهو آلة الخياطة، ثم أطلق بعد هذا على الأوراق التي تكون حاوية للرسوم المقصودة فتخاط لتجمع، فسميت كتاباً، ثم سميت الحرفة التي هي الضرب بالحروف على الأوراق كتابة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] .
ومنه قول الشاعر: تخطه من ذوات المصر كاتبة قد طالما ضربت باللام والألف وإطلاق الكتب على كلام الله المنزل إلى الرسل من البشر سببه: أن هذا الكلام الذي ينزله الله تعالى عليهم كان ينزل عليهم مكتوباً، إلا القرآن فلم ينزل مكتوباً، وإنما أنزل على قلب محمد ﷺ ، ومع ذلك سمي كتاباً، وتسميته كتاباً بمجاز آخر وهو: أن الرسالة التي يرسلها أحد إلى أحد تسمى كتاباً، فتقول: أرسل إلي فلان كتاباً، وهذا القرآن هو كتاب الله إلى خلقه، فهو رسالة من عند الله إلى خلقه، وقد أنزلها على قلب محمد ﷺ ، وليست مكتوبة، ولكنها رسالة يؤديها رسول الله ﷺ إلى الناس، فمن أجل هذا سمي كتاباً.
والحاجة إلى كتابة الكتب السابقة: أنها لم تكن في علم الله تعالى تصلح إلا لمدة محددة لا تتجاوزها؛ فلذلك جاءت مكتوبة من عند الله ، ولم يؤمر الناس بحفظها؛ لأن الحفظ في الصدور أبقى من مجرد الكتابة، فالعلم مع كثرة كتابته وكثرة الكتب المؤلفة فيه يقل إذا لم يكن محفوظاً بالصدور، ومن هنا فإن الكتب السابقة كلها لم يكن أهلها يحفظونها، إنما كانوا يستودعونها ويستحفظونها مكتوبة، ويتوارثها الناس نسخاً مكتوبة.
стр. 171
وجوب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله وسماها
فمن الرسل من أنزلت عليه الكتب في شكل صحف، وقد جاء التصريح بذلك في إبراهيم وموسى، كما قال : ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨-١٩] ، وفي هذا أن صحف إبراهيم وموسى من الصحف الأولى، وهذا يدلنا على أن الكتب المنزلة في الصحف ليست محصورة في هذه فقط، بل المنزل على نوح أيضاً كان صحفاً، وكذلك على من دونه من الرسل.
وأيضاً أطلقت القراطيس في أنبياء بني إسرائيل على الكتب؛ حيث جاء ذكر ذلك في سورة الأنعام في قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام:٩١] .
وقد كتب الله التوراة لموسى بيمينه في الألواح، فسلمه هذه الألواح، واستشهد على ذلك سبعين من قومه، شهدوا على استلام موسى للألواح من ربه، وهذه الألواح كانت أربعة عشر لوحاً، فانكسر منها اثنا عشر وبقي اثنان، ومع ذلك فقد جاء بعد موسى معززون لشريعته من أنبياء بني إسرائيل، وأنزل على كثير منهم وحي.
وأما الكتب المسماة فهي هذه الأربعة التي هي: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن.
فالتوراة هي الكتاب المنزل على موسى باللغة العبرية، وهي العبرانية.
وهذه الكلمة مختلف فيها هل هي عربية أو غير عربية، والراجح: أنها من العربية، فالتوراة أصلها: التورية، أي: الكلام الذي يشير إلى أحداث ستقع، وليس فيه التصريح بذلك.
وقيل: هي غير عربية؛ لأنها لو كانت عربية لما قيل: التوراة، ولقيل: التورية.
وعلى هذا الاختلاف اختلف القراء في قراءتها في القرآن هل تقرأ بالإمالة أم لا؟ فمنهم من يقرؤها بالإمالة بين بين، كـ ورش، فمثلاً: يقرأ قوله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران:١-٤] .
ومنهم من يميلها إمالة محضة، كـ أبي عمرو والكسائي فيقرآن: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران:٣-٤] .
ومنهم من يكون له فيها وجهان، كـ قالون فله وجهان: بالتقليل والفتح.
وأما الإنجيل فهذا اللفظ باللغة العبرانية معناه: الكتاب، وقد استعمل في لغة العرب بذلك، ومنه قول رسول الله ﷺ : (إن أناجيل أمتي في صدورها) .
وأما الزبور فهو الكتاب المنزل على داود، واشتقاقه من الزبر، وهو الكتابة، فزبر معناه: أخذ المزبر فكتب به، والمزبر هو القلم، وهذا من لغة العرب، ومع ذلك سمي به هذا الكتاب، ويطلق عليها قديماً المصاحف، كما جاء في الحديث: (إن داود كان يقرأ في المصحف) والمقصود بالمصحف الزبور.
والمصحف يجوز فيه ثلاثة لغات: المَصحف والمِصحف والمُصحف، ومعناه: ما يجمع الصحف، فهو مشتق من الصحيفة؛ لأنه يجمعها، فلذلك يطلق على القرآن وعلى غيره من الكتب المنزلة.
стр. 172
وجوب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله ولم تسم
وما لم يسم من كتب الله يجب الإيمان به إجمالاً، ولا يجب الإيمان تفصيلاً إلا بهذه الكتب، ولا يجب الإيمان تفصيلاً من هذه الكتب بما فيه إلا بالقرآن؛ لأن الكتب الأخرى قد نسخت ورفعت، وغيرت وبدلت قبل ذلك.
والإيمان بها يقتضي التصديق بما جاء بها من الأخبار على ما أخبر الله به عن رسوله ﷺ أنه مصدق لما بين يديه من الكتاب، فهذا القرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب، فيجب على كل المسلمين أن يعتقدوا صدق ما أنزله الله على رسله جميعاً من الكتب، وصدق ما فيها من الأخبار.
стр. 173
الإيمان بنسخ ما كان قبل القرآن من أحكام
كذلك من الإيمان بها: الإيمان بأن ما فيها من الأحكام ما نسخ منه بالقرآن لم يعد صالحاً للعمل به، ولا يجزئ بين يدي الله؛ لأن الله أخبر بذلك في كتابه في قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] .
مع ذلك فهذه الكتب المنزلة ينبغي أن نعلم أن فيها أمراً يخفى على كثير من الناس، وهو أن رسل الله ينقسمون إلى قسمين: إلى رسل قد جاءوا بشرائع جديدة، وإلى رسل قد جاءوا مكملين لشريعة سابقة، والجميع يصدق عليه قول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] .
فلا تنافي بين أن يكون الرسول مجدداً لشريعة من قبله، وبين أن يكون له شرعة ومنهاج، والشرعة والمنهاج الذي أوتيه مكمل ومتمم لشرع من قبله.
ويتفاوت فضل الرسل بذلك، فأولو العزم من الرسل وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم، أوتوا شرائع جديدة.
ولا منافاة بين هذا وبين أمر الرسول ﷺ وأمته باتباع ملة إبراهيم؛ لأن الملة إنما يقصد بها في أغلب إطلاقاتها: ما يتعلق بالأخلاق والسلوك، لا ما يتعلق بالتشريعات.
ولهذا فإن خصال الفطرة من ملة إبراهيم، والضيافة من ملة إبراهيم، والغسل من الجنابة من ملة إبراهيم، وعقد النكاح من ملة إبراهيم، وكذلك الحج أصله من ملة إبراهيم.
ومن ملة إبراهيم عدم الدعاء على قومه، والحلم عنهم والصفح، وهذا أبرز شيء أخذ به الرسول الله ﷺ من خلق إبراهيم ﵊.
فكثير من الأنبياء الآخرين جاء في القرآن التصريح بدعائهم على قومهم، وبالهلاك الذي حصل لقومهم.
وقوم إبراهيم لا يدري أحد ماذا حصل لهم، ولا يستطيع أحد الآن أن يقول: إنهم أُهلكوا بالوصف الفلاني، فتجد إهلاك قوم نوح وهم قبلهم، وإهلاك قوم موسى وهم بعدهم، وأقوام غير هؤلاء من الرسل، كقوم شعيب وقوم لوط وصالح هود، لكن قوم إبراهيم لم تذكر أخبار هلاكهم، وإنما يعرف أن الله أنجى إبراهيم ﵇، وأن النار كانت برداً وسلاماً عليه، وأنه هاجر عنهم.
وعلى هذا تكون الكتب بعضها مجدداً كالزبور؛ فإن جمهور المفسرين يذكرون أن هذا الكتاب ليس فيه تشريعات جديدة لبني إسرائيل، وإنما فيه المواعظ والحكم وأذكار يذكرون الله بها، وقد جاءت الإشارة إلى ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] ، فبعد ذكر الله الذي فيه جاء فيه أحكام، منها حكم الله النافذ وسنته الكونية التي لا تتغير: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] .
стр. 174
مخالفة الإنجيل للتوراة
وأما الإنجيل فقد جاء فيه تغيير كثير لأحكام التوراة، وقد صرح بذلك عيسى ﵇ في سورة آل عمران في قوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] ، فقد صرح بأنه سيحل لهم بعض الذي حرم عليهم.
وقد ذكر بعض العلماء مقارنة بين ملة موسى وملة عيسى، فجعلهما طرفين مختلفين في كثير من المسائل، وجعل أمة محمد ﷺ وسطاً بينهما.
ولهذا أخبرنا الرسول ﷺ عن الأيام فذكر أن في الأسبوع يوماً فاضلاً عند الله، وأن الله أخبر به الرسل، وأن موسى أخبر به قومه فضلوا عنه؛ فطلبوه فالتمسوه في اليوم الذي بعده، وهو يوم السبت، فجاء النصارى فطلبوه، فالتمسوه في اليوم الذي بعد ذلك، وهو يوم الأحد، وهدى الله المسلمين إليه، وهو يوم الجمعة.
فهو اليوم الفاضل، والناس في ذلك تبع لنا، فاليهود عندهم يوم السبت، والنصارى عندهم يوم الأحد.
ومن هذه الأحكام: قضية تعدد الزوجات، فإنه مباح في التوراة إلى غير حدود، حيث يجوِّز للرجل أن يتزوج ما شاء من النساء، ولذلك تزوج سليمان بن داود ألف امرأة.
وأما الإنجيل ففيه تحريم تعدد الزوجات مطلقاً، حتى لو تزوج الإنسان فماتت زوجته في ليلتها الأولى لم يحل له الزواج بعد ذلك.
وجاءت هذه الشريعة وسطاً لمراعاة حقوق الزوجين معاً، فلا يستطيع الرجال ولا يحتاجون إلا إلى أربع نسوة في أقوى صورهم.
وكذلك لم يبح التعدد فيما كان أكثر من هذا، وإذا كان الرجل أيضاً لم يستطع العدل أو لم يستطع في جسمه أو ماله أو مسكنه التعدد لم يحل له مطلقاً.
وكذلك فيما يتعلق بالتعامل مع الحائض؛ فإن اليهود حُرم عليهم الجلوس مع الحائض على فراش واحد، وحرم عليهم الكلام معها ما دامت حائضاً.
والنصارى أُحل لهم وطء الحيَّض، وفي الشريعة الإسلامية جاءت الوسطية، فحل الأكل معها، والجلوس معها على فراش واحد، والكلام معها، ولكن حرم وطؤها، وهذا من مظاهر وسطية الشريعة الإسلامية.
ومظاهر هذا كثيرة في الملتين، وقد ذكر ابن حزم ﵀ أن ما بقي من الإنجيل بيد النصارى حكم واحد فقط، وهو عدم تعدد الزوجات، وأن كل الأحكام الأخرى قد غيروها وبدلوها! فكل ما يتعلق بالأحكام من أصل الإنجيل قد غير وبدل، وما بقي منه إلا حكم واحد، وهذه الكتب تختص بالرسل من البشر، وقد ذكرنا أن الرسل يكونون من البشر ومن الملائكة، فلذلك قال: والكتب التي على رسل البشر أنزل من كلامه جل والرسْل: جمع رسول، وهو جمع تكسير، أصلها (رُسُل) وكتبت بالإسكان.
وأضيفت الرسل إلى البشر لأنهم رسل إليهم، وهذا مخرج للرسل من الملائكة، فإنهم لم تنزل عليهم كتب، وإنما يؤتمنون على توصيل الكتب إلى البشر أو توصيل الأوامر والنواهي إلى الملائكة.
والإنزال من عند الله هو الوحي، وهو مختلف الصور، فقد يكون بالكتابة وتسليمه، وقد يكون بالكلام مباشرة من وراء حجاب، وقد يكون بإرسال الملك، وقد يكون بتكليمه في النوم، وغير ذلك، فكل هذا يسمى إنزالاً؛ لأنه قادم من جهة العلو، وكل ما هو قادم من جهة العلو، يوصف بأنه نازل ومنزل.
стр. 175
أنواع إنزال الوحي
стр. 176
إثبات صفة الكلام لله
وهذه الكتب كلها من كلام الله، وقد أثبتنا له صفة الكلام من قبل، وهذا زائد على ذلك، فمجرد إثبات صفة الكلام الذي سبق معنا يشمل الكلام التشريعي والكلام القدري الكوني، ولكن تخصيص الكتب بأنها كلام الله مهم هنا، فلذلك احتجنا إلى التصريح به.
قال: (من كلامه جل) ، أي: هي من كلام الله بأي لغة كانت، وكل رسول إنما يرسل بلغة قومه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] ، فيكلمه الله تعالى بلسان قومه، وهذه الكتب من كلام الله ، تكلم بها كما يليق بجلاله.
стр. 177
الكلام على اصطلاح الكلام النفسي عند الأشعري ومن وافقه
وهنا مسألة البحث التي كثر الكلام فيها، وقد أشرنا إليها من قبل، وهي أن المعطلة من الجهمية والمعتزلة اتفقوا على إثبات الكلام لله، وهذا يتفق عليه جميع أهل السنة على مختلف مذاهبهم، فإنهم يتفقون على إثبات صفة الكلام لله، ولكنهم اختلفوا في إثبات الكلام النفسي، والكلام النفسي معناه: الكلام المنسوب إلى النفس، وليس معناه حديث النفس، كما يفهمه بعض الناس، فبعض الناس إذا سمع (الكلام النفسي) ظن أن معناه: حديث النفس الذي هو درجة من درجات اليقين، وهذا غير صحيح، بل الكلام النفسي معناه: الكلام الذي هو غير ملفوظ به، بل القدرة على الكلام، أي: أن يكون أحد قادراً على الكلام، فهذا هو الكلام النفسي.
وتسميته بهذا نسبة إلى النفس، بخلاف تكليم المخلوق فإنه ليس كلاماً للنفس.
ولذلك غلط أصحاب وحدة الوجود في هذا الباب، فجعلوا كل كلام منسوب إلى الله؛ لأنه خلقه، حتى قال ابن عربي الحاتمي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وهذا غلط فادح؛ لأن كل كلام في الوجود من خلقه، إلا كلامه الذي تكلم به فهو كلامه لا خلق من خلقه.
فهناك فرق بين كلامه وبين خلقه، كما سبق.
والكلام النفسي إذا فسرناه بأن معناه: القدرة على التكلم متى شاء بما شاء، فلا مشاحاة فيه، وينبغي ألا يكون محلاً للخلاف، لكن اختلف أهل الاصطلاح في تسميته بذلك، فذهب الأشعري والماتريدي وابن كلاب إلى تسميته بالكلام النفسي، وسلك هذه الطريقة جمهور العلماء من الأصوليين والمتكلمين وغيرهم.
وأنكر هذا الاصطلاح شيخ الإسلام ابن تيمية.
وأظن ذلك راجعاً إلى تصور معنى الكلام النفسي؛ لأن من أنكره كأنه تصور أن معناه: حديث النفس فقط، وإلا فلا يمكن أن يخفى على شيخ الإسلام ابن تيمية أن الله قادر على الكلام متى شاء، وأن علمه يحيط بكل شيء، لا يمكن أن يخفى هذا عليه، ولذلك حين وصل إلى هذه النقطة سماها باصطلاح آخر، فقال: كلام الله قديم النوع محدث الآحاد أو الأفراد.
والنوع مقصوده به: الكلام النفسي، لكنه سماه النوع، وهذا الاصطلاح الذي أطلقه شيخ الإسلام ابن تيمية اصطلاح بعيد جداً؛ لأن النوع لا تصور له في الخارج إلا بأفراده، فمثلاً: الإنسان نوع من أنواع الحيوان، وهل يمكن أن يكون إنسان موجوداً ليس من البشر المعروفين، لا ذكراً ولا أنثى ولا خنثى؟ لا يمكن أن يقع هذا أبداً؛ لأن الإنسان إنما يتصور بفلان أو فلانة مثلاً، فلا يفصل بين مفهوم النوع وما صدقه فمفهومه تفسيره، وما صدقه أفراده.
فلا يمكن أن تكون الأفراد محدثة ويكون النوع قديماً أو العكس؛ لأن النوع إنما يتجلى في أفراده، وكذلك الجنس.
стр. 178
معنى قول الأشعري: الكلام اللفظي ليس صفة لله
أما الكلام اللفظي -وهو الشق الثاني من شقي الكلام- فإن الأشعري ﵀ ذكر أن الكلام اللفظي ليس صفة الله، بل قال: القرآن فيه صفة الله وصفة عدو الله، وضرب لذلك أمثلة: فمن صفات الله في القرآن: قول الله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١-٢] ، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥-١٦] ، وغير ذلك من الصفات.
وفيه صفة عدو الله، كقول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧] ، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر:١١-١٦] ، فهذه صفة عدو الله.
لكن لم يفهم كلامه هذا عدل على الصحيح، فتلقفه أصحابه من غير فهم، فظنوا أنه يقصد أن الكلام اللفظي ليس كلام الله، وهو لم ينف أن يكون كلام الله، إنما نفى أن يكون صفة الله، وشتان بين الأمرين، فظنوا أنه يقصد أن هذا الكلام اللفظي ليس من كلام الله، وأن إطلاق الكلام عليه مجاز، وأن المقصود به لازمه، فيقولون: معنى كون القرآن كلام الله: أنه دال على كلام الله، أو دال على مدلول كلام الله، فقد يكون دالاً على كلام الله مباشرة بأن يكون الكلام منسوباً إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١] ، أو على مدلول كلام الله، كما إذا كان الكلام محكياً، كقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] ، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، فالكلام المحكي هنا ليس من كلام الله، لكن كلام الله دل عليه، بمعنى: استوعبه.
والبحث هنا ينبغي فيه التدقيق؛ حيث نقول: إن الكلام اللفظي كلام الله تكلم الله به، وضمنه كلام من شاء من خلقه، فحكى ذلك الكلام عن خلقه، لكنه في حكايته لكلام الخلق إن كان الكلام مرضياً عنده أدرجه دون أن ينسبه لغيره، وإن كان الكلام غير مرضي عنده نسبه إلى قائله؛ ليدل بذلك على أنه ليس من كلام الله، وليس مرضياً عنده.
فإن كان مرضياً عنده أدرجه في كلامه، كقول الله تعالى في سورة مريم عندما حكى كلام الملائكة ﵈: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا * وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٥٩-٦٤] ، معناه: وتقول الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا * وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٢-٦٧] .
وقوله: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ﴾ [مريم:٦٦] ، حين لم يكن كلام الإنسان مرضياً صرح بنسبته إلى الإنسان، ولما كان كلام الملائكة مرضياً عند الله لم ينسبه إليهم، فلم يقل: وتقول الملائكة كما قال: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ﴾ [مريم:٦٦] ، ونظير هذا كثير في القرآن، فكثيراً ما يأتي اللفظ المرضي عند الله تعالى دون نسبة.
وقد يوقع بعض المفسرين ذلك في اختلاف، فمثلاً: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ، اختلفوا فيه هل هو من الكلام المحكي عن امرأة العزيز أو ليس كذلك؟ لأنه محفوف بكلامها من قبله ومن بعده, فقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف:٥٣] ، هذا من كلامها (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) هذا تقرير من الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣] ، هذا أيضاً من كلامها.
وكذلك قوله تعالى حكاية عن ملكة سبأ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤] ، فقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) تصديق من الله تعالى لكلامها المحكي.
стр. 179
الرد على المؤولين لكلام الله
فهذا الكلام كله كلام الله، وعلى هذا فهو كلامه بالحقيقة لا بالمجاز، وهذا الذي يقول فيه السيوطي ﵀: كلامه القرآن ليس يخلق وهو بلا تجوز ما تنطق ألسننا به وفي المصاحف خط ومحفوظ بصدر العارف فالذي تنطق ألسنتنا به وهو مكتوب في مصاحفنا ومحفوظ في صدورنا هو كلام الله على الحقيقة لا على المجاز، وهو الكلام الذي تكلم الله به.
وأما المتأولة فإنهم غلطوا في ذلك فاختلفوا فيه، وهذا الخلاف هو الذي أشار إليه الشيخ هنا إشارة عابرة؛ لأنه لا يريد أن يذكر أقوال الفرق، لكن أراد الرد عليها فقط بلطف، فقال: فذر قولهم القرآن قد دل على الـ كلام أو على الذي الكلام دل قوله: (فذر) معناه: اترك.
وقوله: (قولهم) أي قول المتأولين من المتكلمين، (القرآن قد دل على الكلام) أي: أنهم يزعمون أن القرآن قد دل على الكلام، ويرون أن الكلام المقصود به الكلام النفسي الذي لا لحن فيه ولا إعراب ولا تقديم ولا تأخير.
والقرآن على هذا يكون جميعاً بمعنىً واحد؛ لأنه لو كان دالاً على صفة واحدة من صفات الله لما اختلف؛ لأن الصفة لا تختلف، ولو كان كذلك أيضاً لكان معنى كل كلمة من القرآن هو معنى الكلمة التي بعدها، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] هو معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، ويكون هو معنى قوله: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ، وهذا مستحيل، فلا يمكن أن يكون هذا الكلام الذي فيه الخبر والوعد والوعيد والأمر والنهي والقصص تعبيراً عن صفة واحدة، ولا ترجمة لصفة واحدة، ولو كان كذلك أيضاً لكان القرآن والتوراة والإنجيل والزبور معناها واحد.
ولهذا فإنهم يغلطون في هذا الباب فيقولون: يعبر عنه بالعبرانية فيكون توراة، وبالسريانية فيكون إنجيلاً، وبالعربية فيكون قرآناً.
وهذا خطأ بالكلية؛ فشتان بين التوراة والإنجيل من حيث التقسيم والأحكام، وشتان بينهما وبين القرآن من حيث المعاني والأحكام والإعجاز والترتيب وغير ذلك.
وهذا المعنى هو الذي نظمه أحدهم بقوله: تلاوة له دلتنا مطابقة على معاني كلام غير أصوات وأول الناس قولاً جاء عن سلف بأن ذلك من حذف الإضافات عنوا بـ (دل على الكلام) دل على مدلوله فاشتروا حذفاً بإثبات قلت ومن يشو بيت الشنفرى خرق يخط الخمائل من غض الكنايات قوله: (تلاوة له) أي: نطقنا نحن به.
وقوله: (دلتنا مطابقة على معاني كلام غير أصوات) ، أي: أن هذا اللفظ يدل على معانٍ وراءه، وهذا لا نختلف فيه.
وقوله: (وأول الناس) يقصد المتكلمين ممن هم على مذهبه هو.
وقوله: (قولاً جاء عن سلف) أي: مذهب السلف في القرآن كلام الله.
وقوله: (بأن ذلك من حذف الإضافات) ، أي: أنه من حذف المضاف، ومعناه: أن القرآن معنى كلام الله، أو مدلول كلام الله.
وقوله: (عنوا بدل على الكلام دل على مدلوله فاشتروا حذفاً بإثبات) أي: وضعوا الحذف مكان الإثبات.
وقوله: (قلت ومن يشو بيت الشنفرى خرق يخط الخمائل من غض الكنايات) أشوى الصيد بمعنى: أصابه على الشوى، والشوى: الطرف، والصيد إذا أصيب في شواه لم يتأثر ولم يصطد.
والشنفرى هو الشاعر المعروف، والبيت المشار إليه بقوله: (خرق) أي: الذي فيه هذه الكلمة وهو قوله: ولا خرق هيق كأن فؤاده يظل به المكاء يعلو ويسفل فهذا من باب الكناية؛ لأن المقصود (ولا خرق هيق كأن فؤاده) أي: قلبه.
وقوله: (يظل به المكاء يعلو ويسفل) أي: يظل يرتجف كأن طائراً يمسك بقلبه فيصعد به وينزل، وليس المقصود أن الطائر فعلاً يحمل قلبه ويصعد به وينزل، بل المقصود: أن قلبه مندهش يتقلب، فهو خائف غاية الخوف، لكن هذا الكلام غير صحيح؛ لأن مبناه على المبالغة في صفة المخالفة؛ لأنهم فهموا الكلام على أنه مثل كلام المخلوق تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فاضطروا لأن يأولوه، ونحن نعلم أن كلام الله يليق بجلاله، وأنه أثبته لنفسه، وأنه كلامه، فلا داعي لكل هذا التأول، ولذلك قال: (قولهم القرآن قد دل على الـ كلام أو على الذي الكلام دل) ومعناه: هو على الذي دل الكلام عليه.
стр. 180
كلام الله حروف وأصوات لائقة بجلاله
قال: [بل الحروف والمعاني وردا والله بالصوت يكلم غدا] وقوله: (بل بالحروف والمعاني ورد) ، أي: بل القرآن نزل من عند الله بالحروف وبالمعاني، فكل ذلك كلام الله، حروفه من كلام الله ومعانيه من كلام الله.
والذي يحذرونه هو نسبة الأصوات إلى الله؛ لأنهم يظنون أن الصوت مثل صوت المخلوق، وأنه عرض يحل بالجسم، ويقولون: لا يحل الصوت إلا في جسم مجوف، وهذا إنما محله في الجسم الحادث، أما الصوت المنسوب إلى الله فعلى ما يليق بجلاله، ولا يشبه أصوات المخلوقين، فلهذا قال: (والله بالصوت يكلم غدا) .
وصفة الصوت أيضاً ثابتة في حديث آدم: (إن الله ينادي آدم، فيناديه بصوت: أخرج بعث النار، فيقول: يا رب! من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك يوم ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] ) .
والمقصود بالصوت هنا: كلام الله على ما يليق بجلاله، لا يشبه أصوات المخلوقين، ولا تشبهه أصوات المخلوقين.
وقوله: (يكلم غداً) ، أي: يوم القيامة يكلم آدم بصوت.
ثم قال: [ولا تقل ذا الصوت عن تموج هواء أو تخلل فيه يجي أو حرفه كيفية تحدث له بالضغط جل الله أن نمثله] بالنسبة للصوت يجب الإيمان به كما أخبر الرسول ﷺ ، وأن نعلم أنه على ما يليق بجلاله، وأنه منزه عن أن يكون مشبهاً لأصوات المخلوقين.
وإذا ثبتت الصفة لله فإننا نعلم أنها صفة كمال، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين التي هي صفات نقص وعجز، فإن صفات المخلوقين ناشئة عن عجز، وأصواتهم إنما أخرجوها لأنهم يحتاجون إليها، والله لا يحتاج إلى شيء؛ فهو الغني الحميد، ولذلك قال: (ولا تقل ذا الصوت) أي: الصوت الذي يخاطب الله به آدم يوم القيامة.
وقوله: (عن تموج هواء) أي: لا تقل هذا؛ لأن هذا إنما هو في صوت المخلوق فقط.
وقوله: (أو تخلل فيه يجي) أي: تخلل في الهواء يجيء ذلك الصوت منه كحال أصوات المخلوقين، فإن أصوات المخلوقين إنما هي الهواء المنطلق من الرئة، فيضغط عليه في مكان معين فيخرج صوت.
وقوله: (أو حرفه كيفية تحدث له) ، كذلك لا تقل: إن الحروف كيفيات تحدث له؛ فهو منزه عن الغِيَر فلا يمكن أن تحل به الحوادث والآفات، فلذلك كانت الحروف التي أنزل بها القرآن والتي تشكل منها كقوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١-٢] ، ونحو ذلك، فهذه الحروف نسبتها إلى الله ليست مثل نسبتها إلى المخلوق، فالمخلوق إنما ينطق بالحروف على كيفية تحدث له بالنطق، والله مخالف للمخلوق، فحرفه وكلامه على حسب ما يليق بجلاله وعظمته مما هو مخالف لحال خلقه.
وقوله: (تحدث له بالضغط) أي: بالضغط على الهواء في مكان معين حتى يخرج الحرف، فهذا للمخلوق لا للخالق.
следующие страницы →