← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب: إنه يرى أو لا يرى. فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه) (١)، وقوله: (فقد نهى أن يصام رمضان قبل الرؤية والرؤية الإحساس والإبصار به. فمتى لم يره المسلمون. كيف يجوز أن يقال: قد أخبر مخبر أنه يرى، وإذا رئي كيف يجوز أن يقال: أخبر مخبر أنه لا يرى) (٢)، وقوله: (وأما العقل: فاعلم أن المحققين من أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة أو لا يرى ألبتة على وجه مطرد، وإنما قد يتفق ذلك أو لا يمكن بعض الأوقات، ولهذا كان المعتنون بهذا الفن من الأمم: الروم والهند والفرس والعرب وغيرهم مثل بطليموس الذي هو مقدم هؤلاء ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفاً واحداً ولا حدوه كما حدوا اجتماع القرصين، وإنما تكلم به قوم منهم في أبناء الإسلام: مثل كوشيار الديلمي وعليه وعلى مثله يعتمد من تكلم في الرؤية منهم. وقد أنكر ذلك عليه حذاقهم مثل أبي علي المروذي القطان) (٣). - وقد رد بعض الشافعية على السبكي، وبعضهم تابعه في حالته الثالثة خاصة، وقرر بعضهم الاضطراب في تقرير المسألة عند

стр. 1017

المتأخرين، قال الرملي (ت ٩٥٧): (وما قاله السبكي مردود رده عليه جماعة من المتأخرين … وجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية) (١)، وقال الشربيني (ت ٩٧٧): (لو شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته. قال السبكي: لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية، والظني لا يعارض القطعي، وأطال في بيان رد هذه الشهادة، والمعتمد قبولها، إذ لا عبرة بقول الحساب) (٢). - ونقل قليوبي في حاشيته على شرح الجلال: (بل قال العلامة العبادي: إنه إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤيته لم يقبل قول العدل لرؤيته، وترد شهادتهم بها. انتهى. وهو ظاهر جلي ولا يجوز الصوم حينئذ ومخالفة ذلك معاندة ومكابرة) (٣). - وفي هذه المسألة -كما ترى- بعض الاضطراب في تقريرها حتى جاء في حاشية الجمل: (ولو دل الحساب القطعي على عدم إمكان الرؤية ففيه اضطراب للمتأخرين، والراجح العمل بشهادة البينة) (٤). - والخلاصة: أن (اتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم) (٥) في إثبات الشهر أو نفيه، وورد عدم عمل أنس وابن عمر ﵃ بالحساب ولايعرف لهما مخالف من الصحابة، فـ (الخلاف في المسألة حادث؛ إذ لم يعرف عن صحابي القول به) (٦)، وأول من روي عنه العمل بالحساب مطرّف بن الشخير

стр. 1018

ولايصح عنه، وهو قول نادر عند الحنفية، ورواية شاذة عن مالك، ووجه عند الشافعية، وأقدم من قال به بعد البحث هو ابن سريج (ت ٣٠٦) ورأيه: (جواز اعتماد الحساب للعارف به خاصة، وجواز تقليده إن استفتي)، وينفي بعض الشافعية الخلاف في أنه لايجب ذلك، والسبكي يحمل قول ابن سريج على ما إذا دل الحساب على أن الهلال فارق الشعاع ومضت عليه مدة يمكن أن يرى فيها عند الغروب، وهذه الحالة جوّز ابن دقيق (ت ٧٠٢) العمل بالحساب فيها إن حال دون الرؤية غيم مثلاً، (وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم) (١)، ثم اخترع السبكي (ت ٧٥٦) (٢) قرينة لرد الشهادة وهي: أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤية الهلال، فإن الشهادة ترد هنا؛ لأنها اقترنت بما يكذبها، وقطعية الحساب لا تعارض بظنية الرؤية. المسألة الثانية: أدلة القائلين بالاعتماد على الحساب في دخول الشهر: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث عبدالله ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أُمَّةٌ أُمِّيَّة، لا نكتب ولا نحْسُب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (٣).

стр. 1019

وجه الاستدلال: - أن الأمر باعتماد الرؤية جاء مُعَلَّلاً بعلة منصوصة، وهي أن الأمة «أُمِّيَّةٌ لَا تَكْتُبُ وَلَا تَحْسُبُ»، والعلة تدور مع المعلول، فإذا خرجت الأمة عن أميتها، وصارت تكتب وتحسب، وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده، و لا يرجعوا إلى الرؤية إلا حين يستعصي عليهم العلم بالحساب (١). - (فإن الأمية صفة نقص ليست صفة كمال، فصاحبها بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون ممدوحاً) (٢). - والحديث (تقرير لواقع المسلمين في عهد رسول الله ﷺ وأن الواقع عليهم صفة الأمية، وأن الله لايكلف نفساً إلا وسعها … ولاشك أن الرخص الشرعية يشترط للأخذ بها وجود العذر فإذا انتفى العذر انتفت الرخصة … وقد تغيرت أحوال المسلمين من جهل إلى علم ووجد في المسلمين الكثير من ذوي الاختصاصات) (٣). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم؛ لأن في أمته من يقرأ ويكتب كثيراً، وكان للنبي ﷺ

стр. 1020

كتّاب، وفيهم من يحسب الصدقات، بل بُعث ﷺ بالفرائض التي فيها الحساب، وقد قال الله: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (١)، فالمنفي هو كتاب و حساب خاصين (٢). - وكتاب أيام الشهر وحسابه فائدته= ضبط المواقيت التي يحتاج الناس إليها في تحديد الحوادث والأعمال، كما فعل ذلك غيرنا من الأمم فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب بالجداول أو بحروف الجمل، وكما يحسبون مسير الشمس والقمر، فبين النبي ﷺ أنا أيتها الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب، ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب، فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه. - والنفي إذا كان في سياق الكلام ما يبين المقصود، علم به

стр. 1021

المقصود أخاص هو أم عام؟ فلما قرن ذلك بقوله: «الشهر ثلاثون» و «الشهر تسعة وعشرون» بين أن المراد به أنا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب إذ هو تارة كذلك وتارة كذلك، والفارق بينهما هو الرؤية فقط، ليس بينها فرق آخر من كتاب ولا حساب. - فيكون قوله ﷺ : «إنا أمة أمية … » خبر تضمن نهياً، فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أمية لا تكتب ولا تحسب، فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين وفعل ما ليس من دينها، وهذا كقوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١)، أي: هذه صفة المسلم (٢). - و (ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضحه قوله في الحديث الماضي «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» ولم يقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم) (٣). - (وفي قوله ﷺ : «هكذا وهكذا وهكذا» وإشارته= تحقيق لاعتماد الأمر المحسوس الذي هو من أجلى الأمور، وفطم عن اعتماد الحساب في ذلك) (٤). - (وهذا الظاهر في خبرية النص هو الذي يتفق مع الحقائق الشرعية والدلائل النصية من الأحاديث السابقة، إذاً فيتعين إبقاء النص على

стр. 1022

ظاهره في الخبرية، ولا يصرف عنها إلى العلية إلا بدليل، وصرفه يؤدي إلى تعارض النصوص كما هو بين) (١)، وفرض المعارضة -أيضاً- عند التنزل له يُرجّح طرح الحساب؛ لأن الحساب استفيد من مفهوم المخالفة المعارض بالمنطوق «لا تصوموا حتى تروا». - وعلى فرض التسليم بالعليّة هنا، فإن (وصف الأمة بأنها أمية لا يزال قائماً اليوم بالنسبة لعلم النجوم ومنازل القمر في الأغلب والكثير منها، كما كان قائما في عهد النبي ﷺ والقرون الأولى في الأغلب منها بالنسبة لعلم النجوم ومنازل القمر، فقد كان العلم بذلك معروفاً عند العرب، لكن العارفون به قلة، كما أن العارفين به اليوم قلة بالنسبة لغيرهم، ومع ذلك لم يعتبره النبي ﷺ (٢). - وعلى كل حال فالعلّة المذكورة منقوضة بظهور معنى أظهر، وهو التيسير بالتعليق بأمر ظاهر لا خفي، فـ (الرؤية أمر عام؛ لتيسرها لسواد الأمة ومعظمها، فكان تعليق حكم صوم الشهر والإفطار منه بها أيسر للأمة، وأوفق بمقاصد الشريعة) (٣)، و (ضبط الحكم الشرعي في الشهر بطريقين ظاهرين مكشوفين رؤية الهلال أو تمام ثلاثين) (٤)، فيكون العمل بالحساب هنا ملغياً من الشارع، وليس بباطل مطلقاً في غيره (٥). ٢/ واستدلوا بقياس الحساب في ثبوت الشهر (على أوقات الصلوات فإنه يعمل بالحساب فيها) (٦).

стр. 1023

ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أن (هذا القياس باطل من أصله؛ لأن المقيس عليه هنا لم يثبت بنص، ولا اتفاق ومن شرط القياس توفر ذلك. وهو مفقود هنا فهو ملغي من أصله) (١). - وعلى فرض الاتفاق على حكم الأصل، ففي الفرع قادح في القياس وهو: (فساد الاعتبار؛ لمخالفة المقيس لصرائح النصوص المشعرة بالحصر في نصب الشارع الرؤية سبباً للحكم بأول الشهر) (٢). - وعلى فرض التسليم بالقياس وخلّوه من فساد الاعتبار، فبين الأصل والفرع فروق تمنع القياس (٣)، فهو قياس مع الفارق، وبيان الفروق باختصار: - (أن الله تعالى نصب زوال الشمس سبب وجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات … فمن علم السبب بأي طريق كان لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات، وأما الأهلة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سبباً للصوم، بل رؤية الهلال خارجاً من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي فلا يثبت الحكم، - ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سبباً للصوم قوله ﷺ «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾) (٤).

стр. 1024

- والفرق الثاني: أن أوقات الصلوات اعتمادها على الشمس وهي ظاهرة، أما الشهر فاعتماده على القمر و (مقدمات الهلال أخفى ويكثر الغلط فيها، بخلاف الأوقات) (١). ٤/ ومن أدلتهم: القياس على (المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدة، أو بالاجتهاد بالأمارات: أن اليوم من رمضان، وجب عليه الصوم وإن لم يَرَ الهلال، ولا أخبره من رآه) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن (قياسه على من حبس في مطمورة، قياس مع الفارق، إذ من في المطمورة قد تعذّر عليه المدرك المنصوص عليه حتى لو رآه الناس لما رآه، فرجوعه إلى الحساب والقرائن بالضرورة؛ لأنه ليس [في] حقه شيء يعرف به الصوم إلا ذلك)، و (المحبوس في المطمورة معذور فيجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت ويجب عليه العمل بما أدى إليه اجتهاده فإن تبين خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد) (٣). - فهو قياس للمعذور على غير المعذور وهو باطل، ويمكن قلبه إذ المعذور في الحبس لا يتعين في حقه رؤية إن لم تمكن، بل يكفي تحريه واجتهاده بأي وسيلة من حساب أو غيره، فليكن كذلك عند غير المحبوس، والتوسيع في وسائل تحصيل الظن في دخول الشهر غير مقبول لغير المعذور عند أحد.

стр. 1025

٥/ ودليل من يعتمد على الحساب في النفي: أنه إذا دلّ الحساب على عدم إمكان رؤية الهلال، ففي هذه الحالة لا يمكن فرض الرؤية له حساً لا ستحالته؛ (لأن الحساب قطعي، والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع فضلاً عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكناً حساً وعقلاً وشرعاً، فإذا فرض دلالة الحساب قطعاً على عدم الإمكان استحال القبول شرعاً؛ لاستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات … وتجويز الكذب والغلط على الشاهدين المذكورين أولى من تجويز انخرام العادة) (١)، (ونحن برد هذه الشهادة لم نرد قول رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته» وإنما رددنا الشهادة لأنها شهادة غير صحيحة فهي مرتبطة بما يكذبها) (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم بقطعية حساب إمكانية الرؤية و (غير الحاسب إنما يستفيد هذا الحكم … من كلام الحاسب، وغاية ما يفيده خبره عند سامعه المحسن به الظن= ظنه صدقه، فأين القطع الذي زعمه) (٣)، وعلى فرض التسليم بقطعيته فهو مما ألغي في الشريعة كما ألغي قضاء القاضي بعلمه، وهذا التفصيل: - أما عدم التسليم بقطعية الحساب فمن ثلاثة أوجه: الأول: أن القطعي هنا هو ما شهد له الحس وهذا غير متوفر في حساب إمكانية الهلال، فالحساب في مواقيت الصلاة مقبول؛ لأن إدراك

стр. 1026

ذلك بالحس ممكن لارتباطه بالشمس، و (المقصود أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس ولا يشرك الهلال في ذلك شيء فإن اجتماع الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال: أمر خفي لا يعرف إلا بحساب ينفرد به بعض الناس) (١)، ف (الحس واليقين في مشاهدة الكواكب لا في حساب سيرها) (٢)، (وقطعية الحساب لا تقبل إلا بنتائج فاشية تفيد العلم اليقيني بصدق نتائجه واطرادها … والواقع أنه ليس لدينا دليل متوفر على هذا المنوال ليكسب إفادته اليقين إلا شهادة بعض الفلكيين لأنفسهم بأنه حساب يقيني) (٣). الثاني: أن بعض أهل التخصص لا يسلم بهذه القطعية، ليس لعدم دقة حساب ولادة الهلال ونحوه، وإنما لأمور منها: الاختلاف في تعريف بداية الشهر بين الحاسبين، والاختلاف بين بداية الشهر الهجري فلكياً والمفهوم الشرعي لرؤية الهلال، وإن اتفقت هذه المقدمات فإن هناك مالا يمكن حسابه: وهو حساب أثر الانكسار والسراب (٤)، ومن مكامن الخطأ

стр. 1027

في الحساب أيضاً: أن حساب تولد الهلال (المحاق) يحسب في جميع تقاويم الدول الإسلامية بالنسبة لمركز الأرض، وليس بالنسبة لموقع الراصد كالسعودية أو مصر وغيرهما (١)، (ويكاد يكون في حكم المستحيل وضع تقويم مضبوط للشهور العربية؛ لأن مواقع الأرض والقمر والشمس لا تتكرر في فترات منتظمة) (٢). ف (من الضروري أن نسلم أن هناك بونًا شاسعًا بين حساب: "مكان القمر في الفضاء" بالنسبة للأرض والشمس، وبين حساب: "إمكانية رؤية هذا القمر من على نقطة محددة فوق سطح الأرض"؛ إذ إن الضوء المنعكس من على سطح القمر يمر بظروف متعددة -ظاهرة الاستطالة، انكسار وتشتت وانعكاس في الغلاف الجوي-، وهذا يجعل من المستحيل الجزم بالتلازم بين وجود القمر في مكان مناسب وبين الإمكانية العملية للرؤية) (٣). - فالنظرة الفلكية حسابية رياضية مجردة عن النظر في الحالة المناخية والرصد الجوي، وهذا أشرت إليه سابقاً من متخصص في الفلك، وهذا تأكيد له من متخصص في الأرصاد، وسألخص بعض كلامه: (رؤية الهلال بعد ولادته تحديداً لا تستطيع المعادلات الرياضية ضبطها حالياً سوى بالأسلوب الحتمي ومن جهة واحدة فقط وهنا

стр. 1028

المشكلة … لأنه يلغي من حسابه عدة اعتبارات مهمة … أما الطرف الآخر الظروف المناخية والسطحية … فلم يتم الالتفات لقياسه … ذلك الطرف المناخي المغفل مما أعيا علم الفلك وجعله يتقاطع مع الأرصاد الجوية في نقطة حرجة توقف عندها حتى الآن دون حل … فكثافة الغلاف الجوي، والحرارة، والرطوبة، والآيرسول بأنواعه ومن ضمنه بخار الماء، والغبار، ومعدلات الغازات في الغلاف الجوي، وانعكاس وانكسار الأضواء، تلك العناصر التي تجاهلتها المعادلات الرياضية التي صاغت الحساب الفلكي … تلك العناصر المناخية ليست بنفس الكم والكيف كل مرة … وتتعرض للتذبذب والتغير والتقلب، وتغافلها وتركها وترك متابعتها ضرب من الجنون لا يرضاه العلم الشامل … علم الفلك علم كغيره من العلوم التجريدية يقيس الكون من طرف واحد، وهذه مشكلة أعجزت البشر ولا سبيل لهم إلا بالمقارنة والمحاكاة والتصور والمقاربة والمعاينة والتصحيح كل مرة) (١)، فظاهرة الانكسار تظهر في قلم صغير تأثر بالماء في الكأس، أفلا يتأثر ضوء ضئيل منعكس بهذه العوامل الكثيرة في الكون؟! - لهذا الخلل فقد قال ابن تيمية عن الاعتماد على الحساب في الهلال: (ليست طريقة مستقيمة ولا معتدلة بل خطؤها كثير وقد

стр. 1029

جرب وهم يختلفون كثيرا: هل يرى؟ أم لا يرى؟ وسبب ذلك: أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب فأخطئوا طريق الصواب وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبينت أن ما جاء به الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح كما تكلمت على حد اليوم أيضا وبينت أنه لا ينضبط بالحساب؛ لأن اليوم يظهر بسبب الأبخرة المتصاعدة فمن أراد أن يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر إنما يصح كلامه لو كان الموجب لظهور النور وخفائه مجرد محاذاة الأفق التي تعلم بالحساب. فأما إذا كان للأبخرة في ذلك تأثير والبخار يكون في الشتاء والأرض الرطبة أكثر مما يكون في الصيف والأرض اليابسة. وكان ذلك لا ينضبط بالحساب فسدت طريقة القياس الحسابي … والآخذ بمجرد القياس الحسابي يشكل عليه ذلك) (١). - وهذا النفي لقطعية حساب إمكانية رؤية الهلال، أما في الوقائع الخاصة فإن أهل الحساب يقع بينهم الاختلاف (٢) في (إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي إمكان رؤيته أو [عدمها]، ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته لم يكن إجماعهم حجة؛ لأنهم ليسوا معصومين) (٣). الثالث من الأوجه: قيام دليل مادي على أن الحساب أمر تقديري

стр. 1030

يدخله الغلط كما في النتائج المعاصرة المنشورة، مع تقدم هذا العلم، وسأكتفي بأربع حالات متفرقة: ١/ في هلال الفطر من شهر شوال عام (١٤٠٦ هـ)، أعلن الحاسبون في الصحف باستحالة رؤية هلال شوال ليلة (٣٠) من رمضان، (فثبت شرعاً بعشرين شاهداً على أرض المملكة العربية السعودية في مناطق مختلفة … ورؤي في أقطار أخرى من الديار الإسلامية) (١). ٢/ وفي هلال الفطر لعام (١٤١٣ هـ) توقعت الحسابات عدم الرؤية لغروب القمر قبل الشمس بحوالي نصف ساعة في أنحاء المملكة، (ومع ذلك شوهد في أنحاء مختلفة من المملكة وفي الإمارات كما ورد، وتكاثرت الشهادات حتى بدأ مجلس القضاء الأعلى يرفض الشهادات لأنها أصبحت كثيرة … وبعض من شهد لم يكن خارجاً للرؤية بل نظر للمغرب صدفة فشهد الهلال لم يغرب بعد، والشمس في غروبها) (٢). ٣/ وفي هلال الفطر لعام (١٤٢٨ هـ) نُشرت نتائج الحسابات الفلكية باستحالة رؤية هلال شوال ليلة (٣٠) من رمضان (٣)، وفي ليلة

стр. 1031

(٣٠) صرّح رئيس مجلس القضاء الأعلى صالح اللحيدان برؤية الهلال وقال: (من فضل الله -جل وعلا- وعظيم منته أن رؤية هلال شوال في هذه الليلة لم تقتصر على مكان معين واحد أو اثنين أو ثلاثة، ولم يكن العدد من اثنين أو ثلاثة أو خمسة، بل العدد وصل إلى العشرة … فالرؤيا في عدة أماكن في المملكة في الوسط وفي الشرق) (١). ٤/ أختم بذكر واقعة ذكرها الفلكيون في بيان لهم جاء فيه: ([بيان من الفلكيين (وأعضاء اللجنة العلمية) حول رؤية هلال عيد فطر ١٤٣٢ هـ] ربما لم يشهد أي شهر هجري فيما مضى أخذاً وردّاً حول صحة رؤية الهلال كما شهد شوال ١٤٣٢ هذا، إذْ أعلنت السعودية ومصر والجزائر ثبوت رؤية الهلال يوم الإثنين ٢٩ رمضان ١٤٣٢ هـ الموافق ٢٩ آب/ أغسطس ٢٠١١ م، في الوقت الذي كان

стр. 1032

فيه ٢٢ من الفلكيين المسلمين قد صرحوا في بيان وزّع قبل ذلك بأكثر من أسبوع أن مثل تلك الرؤية لن تكون ممكنة، وكذلك جاءت تصريحات من فلكيين آخرين، هيئات وأفراداً) (١). - وقبل فرض التسليم بقطعية الحساب، لا بد من بيان هزال حمل البينة الشرعية على الكذب أو الغلط، (حيث إن الشهادة عند إثباتها يُسأل الشاهد عن شكل القمر واتجاه فتحته وموقعه من الشمس -هذا نظام المحاكم في المملكة- … ولعل السبيل الوحيد للتأكد من صحتها هو بمقارنة الشهادات بعضها ببعض) (٢). - أما حملها على الكذب (فهذا منهج خطير في اتهام الناس في أماناتهم … لو كذب الراصد في شهادته فستتناقض مع شهادات الراصدين الآخرين … وفتح الباب بالتكذيب يعطي عذراً لغير الحاسبين أن يتهموا الحاسبين بالكذب … حيث أن غالبية العناصر الأولية للحسابات تأتي من عند غير المسلمين، وهم أولى بالتآمر على الإسلام من شاهدي الهلال) (٣)، والاحتمالات المفترضة (لا أثر لها شرعا لإمكان وجودها في غيرها من الشهادات) (٤). - وأما حملها على الغلط، فهذا اختباره سهل بسؤال الرائي عن رؤيته من أهل الخبرة، والتحقق حاصل في محاكمنا، وليست لرؤية

стр. 1033

شخص واحد بل لأكثر من رؤية متكررة في أعوام، فإن لم تتناقض رؤية الرائين عن الواقع الصحيح، استحال أن يكون كوكباً أو مركبة أو حالة جوية أو حالة نفسية، ومع الشهادات الكثيرة في الأعوام المتكررة من المناطق الختلفة وانتفاء التضارب بينها، (فإن الكون يكون -بعد مشيئة الله- قد تآلب على الفلكيين لإثبات خطئهم و … ليس أمام الحاسبين إلا أن يقبلوا بأن هناك عوامل لم يضموها لحساباتهم الفلكية والأمر لايسلم من الخطأ) (١). - وعلى فرض التسليم بقطعية الحساب، فإن هذا السبب مما ألغي في الشرع ف (لو بنى على قول المنجمين وأهل المعرفة بالحساب، فوافق الصواب، لم يصح صومه، وإن كثرت إصابتهم؛ لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه، ولا العمل به، فكان وجوده كعدمه) (٢). - وحقيقة دخول الشهر الشرعية غير حقيقة دخول الشهر الفلكية، وهذا التغاير له نظائر مسلّم بها في مغايرة الحقيقة اللغوية للحقائق الشرعية= فليسلّم به هنا، والمعتمد عند تغاير الحقائق مع الحقيقة الشرعية هو الحقيقة الشرعية إن وجدت ثم اللغوية ثم العرفية. - وإلغاء القطع مع إمكانه، موجود في الشريعة لحِكم مختلفة منها: التيسير وسد الذرائع وغيرهما، فالقاضي لا يقضي بعلمه اليقيني ولو عارض يقينه البينة الظنية، والولد للفراش ولا اعتبار لغير ذلك من حمض نووي قطعي ولا غيره، إلا إن لاعن الرجل لنفي الولد (٣).

стр. 1034

- ومن دلائل إلغاء الاعتماد على الحساب، قصد التخفيف في شهادة الهلال، فدخول رمضان شهادة الواحد تكفي في الشرع مع تخفيف لشروط شهادته في الآثار حيث لم يُسأل الشاهد إلا عن إسلامه، ولو أراد الشارع التشديد لشددّ كما شدّد في الشهادة بالزنا فلم يقبل إلا شهادة الأربعة شهادة صريحة واضحة محققة، فتأمّل كيف سهل في الهلال وهو في الأفق والسعة لجميع الناس، وشددّ في الزنا وهو في الاستتار والضيق ماهو معلوم، فهل يتردّد فقيه أن التيسير هنا مقصود وأن غيره تعسير و تشديد؟!. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فإن نسبة القول بالاعتماد على الحساب الفلكي في دخول الشهر إلى الشذوذ صحيحة، لمخالفته للنص الصريح، ولإجماع الصحابة على عدم العمل به كما نقل اتفاقهم بعض العلماء، وما جاء عن أنس وابن عمر يؤيد ذلك، وأول من روي عنه العمل بالحساب مطرّف بن الشخير ولا يصح عنه، وهو قول نادر عند الحنفية، ورواية شاذة عن مالك، ووجه عند الشافعية، وأقدم من قال به بعد البحث هو ابن سريج (ت ٣٠٦)، وخلاصة رأيه: (جواز اعتماد الحساب للعارف به خاصة، وجواز تقليده إن استفتي)، قال ابن تيمية: (ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً ولا خلاف حديث؛ إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه،

стр. 1035

فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم) (١). ثم اخترع السبكي (ت ٧٥٦) قرينة لرد البينة الشرعية وهي: أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤية الهلال، فإن الشهادة ترد هنا (٢). ثم أحدث أحمد شاكر (ت ١٣٧٧) قولاً لم يسبق إليه -فيما أعلم- ووسّع الخطو: فأوجب إثبات الأهلة بالحساب في كل الأحوال في الإثبات والنفي، وفي الدخول والخروج، وهو أشذ الأقوال في المسألة، ولا أعلم من سبقه إلى إيجاب ذلك، وتبعه القرضاوي على هذا القول، والله أعلم.

стр. 1036

قال ابن خلدون: (فإنّ النّفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر= أعطته حقّه من التّمحيص والنّظر حتّى تتبيّن صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة= قبلت ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة، وكان ذلك الميل والتّشيّع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتّمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله). تاريخ ابن خلدون (١/ ٤٦)

стр. 1037

المبحث الثالث: وجوب الكفارة دون القضاء على من جامع في نهار رمضان متعمداً وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1038

(وليس الطريق أن يُبْنَى الدين على كل لفظٍ جديدٍ بدون النظر إلى التعامل، ومن يفعل ذلك لا يَثْبُت قدمه في موضعٍ، ويخترعُ كل يوم مسألة، فإن توسُّع الرواة معلومٌ، واختلاف العبارات والتعبيرات غير خفيِّ). فيض الباري على صحيح البخاري (٢/ ٣٠٢)

стр. 1039

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الكفّارة لغة: أصلها (يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية) (١)، (والكفّارات سميت كفارات؛ لأنها تكفر الذنوب أي تسترها) (٢)، (وهي فعّالة للمبالغة) (٣). والكفارة في الاصطلاح: (ما وجب على الجاني جبراً لما منه وقع، وزجراً عن مثله) (٤)، (وهي عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة: أي تسترها وتمحوها) (٥). ومن وجب عليه صيام رمضان ثم تعمّد الفطر بالجماع فكفارته: عتق رقبة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، على الترتيب عند الجمهور (٦)، وهل يجب عليه قضاء صيام اليوم الذي أفسده مع الكفارة؟ هذه هي مسألتنا (٧).

стр. 1040

وقبل التفريع أذكر حديث الباب -حتى يكتفى بالإشارة إليه فيما يأتي-، وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: هلكت، يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا، قال: ثم جلس، فأتُي النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا» قال: أفقرَ منا؟ (١) فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك» (٢). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها: ١. … (أجمعوا على أن من أكل ناسياً فظن أن ذلك قد فطّره، فجامع عامداً أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه) (٣)، (وأجمعوا أن من جامع في قضاء رمضان أنه لا كفارة عليه، وأنه يقضي يوما مكانه) (٤).

стр. 1041

٢. و (أجمع الجميع أن من جامع بعد الفجر في رمضان أنه عاصٍ (١)، إذا كان عالماً بالنهي عن ذلك) (٢)، فيلزمه التوبة من هذه الكبيرة (٣)؛ ف (الصائم … ممنوع من الوطء إجماعاً، فإن وطئ في صوم رمضان فقد أفسد صومه) (٤)، وذلك فيمن (جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل … إذا كان عامداً) (٥). ٣. وعليه مع التوبة: الكفارة في قول عامة أهل العلم (٦)، (وشذّ قوم فلم يوجبوا على المفطر عمدا بالجماع إلا القضاء فقط) (٧). ٤. وعليه مع التوبة والكفارة: قضاء ذلك اليوم الذي أفسده، وهو قول جمهور العلماء، (وقال الأوزاعي: إن كفر بالعتق أو بالطعام صام يوماً مكان ذلك اليوم الذي أفطر، فإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء يومه ذلك) (٨)، وقيل: إنه لا يقضي مطلقاً وهو قول

стр. 1042

عند الشافعية مقابل للأصح -ذكره الشافعي في الأم احتمالاً- (١)، وقول ابن حزم (٢)، وأحد قولي ابن تيمية (٣)، وهو رأي ابن القيم (٤)، ورجحه بعض المعاصرين ونُسب قولهم إلى الشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1043

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: مقبل الوادعي (ت ١٤٢٢) (١)، وجميع المعاصرين الذين ذكرتهم في مسألة: (لا إعادة للصلاة لمتعمد ترك أدائها في وقتها) لم يقولوا بذلك هنا ولكلٍّ منهم مأخذ مختلف في الفرق بين المسألتين (٢)، أما ابن حزم وابن تيمية وابن القيم فلم يفرقوا بين المسألتين.

стр. 1044

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذ هذا القول: - ابن رشد (ت ٥٩٥) بقوله عن المفطر عمداً بالجماع: (شذَّ قوم أيضاً فقالوا: ليس عليه إلا الكفارة فقط؛ إذ ليس في الحديث ذكر القضاء، والقضاء الواجب بالكتاب إنما هو لمن أفطر ممن يجوز له الفطر، أو ممن لا يجوز له الصوم … فأما من أفطر متعمداً فليس في إيجاب القضاء عليه نص، فيلحق في قضاء المتعمد الخلاف الذي لحق في قضاء تارك الصلاة عمداً حتى خروج وقتها، إلا أن الخلاف في هاتين المسألتين شاذ) (١).

стр. 1045

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب القضاء مع الكفارة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ بزيادة في حديث كفارة المجامع وهي قوله في آخره: «وصُمْ يوماً واستغفرِ الله» (١)، وفي رواية: «وصم يوماً مكانه» (٢).

стр. 1046

ونوقش هذا الاستدلال: بأن (هذه الزيادة وهي الأمر بالصوم، قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ) (١)، و (وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة، ولم يذكر أحد أمره بالقضاء، ولو كان أَمَره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه) (٢)، (وإنما يصح حديث القضاء مرسلًا) (٣)، (ولا تقوم بالمرسل حجة، وتالله لو صح منها خبر واحد -مسند من طريق الثقات- لسارعنا إلى القول به) (٤). وأجيب عن هذه المناقشة: أن (مرسلات سعيد بن المسيب … حجة عند الفقهاء، وكتاب الله

стр. 1047

يشهد بصحته، وهو قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولا تبرأ الذمة إلا بيقين الأداء وهو قضاء اليوم مع الكفارة) (١). ويمكن الجواب عن هذا الجواب: - بأن الاحتجاج بمرسل سعيد -على التسليم به- ليس فيما عُلم خطؤه من الروايات كالشاذ والمنكر، والشافعي أشهر من عرف باحتجاجه بمرسل سعيد و (الذي يقتضي مذهب الشافعي: أنه جعل لسعيد مزية في الترجيح بمراسيله خاصة؛ لأن أكثرها وجد متصلاً من غير حديثه، لا أنه جعلها أصلاً يحتج به) (٢). - والاستدلال بالآية محل نظر؛ لأنها في المفطر لعذر من مرض أو سفر، فلا يقاس عليه غير المعذور، والشيء يقاس على نظيره وليس على نقيضه، وقد سبق نقاش مثل هذا القياس في تأخير الصلاة للمتعمد. ٢/ ومن أدلتهم: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. قال ابن بطال (ت ٤٤٩): (وقد أجمعت الأمة على أن من ترك يومًا من شهر رمضان عامدًا من غير عذر أنه يلزمه قضاؤه، فكذلك الصلاة، ولا فرق بين ذلك) (٣). ٢. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (وأجمعت الأمة ونقلت الكافة فيمن لم يصم رمضان عامداً وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرًا وبطراً -

стр. 1048

تعمد ذلك ثم تاب عنه - أن عليه قضاءه، فكذلك من ترك الصلاة عامداً) (١). ٣. قال البغوي (ت ٥١٦): (أجمعت الأمة على أن من جامع متعمداً في نهار رمضان يفسد صومه، وعليه القضاء، ويعزر على سوء صنيعه) (٢)، وقال في المفطر عمداً: (فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوما مكانه) (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بعدم التسليم من وجهين، الوجه الأول: يقال لمن استدل بالإجماع: (أوجدونا عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ فمن دونهم صرح بذلك، ولن تجدوا إليه سبيلاً، وقد أنكر الأئمة كالإمام أحمد والشافعي وغيرهما دعوى هذه الإجماعات التي حاصلها عدم العلم بالخلاف لا العلم بعدم الخلاف، فإن هذا مما لا سبيل إليه إلا فيما علم بالضرورة) (٤). ويمكن الجواب عن هذا الوجه: - بأن هذا نقاش في أصل الاستدلال بالإجماع وليس هو السبيل هنا

стр. 1049

مع من يستدل بالإجماع وإلا وقع في التناقض، والسبيل أن يثبت من خالف ذلك الإجماع، أما دعوى أن الإجماع المقبول هو العلم بعدم الخلاف فلعل هذا مما تأثر به ابن القيم بابن حزم، ونقضه شيخه ابن تيمية بقوله: (دعوى الإحاطة بما لا يمكن الإحاطة به، ودعوى أنَّ الإجماع الإحاطي هو الحجة لا غيره، فهاتان قضيتان لا بد لمن ادعاهما من التناقض إذا احتج بالإجماع، فمن ادَّعى الإجماع في الأمور الخفية بمعنى أنه يعلم عدم المنازع، فقد قفا ما ليس له به علم، وهؤلاء الذين أنكر عليهم الإمام أحمد، وأما من احتج بالإجماع بمعنى عدم العلم بالمنازع، فقد اتبع سبيل الأئمة، وهذا هو الإجماع الذي كانوا يحتجون به في مثل هذه المسائل) (١)، وأبعد منه أن يُتطلب في الإجماع صريح كلام كل مجتهد في العصر، فهذا لا وجود له في الواقع. الوجه الآخر: - أن هذا الإجماع مخالف للرواية المشهورة: «من أفطر يوماً من رمضان، من غير رخصة، لم يجزه صيام الدهر» (٢)، روي مرفوعاً، وموقوفاً عن أبي بكر (٣)،

стр. 1050

وعلي (١)، وأبي هريرة (٢)، و ابن مسعود (٣) ﵃. - فالمرفوع ضعيف، والموقوف صحيح خاصة عن ابن مسعود، وقد اختصر ذلك البخاري بالإشارة حين قال: (باب إذا جامع في رمضان، ويُذكر عن أبي هريرة رفعه: «من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر وإن صامه» وبه قال ابن مسعود) (٤)، فذكر الرفع بصيغة التمريض وجزم بالموقوف على

стр. 1051

ابن مسعود، ثم ذكر الرأي الآخر بقوله: (وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وحماد: يقضي يوماً مكانه) (١). - قال ابن حجر: (والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالآثار التي ذكرها إلى أن إيجاب القضاء مختلف فيه بين السلف … وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنه لا يصح لكونه لم يجزم به عنه، وعلى تقدير صحته فظاهره يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته … ) (٢). - قال ابن القيم: (فهذه الرواية المعروفة فأين الرواية عنه أو عن أصحابه: من أفطر رمضان أو بعضه أجزأ عنه أن يصوم مثله) (٣). ونوقش هذا الوجه: - بأن معنى: «لم يقضه» هنا أي: (لم يجد فضيلة الصوم المفروض) (٤)، والمراد هو التغليظ والإنذار بما لحقه من الإثم وفاته من الأجر، وليست صريحة بنفي القضاء (٥)، فهو (مأمور بالقضاء، غير مدرك بذلك القضاء ما كان يصيبه لو صامه في عينه) (٦)، (ولا مثله يرجى أبداً، فلم يبق إلا أن يقابل يوم بيوم ويقابل عظيم الذنب بخالص التوبة) (٧)، (فلو صام الدهر كله؛ لم

стр. 1052

يقض عنه حق ذلك المعين، لكن وجب عليه صوم يوم؛ لأنه أحد الواجبين والتعيين هو الواجب الآخر؛ ففوات أحدهما لا يوجب سقوط الآخر) (١). - ولذلك صح صريحاً عن جماعة من التابعين ذِكْرُ القضاء، كما قال البخاري: (وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وحماد: يقضي يوماً مكانه) (٢) قلت: وصح ذلك عن ابن سيرين أيضاً (٣)، بل سئل جابر بن زيد -وهو الذي قال عنه ابن عباس: تسألوني وفيكم جابر بن زيد (٤) -: ما بلغك فيمن أفطر يوماً من رمضان ما عليه؟ قال: (ليصم يوماً مكانه، ويصنع مع ذلك معروفاً) (٥)، ولا تجد عنهم ولا عن الصحابة ما هو صريح بنفي القضاء عن متعمد الإفطار بالجماع أو غيره (٦).

стр. 1053

٣/ ومن أدلتهم (من جهة النظر والقياس: أن الكفارة عقوبة للذنب الذي ركبه، والقضاء بدل من اليوم الذي أفسده، فكما لا يسقط عن المفسد حجه بالوطئ البدل إذا أهدى، فكذا قضاء اليوم) (١)، و (كما لو أفسده بالأكل، أو أفسد صومه الواجب بالجماع، فلزمه قضاؤه، كغير رمضان) (٢)، ووجوب صيام الشهر كاملاً ثابت بيقين فلا يسقط إلا بيقين. المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم القضاء لمن جامع متعمداً دون عذر في نهار رمضان: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٤). وجه الاستدلال: - أن الله تعالى (افترض تعالى رمضان -لا غيره- … فإيجاب صيام غيره بدلاً منه إيجاب شرع لم يأذن الله تعالى به، فهو باطل … - ولا فرق بين أن يوجب الله تعالى صوم شهر مسمى فيقول قائل: إن صوم غيره ينوب عنه -بغير نص وارد في ذلك -: وبين من قال: إن الحج إلى غير مكة ينوب عن الحج إلى مكة، والصلاة إلى غير الكعبة تنوب عن الصلاة إلى الكعبة، وهكذا) (٥).

стр. 1054

ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن هذا دور في محل النزاع ويُمكن أن يقلب، فتحريم الواجب مثل عكسه إلا بالبرهان، وهو المطلوب هنا، وقد أوجب الله صيام شهر رمضان، وثبوته في الذمة لانزاع فيه (١)، ونازع من نازع في القضاء، لكن (من لزمه حق لله أو لعباده لزمه الخروج منه … «دَيْنُ الله أحق أن يقضى» (٢)، (ولا معارض لهذا العموم) (٣). - وما وجب من الفرائض بإجماع لا يسقط إلا بإجماع مثله أو سنة ثابتة لا تنازع في قبولها وفي دلالتها (٤). - أما مساواة قضاء الصوم لمن تعمد إفساد صومه بجماع بالحج إلى غير مكة أو الصلاة إلى غير القبلة، فهذا افتراض ساقط؛ والأولى مساواة القضاء بمن أفسد حجه بجماع (٥)، وجعل العبادة المؤقتة بمكان كالعبادة المؤقتة بزمان= فيه فرق، فقد جعل الله لما وقّت بزمن بدلاً، كما قضى ﷺ بعض الصلوات بعد خروج وقتها، وكما

стр. 1055

شُرع قضاء رمضان في عدة من أيام أخر، ولم يجعل لما ذكر من الحج و الصلاة الواجبة بدلاً في المكان والتوجه. ٢/ واستدلوا أيضاً: بحديث الباب في الصحيحين (١) في كفارة المجامع في نهار رمضان، ففيهما ثلاثة أمور ليس منها القضاء (وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد أمره بالقضاء ولو كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه) (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ (لما لم يأمره به دل على أن القضاء لم يبق مقبولاً منه) (٣)، (ولم يأت في فساد الصوم بالتعمد للأكل أو الشرب أو الوطء: نص بإيجاب القضاء، وإنما افترض تعالى رمضان لا غيره) (٤). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - أما عدم ذكر القضاء في الدليل الخاص وهو حديث المجامع لا يلزم منه عدم ذلك في الأدلة (فلا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم) (٥)، ولذلك تجب التوبة على متعمد الفطر بالجماع مع الكفارة، وهو غير مذكور في حديث المجامع. - وأما النفي العام فهو محل النزاع، لكن (نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي المدلول، فكيف وقد قدمنا أن الدليل
следующие страницы →