← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

البيهقي: (باب من لم ير بسرد الصيام بأساً إذا لم يخف على نفسه ضعفاً وأفطر الأيام التي نهي عن صومها) (١)، فهذان الحديثان يدلان على فضيلة التطوع بالصوم مطلقاً، وقد قُيّد هذا الإطلاق في في بعض الأيام بالنهي عن صومها، فهل يوم السبت منها؟ هذا هو المراد بحثه. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها: ١. أجمع العلماء (أن صيام يوم الفطر ويوم النحر لا يجوز) (٢)، (على حال التطوع، ولا ناذر، ولا قاض فرضاً، ولا لمتمتع ولا لأحد) (٣). ٢. … (وأجمعوا أن من تطوع بصيام يوم واحد، ولم يكن يوم الشك، ولا اليوم الذي بعد النصف من شعبان، ولا يوم جمعة، ولا أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، فإنه مأجور) (٤). ٣. وإفراد صيام يوم السبت أو تخصيصه (٥) بالصيام مكروه في

стр. 1087

المذاهب الثلاثة وهو قول عند المالكية (١)، وقيل: لابأس بصيامه وهو قول الإمام مالك (٢)، وقول أحمد فيما فهمه عنه القدماء من أصحابه (٣)، بل قال ابن تيمية: (وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة) (٤)، وذهب بعض المعاصرين إلى تحريم صيام يوم السبت مطلقاً إلا في الفرض، وهذا هو الرأي المراد بحثه وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1088

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) (١) ﵀ ومجمل رأيه: (عدم جواز صيام يوم السبت إلا في الفرض، ومن الفرض: أن يصوم الجمعة من كان غافلاً عن النهي عن إفراد الجمعة، ففرض عليه أن يصوم السبت إن لم يكن

стр. 1089

صام الخميس (١)، والنهي عن صيام السبت كالنهي عن صيام العيد بل أشد، ومن أفطر يوم عرفة أو عاشوراء أو الست إذا وافق يوم السبت فهو أفضل ممن صام) (٢).

стр. 1090

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذ هذا القول: - عبدالرحمن بن ناصر البراك بقوله: (قول الشيخ ناصر الألباني ﵀ بالمنع من صوم السبت مطلقاً قول شاذ لا ينبغي الأخذ به) (١)، وقال: (كتبت في هذه المناسبة فتوى قصيرة نُشرت … الذي انتهيت إليه أن قول الشيخ ناصر في هذا وهو: تحريم صيام يوم السبت مطلقاً أنه قول شاذ لا يُعوّل عليه ولا ينبغي الأخذ به، والله أعلم) (٢). - مصطفى العدوي بقوله: (أما النظر إلى متن حديث واحد وسند واحد، وإهمال ماسوى ذلك فيورث فقهاً شاذّاً منبوذاً. فغريب أمر رجل يفطر يوم عاشوراء والمسلمون صيام، لكون يوم عاشوراء وافق عنده يوم سبت، ولا يحل بزعمه أن يصوم يوم السبت!!) (٣).

стр. 1091

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم تحريم صيام يوم السبت: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده» (١)، وحديث جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟»، قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غدا؟» قالت: لا، قال: «فأفطري» (٢). وجه الاستدلال: دل ظاهر الحديثين على جواز صوم يوم السبت في غير الفرض (٣)، «يصوم بعده» «تصومي غدا؟»، (فالغد هو يوم السبت … [و] اليوم الذي بعده هو يوم السبت) (٤)، وترجم أبوداود لحديث جويرية بعد حديث النهي عن صوم السبت بقوله: (باب الرخصة في ذلك) (٥)، وترجم له النسائي: (الرخصة في صيام يوم السبت) (٦).

стр. 1092

ونوقش هذا الاستدلال: - بأن (من صام يوم الجمعة دون الخميس فعليه أن يصوم السبت، وهذا فرض عليه لينجو من إثم مخالفته الإِفراد ليوم الجمعة، فهو في هذه الحالة داخل في عموم قوله ﷺ في حديث السبت: «إلا فيما افترض عليكم» (١). - (فدل ذلك على وجوب صيام السبت -لزوماً- لمن صام يوم الجمعة -جهلاً أو نسياناً-، إذ لا خيرة في الانتهاء عما نهينا عنه) (٢). - ثم إن حديث جويرية لم يسق لبيان حكم صوم يوم السبت استقلالاً وإنما جاء ذكره تبعاً، بخلاف حديث النهي عن صوم السبت (فسيق لبيان حكم صوم السبت استقلالاً بصيغة قوية متينة لا تحتمل اللبس) (٣). ويمكن الجواب عن المناقشة بأمور: - أن صيام السبت مع الجمعة ليس بواجب وهذا هو قول الأئمة الأربعة (٤)، قال الأثرم: (وجه أحاديث النهي عن تفرد صوم يوم

стр. 1093

الجمعة إنما هو على التعمد لذلك، يريد أن تتعمد صوم الجمعة تلتمس فضيلته، فهذا هو المنهي عنه) (١)، يؤيد ذلك تفضيل صيام داود دون استثناء للجمعة مع أنها لابد أن تفرد فيه، وحديث أبي هريرة ﵁: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (٢)، وحديث بشير بن الخصاصية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها، أو في شهر» (٣). - وعلى فرض وجوبه فليس هو مما (افترضه الله) كما يدل عليه البناء للمجهول: «افتُرض» في حديث السبت، والفرض يصدق على مثل صيام رمضان، دون مايفرضه المكلف على نفسه كالنذر، وكصيام السبت مع الجمعة. - … يوضح ذلك التخيير: «إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده» فهو تخيير واضح، أما اشتراط الجهل أو النسيان لجواز صوم الجمعة دون الخميس، فهو تحكّم وزيادة على النص، وتفقّه لم أقف عليه

стр. 1094

عند أحد قبل الشيخ الألباني (١)، و (ليس لأحد أن يحدث قولاً أو تأويلاً لم يسبقه به سلف) (٢)، ويقال كما قال الشيخ لمن حمل النهي عن صوم السبت على من أفرده أو خصصه: (لا يجوز أن نضيف إليه قيدًا آخر غير قيد "الفرضية" كقول بعضهم: "إلا لمن كانت له عادة من صيام، أومفردًا"؛ فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم، ولا يخفى قبحه) (٣). - أما القول بأن صيام يوم السبت في حديث جويرية إنما جاء تبعاً، فماذا يقال في حديث أبي هريرة؟! فالتخيير والاستقلال فيه واضح، وهو كالتخيير في خصال الكفارة، فإن لم يُسلّم ذلك في حديث أبي هريرة، فأحاديث مشروعية صوم السبت متواترة تواتراً معنوياً، وليس مقتصراً على حديث [جويرية]، وبيان بعضها في الآتي. ٢/ ومن أدلتهم على جواز صوم السبت: أ/ قول النبي ﷺ لعبدالله بن عمرو ﵁: «صُمْ يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود ﵇ وهو أفضل الصيام» (٤)، ففيه: (التسوية بين يوم السبت، وبين سائر الأيام) (٥)، و (هذا

стр. 1095

الصوم لابد أن يوافق السبت أسبوعاً بعد أسبوع كما هو معلوم ولم يستثن النبي ﷺ لعبدالله بن عمرو هذا اليوم … ولم ينقل أن عبدالله بن عمرو كان يتقي صومه) (١). ب/ قول النبي ﷺ : «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (٢)، (ولم يقل إن كان يوم السبت فلا تصوموه، ففي ذلك دليل على دخول كل الأيام فيه) (٣). ج/ حديث معاذة العدوية، أنها سألت عائشة زوج النبي ﷺ : أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: «نعم»، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: «لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم» (٤)، وليس فيه توقّيه للسبت، وقد أوصى بعض الصحابة بصيام ثلاثة أيام من كل شهر دون تحرّز أو استثناء لصوم السبت. د/ (حديث علي، وأبي هريرة، وجندب: «أن النبي ﷺ أمر بصوم المحرم»، ففي المحرم السبت، وليس مما افترض.

стр. 1096

ومن ذلك حديث أم سلمة وعائشة، وأسامة بن زيد وأبي ثعلبة، وابن عمر: «أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان» وفيه السبت) (١)، وقالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم» (٢). هـ/ والحث على صوم الست من شوال، (وقد يكون فيه السبت … ومن ذلك الأحاديث عن النبي ﷺ في صيام البيض، وقد يكون فيه السبت، وأشياء كثيرة توافق هذه الأحاديث) (٣)، قال ابن تيمية: (احتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت) (٤). ونوقش هذا الاستدلال: - أن النهي عن صوم يوم السبت حاظر وجميع هذه الأحاديث مبيحة والقاعدة أن: (الحاظر مقدم على المبيح، مثل: صيام يوم الإثنين أو الخميس إذا اتفق مع يوم عيد الفطر أو أحد أيام الأضحى، فإنه لا يصام، لا لنهي خاص بهذه الصورة، وإنما تطبيقًا للقاعدة المذكورة، وما نحن بصدده هو من هذا القبيل) (٥).

стр. 1097

والجواب عن المناقشة: - أن حديث النهي عن صوم السبت لايسلم بثبوته -وسيأتي نقاشه-، وعلى فرض التسليم بثبوته ف (كل حديث من هذه الأحاديث التي قدمنا ذكرها أصح بمفرده من حديث النهي عن صوم يوم السبت المذكور، فلا ينبغي … أن تطرح هذه الأحاديث ولا يعبأ بها، ويقدم عليها حديث: «لاتصوموا السبت إلا فيما افترض عليكم»!! - ثم أيضاً لايليق بحال من الأحوال أن تهدر أقوال العلماء في مثل هذا المقام وتهمل، بل يلزم العمل بالأحاديث مجتمعة، وترجيح الأصح والأقوى … أما النظر إلى متن حديث واحد وسند واحد، وإهمال ماسوى ذلك فيورث فقهاً شاذاً منبوذاً) (١). - والقياس على صيام العيد ممتنع فالفارق أقوى من الجامع؛ فالعيد قام الإجماع القطعي على تحريم صومه، والجمعة لا يحرم صومه بالإجماع، والعيد لم يستثن لتجويز صومه أن يصوم يوماً قبله أو بعده، بخلاف السبت فقد جاء صيامه مع الجمعة في حديث جويرية، وجاء صيامه مع الأحد في حديث أم سلمة. - ثم إن إعمال الحاظر على المبيح هذا ترجيح، والترجيح فيه فرضٌ للتعارض وهو غير متحقق هنا؛ لأن من شروط تحقق التعارض: (التساوي في الثبوت … [و] التساوي في القوة فلا تعارض بين المتواتر والآحاد، بل يقدم المتواتر بالاتفاق) (٢)؛ وقد ذكر ابن تيمية وابن القيم تواتر أحاديث مشروعية صيام السبت (٣)، فالنهي

стр. 1098

عن صوم السبت معارض بما هو أقوى منه، وأشار لذلك الحاكم حين أخرج الحديث فقال: (وله معارض بإسناد صحيح) (١) ثم ذكر حديث جويرية. - ومهما يكن فإن الجمع مقدم على الترجيح وهو واجب متى ما أمكن، كما قال النووي: (ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث، لا يصار إلى ترك بعضها بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها) (٢)، وهو الذي سار عليه أئمة الحديث والفقه في مسألتنا، فقد ترجم له أبوداود: (باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم) ثم قال: (باب الرخصة في ذلك) (٣)، وترجم له الترمذي: (باب ما جاء في كراهية صوم يوم السبت) ثم قال: (ومعنى كراهته في هذا: أن يخص الرجل يوم السبت بصيام) (٤)، وذكر النسائي الاختلاف في حديث السبت، ثم قال: (الرخصة في صيام يوم السبت) (٥)، وترجم له ابن خزيمة: (باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعاً إذا أفرد بالصوم) (٦)، وترجم له الحاكم: (ذكر الزجر عن صوم يوم السبت مفرداً) (٧)، وترجم له البيهقي: (باب ما ورد من النهي عن تخصيص يوم السبت بالصوم) (٨)، فهذا فقه من خرَّج الحديث، وبنحوه قال أرباب المذاهب كما سبق في تحرير الشذوذ، أما تحريم صيامه مطلقاً إلا في الفرض فهذا لم يقل به أحد، ومخالف للإجماع الآتي.

стр. 1099

٣/ ومن أدلتهم: الإجماع، وقد نقل الإجماع في هذه المسألة: ١. ابن تيمية (ت ٧٨٢) فقد قال عن حديث النهي عن صوم السبت: (ظاهر الحديث خلاف الإجماع) (١). ٢. وقال ابن قاسم (١٣٩٢) عن صوم السبت: (فإن صام معه غيره لم يكره إجماعًا) (٢). ٣. وقال عبدالرحمن البراك: (قول الشيخ ناصر ﵀ مخالف لقول جميع أهل العلم؛ فإنهم بين مضعف للحديث أو حاكم بنسخه أو شذوذه، أو متأول له على صومه مفرداً) (٣). ٤. وقال مصطفى العدوي: (حديث الباب: «لاتصوموا يوم السبت … » يفيد أن يوم عرفة وعاشوراء، لا يصامان إذا وافق يوم منهما يوم السبت، وهذا قول لم يقل به أحد من أهل العلم فيما علمت) (٤). ٥. ومما يؤيد الإجماع: - قول د. سعد الحميد بقوله: (ولم أجد من سبق الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ إلى هذا القول والتفصيل فيه، حتى ابن حزم مع أنه جار على أصول مذهبه) (٥)، وقال: (إطلاق القول بالتحريم مطلقاً، فلم أجد من قال به سوى الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀) (٦).

стр. 1100

- وقول الشيخ الألباني: (أنا أعرف جيداً أن هذا الحديث كان ميتاً، حديث: «لاتصوموا يوم السبت إلا فيم افترض عليكم» كان ميتاً، أي: كان مهجوراً، كان مجهولاً عند الناس) (١)، (أمّا النّهي عن صوم يوم السّبت فهذا كان مجهولاً، كان مطويّاً، كان نسياً منسيّاً) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن (المسألة خلافية، الخلاف فيها عريض، فلا يصح بحال ادعاء أن القائل بأحد الأقوال مخالف للجماعة … ونحو ذلك من عبارات صادرة عن التسرع) (٣). - وراوي حديث النهي عن صوم السبت هو سلف هذا القول (٤) فقد قال ثوبان، مولى النبي ﷺ وسئل عن صيام يوم السبت، قال: سلوا عبد الله بن بسر، قال: فسئل، فقال: (صيام يوم السبت لا لك ولا عليك) (٥). - قال الطحاوي: (ذهب قوم إلى هذا الحديث، فكرهوا صوم يوم

стр. 1101

السبت تطوعاً) (١)، قال العيني: (أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس بن كيسان وإبراهيم وخالد بن معدان؛ فإنهم كرهوا صوم يوم السبت تطوعًا) (٢). - ولو لم يكن هناك سلف للقول، فالحديث حجة بنفسه، (إذا كان الحديث صريح الدلالة كالشمس في رابعة النهار، مافيه حاجة بعد ذلك أن تتطلب من قال بهذا الحديث … إلا في حديث … يحتمل هذا الوجه ويحتمل هذا الوجه فهنا لابد من الاستئناس بمن سبقنا من العلماء) (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما كون المسألة خلافية فهذا حق، ولكن الأقوال لا تخرج عن الإباحة أو كراهة الإفراد أو التخصيص، أما التحريم فهذا هو القول المحدث الذي يطالب بسلفه. - وأما قول راوي حديث النهي عن صوم السبت عبدالله بن بسر ﵁: (صيام السبت لا لك ولاعليك)، فهذا حجة على من قال بالتحريم، فهو يقول: (لا لك ولا عليك) (وهذا شأن المباح) (٤)، وهل هناك أصرح منها في نفي الإثم؟! قال المناوي: (أي لا لك فيه مزيد ثواب، ولا عليك فيه ملام ولا عتاب) (٥)، فهو من جملة ما أبيح صيامه، فإن وافق السبت يوماً فاضلاً فالفضل من هذا اليوم الفاضل ويجوز صيامه بفهم الصحابي راوي الحديث ولا مخالف له.

стр. 1102

- وأما ما نقله الطحاوي عن بعضهم بأنهم كرهوا صيام السبت، فهذا خارج محل النزاع، فالقول بالكراهة قول معروف مشهور ولا يلزم منه التحريم، وعلى فرض صراحته في التحريم فلا بد من الوقوف على كلامهم لمعرفة وجهه، وهو معارض بفهم الصحابي راوي الحديث. - وأما قول الشيخ بأنه لا حاجة لفهم السلف إذا كان الحديث صريح الدلالة كالشمس، فلا يسلّم به بل (كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام) (١)، والصريح قد يكون منسوخاً أو مصروف الدلالة. - وعلى فرض التسليم فيقال: مادام الحديث صريح الدلالة كالشمس، فلماذا كان الشيخ ناصر يميل إلى أن المنهي عنه هو إفراد السبت بالصوم، فإذا ضم إليه غيره لم يكره (٢)، ثم غيّر رأيه، ولماذا لم يفهم راوي الحديث والأئمة من بعده كما فهم وأطلق التحريم في قوله الثاني؟! ولاشك أن الأمة لا يمكن أن تضل عن الحق في زمن من الأزمان، وفي قول الشيخ ما يجعل ذلك محتملاً، وذلك منفي بحفظ الله للدين. المسألة الثانية: أدلة القائل بتحريم صوم السبت إلا في الفرض: استدل أصحاب هذا القول: ١/ بحديث عبدالله بن بُسْر عن أخته الصماء (٣) ﵃ أن النبي ﷺ قال:

стр. 1103

«لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه» (١).

стр. 1104

........

стр. 1105

وجه الاستدلال: - الحديث صريح الدِّلالة في النهي عن صيام يوم السبت إلا في الفرض، والإفطار لغيره، واستثناء غير الفرض فيه استدراك، ويكون الحديث: إلا فيما افترض وإلا …

стр. 1106

- و (الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض، ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده كما قال في الجمعة) (١). - و (لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض؛ لأن شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران، فإذا استثني الفرض وحده دل على عدم استثناء غيره) (٢). - ولم يقتصر على الأمر بالإفطار بل أضاف إلى ذلك تأكيداً بالغاً بقوله ﷺ : «ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة»، ولحاء الشجرة هو القشر الذي ليس من عادة الناس أنْ يستفيدوا منه إلا حطباً للنار (٣). - (فتأملت في هذا الحديث فوجدته نصاً صريحاً في أنه لا يجوز صيام يوم السبت إلا في الفرض) (٤). ونوقش الاستدلال بأمور: - أن الحديث معلول بالنكارة أو الاضطراب أو النسخ، (روي عن

стр. 1107

السلف أنهم أنكروه) (١)، ومن ذلك: - أما الإعراض عن الحديث لنكارته فهذه طريقة الطبقة المتقدمة في الرواية، فقد سُئل الزهري (ت ١٢٥) عن صوم يوم السبت، فقال: (لا بأس به) (٢)، فقيل له: فقد روي عن النبي ﷺ في كراهته، فقال: (ذاك حديث حمصي) (٣)، قال الطحاوي: (لم يعده من حديث أهل العلم، بعد معرفته به … وضعّفه) (٤). - وتوجيه تضعيف الزهري من قوله: (حديث حمصي) (٥) له احتمالان: الأول: أنه لما قال الزهري بجواز صوم السبت، عورض بحديث النهي، فقال: (ذاك حديث حمصي)، يعني أنه لم يخفَ علي وأعرف رواته، ولم أقل به لضعفه عندي. الاحتمال الآخر: أنه لما كان مخرج الحديث من حمص ولم تعرف روايته في الحجاز -مهبط الوحي-، وكان أصلاً في بابه، دلّ على نكارته، ومن ذلك قول الإمام الشافعي: (إذا لم يوجد للحديث من الحجاز أصل، ذهب نخاعه) وقال: (كل حديث جاء من العراق وليس له أصل في الحجاز فلا يقبل، وإن كان صحيحاً، ما أريد

стр. 1108

إلا نصيحتك) (١)، يفسّر هذا مايفهم من قول الخطيب: (أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين -مكة والمدينة-؛ فإن التدليس فيهم قليل، والاشتهار بالكذب ووضع الحديث عندهم عزيز) (٢). - … يؤيد ذلك قول الأوزاعي (ت ١٥٧): (ما زلت له كاتماً حتى رأيته انتشر) (٣)، ونحوه صنيع يحيى القطان (ت ١٩٨)، قال الإمام أحمد: (كان يحيى بن سعيد يتّقيه، وأبى أن يحدثني به) (٤). - ونحوه في الإنكار، الطبقة التي تليها: (وقد أنكره مالك) (٥)، قال أبوداود: (قال مالك: هذا كذب) (٦)، ونحوه قول الإمام أحمد:

стр. 1109

(قد جاء في صيام يوم السبت ذاك الحديث مفرد) (١). - ثم من بعدهم هناك أنكروه بذكر المعارض: ومن ذلك قول الأثرم: (جاء هذا الحديث بما خالف الأحاديث كلها) (٢)، و قول أبي داود: (هذا حديث منسوخ) (٣)، ثم أتبعه بذكر حديث أقوى معارض له وهو حديث جويرية، وذكر من ضعّف حديث الصماء (٤). - ونحوه قول الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وله معارض بإسناد صحيح: وقد أخرجاه) ثم ذكر حديث جويرية، ثم إعلال الزهري ثم قال: (وله معارض بإسناد صحيح) فذكر حديث أم سلمة ﵂ «إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم» (٥).

стр. 1110

- ونحوه قول الطحاوي: (ففي هذه الآثار المروية في هذا إباحة صوم يوم السبت تطوعاً، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء، من هذا الحديث الشاذ الذي قد خالفها) (١). - فعارض أبوداود الحديث بحديث جويرية وذكر تضعيف الأئمة لحديث الصماء، وعارضه الحاكم بحديثي جويرية و أم سلمة، وذكر تضعيف الزهري لحديث الصماء، وعارضه الطحاوي بحديث جويرية وغيره، وذكر تضعيف الزهري. - ومن ذلك قول ابن تيمية: (وعلى هذا؛ فيكون الحديث: إما شاذاً غير محفوظ، وإما منسوخاً، وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه) (٢)، وقول ابن القيم: (وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث … فدل على أن الحديث غير محفوظ وأنه شاذ) (٣). - وكل ما سبق إعلال للمتن بالنكارة وذلك بمخالفته للمتواتر من السنة، والإجماع (٤). - وهناك من ضعفه بذكر الاضطراب فيه: ومن ذلك قول النسائي: (هذا حديث مضطرب) (٥)، وقال في أثناء بيانه للاختلاف في طرق الحديث: (أبو تقي هذا ضعيف ليس بشيء، وإنما أخرجته لعلة

стр. 1111

الاختلاف) (١)، والاضطراب في الحديث أكد عليه ابن حجر في كتبه، قال في البلوغ: (رجاله ثقات، إلا أنه مضطرب)، وقال في التلخيص: (أُعل حديث الصماء بالمعارضة المذكورة، وأعل أيضاً باضطراب)، وقال في تهذيب التهذيب: (فيه اضطراب شديد) (٢). وأجيب عن الإعلال بالاضطراب: - بأنها (وإن كانت مضطربة فهو اضطراب غير قادح؛ فإن عبد الله بن بسر صحابي، وكذا والده والصماء … فتارة سمعه من أبيه، وتارة من أخته، وتارة من رسول الله ﷺ وتارة سمعته أخته من عائشة، وسمعته من رسول الله ﷺ (٣). - (الاضطراب عند أهل العلم على نوعين: أحدهما: الذى يأتى على وجوه مختلفة متساوية القوة، لا يمكن بسبب التساوى ترجيح وجه على وجه، والآخر: وهو ما كانت وجوه الاضطراب فيه متباينة بحيث يمكن الترجيح بينها، فالنوع الأول هو الذى يعل به الحديث، وأما الآخر، فينظر للراجح من تلك الوجوه ثم يحكم عليه بما يستحقه من نقد، وحديثنا من هذا النوع، فإن الوجه الأول اتفق عليه ثلاثة من الثقات) (٤). وأجيب عن الجواب: - بأن (هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد

стр. 1112

المخرج يوهن راويه، وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالاً على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا بل اختلف فيه أيضاً على الراوي عن عبد الله بن بسر) (١). - وقد يسلّم بما ذكر في تقسيم الاضطراب لو كان المتن مستقيماً، لكن (إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنّهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت، أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر … - وحجتهم في هذا: أنّ عدم القدح بتلك العلة مطلقًا، إنّما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا، يغلب على ظن الناقد بطلانه، فقد يحقق وجود الخلل، وإذ لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنّها هي السبب، وأنّ هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها. - وبهذا يتبين أنّ ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنّهم قد صحَّحوا ما لا يُحصى من الأحاديث مع وجودها فيها = إنّما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقّب أن الخبر غير منكر) (٢). - ومن أمارات نكارة المتن مخالفة الراوي لمرويه فقد سئل ثوبان عن صيام يوم السبت؟ قال: سلوا عبد الله بن بسر، قال: فسئل،

стр. 1113

فقال: (صيام يوم السبت لا لك ولا عليك) (١)، (وهذا شأن المباح) (٢)، فهو كسائر الأيام عنده وقوله: (ولاعليك) صريح في نفي الإثم و التحريم. - وعلى فرض التسليم بصحته فأين عمل الصحابة ومن شهد التنزيل، وفقه السلف لحديث، قال الإمام مالك: (العلم الذي هو العلم معرفة السنن، والأمر المعروف الماضي المعمول به) (٣)، ولما قال أحدهم: (الأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة) (٤)، علّق عليه الذهبي بقوله: (هذا جيد، لكن بشرط أن يكون قد قال بذلك الحديث إمام من نظراء الإمامين مثل مالك، أو سفيان، أو الأوزاعي، وبأن يكون الحديث ثابتا سالماً من علة، وبأن لا يكون حجة أبي حنيفة والشافعي حديثا صحيحاً معارضاً للآخر، أما من أخذ بحديث صحيح وقد تنكبه سائر أئمة الاجتهاد، فلا) (٥). - قال ابن رجب: (فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولاً به عند الصحابة: ومن بعدهم: أو عند طائفة منهم، فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به) (٦)، قال ابن حجر: (وكم من حديث منسوخ وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية) (٧).

стр. 1114

- ولا حاجة لإعادة فهم الحديث على فرض ثبوته فقد سبق، لكن هذه إشارة إلى أن من شذ [بتحريمه] صيام السبت مطلقاً إلا في الفرض، أعمل الاستثناء المتصل فقط، ونظر سائر من يثبت الحديث إلى الاستثناء المتصل والمنفصل فجوزوا صيام السبت مع غيره أو إذا وافق عادة له (١)، فأعملوا كل الأحاديث. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بتحريم صيام السبت في غير الفرض إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، و لا يُعرف من قرَّر هذا القول قبل الألباني؛ (وكفى خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئه دلالة سواه) (٢)، كيف والسنة المتواترة تنبئ عن فساده، و (قد جاء في صيام يوم السبت ذاك الحديث مفرد) (٣)، و (ظاهر الحديث خلاف الإجماع) (٤)، بل (خالف الأحاديث كلها) (٥)، والله أعلم.

стр. 1115

الفصل الخامس: الآراء في الحج ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: جواز دخول مكة دون إحرام المبحث الثاني: القول بأن محاذاة الميقات كون المُحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد المبحث الثالث: عودة الحاج محرماً بعد حله إذا لم يطف قبل الغروب يوم النحر المبحث الرابع: عدم وجوب الفدية في فعل المحظور أو ترك الواجب إلا في حلق الرأس والوطء قبل التحلل المبحث الخامس: جواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام

стр. 1116

قال أبوعبيد: (كنت في تصنيف هذا الكتاب [يعني الغريب] أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب، فأبيت ساهرا فرحا مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني فيقيم عندي أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فيقول: قد أقمت الكثير). أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٩٢)

стр. 1117

المبحث الأول: جواز دخول مكة دون إحرام وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1118

قال ابن عباس ﵄: (ويلٌ للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيترك قوله ذلك ثم يمضي الأتباع). أخرجه البيهقي في المدخل (٨٣٥)

стр. 1119

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: البلد الأمين (مكة) بقعة معظمة لها تحية بالإحرام كتحية المسجد بالركعتين (١)، فـ (الله تعالى جعل البيت معظماً، وجعل المسجد الحرام فناء له، وجعل مكة فناء للمسجد الحرام، وجعل الميقات فناء للحرم، والشرع ورد بكيفية تعظيمه، وهو الإحرام من الميقات على هيئة مخصوصة) (٢)، (وهذه خاصية لا يشاركها فيها شيء من البلاد) (٣). والمقصود بهذا المبحث هو من كان قاصداً إلى مكة ولم يرد النسك، فهل يجوز له تجاوز الميقات دون إحرام؟ والتعبير بمكة دون الحرم له فائدة، فإن مكة أخص من الحرم وخاصة في الزمن السابق لما كانت مكة أصغر من الحرم، ومن تراجم البخاري: (باب دخول الحرم ومكة … )، قال ابن حجر: (هو من عطف الخاص على العام؛ لأن المراد بمكة هنا البلد فيكون الحرم أعم) (٤). ولذلك فإن بعض العلماء يخص الإحرام بقاصد مكة دون من قصد الحرم، كقول المالكية في الميقات: (والمار به إن لم يرد مكة … فلا إحرام عليه) (٥)، (وقال الثلاثة غير المالكية: إن حكم دخول الحرم حكم دخول مكة … ولم يلحق المالكية الحرم بمكة في ذلك) (٦)، والثمرة هنا:

стр. 1120

(أنه لا يجب على من أراد دخول الحرم، ولم يرد دخول مكة الإحرام، كما لو كان مسكنه بالحرم وأراد دخوله ولم يرد دخول مكة، أو أراد دخول الحرم لحاجة دون مكة) (١) هذا عند المالكية. كما أن المالكية يفرقون بين أهل مكة وأهل الحرم في المقصود بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢)، قال الإمام مالك: (الذين لا يكون عليهم هدي إن قرنوا أو تمتعوا أهل مكة نفسها وأهل ذي طوى، قال: فأما أهل منى فليسوا بمنزلة أهل مكة، وإنما أهل مكة الذين لا متعة عليهم ولا دم قران إن قرنوا أهل مكة القرية نفسها وأهل ذي طوى) (٣)، والفرع الثالث الذي يفرق فيه مالك بين مكة والحرم، في قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٤): (كان مالك يقول: إنما المعنى … مكة، وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلا أن ينحره بمكة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه) (٥). ولعلّ التفريق بين مكة والحرم كان ظاهراً فيما سبق قبل أن تتصل البيوت، فكانت مكة خاصة بالبلدة والقرية، دون ما أحاط بها من الحرم (ومن الحجة لمالك أن حاضري المسجد الحرام أهل القرية التي فيها المسجد الحرام خاصة، وليس أهل الحرم كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز لأهل مكة إذا أرادوا سفرًا أن يقصروا الصلاة حتى يخرجوا عن الحرم كله، فلما جاز لهم قصر الصلاة إذا خرجوا عن بيوت مكة، دل ذلك على أن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة دون الحرم) (٦)، وقد اتسعت مكة باتصال بيوتها، على أن الإمام أحمد قد سُئل: مَنْ أهل مكة؟ فقال: (كل من كان من مكة على نحو ما يقصر فيه الصلاة، فليس

стр. 1121

هو من أهل مكة) (١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (لا خلاف أنه يلزم الإحرام من مر بهذه المواقيت ممن أراد الحج أو العمرة) (٢)، و (أجمع العلماء على مشروعية الإحرام لمن أراد دخول الحرم) (٣). ٢. أما لزوم الإحرام لمن لايريد النسك؛ فلا يخلو من أن يريد الحرم أو دونه، فمن (لا يريد دخول الحرم، بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف) (٤). ٣. أما من يريد دخول الحرم و يكثر تردده، فقد قال ابن عبدالبر: (لا أعلم خلافاً بين فقهاء الأمصار في الحطابين، ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك) (٥)، ونحوه

стр. 1122

من دخل لقتال أو في خوف (١). ٤. ومن قصد الدخول إلى مكة من غيرهما، وسبق له الحج و العمرة الواجبان، فإن الجمهور يوجبون عليه الإحرام، وذهب الشافعية في أحد القولين -وهو المذهب- إلى عدم الوجوب مع كراهة دخوله بلا إحرام (٢)، وهي رواية عن أحمد مقابلة للمذهب والمشهور استظهرها ابن مفلح (٣)، وحكي عدم الوجوب عن طائفة من السلف، وترجم له البخاري ورجحه (٤)، وقال به ابن حزم (٥)، واختاره ابن القيم (٦)، وكثير من المعاصرين، وحُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1123

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الشنقيطي (ت ١٣٩٣) (١)، وابن باز (ت ١٤٢٠) (٢)، وابن عثيمين (١٤٢١) (٣)، واللجنة الدائمة (٤)، وغيرهم، وقد سبقهم إلى هذا القول من المتأخرين: الصنعاني (ت ١١١٩) (٥)، والشوكاني (ت ١٢٥٠) (٦).

стр. 1124

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: - وصفه بالشذوذ، ولم أقف على من وصفه بالشذوذ إلا ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (مكة لا تدخل إلا بإحرام وأقل الإحرام عمرة، وقد شذّ ابن شهاب فأجاز دخولها بغير إحرام) (١)، ولم أقف على من تابع أبي عمر على ذلك، و (ابن عبدالبر ممن لا يعتبر مخالفة الشاذ، وهو من أطواد الأصول والفروع) (٢)، وهو وإن لم يسمه إجماعاً، إلا إن له نظراً في مخالفة الجمهور، وقد سبق توضيح ذلك بأمثلته (٣). - على أن الطحاوي (ت ٣٢١) قد قال: (إذا ثبت بأنه مأمور ألا يدخلها إلا بإحرام باتفاق من الفقهاء إلا ابن شهاب، وقد دللنا على فساد قوله) (٤)، فوصفه بالفساد!

стр. 1125

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب الإحرام لقاصد مكة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١). وجه الاستدلال: - قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ نهاهم فيه أن يتجاوزوا أعلام الحرم غير محرمين إِذا أرادوا دخول مكة (٢)، (وأكثر العلماء على أن قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ محكم غير منسوخ، ومعناه: لا تستحلوا حدوده ومعالمه وحرماته، وهذا لا يجوز نسخه) (٣). - (ويدل قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ على أنه غير جائز لأحد دخول مكة إلا بالإحرام; إذ كان قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ قد تضمن أن يكون من أم البيت الحرام فعليه إحرام، يحل منه ويحل له الاصطياد بعده) (٤).
следующие страницы →