← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ابن مسعود، ثم ذكر الرأي الآخر بقوله: (وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وحماد: يقضي يوماً مكانه) (١). - قال ابن حجر: (والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالآثار التي ذكرها إلى أن إيجاب القضاء مختلف فيه بين السلف … وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنه لا يصح لكونه لم يجزم به عنه، وعلى تقدير صحته فظاهره يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته … ) (٢). - قال ابن القيم: (فهذه الرواية المعروفة فأين الرواية عنه أو عن أصحابه: من أفطر رمضان أو بعضه أجزأ عنه أن يصوم مثله) (٣). ونوقش هذا الوجه: - بأن معنى: «لم يقضه» هنا أي: (لم يجد فضيلة الصوم المفروض) (٤)، والمراد هو التغليظ والإنذار بما لحقه من الإثم وفاته من الأجر، وليست صريحة بنفي القضاء (٥)، فهو (مأمور بالقضاء، غير مدرك بذلك القضاء ما كان يصيبه لو صامه في عينه) (٦)، (ولا مثله يرجى أبداً، فلم يبق إلا أن يقابل يوم بيوم ويقابل عظيم الذنب بخالص التوبة) (٧)، (فلو صام الدهر كله؛ لم

стр. 1052

يقض عنه حق ذلك المعين، لكن وجب عليه صوم يوم؛ لأنه أحد الواجبين والتعيين هو الواجب الآخر؛ ففوات أحدهما لا يوجب سقوط الآخر) (١). - ولذلك صح صريحاً عن جماعة من التابعين ذِكْرُ القضاء، كما قال البخاري: (وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وحماد: يقضي يوماً مكانه) (٢) قلت: وصح ذلك عن ابن سيرين أيضاً (٣)، بل سئل جابر بن زيد -وهو الذي قال عنه ابن عباس: تسألوني وفيكم جابر بن زيد (٤) -: ما بلغك فيمن أفطر يوماً من رمضان ما عليه؟ قال: (ليصم يوماً مكانه، ويصنع مع ذلك معروفاً) (٥)، ولا تجد عنهم ولا عن الصحابة ما هو صريح بنفي القضاء عن متعمد الإفطار بالجماع أو غيره (٦).

стр. 1053

٣/ ومن أدلتهم (من جهة النظر والقياس: أن الكفارة عقوبة للذنب الذي ركبه، والقضاء بدل من اليوم الذي أفسده، فكما لا يسقط عن المفسد حجه بالوطئ البدل إذا أهدى، فكذا قضاء اليوم) (١)، و (كما لو أفسده بالأكل، أو أفسد صومه الواجب بالجماع، فلزمه قضاؤه، كغير رمضان) (٢)، ووجوب صيام الشهر كاملاً ثابت بيقين فلا يسقط إلا بيقين. المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم القضاء لمن جامع متعمداً دون عذر في نهار رمضان: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٤). وجه الاستدلال: - أن الله تعالى (افترض تعالى رمضان -لا غيره- … فإيجاب صيام غيره بدلاً منه إيجاب شرع لم يأذن الله تعالى به، فهو باطل … - ولا فرق بين أن يوجب الله تعالى صوم شهر مسمى فيقول قائل: إن صوم غيره ينوب عنه -بغير نص وارد في ذلك -: وبين من قال: إن الحج إلى غير مكة ينوب عن الحج إلى مكة، والصلاة إلى غير الكعبة تنوب عن الصلاة إلى الكعبة، وهكذا) (٥).

стр. 1054

ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن هذا دور في محل النزاع ويُمكن أن يقلب، فتحريم الواجب مثل عكسه إلا بالبرهان، وهو المطلوب هنا، وقد أوجب الله صيام شهر رمضان، وثبوته في الذمة لانزاع فيه (١)، ونازع من نازع في القضاء، لكن (من لزمه حق لله أو لعباده لزمه الخروج منه … «دَيْنُ الله أحق أن يقضى» (٢)، (ولا معارض لهذا العموم) (٣). - وما وجب من الفرائض بإجماع لا يسقط إلا بإجماع مثله أو سنة ثابتة لا تنازع في قبولها وفي دلالتها (٤). - أما مساواة قضاء الصوم لمن تعمد إفساد صومه بجماع بالحج إلى غير مكة أو الصلاة إلى غير القبلة، فهذا افتراض ساقط؛ والأولى مساواة القضاء بمن أفسد حجه بجماع (٥)، وجعل العبادة المؤقتة بمكان كالعبادة المؤقتة بزمان= فيه فرق، فقد جعل الله لما وقّت بزمن بدلاً، كما قضى ﷺ بعض الصلوات بعد خروج وقتها، وكما

стр. 1055

شُرع قضاء رمضان في عدة من أيام أخر، ولم يجعل لما ذكر من الحج و الصلاة الواجبة بدلاً في المكان والتوجه. ٢/ واستدلوا أيضاً: بحديث الباب في الصحيحين (١) في كفارة المجامع في نهار رمضان، ففيهما ثلاثة أمور ليس منها القضاء (وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد أمره بالقضاء ولو كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه) (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ (لما لم يأمره به دل على أن القضاء لم يبق مقبولاً منه) (٣)، (ولم يأت في فساد الصوم بالتعمد للأكل أو الشرب أو الوطء: نص بإيجاب القضاء، وإنما افترض تعالى رمضان لا غيره) (٤). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - أما عدم ذكر القضاء في الدليل الخاص وهو حديث المجامع لا يلزم منه عدم ذلك في الأدلة (فلا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم) (٥)، ولذلك تجب التوبة على متعمد الفطر بالجماع مع الكفارة، وهو غير مذكور في حديث المجامع. - وأما النفي العام فهو محل النزاع، لكن (نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي المدلول، فكيف وقد قدمنا أن الدليل

стр. 1056

الذي نفيتموه غير منتف؟) (١)، كما في أدلة القول الأول ففيها الدليل على القضاء. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فالذي يظهر أن الرأي بعدم مشروعية القضاء لمن تعمد الجماع في نهار رمضان غير بعيد عن الشذوذ؛ لمخالفته للإجماع، ولا يعرف من سبق ابن حزم إلى هذا القول إلا مايحتمل من قول ابن مسعود وسيأتي أنه ليس هو قول ابن حزم، أما الشافعي فقد ذكره احتمالاً وصرّح بخلافه، فلا ينسب إليه قول ابن حزم. وأما ظن ابن حزم أن له سلفاً من قول ابن مسعود ﵁: (من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر كله) ونحوه مماروي (٢)، فهذا لم يعرفه السلف من أتباع الصحابة، بل صرّحوا بأن على متعمد الفطر= القضاء، فهذا الشعبي- وقد أدرك خمسمائة صحابي- يقول في رجل أفطر في رمضان: (يصوم يوماً مكانه ويستغفر الله) (٣)، وهذا جابر بن زيد -وهو الذي قال عنه ابن عباس: تسألوني وفيكم جابر بن زيد- يقال له: ما بلغك فيمن أفطر يوماً من رمضان ما عليه؟ قال: (ليصم يوماً مكانه، ويصنع مع ذلك معروفاً)، وهذا محمد بن سيرين -وقد أدرك ثلاثين صحابياً- يقول: (يقضي يوماً ويستغفر الله) (٤)، وهذا

стр. 1057

سعيد بن جبير، و إبراهيم النخعي - وقد كان بصيراً بفقه ابن مسعود- يقولان في رجل أفطر من رمضان يوماً متعمداً؟: (ما ندري ما كفارته، يصوم يوماً مكانه، ويستغفر الله) (١). فهذا هو فهم التابعين، ولم أقف على مخالف منهم، وأما قول ابن مسعود فهو حق، فمن فوت صيام يوم من رمضان منتهكاً لحرمته فأنّى له قضاء ذلك اليوم بفضله العظيم؟!، أما نفي القضاء فليس بظاهر فضلاً عن أن يكون صريحاً في ذلك، بل هو أسلوب فيه تغليظ و إنذار وتهديد بما لحق المتعمد من الإثم وفاته من الأجر، وبنحو هذا الفهم الظاهري للنصوص أبطل ابن حزم صيام من فعل أي معصية من المعاصي، احتجاجاً بالنهي عن الرفث وبقوله ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» (٢). وقد تقدم بحث رأي ابن حزم في: (عدم مشروعية قضاء الصلاة لمن تعمّد ترك أدائها في وقتها بلا عذر)، وظهر للباحث عدم رجحان رأيه، لكنه ليس بشاذ لوجود سلف له، أما هذا الرأي في الصيام فلم أقف على سلف له، والإجماع قبله حجة عليه، ولو قيل بعدم القضاء في الصلاة، لكان القول في الصيام هو القضاء لوجود التفريق بينهما في قضاء الحائض للصوم دون الصلاة. وبعد: فصيام شهر رمضان واجب بيقين، وثبوته في الذمة لمن أدرك الشهر ممن وجب عليه الصوم لا اختلاف فيه، فلا يُخرج منهما إلا بيقين، والله أعلم.

стр. 1058

(وجدت أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه وعلى الحق وإيثاره، فما استعنت على قمع هذه الطوالع الفاسدة وعلى كل خير في الدين والدنيا إلا بما في قوتي من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، وأما من طبع على الجور واستسهاله وعلى الظلم واستخفافه فلييأس [من] أن يصلح نفسه أو يقوّم طباعه أبداً، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود). ابن حزم ﵀ الأخلاق والسير ص (٣٨)

стр. 1059

المبحث الرابع: عدم وجوب القضاء في الحقنة و السعوط للصائم وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1060

(المخوف في زلة العالم تقليده فيها). ابن القيم ﵀ إعلام الموقعين (٢/ ١٣٣)

стр. 1061

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الحقن لغة: (جمع الشيء) (١)، و (كل ما ملأت شيئاً أو دسسته فيه فقد حقنته) (٢)، (واحتقن الدم في جوفه: إذا اجتمع من طعنة جائفة، والحقنة: اسم دواء يحقن به المريض المحتقن) (٣)، أما الحقنة في الاصطلاح فهي: (دواء يُجعل في مؤخَّر الإنسان) (٤). والسَّعوط لغة: (كل شيء صببته في الْأنف من دواء أو غيره) (٥)، وفي الاصطلاح: (دواء يُجعل في الأنف) (٦)، (والسُّعوط -بضم السين-: هو نفس الفعل وهو جعل الشئ في الأنف وجذبه إلى الدماغ) (٧)، ولا يسمى سعوطاً إلا بمجاوزته أقصى الأنف؛ ولذلك ذكروا في سنن الوضوء: المبالغة في الاستنشاق (ولا يجعله سعوطاً) (٨). وهنا تنبيه على أمر مهم وهو: أن الحقنة في عصرنا أوسع استعمالاً

стр. 1062

من الحقنة التي يتكلم عنها الفقهاء، فالحقنة المعاصرة قد تطلق على الحُقن الجلدية و العضلية والوريدية، وهو ما لم يتكلم عنه الفقهاء السابقون (١)، إلا إن أُلحقت الإبر بمداواة الجروح الغائرة، والمقصود بمسألتنا الحقنة الشرجية، علماً أن الحقنة الشرجية كانت تطلق على إدخال ما هو طارد لما في الأمعاء ويذهب الإمساك (٢)، بينما الحقن الشرجية المعاصرة تتوافق معها من حيث الصورة، إلا أنَّ لها استعمالات متعددة، من إخراج محتويات القولون وتنظيفه، أو تغذية المريض، أو معالجة التهاب الأمعاء (٣). والحقنة هناك من كرهها وتفحّشها ولو لغير الصائم، فقد جاء عن عامر الشعبي: (إني لأكرهها للمفطر، فكيف للصائم؟)، وجاء عن مجاهد: (هي طرف من عمل قوم لوط) (٤)، قال خليل بن إسحاق: (قال ابن حبيب في كتاب له في الطب: كان علي وابن عباس ومجاهد والشعبي والزهري وعطاء والنخعي والحكم بن عيينة وربيعة وابن هرمز يكرهون الحقنة إلا من ضرورة غالبة، وكانوا يقولون: لا تعرفها العرب، وهي من فعل العجم وهي ضرب من عمل قوم لوط … قال ابن حبيب: وكان من مضى من السلف وأهل العلم يكرهون التعالج بالحقن إلا من ضرورة غالبة، لا يوجد عن التعالج بها مندوحة) (٥).

стр. 1063

والمراد بمسألتنا: من احتقن أو استعط وهو صائم فهل يؤثر ذلك على صومه فيبطله، ثم يلزمه قضاء ذلك اليوم؟ وقد اختلف بذلك العلماء. (وسبب اختلافهم في هذه هو: قياس المغذي على غير المغذي (١)، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي، فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول لم يلحق المغذي بغير المغذي، ومن رأى أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف سوى بين المغذي وغير المغذي) (٢)، وهنا سبب قد يكون أدق، وهو أن: (الجمهور يرون أن الأصل تفطير كل داخل إلا بدليل، ومخالفوهم يرون أنه لا فطر مما يدخل إلا بدليل) (٣). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها: ١. … (اتفقوا على أن الأكل لما يُغذي من الطعام، مما يستأنف إدخاله في الفم (٤)، والشرب، والوطء، حرام من حين طلوع الشمس إلى غروبها) (٥)، (وأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به، فأما ما لا يتغذى به، فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل

стр. 1064

به. وقال الحسن بن صالح: لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب، وحكي عن أبي طلحة الأنصاري، أنه كان يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب) (١). ٢. قال ابن المنذر: (وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً) (٢)، قال ابن قدامة: (وحكي عن ابن مسعود، وابن عباس، أن القيء لا يفطر) (٣). ٣. وذهب السواد الأعظم من الفقهاء إلى التفطير بإدخال كل عين إلى الجوف (٤)، ومن ذلك أنهم أجمعوا على الإمساك عن الأكل والشرب -كما سبق- و (شرط فيه عامة فقهاء الأمصار مع ذلك= الإمساك عن الحقنة والسعوط) (٥)، وخاصة الحقنة المائعة (٦)، وحكي إجماعاً، وذهب ابن حزم إلى عدم الفطر بالحقنة و السعوط (٧)،

стр. 1065

وذهب بعض المالكية (١) -في قول مقابل للمشهور - (٢)، ووجه شاذ عند الشافعية (٣)، وابن تيمية في أحد قوليه إلى عدم الفطر بالحقنة (٤)، ورجحه بعض المعاصرين ونُسب قولهم إلى الشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1066

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: - القول بعدم التفطير بالحقنة هو الأكثر في المعاصرين، وأبرز من قال به: محمد رشيد رضا (١٣٥٤) (١)، ومحمود شلتوت (ت ١٣٨٣) (٢)، وابن باز (ت ١٤٢٠) (٣)، وسيد سابق (ت ١٤٢٠) (٤)، وابن عثيمين (ت ١٤٢١) (٥)، وكلام

стр. 1067

بعضهم يستثني الحقن المغذية فيفطر بها (١). - أما عدم التفطير بالسعوط، فلم أقف عليه صريحاً عند المعاصرين، لكن لبعض المعاصرين رأي في عدم التفطير بقطرة الأنف (٢)، وهي قريبة منها (٣).

стр. 1068

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: حُكم بعض العلماء عليه بالشذوذ، ولم أقف عليه إلا عند الجصاص (ت ٣٧٠) بقوله: (ومن الناس من لا يوجب في الحقنة والسعوط قضاء، وهو قول شاذ، والجمهور على خلافه) (١)، والجصاص قد يتفرد بمثل هذه الأحكام ولا يتابع عليها، كما سبق في بحث مسألة: (وجوب غسل يدي المستيقظ من النوم قبل غمسها في الإناء)، فلم أقف على حكاية الاتفاق والحكم بالشذوذ إلا عنده.

стр. 1069

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب القضاء لمن احتقن أو استعط وهو صائم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث لقيط بن صبرة ﵁ قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (١). وجه الاستدلال: - (أن استثناءه حالة الصوم للاحتراز عن فساد الصوم، وإلا لم يكن للاستثناء معنى) (٢)، وهو واضح في الإفساد بالسعوط والحقنة مقيسة عليها (٣)، (لأنه يصل إلى الجوف؛ ولأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، ولأنه أبلغ وأولى من الاستعاط) (٤).

стр. 1070

- والحديث (دلّ على أن الإفطار يحصل بدخول المفطر من أي موضع كان … كما [دل] على أن علة الإفطار هي الإدخال، وليست منحصرة على مجرد الأكل والشرب ولا على التغذية) (١)، فالأنف ليس بمنفذ معتاد للأكل والشرب، وما دخل من الأنف لايسمى أكلاً ولاشرباً (٢). - و (لأنه إذا بطل بما يصل إلى الدماغ لسعوط، فلأن يبطل بما يصل إلى الجوف بالحقنة أولى) (٣)، فهو (واصل إلى جوف الصائم باختياره، فيفطره، كالواصل إلى الحلق) (٤). - (ولوجود معنى الفطر وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف) (٥)، (من التغذية أو التداوي) (٦). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن الحديث (ليس فيه أنه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق؛ وإنما فيه إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وسقوط وجوب ذلك عن الصائم فقط) (٧).

стр. 1071

- وعلى فرض التسليم بأن إيصال الماء إلى الجوف عن طريق الأنف يفسد الصوم فقياس غير الأنف عليه (قياس ضعيف وذلك؛ لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك الماء ويزول العطش ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء، فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب، فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر فليس هو مفطرا ولا جزءا من المفطر لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى الفطر وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة) (١). - و (الحقنة لا تغذي بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شمّ شيئاً من المسهلات، أو فزع فزعاً أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة) (٢). - و (الصائم نهي عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوي، فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء لا عن حقنة) (٣). - (فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف، معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا) (٤).

стр. 1072

- ويمكن قلب الاستدلال بالقياس (فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور والدهن ونحو ذلك، لجامع ما يشتركان فيه: من أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن ويستحيل في المعدة دماً، وهذا الوصف هو الذي أوجب أن لا تكون هذه الأمور مفطرةٍ، وهذا موجود في محل النزاع، والفرع قد يتجاذبه أصلان فيلحق كلاً منهما بما يشبهه من الصفات). وأجيب عن المناقشة: - أما القول: بأن الحديث ليس فيه إلا إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وعدم وجوبها للصائم كما ذكر ابن حزم، فهذا تفريغ للحديث من دلالته على نهي الصائم عن المبالغة؛ لأنه مظنة تفطير الصائم. - وفيه مخالفة فقهية بقوله بوجوب المبالغة في الاستنشاق على غير الصائم فخالف بذلك العلماء، ومخالفة أصولية بحمله المبالغة في الاستنشاق للصائم على الإباحة، فخالف جمهور الأصوليين: من أن الاستثناء بعد الإثبات محمول على النهي. - والحديث يدل على خلاف استنباطه؛ فالاستنشاق مأمور به أبداً، لم ينه عنه في حال فدلّ على وجوبه في حال الصوم والفطر، أما المبالغة فنهي عنها في حال دون حال، ولو كانت واجبة، لما فرّق النبي ﷺ بين الحالين (١). - والجواب عن مجمل ماذكره ابن تيمية واعتراضه على القياس: بأن جمهور العلماء لم يحتجوا للقول بتفطير ماوصل إلى الجوف بمجرد

стр. 1073

القياس على المبالغة في الاستنشاق، بل حجتهم مع ذلك: مادلّ عليه عموم الأمر بالصوم وهو الإمساك عن الإدخال إلى البدن كما هو مقتضى اللغة العربية، وهو ما ذهب إليه ثلاثة من الصحابة -كما سيأتي-، فضعف القياس لا يعني ضعف القول لتعدد الأدلة (١). - يقوي ذلك قول ابن عباس ﵁: (الفطر مما دخل وليس مما يخرج) (٢)، وترجم له البيهقي: (باب الإفطار بالطعام وبغير الطعام إذا ازدرده عامدًا أو بالسعوط والاحتقان، وغير ذلك مما يدخل جوفه باختياره) (٣). - وقول أبي هريرة ﵁: (إذا قاء فلا يفطر إنما يُخرج ولا يُولج) (٤)، وقول ابن مسعود ﵁: (إنما الصيام مما دخل، وليس مما خرج، والوضوء مما خرج، وليس مما دخل) (٥)، ولا يعرف لهم مخالف إلا في رأي مهجور -سيأتي-، وقول ابن عباس وابن مسعود وأبي

стр. 1074

هريرة ﵃ يدل على أن الأصل فيما يدخل عمداً هو التفطير، بخلاف الإخراج إلا مادل الدليل على تخصيصه، وهذا مقتضى اللغة في معنى الصوم المأموم به. - أما الرأي المهجور فهو رأي أبي طلحة ﵁، فقد قال أنس (مطرنا برداً وأبو طلحة صائم، فجعل يأكل منه، قيل له: أتأكل وأنت صائم؟ قال: إنما هذا بركة) (١)، وفي لفظ: (بركة على بركة في التطوع) (٢) وفي لفظ: (ليس هو بطعام ولا بشراب) (٣)، جاء عند البزار عن قتادة: (فذكرت ذلك لسعيد بن الْمُسَيَّب فكرهه، وَقال: إنه يقطع الظمأ)، قال البزار: (ولا نعلم روي هذا الفعل إلا عن أبي طلحة) (٤)، قال ابن رجب في سرده لأحاديث تُرك العمل بها: (ومنها حديث أنس في أكل البرد للصائم) (٥)، والإجماع لا يعكّر عليه الخلاف المتروك المخالف للنص (٦)، ولما ذكر ابن الصلاح

стр. 1075

قول أبي طلحة السابق، وقول الحسن بن صالح في عدم الفطر بغير الطعام، قال: (انعقد الإجماع بعدهما على خلاف ما قالاه) (١). ويمكن الجواب عن آثار الصحابة: - بأنها ليست بصريحة بإفساد الصوم بغير الداخل من المنفذ المعتاد للأكل والشرب، ولذلك جاء عن إبراهيم النخعي أنه قال: (لا بأس بالسعوط للصائم، وكره الصب في الآذان) (٢)، هذا في السعوط. - أما الحقنة فقد جاء عن الإمام مالك أنه سئل عن الفتائل تجعل للحقنة؟ قال: (أرى ذلك خفيفاً ولا أرى عليه فيه شيئاً، قال مالك: وإن احتقن بشيء يصل إلى جوفه فأرى عليه القضاء) (٣)، فاستثنى اليسير مع أنه لافرق في المفطرات بين اليسير والكثير فدل أن الأمر عنده على الاحتياط (٤)؛ ولذلك اختار عدد من المالكية عدم الفطر بالحقنة ولو مائعة خلافاً للمشهور من المذهب، ومن أبرزهم المحقق ابن عبدالبر (٥) -وهو من أشد الناس على الشذوذ و مخالفة إجماع العلماء بل جمهورهم-.

стр. 1076

- وجاء عن الحسن بن صالح (ت ١٦٩) (١) أنه قال: (لا بأس بالحقنة للصائم للتداوي، فإن كان تسمنّاً لا) (٢). ويمكن الجواب عن الجواب: - بأن الوارد عن النخعي محل تأمل، وليس بصريح في عدم التفطير بالسعوط الداخل إلى الجوف؛ لأن السعوط قد يطلق على ما لم يدخل، وإلا فلماذا رخّص في السعوط وكره الصب في الأذن؟ مع أن الأُذن لم يرد فيها ماورد في الأنف كحديث لقيط، والذي يظهر أن هذا التفريق لإمكانية منع الداخل من الأنف من الوصول إلى الحلق، بخلاف الأذن فلا تحكّم لما صُب فيها، ومما يدل على ذلك ماجاء عن الحسن أنه قال: (لا بأس بالسعوط للصائم، إن لم يصل إلى حلقه) (٣)، ولذلك قال النووي: (قال أصحابنا: وما جاوز الخيشوم في الاستعاط فقد حصل في حد الباطن وحصل به الفطر، قال أصحابنا: وداخل الفم والأنف إلى منتهى الغلصمة

стр. 1077

والخيشوم له حكم الظاهر في بعض الأشياء) (١). - وأما الحقنة فالخلاف فيها أوسع، ومع ذلك فقد جزم الإمام مالك بأنه إن وصل إلى جوفه فعليه القضاء، فكأن اليسير عنده -كالدهن الذي في الفتائل- لايصل للجوف. المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم وجوب القضاء لمن احتقن أو استعط وهو صائم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢). وجه الاستدلال: - فقد (دلت هذه الآية على حرمة هذه الثلاثة على الصائم بعد الصبح، فبقي ما عداها على الحل الأصلي، فلا يكون شيء منها مفطراً) (٣)، و (إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل والشرب والجماع … وما علمنا أكلاً، ولا شرباً، يكون على دبر، أو إحليل، أو أذن، أو عين، أو أنف … وما نهينا قط عن أن نوصل إلى الجوف -بغير الأكل، والشرب- ما لم يحرم علينا إيصاله، والعجب أن من رأى منهم الفطر بكل ذلك لا يرى على من احتقن بالخمر، أو صبها في أذنه حداً فصح أنه ليس شرباً، ولا أكلاً) (٤)، هذا في السعوط والحقنة.

стр. 1078

- وأما خصوص الحقنة فـ (الصائم نهي عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوي، فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء لا عن حقنة) (١)، (كذلك الحقنة لا تغذي بل تستفرغ ما في البدن كما لو شم شيئاً من المسهلات أو فزع فزعاً أوجب استطلاق جوفه وهي لا تصل إلى المعدة) (٢). - و (الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه) (٣). - ولأن الحقنة (مما لا يصل إلى المعدة، ولا إلى موضع ينصرف منه ما يغذي الجسم بحال) (٤). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن قصر حقيقة الصيام على ترك ماورد الإذن به ليلاً من جماع وأكل وشرب محل نظر لأمور: - أن هذه الأمور الثلاثة أريد بها التمثيل بأعلى أنواع المفطرات؛ ولذلك لم يقل أحد بوجوب الاقتصار في ليالي رمضان على تعاطي ما نص الله عليه دون غيره (٥).

стр. 1079

- و (خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لأن النفس تميل إليها، وأما القيء والحقنة فالنفس تكرههما، والسعوط نادر فلهذا لم يذكرها) (١). - وقد أمر الله تعالى بالصيام في القرآن اثنتي عشرة مرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، فكان هذا الأمر ونحوه موجباً لصوم النهار وفي حالات من الليل، وصام الصحابة ﵃ مدة قبل نزول حكم الأكل والشرب في ليالي رمضان، والصوم لغتهم الإمساك وهو في الصوم إمساك عن الإدخال، وهذا الأصل في الصوم حظر المفطرات فالواجب الاستدلال بدليل الحظر، لا بدليل إباحة الأكل والشرب ليلاً، وهذا ما أكده ثلاثة من الصحابة بقولهم: (الفطر مما دخل). - مما يوضح ذلك السياق أن الصحابة كانوا يصومون النهار كله وجزءاً كبيراً من الليل ثم جاء الإذن بالإفطار في ليالي رمضان في هذه الآية (٣)، فهي (رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة) (٤)، فهذا سياق الآية. - كما قال البراء بن عازب ﵁: (كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته

стр. 1080

ولا يومه حتى يمسي … فنزلت هذه الآية … ففرحوا بها فرحا شديداً) (١)، وقد (كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم) (٢). - فالاستدلال بعموم الأمر بالصيام و بفهم الصحابة، و وضع الأمر بالأكل والشرب الذي أتى بعد الحظر الأول في سياقه، هو الذي فهمه أكثر العلماء وهو الموافق للأصول، وبهذا تندفع المطالبة بالدليل الخاص أو التمسك بالبراءة؛ لأن الأصل هنا الحظر فالذي يلزمه الدليل هو من جوّز شيئاً من ذلك للصائم. - والمقرر أن الصيام ترك وليس فعلاً بخلاف سائر أركان الإسلام، وهو ترك عن الإدخال على قاعدة الصحابة: (الفطر مما دخل)، (الصيام مما يدخل)، فالواجب الإمساك عن كل داخل حتى يرد دليل أنه ليس بمفطر، ولايصح عكس ذلك، أو جعل دليل أمثلة مايباح تناوله ليالي رمضان هو عينه دليل حظر المفطرات (٣). - ولذلك قال سبحانه بعد ذلك: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤)، ولم يقل: ثم لا تأكلوا وتشربوا ولا تجامعوا إلى الليل، فدليل الحظر هذا بالصيام والإمساك، غير دليل الإباحة بالأكل والشرب (٥). - ولايلزم النص على كل مفطّر بعينه؛ لأن الحوادث لاتنتهي، فالبيان متحقق، والاستدلال بالعموم أو المفهوم أو القياس هو سبيل

стр. 1081

الأئمة هنا، وعامة العلماء لم يختلفوا في حكم الداخل، إنما اختلفوا في تحديد الجوف وفي التحقق من دخوله إليه (١). - أما كون الحقنة لا تغذي، فهذا مبني على أن العلة في النهي عن الأكل والشرب هي التغذية، ويشكل عليه ما وجد في الطب من التغذية من غير طريق الفم والأنف، كما يشكل عليه أكل غير المغذي كأكل لتراب أو الضار كشرب المسكر فهو مفطر عند ابن تيمية وغيره، والعلة التي تنضبط وتشمل الأكل والشرب هي الإدخال إلى الجوف، إذ ليس كل مشروب ينفع وليس كل مأكول يغذي (٢). - فـ (الأكل والشرب يختلفان في الحقيقة والصفة والمنفعة، فليست علتهما منحصرة بالتغذية، ولكنهما يجتمعان في علة الإدخال في البدن) (٣). - أما كون الحقنة لاتصل للمعدة، فإنه لم يرد في النصوص بأن الصائم لايفطر إلا بما وصل للمعدة، بل هو مأمور بالإمساك عن إدخال المفطر، والحكم قد يتعلق بما هو مظنة للشيئ صيانة للعبادة؛ كجعل النوم ناقضاً للوضوء؛ لأنه مظنة الحدث، وكجعلهم ما وصل إلى الحلق من تعمد المبالغة في الاستنشاق ونحوها

стр. 1082

مفطراً؛ إذ ليس هناك مكان يستقر فيه الداخل للحلق غير المعدة، وماجاوز الأنف أو الحلق، فإنه لايتحكم به ولايحس بوصوله للمعدة غالباً، فتعلق الحكم بما يحصل به الإحساس وهو الحلق (١). - وقد (ثبت طبياً أن الأمعاء الغليظة تمتص الماء وغيره) (٢)، وإن كان (الامتصاص في الأمعاء الغليظة ضعيف جداً) (٣)، لكن (خلاصة الأكل والشرب هو مايمتص في الأمعاء) (٤)، ولا فرق في المفطر بين اليسير والكثير. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فإن نسبة الرأي بعدم وجوب القضاء في السُّعوط إلى الشذوذ صحيحة؛ ولم أقف على من سبق ابن حزم إليه، إلا ما يُحتمل من رأي إبراهيم النخعي وليس بصريح، ولم يتابع على ذلك. أما عدم وجوب القضاء بالحقنة فنسبته إلى الشذوذ محل تردد، والأدلة محتملة، والقياس فيها على الأكل والشرب غير جلي، وماورد عن الصحابة من قولهم: (الفطر مما دخل)، (الصيام مما دخل) فإنه يحتمل أن المراد به المدخل المعتاد وأن (الفطر مما دخل من الفم ووصل إلى الحلق والجوف) (٥)، والأنف مثل الفم لورود التنبيه عليه في حديث لقيط، والله أعلم.

стр. 1083

المبحث الخامس: تحريم صيام يوم السبت وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1084

(كيف يكون هذا الحديث صحيحًا سالمًا من الشُّذوذ والعِلَّة ولم يخرِّجه أحدٌ من أئمة " الكتب الستة "، ولا المسانيد المشهورة وهم محتاجون إليه أشدّ حاجة؟! والدارقطني إنَّما جمع في كتابه "السُّنن" غرائب الأحاديث). ابن عبدالهادي ﵀ تنقيح التحقيق (٣/ ٢٧٦)

стр. 1085

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: شرع الله التنفل بالصيام وجعله من أفضل الأعمال، حتى سأل أبو أمامة ﵁ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، مرني بعمل. قال ﷺ : «عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له» (١)، وفي رواية: «فإنه لا عدل له» (٢)، وجاء عن أبي مالك الأشجعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام وصلى والناس نيام» (٣)، وترجم عليهما

стр. 1086

البيهقي: (باب من لم ير بسرد الصيام بأساً إذا لم يخف على نفسه ضعفاً وأفطر الأيام التي نهي عن صومها) (١)، فهذان الحديثان يدلان على فضيلة التطوع بالصوم مطلقاً، وقد قُيّد هذا الإطلاق في في بعض الأيام بالنهي عن صومها، فهل يوم السبت منها؟ هذا هو المراد بحثه. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها: ١. أجمع العلماء (أن صيام يوم الفطر ويوم النحر لا يجوز) (٢)، (على حال التطوع، ولا ناذر، ولا قاض فرضاً، ولا لمتمتع ولا لأحد) (٣). ٢. … (وأجمعوا أن من تطوع بصيام يوم واحد، ولم يكن يوم الشك، ولا اليوم الذي بعد النصف من شعبان، ولا يوم جمعة، ولا أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، فإنه مأجور) (٤). ٣. وإفراد صيام يوم السبت أو تخصيصه (٥) بالصيام مكروه في

стр. 1087

المذاهب الثلاثة وهو قول عند المالكية (١)، وقيل: لابأس بصيامه وهو قول الإمام مالك (٢)، وقول أحمد فيما فهمه عنه القدماء من أصحابه (٣)، بل قال ابن تيمية: (وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة) (٤)، وذهب بعض المعاصرين إلى تحريم صيام يوم السبت مطلقاً إلا في الفرض، وهذا هو الرأي المراد بحثه وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1088

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) (١) ﵀ ومجمل رأيه: (عدم جواز صيام يوم السبت إلا في الفرض، ومن الفرض: أن يصوم الجمعة من كان غافلاً عن النهي عن إفراد الجمعة، ففرض عليه أن يصوم السبت إن لم يكن

стр. 1089

صام الخميس (١)، والنهي عن صيام السبت كالنهي عن صيام العيد بل أشد، ومن أفطر يوم عرفة أو عاشوراء أو الست إذا وافق يوم السبت فهو أفضل ممن صام) (٢).

стр. 1090

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذ هذا القول: - عبدالرحمن بن ناصر البراك بقوله: (قول الشيخ ناصر الألباني ﵀ بالمنع من صوم السبت مطلقاً قول شاذ لا ينبغي الأخذ به) (١)، وقال: (كتبت في هذه المناسبة فتوى قصيرة نُشرت … الذي انتهيت إليه أن قول الشيخ ناصر في هذا وهو: تحريم صيام يوم السبت مطلقاً أنه قول شاذ لا يُعوّل عليه ولا ينبغي الأخذ به، والله أعلم) (٢). - مصطفى العدوي بقوله: (أما النظر إلى متن حديث واحد وسند واحد، وإهمال ماسوى ذلك فيورث فقهاً شاذّاً منبوذاً. فغريب أمر رجل يفطر يوم عاشوراء والمسلمون صيام، لكون يوم عاشوراء وافق عنده يوم سبت، ولا يحل بزعمه أن يصوم يوم السبت!!) (٣).
следующие страницы →