← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الحِسَابُ في اللغة: (استعمال العدد) (١)، وهو مصدر حسَبَ يحسُب حِساباً وحِسابةً وحِسبة (٢)، قال الله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٣)، قال ابن كثير: (فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام) (٤). والحساب في الاصطلاح لا يخرج عن الحساب في المعنى اللغوي، وهو في كل باب وفنّ بحسبه من العد، فحساب الزكاة وحساب الفرائض مثلاً فيهما العد عن طريق أصول وقواعد يتوصل بها إلى استخراج المجهولات العددية، والحساب (منفعته: ضبط المعاملات، وحفظ الأموال، وقضاء الديون، وقسمة التركات، ويحتاج إليه في العلوم الفلكية، وفي المساحة، والطب) (٥). أما الحساب الفلكي (٦) فالمقصود به: (معرفة مسارات النجوم

стр. 982

والكواكب، وعدّ أيام سيرها، ومعرفة مواقيت سيرها، وغيابها وظهورها) (١)، والمراد بالعمل بالحساب هنا: (حساب سير القمر في منازله، لتثبيت وقت اجتماعه بالشمس ووقت انفصاله عنها، ووقت إمكانية الرؤية وعدمها، والبعد بين النيّرين، ووقت مكث الهلال في الأفق وغير ذلك حتى يمكن أن يعرف به متى يُرى الهلال في الأفق في أوائل الشهور القمرية) (٢)، (والحاسب: وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سَيره، في معنى المُنجّم: وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني) (٣)، و (إذا لم يُعمل بقول الحاسب فمن باب أحرى أن لا يعمل بقول المنجم) (٤). والحساب مقدماته ليست عقلية بل (هو مبني على أرصاد وتجارب طويلة، وتسيير منازل الشمس والقمر، ومعرفة حصول الضوء الذي فيه بحيث يتمكن الناس من رؤيته) (٥) (ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النزر اليسير) (٦)، و (من المهم أن نفرق في البداية بين نوعين من الحساب المتعلق بالهلال … :

стр. 983

١ - حساب موقع القمر الحقيقي: وهو حساب يعتمد على قوانين الجاذبية … وتبعا لهذا القانون يعرف موقع القمر بالنسبة للأرض بدقة عالية جدا، لكن هذا الموقع هو حقيقة مكان القمر، لا ما يراه الراصد بعينه … وكما نعلم أن الشارع أمرنا أن نرى الهلال كما يظهر في السماء لا كما هو على حقيقته … وهي صورة الهلال الوهمية الناتجة بسبب أثر الانكسار الجوي أو غيرها، فيكون حساب موقع القمر الحقيقي غير صالح لحساب هلال أول الشهر، بالرغم من دقته العالية … ٢ - حساب رؤية القمر: وهذا النوع يعتمد على النوع الأول من الحساب، ولكن يُضيف أثر الانكسار، ليعطينا موقع القمر كما يمكن أن يُرى بالعين المجردة … سيكون حساب أثر الغلاف الجوي بدقة عالية من الأمور شبه المستحيلة، حيث لو افترضنا وجود عاصفة رملية على بعد خمسة كيلومترات عن الراصد للهلال فإنه لن يشعر بها، وسيكون من الصعب إدخالها في حساباته للهلال … لكن هذا ليس خطأ في الحساب بل هو نقص في الفرضيات الابتدائية للحساب) (١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها: ١. … (أجمعوا على أن الكافة إذا أخبرت برؤية الهلال أن الصيام

стр. 984

والإفطار بذلك واجبان) (١). ٢. و (لا خلاف أن الشهر العربي قد يكون ثلاثين يوماً، ويكون تسعة وعشرين) (٢). ٣. و (لا يجب شهر رمضان إلا برؤية الهلال أو بإكمال شعبان ثلاثين يومًا، وهذا مذهب كافة أهل العلم) (٣). ٤. ورؤية الهلال بالمراصد الفلكية، رؤية معتبرة وليست من الحساب كما جاء ذلك في قرار لهيئة كبار العلماء بالسعودية (٤)، وبيان للمجمع الفقهي الإسلامي (٥). ٥. أما الحساب الفلكي لإثبات الأهلة عند العلماء فقد (اتفقت كلمتهم -أو كادت- على … أنه لا يُعتبر حساب منازل القمر ولا حسابُ

стр. 985

المنجّم، إلا شيئاً يحكى في مذهب الشافعي: أنه يجوز للحاسب أو المنجّم أن يعمل في نفسه بحسابه، وإلا شيئاً آخر عندهم: أنه يجوز لغيرهما تقليدهما … ) (١)، ونسب الجواز إلى مطرف بن عبدالله (٢)، وابن سريج (٣)، وابن قتيبة (٤)، وحُكم على هذا الرأي بالشذوذ، واعتبار الحساب قال به بعض المعاصرين، بل قال بعضهم بوجوبه، وهذا الرأي هو المراد بحثه وتصحيح نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 986

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: ١/ القائلون بوجوب الأخذ بالحساب في الإثبات والنفي: - المحدث أحمد شاكر (ت ١٣٧٧) (١)، أوجب إثبات الأهلة بالحساب

стр. 987

في كل الأحوال (الإثبات والنفي، والدخول والخروج)، وهو رأي د. يوسف القرضاوي (١). ٢/ القائلون بوجوب الأخذ بالحساب في النفي دون الإثبات: - الشيخ عبدالله المنيع (٢) أوجب الأخذ بالحساب في نفي إمكانية

стр. 988

رؤية الهلال، وبنحو قوله قال الفقيه ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (١)، وهو ظاهر مايميل إليه جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢) (٢)، وهو رأي دار الإفتاء المصرية (٣). ٣/ القائلون بجواز الأخذ بالحساب في الإثبات والنفي: - الشيخ محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤) (٤)، والشيخ محمد بخيت المطيعي (ت ١٣٥٤) (٥)،

стр. 989

والشيخ مصطفى الزرقاء (ت ١٤٢٠) (١).

стр. 990

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة النص الصريح. ٢/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقهما في المطلب الرابع. ٣/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذ هذا الرأي: - ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (ولم يتعلق أحد من فقهاء المسلمين فيما علمت باعتبار المنازل في ذلك وإنما هو شيء روي عن مطرف بن الشخير وليس بصحيح عنه -والله أعلم-، ولو صح ما وجب اتباعه عليه لشذوذه ولمخالفة الحجة له) (١). - وابن العربي (ت ٥٤٣) بقوله: (وقد زلّ بعض المتقدمين فقال: يعول على الحساب بتقدير المنازل، … وقد زلّ أيضاً بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يعول على الحساب وهي عثرة لا لعاً لها) (٢)، وقال -عن المنقول عن ابن سريج باعتبار الحساب لمن يعرفه، وإكمال الشهر لمن لايعرفه-: (وهذه هفوةٌ لا مردَّ لها، وعثرةٌ لا إقَالَةَ فيها، وكبوة لا استقالةَ منها، ونبوة لا قُربَ معها، وزلَّةٌ لا استقرارَ بعدها، أَوْهٍ يا ابنَ سُرَيج! أين استمساكك بالشَّريعة! وأين صوارمك السُّرَيْجِيّة؟ تسلك هذا المضيق في غير طريق، وتخرج إلى الجهل بعد العلّم والتّحقيق، ما لمحمد

стр. 991

والنّجُوم!، ومالك للترامي هكذا والهجوم، ولو رُوِّيتَ من بحر الآثار، لانجلى عنك الغُبَار، وما خَفِيَ عليك في الرُّكُوبِ الفرس من الحمار) (١). - ابن هبيرة (ت ٥٦٠) بقوله: (واتفقوا على أنه لا اعتبار بمعرفة الحساب والمنازل في دخول وقت الصوم على من عرف ذلك ولا على من لم يعرفه … خلافاً لابن سريج من الشافعية … على أن ابن سريج إنما قال هذا في ما يظن من الاحتياط للعبادة، إلا أنهم شذوه منه) (٢). - وابن تيمية (ت ٧٢٨) بقوله: (ما أجمع عليه المسلمون- إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين المسبوقين بالإجماع- من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم من الروم والفرس، والقبط، والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى) (٣)، وقوله: (ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً ولا خلاف حديث؛ إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم) (٤)، وقال: (المعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب) (٥).

стр. 992

- وعليش (ت ١٢٩٩) بقوله: (ومن المعلوم أنه يجب الاقتصار في القضاء، والفتوى، والعمل على المشهور أو الراجح، وطرح الشاذ، والضعيف، وبالجملة لا ننكر وجود رواية بجواز العمل بالحساب عندنا، وعند الشافعية بل نعترف بها في المذهبين، ولكنها شاذة فيهما، ومقيدة بخاصة النفس، وبالغيم) (١). - واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بقولهم: (فوجب على المسلمين المصير إلى ما شرعه الله لهم على لسان رسوله ﷺ من التعويل في الصوم والإفطار على رؤية الهلال وهو كالإجماع من أهل العلم، ومن خالف في ذلك وعول على حساب النجوم فقوله شاذ لا يعول عليه) (٢). - وابن باز (ت ١٤٢٠) بقوله: (أجمع العلماء من أصحاب النبي ﷺ ، ومن تبعهم بإحسان إلى أنه لا يعتمد الحساب في الرؤية … وحكى بعضهم خلافًا شاذًّا في ذلك) (٣)، وقال: (ومن خالف في ذلك من المعاصرين فمسبوق بإجماع من قبله وقوله مردود؛ لأنه لا كلام لأحد مع سنة رسول الله ﷺ ولا مع إجماع السلف) (٤). - وبكر أبوزيد (ت ١٤٢٩) بقوله: (إجماع المسلمين منعقد على عدم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور. وأن الخلاف الحاصل: حادث، ثم هو ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند من قال به. ثم إنه وقعت في حكايته أغاليط، وأن كلمة المحققين والحفاظ على

стр. 993

أن الخلاف الحادث في هذا شاذ تنكبه الأئمة) (١). - وصالح بن محمد اللحيدان بقوله: (السبكي صاحب المقولة الشاذة في رد الشهادة إذا خالفها الحساب) (٢)، وقوله: (القول برد الشهادة لقول الحاسب قول مردود كفانا السلف الصالح مؤنة معاناة رده، وحكوا لنا الإجماع على ذلك، وما وجد من شذوذ بعد الإجماع فهو مردود لا يعول عليه) (٣). - وعبدالله المنيع بقوله: (لا شك أن علماء الأمة الإسلامية إلا من شذَّ مجمعون على أن دخول شهر رمضان وخروجه لايتم إلا برؤية الهلال لا بالحساب الفلكي) (٤).

стр. 994

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم جواز الاعتماد على الحساب في دخول الشهر: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له» (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» (٢)، وغيرهما. وجه الاستدلال: - هذا الحديث (أصل في اعتبار الشهر ثلاثين، إلا أن يرى قبل ذلك الهلال) (٣)، (فعلق حكمه بأحد شرطين، لا ثالث لهما) (٤) الرؤية أو الإكمال، فأمر بالصوم والإفطار للرؤية، بل حصرها فيه:

стр. 995

«لاتصوموا حتى تروا» وهو نص في المسألة، و عند عدم الرؤية للغيم= أمر بإكمال عدة شعبان ثلاثين، (ولم يقل فسلوا أهل الحساب) (١)، (فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي فلا يثبت الحكم … - ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سبباً للصوم قوله ﷺ «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾) (٢). - فكان هذا تشريعاً ربانياً عاماً للحاضر والباد إلى يوم القيامة، ولو كان هناك أصل آخر للتوقيت لأوضحه لعباده؛ وماكان ربك نسياً (٣)، و (من اعتبر الحساب الفلكي شرطاً لصحة الرؤية فقد استدرك على الله، ورسوله ﷺ (٤). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن قوله: «فاقدروا له» يدل على الحساب، (أي قدّروا الشهر بالمنازل يعني منازل القمر) (٥)، (الّتي أخبر الله عنها بقوله:

стр. 996

﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾) (١). - والجمع بينه وبين اللفظ الآخر: أن قوله: «فاقدروا له» (خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقوله: «فأكملوا العدة» خطاب للعامة التي لم تعن به) (٢). - و (يمكن حمل اختلاف الحالين على اختلاف الأوقات، فإذا وُجد الحاسبون عُمل بقولهم؛ لأنه علم يقيني قطعي، وإن لم يوجدوا أكملت عدة الشهر ثلاثين بشرطه؛ إذ لا يمكن الاتفاق على غيره) (٣). وأجيب عن هذه المناقشة: - (بأن كلام النبي ﷺ وخطابه للأمة يحمل على معهود العرب في كلامهم وخطابهم، ولم يعهد من الصحابة الرجوع إلى الحساب، ولا كان من عادتهم ذلك، فحمل كلامه على الأمر بتقدير سير الكواكب أو القمر بعيد عما ألف لديهم) (٤). - و (التقدير يكون بمعنى التمام. قال الله عز: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أي: تماماً) (٥). - وحمل التقدير في حديث ابن عمر على الحساب وإن كان مما يحتمله اللفظ، إلا إنه (ضعيف جدّاً) (٦)؛ لأن التقدير في حديث

стр. 997

ابن عمر مفسّر ب (الروايات الاُخر المصرحة بالمراد وهي ما تقدم من قوله: «فأكملوا العدة ثلاثين»، ونحوها، وأولى ما فسّر الحديث بالحديث) (١). - فحديث ابن عمر جاء في بعض رواياته: «فاقدروا له ثلاثين»، وحديث أبي هريرة رواياته كلها تدل على هذا التأويل (٢)، والشيخان (البخاري ومسلم) جعلا حديث أبي هريرة بعد حديث ابن عمر، ومالك جعل بعد حديث ابن عمر حديث ابن عباس: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٣)، والنكتة في ذلك: (ليكون كالمفسّر له، والرافع لإشكاله؛ تهذيباً للتأليف، وإتقاناً للعلم) (٤)، وبذلك صرّح بالترجمة بعض من أخرج حديث أبي هريرة (٥). - وهذا التفسير اللفظي مؤيد بالتفسير الفعلي النبوي كما جاء عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه، عد ثلاثين يوماً ثم صام» (٦).

стр. 998

- (فاتضح أن رواية فاقدروا له، هي مثل رواية: فاقدروا له ثلاثين، وهما بمعنى: فأتموا العدة ثلاثين، وفي التنزيل: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أي: تماماً) (١)، وقوله ﷺ : «فاقدروا له» (معناه عند المحققين فأكملوا المقدار) (٢)، وعلى ذلك (جمهور السلف والخلف إلى أن معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين) (٣)، ف (المطلق يحمل على المقيد؛ ولأن معناه اقدروا له قدره، أي: مقداره وهو ثلاثون، لذلك لا يجئ شهر تسعة وعشرين إلا ناقصاً) (٤). - وأقرب من تأويله بالحساب -على ضعفه- ما (تأولت الحنابلة قوله ﷺ : «فاقدروا له» على الضيق، أي ضيقوا عدة شعبان بصوم رمضان، بأن يجعل تسعاً وعشرين، وهذا يرده قوله في الحديث الآخر: «فأكملوا العدة ثلاثين»، ولهذا أورد مالك في "الموطإ" هذا الحديث عقيب الأول لينبه على أنه كالمفسر له، وقَفَا البخاري أثره في ذلك) (٥). - وأما تأويل ابن سريج بأن قوله: «فاقدروا له» خطاب لمن خصه الله بعلم الحساب فـ (لا يخفى بعده) (٦)، (ولم يوافقه الناس على هذا) (٧)، و (هو تحكم محجوج بالإجماع) (٨)، وليس في السُّنة (خطابان لأمتين إحداهما العددية، والثانية عامة الناس، فكأن وجوب رمضان جعله مختلف الحال، يجب على قوم بحساب

стр. 999

الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إنّ هذا لبعيد عن النبلاء، فكيف عن العلماء؟) (١). - وأبعد من الجمع السابق، الجمع المعاصر الذي جعل الأصل المذكور في الحديث -من إكمال العدة عند عدم الرؤية- حالة خاصة بعدم وجود من يعرف الحساب، فجعل العزيمة المأمور بها: رخصة عند الضرورة! - و (الاختلاف في اللفظ لا يحمل على الاختلاف في المعنى إلا عند تعدد المخارج وتعذر الجمع، كما عليه العمل عند المحدثين وأهل الأصول … كما أن من طريقتهم التي لا اختلاف فيها بينهم حمل المجمل على المفسر، فمثلاً لفظ: «فاقدروا له»، يفسره لفظ «فأتموا العدة ثلاثين» إذ ليس بين المجمل والمفسر تعارض) (٢). - (فوجب أن يحمل المجمل على المفسر، وهي طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليين، فإنهم ليس عندهم بين المجمل والمفسر تعارض أصلا، فمذهب الجمهور في هذا لائح) (٣). - وأيّاً ماكان فإن الاحتمال في اللفظ يرفعه إطباق العلماء على أحد معانيه، فالإجماع على معنى من المعاني يرفع دلالة المجمل من الظن إلى القطع، وهو ما سيظهر في الآتي. ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. ابن المنذر (ت ٣١٩): (فقال في "الإشراف": صوم يوم الثلاثين من

стр. 1000

شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة) (١)، قال ابن حجر معلّقاً: (هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره فمن فرق بينهم كان محجوجاً بالإجماع قبله) (٢). ٢. و قال الجصاص (ت ٣٧٠): (فالقائل باعتبار منازل القمر وحساب المنجمين خارج عن حكم الشريعة. وليس هذا القول مما يسوغ الاجتهاد فيه، لدلالة الكتاب ونص السنة وإجماع الفقهاء بخلافه) (٣). ٣. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (وهو مذهب تركه العلماء قديماً وحديثاً للأحاديث الثابتة عن النبي ﵇ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، ولم يتعلق أحد من فقهاء المسلمين فيما علمت باعتبار المنازل في ذلك، وإنما هو شيء روي عن مطرف بن الشخير وليس بصحيح عنه، والله أعلم) (٤). ٤. وقال الباجي (ت ٤٧٤): (وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله: «فاقدروا له»، أي: قدروا المنازل. وهذا لا نعلم أحداً قال به إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليه) (٥). ٥. وقال أبو الوليد بن رشد (ت ٥٢٠): (لايجوز لأحد أن يعمل في

стр. 1001

صومه وفطره على ذلك فيستغني به عن النظر إلى الأهلة بإجماع من العلماء) (١). ٦. وقال ابن الحاجب (ت ٦٤٦): (ولا يلتفت إلى حساب المنجمين اتفاقاً، وإن ركن إليه بعض البغداديين) (٢). ٧. وفي الفروق للقرافي (ت ٦٨٤): (قال سند من أصحابنا: فلو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع؛ لإجماع السلف على خلافه) (٣)، قال القرافي: (مع أن حساب الأهلة والكسوفات والخسوفات قطعي) (٤). ٨. وقال القرطبي (ت ٦٧١): (وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله: «فاقدروا له» أي: قدروا المنازل. وهذا لا نعلم أحداً قال به إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليهم) (٥). ٩. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق

стр. 1002

الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم) (١)، وقال: (ما أجمع عليه المسلمون- إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين المسبوقين بالإجماع- من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب) (٢)، وقال: (ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً ولا خلاف حديث؛ إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم) (٣). ١٠. وقال السبكي (ت ٧٥٦): (أجمع المسلمون -فيما أظن- على أنه لا حكم لما يقوله الحاسب من مفارقة الشمس، إذا كان غير ممكن الرؤية لقربه منها، سواء كان ذلك وقت غروب الشمس أم قبله أم بعده) (٤). ١١. وفي حاشية ابن عابدين (ت ١٢٥٢): «قوله: ولا عبرة بقول المؤقتين)

стр. 1003

أي: في وجوب الصوم على الناس، بل في المعراج: لا يعتبر قولهم بالإجماع، ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه) (١). ١٢. وقال عِليش (ت ١٢٩٩): (انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز لأحد أن يعول في صومه وفطره على الحساب مستغنياً عن النظر إلى الأهلة) (٢). ١٣. وقال صديق حسن خان (١٣٠٧): (قال صاحب سبل السلام: التوقيت في الأيام والشهور والسنوات بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة، فلا يمكن عالم من علماء الدنيا أن يدعي أن ذلك كان في عصره ﷺ أو عصر خلفائه الراشدين، وإنما هو بدعة لعلها ظهرت في عصر المأمون حين أخرج كتب الفلاسفة وعرّبها ومنها المنطق والنجوم) (٣). ١٤. وقال محمد بخيت المطيعي (ت ١٣٥٤): (لا اعتبار بقول من قال بوجوب الصوم أو جوازه عند عدم إمكانية رؤيته بعد غروب الشمس؛ لأن ذلك مخالف لما اتفقت عليه كلمة المتقدمين من أنه لايثبت الصوم بمجرد وجوده إذا لم تمكن رؤيته أو تعسرت؛ لاتفاقهم على أن الشارع قد أناط الحكم بالرؤية بعد الغروب) (٤). ١٥. وقال أحمد شاكر (ت ١٣٧٧): (كتب العلماء والفقهاء في إثبات الأهلة … واتفقت كلمتهم -أو كادت- على أن العبرة في ثبوت الشهر بالرؤية وحدها، وأنه لا يُعتبر حساب منازل القمر ولا

стр. 1004

حسابُ المنجّم) (١). ١٦. وقال ابن باز (ت ١٤٢٠): (درس مجلس هيئة كبار العلماء في هذه البلاد هذه المسألة، وأجمع المجلس على أنه لا يصام بالحساب أبدًا، كما أجمع عليه العلماء) (٢)، (إجماع أهل العلم المعتمدين: أن الحساب لا يعول عليه في إثبات الهلال) (٣)، وقال: (هذا هو الحق، وهو إجماع من أهل العلم المعتد بهم) (٤)، (علماء الأمة في صدر الإسلام قد أجمعوا على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور القمرية دون الحساب، فلم يعرف أن أحداً منهم رجع إليه في ذلك عند الغيم ونحوه، أما عند الصحو فمن باب أولى) (٥). ١٧. وبكر أبوزيد (ت ١٤٢٩) بقوله: (إجماع المسلمين منعقد على عدم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور. وأن الخلاف الحاصل: حادث، ثم هو ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند من قال به. ثم إنه وقعت في حكايته أغاليط، وأن كلمة المحققين والحفاظ على أن الخلاف الحادث في هذا شاذ تنكبه الأئمة) (٦). ١٨. وقال صالح اللحيدان: (إن أمة الإسلام مضى لها أكثر من أربعة عشر قرناً، وأجمعت على عدم اعتبار الحساب في إثبات عبادة الصوم والحج، وإذا وجد فرد قد شذ ردوا قوله) (٧). ١٩. وعبدالله المنيع بقوله: (لا شك أن علماء الأمة الإسلامية إلا من

стр. 1005

شذَّ مجمعون على أن دخول شهر رمضان وخروجه لايتم إلا برؤية الهلال لا بالحساب الفلكي) (١). • ويلاحظ في الإجماعات المحكية: أن بعضها يؤكد على أنه إجماع الصحابة وهذا ظاهر، وبعضها يذكر أنه إجماع السلف وأن الخلاف حادث، أو لم يصح، أو صح ولكنه شاذ. ونوقشت حكاية الإجماع: - بعدم التسليم بها، (وقد كان بعض جلة التابعين -فيما حكاه عنه محمد بن سيرين- يذهب في هذا الباب إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب)، وهو رأي ذهب إليه (أبو العباس بن سريج من الشافعية، ومطرف بن عبد الله من التابعين، وابن قتيبة من المحدثين) (٢)، وهو قول في مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (٣). - وعلى فرض التسليم بإجماع السلف على خلاف الحساب، فإنه (يمكن أن السلف لم يعلموا به، واكتفوا بالرؤية، ولم يُجمعوا على منع العمل به) (٤). ويمكن الجواب عن المناقشة بأمور: - بأن (اتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم) (٥)،

стр. 1006

وقد جاء عن أنس وابن عمر أنهما لا يأخذان بالحساب -كما سيأتي- ولم ينقل عن صحابي واحد اعتباره بالحساب، وأما الخلاف بعدهم فبعضه ضعيف و بعضه محتمل. - أما الذي نقله ابن سيرين فهذا نصه، وقد أخرجه عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: (أصبحوا يوماً شاكّين في الصيام، وذلك في رمضان فغدوت إلى أنس بن مالك فوجدته قد غدا لحاجة، فسألت أهله، فقلت: أصبح صائماً أو مفطراً؟ قالوا: قد شرب خريدة، ثم غدا، قال: ثم دخلت على مسلم بن يسار، فدعا بالغداء، قال: فلم أدخل يومئذٍ على رجل من أصحابنا إلا رأيته مفطراً إلا رجلاً واحداً، وددت لو لم يكن فعل قال: وأراه كان يأخذ بالحساب) (١). - وملخص الواقعة: أن ابن سيرين أصبح في يوم شك وذهب إلى أنس بن مالك ﵁ فتأكد من إفطاره، وما ذهب إلى شخص من أصحابهم إلا وجده قد أفطر، إلا شخص واحد -لم يسمه- واستنكر فعله بقوله: (وددت لو لم يكن فعل)، ثم ظن أنه يأخذ بالحساب، وهذا احتمال. - والاحتمال الآخر أنه كان يفعل كما كان يفعل ابن عمر، وقد (كان ابن عمر، إذا كان شعبان تسعاً وعشرين نظر له، فإن رئي فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب، ولا قترة أصبح مفطرا، فإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائماً، قال فكان ابن عمر، يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب) (٢).

стр. 1007

- فهذا أنس لا يأخذ بهذا الحساب كما نقله ابن سيرين، وهذا ابن عمر راوي: «فاقدروا له» لا يأخذ بالحساب كما نقله نافع، وفي ذلك رد على من قال أنهم لم يعرفوا الحساب، وقول ابن سيرين: (وددت لو لم يكن فعل)، وقول نافع (ولا يأخذ بهذا الحساب) دليل أن الترك مقصود، فهو وسيلة غير مشروعة، وللمخالف أن يذكر من خالف من الصحابة فهذا هو الشأن هنا، ولم يذكر، ولم أقف على من خالف من الصحابة. - أما الذي ذكره ابن سيرين وود أنه لم يفعل =فلم أقف على تسميته لكن قال ابن عبدالبر: (قال ابن سيرين: كان أفضل له لو لم يفعل، قال أبو عمر: قيل: إنه مطرف بن عبد الله بن الشخير) (١)، (قيل) بالتمريض، ولذلك قال: (ولم يتعلق أحد من فقهاء المسلمين فيما علمت باعتبار المنازل في ذلك، وإنما هو شيء روي عن مطرف بن الشخير وليس بصحيح عنه والله أعلم، ولو صح ما وجب اتباعه عليه؛ لشذوذه ولمخالفة الحجة له) (٢). - فالمنقول عن مطرف (ت ٨٧) لا يصح، وإن تعين أنه المقصود بأثر ابن سيرين، فابن سيرين لم يجزم بسبب صومه، فيحتمل أنه صام للحساب، ويحتمل أنه صام احتياطاً كما روي عن ابن عمر في الصوم للغيم.

стр. 1008

- وأما المنقول عن ابن قتيبة (ت ٢٧٦)، فأنقله من كتابه وقد قال: (قول النبي ﷺ في الهلال: «إذا غم عليكم فاقدروا له» أي: فقدروا له المسير والمنازل) (١)، وقد تعقّبه ابن عبدالبر بقوله: (وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرّج عليه في هذا الباب) (٢)، -رحمهما الله-، ويحتمل أن يقال: بأن هذا تفسير منه للمعنى اللغوي، واللفظ محتمل لهذا المعنى-كما سبق-، ولا يلزم منه أن يكون ذلك اختياره الفقهي، وبرهان ذلك: أنه صرّح في كتاب له آخر بأن هذا الحديث منسوخ!. - فقد قال في كتابه "الأنواء": (وقال رسول الله ﷺ فى هلال شهر رمضان: «إذا غمّ عليكم فاقدروا له»، رواية ابن عمر. وقال فى حديث آخر: «إذا غمّ عليكم فأكملوا العدّة» رواية ابن عباس. وهذا الحديث ناسخ لحديث ابن عمر. ومعنى «اقدروا له» أي: قدّروا له المسير والمنازل) (٣). - وأما الحنفية والمالكية، فهو قول عند الحنفية نادر (٤)، و رواية

стр. 1009

شاذة عن مالك (١). - وأما المنقول عن الشافعية، فقد أخطأ من نسب ذلك للشافعي، قال ابن عبدالبر: (الذي عندنا في كتبه أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤية فاشية، أو شهادة عادلة، أو إكمال شعبان ثلاثين) (٢)، قال ابن تيمية: (وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه. بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة) (٣)، وقد أكّد هذا النفي بعض الشافعية، فقال العراقي: (لا يعرف ذلك عن الشافعي أصلاً) (٤)، وقال ابن حجر: (والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور) (٥). - أما من بعد الشافعي، فيقول ابن دقيق: (قال به بعض أكابر الشافعية بالنسبة إلى صاحب الحساب. وقد استُشنع هذا) (٦)، فهو وجه مشهور عند الشافعية (٧)، وأشهر وأقدم من قال به: أبو العباس ابن سريج -وسيأتي تحرير قوله-، وهذا الوجه محمول على جواز الصيام فيمن كان يعرف منازل القمر وتقدير سيره إذا علم أن الهلال قد أهل، وليس على الوجوب، قال الرُّوياني: (فلا

стр. 1010

خلاف أنه لا يلزمه به) (١)، هذا في الصحو؛ لأنه قال بعد ذلك: (وقيل: إذا كانت السماء متغيمة فقال أهل العلم بالحساب: لو لم يكن غيم أمكنت رؤية الهلال من طريق الحساب سير القمر فمن لا يعرف الحساب لا يعتمد ذلك، ومن عرفه هل يلزمه أن يصوم؟ وجهان: والصحيح أنه لا يلزمه حتى يثبت عند الحاكم) (٢)، قال النووي: (قال ابن الصباغ أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، وذكر صاحب المهذب أن الوجهين في الوجوب) (٣)، قلت: وقد أجرى صاحب المهذب الوجهين في الوجوب على حالة الغيم. - وفي عمل الحاسب أو المنجم بحسابه وتقليد غيره له أوجه واختلافات، اختصرها النووي بقوله: (فحصل في المسألة خمسة أوجه: أصحها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك لكن يجوز لهما دون غيرهما ولا يجزئهما عن فرضهما، والثاني: يجوز لهما ويجزئهما، والثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجم، والرابع: يجوز لهما ويجوز لغيرهما تقليدهما، والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم والله أعلم) (٤)، واعتصر الدَّميري التلخيص فقال: (لا خلاف أنه لا يجب عليهما الصوم، وهل يجوز لهما؟ فيه طريقان: أصحهما: أنه يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما، وقيل: للحاسب دون المنجم، وقيل: لهما ولغيرهما) (٥)، فالأصح أنه يجوز ولا يجزيء عن الفرض، والمحصل أنه يعتبر به ولا يعتمد عليه وهذا لا إشكال فيه، لكن بعض الشافعية استشكل أنه كيف

стр. 1011

يجوز ولا يجزيء؟ (وصحّح في الكفاية أنه إذا جاز أجزأه، ونقله عن الأصحاب، ورجحه الزركشي تبعاً للسبكي. قال: وصرح به في الروضة فيما يأتي في الكلام على أن شرط النية الجزم، وهذا هو المعتمد) (١). - ومن المهم تحرير رأي ابن سريج (ت ٣٠٦)؛ لأن مَنْ بَعْده إنما (ينزعون من قوس واحدة من قول ابن سريج) (٢)، ورأيه وجه مشهور عند الشافعية، مع اختلافهم في تحريره والتفريع عليه، ولابد من الوقوف على قوله لمعرفة وجهه، وهو من المكثرين من التصنيف إلا أن أكثر كتبه لم تصلنا (٣). - لكن رأيه قد أسنده إليه الأزهري (ت ٣٧٠) (٤) فقال: سمعت أبا الحسن السنجاني (٥) يقول: سمعت أبا العباس بن سريج يقول في توجيه هذين الخبرين (٦): (أن اختلاف الخطابين من النبي ﷺ كان على قدر أفهام المخاطبين، فأمر من لا يحسن تقدير منازل القمر بإكمال عدد الشهر الذي هو فيه حتى يكون دخوله في الشهر الآخر

стр. 1012

بيقين، وأمر من يحسن تقديره من الحسّاب الذين لا يخطئون فيما يحسبون -وذلك في النادر من الناس- بأن يحسبوا ويقدروا، فإن استبان لهم كمال عدد الشهر تسعاً وعشرين كان أو ثلاثين دخلوا فيما بعده باليقين الذي بان لهم. قال: وقال أبو العباس: ومما لا يشاكل هذا أن عوام الناس أجيز لهم تقليد أهل العلم فيما يستفتونهم فيه، وأمر أهل العلم ومن له آلة الاجتهاد بأن يحتاط لنفسه ولا يقلد إلا الكتاب والسنة) (١). - فهذا رأي ابن سريج وخلاصته: (جواز اعتماد الحساب للعارف به خاصة، وجواز تقليده إن استفتي)، ويظهر أنه يوجب ذلك على المجتهد، لولا أن الروياني وابن الصباغ والدميري نقلوا أنه لا خلاف في عدم الوجوب -كما سبق-. - ثم بعد ابن سريج وجد من يقول بقوله من الشافعية، أو بجزء من قوله ومن أشهرهم: ابن دقيق العيد، و السبكي وسأذكر رأيهما فقط، قال ابن دقيق (ت ٧٠٢): (إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى، لولا وجود المانع - كالغيم مثلاً- فهذا يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية بشرط في اللزوم) (٢). - أما السبكي (ت ٧٥٦) فقد فصّل وحررّ، وأفتى وألّف، ففي فتاويه جعل للحساب ثلاث حالات، وهي بنصه مع الاختصار والتهذيب: - الحالة الأولى: إذا قرر أهل الحساب مفارقة الهلال شعاع الشمس

стр. 1013

ويبنى عليه دخول الشهر، فهذا باطل في الشرع قطعاً لا اعتبار به، ووجوده في نفس الأمر معتبر بشرط إمكان الرؤية، وهذا محل مجمع عليه لا خلاف فيه بين العلماء. - الحالة الثانية: إذا دل الحساب على أنه فارق الشعاع ومضت عليه مدة يمكن أن يرى فيها عند الغروب، فقد اختلف العلماء في جواز الصوم بذلك، وفي وجوبه على الحاسب وعلى غيره، ومن قال بالجواز اعتقد بأن المقصود وجود الهلال وإمكان رؤيته، وهذا القول قاله كبار، ولكن الصحيح الأول وهو عدم الوجوب (١). - الحالة الثالثة: أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته ويدرك ذلك بمقدمات قطعية ويكون في غاية القرب من الشمس، ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حساً؛ لأنه يستحيل، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط، فالذي يتجه قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما؛ لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع فضلاً عن أن يقدم عليه والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكناً حساً وعقلاً وشرعاً (٢).

стр. 1014

- قال: (والفقهاء قالوا: لا يعتمد، فإن ذلك إنما قالوه في عكس هذا، وهذه المسألة المتقدمة التي حكينا فيها الخلاف، أما هذه المسألة فلا، ولم أجد في هذه نقلاً ولا وجه فيها للاحتمال غير ما ذكرته) (١)، يعني: إنه حَمَل الإجماع على الحالة الأولى والثانية دون الثالثة، وقال: (ولا يعتقد الفقيه أن هذه المسألة هي التي قال الفقهاء في كتاب الصيام: إن الصحيح عدم العمل بالحساب؛ لأن ذلك فيما إذا دل الحساب على إنكار الرؤية وهذا عكسه. ولا شك أن من قال هناك بجواز الصوم أو وجوبه يقول هنا بالمنع بطريق الأولى، ومن قال هناك بالمنع فههنا لم يقل شيئاً، والذي اقتضاه نظرنا المنع، فالمنع هنا مقطوع به. ولم نجد هذه المسألة منقولة لكنا تفقهنا فيها وهي عندنا من محال القطع مترقية عن مرتبة الظنون، والله أعلم) (٢)، وقال: (المراد أن يخبر مخبر برؤيته مع عدم الإمكان، والإخبار يحتمل الصدق والكذب، والكذب يحتمل التعمد والغلط، ولكل منهما أسباب لا تنحصر، فليس من الرشد قبول الخبر المحتمل لذلك، أو الشهادة به مع عدم الإمكان؛ لأن الشرع لا يأتي بالمستحيلات، وهذه المسألة لم نجدها مسطورة فتفقهنا فيها، ورأينا فيها عدم قبول الشهادة، وإنما سكت الفقهاء عنها؛ لأنها نادرة الوقوع، ولما وقعت في هذا الزمان احتجنا إلى الكلام فيها) (٣)، وقال: (والحامل لنا على تصنيف هذه المسألة أنا رأينا بعض القضاة الكبار يتسرّع في إثبات الهلال وجربنا منه ذلك في عشرين عيداً … فأخرجت هذه الطريقة الفقهية في رد الشهادة إذا كانت

стр. 1015

بشيء مستحيل في العادة صيانة لكلامي أن يحصل في حاكم) (١). - قلت: أما حمل السبكي للإجماع على الحالة الأولى والثانية دون الثالثة فهذا تحكّم، والأصل استصحاب الإجماع في محل الخلاف، وتسميته نفياً لا يغير الحقيقة، إذ هو نفي متضمن للإثبات؛ فمن نفى إمكانية رؤية الهلال بالحساب ورد الشهادة بناء عليه، فقد أثبت اكتمال الشهر بالحساب وهذا إثبات واعتماد على الحساب. - وأما ما ذكر من أن تفقهه وكلامه في المسألة بسبب تسرع القضاة في زمنه، فعلاجه: بالتوثق من الشهادة والشهود، وليس برد البيّنة الشرعية. - وأما زعمه بأنه أول من بحث المسألة في حالتها الثالثة، وأنه لم يسبق إلى الكلام فيها فغير مسلّم، بل تكلّم بها معاصره ابن تيمية، فلتلحق هذه المسألة بشد الرحال للقبور، وطلاق الثلاث وغيرها من المسائل التي خاصم فيها السبكيُ ابن تيمية، فقد نصّ ابن تيمية على الحالة الثالثة في مواضع، وفنّدها شرعياً وفلكياً ومن ذلك قوله: (فإذا كانت الرؤية حكماً تشترك فيه هذه الأسباب التي ليس شيء منها داخلاً في حساب الحاسب، فكيف يمكنه مع ذلك يخبر خبراً عاماً أنه لا يمكن أن يراه أحد حيث رآه على سبع أو ثمان درجات أو تسع) (٢)، وقوله: (رأيت الناس في شهر صومهم وفي غيره أيضاً: منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب: من أن الهلال يرى أو لا يرى. ويبني على ذلك إما في باطنه، وإما في باطنه وظاهره، حتى بلغني أن من القضاة من كان

стр. 1016

يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب: إنه يرى أو لا يرى. فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه) (١)، وقوله: (فقد نهى أن يصام رمضان قبل الرؤية والرؤية الإحساس والإبصار به. فمتى لم يره المسلمون. كيف يجوز أن يقال: قد أخبر مخبر أنه يرى، وإذا رئي كيف يجوز أن يقال: أخبر مخبر أنه لا يرى) (٢)، وقوله: (وأما العقل: فاعلم أن المحققين من أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة أو لا يرى ألبتة على وجه مطرد، وإنما قد يتفق ذلك أو لا يمكن بعض الأوقات، ولهذا كان المعتنون بهذا الفن من الأمم: الروم والهند والفرس والعرب وغيرهم مثل بطليموس الذي هو مقدم هؤلاء ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفاً واحداً ولا حدوه كما حدوا اجتماع القرصين، وإنما تكلم به قوم منهم في أبناء الإسلام: مثل كوشيار الديلمي وعليه وعلى مثله يعتمد من تكلم في الرؤية منهم. وقد أنكر ذلك عليه حذاقهم مثل أبي علي المروذي القطان) (٣). - وقد رد بعض الشافعية على السبكي، وبعضهم تابعه في حالته الثالثة خاصة، وقرر بعضهم الاضطراب في تقرير المسألة عند

стр. 1017

المتأخرين، قال الرملي (ت ٩٥٧): (وما قاله السبكي مردود رده عليه جماعة من المتأخرين … وجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية) (١)، وقال الشربيني (ت ٩٧٧): (لو شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته. قال السبكي: لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية، والظني لا يعارض القطعي، وأطال في بيان رد هذه الشهادة، والمعتمد قبولها، إذ لا عبرة بقول الحساب) (٢). - ونقل قليوبي في حاشيته على شرح الجلال: (بل قال العلامة العبادي: إنه إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤيته لم يقبل قول العدل لرؤيته، وترد شهادتهم بها. انتهى. وهو ظاهر جلي ولا يجوز الصوم حينئذ ومخالفة ذلك معاندة ومكابرة) (٣). - وفي هذه المسألة -كما ترى- بعض الاضطراب في تقريرها حتى جاء في حاشية الجمل: (ولو دل الحساب القطعي على عدم إمكان الرؤية ففيه اضطراب للمتأخرين، والراجح العمل بشهادة البينة) (٤). - والخلاصة: أن (اتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم) (٥) في إثبات الشهر أو نفيه، وورد عدم عمل أنس وابن عمر ﵃ بالحساب ولايعرف لهما مخالف من الصحابة، فـ (الخلاف في المسألة حادث؛ إذ لم يعرف عن صحابي القول به) (٦)، وأول من روي عنه العمل بالحساب مطرّف بن الشخير

стр. 1018

ولايصح عنه، وهو قول نادر عند الحنفية، ورواية شاذة عن مالك، ووجه عند الشافعية، وأقدم من قال به بعد البحث هو ابن سريج (ت ٣٠٦) ورأيه: (جواز اعتماد الحساب للعارف به خاصة، وجواز تقليده إن استفتي)، وينفي بعض الشافعية الخلاف في أنه لايجب ذلك، والسبكي يحمل قول ابن سريج على ما إذا دل الحساب على أن الهلال فارق الشعاع ومضت عليه مدة يمكن أن يرى فيها عند الغروب، وهذه الحالة جوّز ابن دقيق (ت ٧٠٢) العمل بالحساب فيها إن حال دون الرؤية غيم مثلاً، (وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم) (١)، ثم اخترع السبكي (ت ٧٥٦) (٢) قرينة لرد الشهادة وهي: أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤية الهلال، فإن الشهادة ترد هنا؛ لأنها اقترنت بما يكذبها، وقطعية الحساب لا تعارض بظنية الرؤية. المسألة الثانية: أدلة القائلين بالاعتماد على الحساب في دخول الشهر: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث عبدالله ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أُمَّةٌ أُمِّيَّة، لا نكتب ولا نحْسُب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (٣).

стр. 1019

وجه الاستدلال: - أن الأمر باعتماد الرؤية جاء مُعَلَّلاً بعلة منصوصة، وهي أن الأمة «أُمِّيَّةٌ لَا تَكْتُبُ وَلَا تَحْسُبُ»، والعلة تدور مع المعلول، فإذا خرجت الأمة عن أميتها، وصارت تكتب وتحسب، وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده، و لا يرجعوا إلى الرؤية إلا حين يستعصي عليهم العلم بالحساب (١). - (فإن الأمية صفة نقص ليست صفة كمال، فصاحبها بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون ممدوحاً) (٢). - والحديث (تقرير لواقع المسلمين في عهد رسول الله ﷺ وأن الواقع عليهم صفة الأمية، وأن الله لايكلف نفساً إلا وسعها … ولاشك أن الرخص الشرعية يشترط للأخذ بها وجود العذر فإذا انتفى العذر انتفت الرخصة … وقد تغيرت أحوال المسلمين من جهل إلى علم ووجد في المسلمين الكثير من ذوي الاختصاصات) (٣). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم؛ لأن في أمته من يقرأ ويكتب كثيراً، وكان للنبي ﷺ

стр. 1020

كتّاب، وفيهم من يحسب الصدقات، بل بُعث ﷺ بالفرائض التي فيها الحساب، وقد قال الله: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (١)، فالمنفي هو كتاب و حساب خاصين (٢). - وكتاب أيام الشهر وحسابه فائدته= ضبط المواقيت التي يحتاج الناس إليها في تحديد الحوادث والأعمال، كما فعل ذلك غيرنا من الأمم فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب بالجداول أو بحروف الجمل، وكما يحسبون مسير الشمس والقمر، فبين النبي ﷺ أنا أيتها الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب، ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب، فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه. - والنفي إذا كان في سياق الكلام ما يبين المقصود، علم به
следующие страницы →