← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

هو من أهل مكة) (١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (لا خلاف أنه يلزم الإحرام من مر بهذه المواقيت ممن أراد الحج أو العمرة) (٢)، و (أجمع العلماء على مشروعية الإحرام لمن أراد دخول الحرم) (٣). ٢. أما لزوم الإحرام لمن لايريد النسك؛ فلا يخلو من أن يريد الحرم أو دونه، فمن (لا يريد دخول الحرم، بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف) (٤). ٣. أما من يريد دخول الحرم و يكثر تردده، فقد قال ابن عبدالبر: (لا أعلم خلافاً بين فقهاء الأمصار في الحطابين، ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك) (٥)، ونحوه

стр. 1122

من دخل لقتال أو في خوف (١). ٤. ومن قصد الدخول إلى مكة من غيرهما، وسبق له الحج و العمرة الواجبان، فإن الجمهور يوجبون عليه الإحرام، وذهب الشافعية في أحد القولين -وهو المذهب- إلى عدم الوجوب مع كراهة دخوله بلا إحرام (٢)، وهي رواية عن أحمد مقابلة للمذهب والمشهور استظهرها ابن مفلح (٣)، وحكي عدم الوجوب عن طائفة من السلف، وترجم له البخاري ورجحه (٤)، وقال به ابن حزم (٥)، واختاره ابن القيم (٦)، وكثير من المعاصرين، وحُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1123

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الشنقيطي (ت ١٣٩٣) (١)، وابن باز (ت ١٤٢٠) (٢)، وابن عثيمين (١٤٢١) (٣)، واللجنة الدائمة (٤)، وغيرهم، وقد سبقهم إلى هذا القول من المتأخرين: الصنعاني (ت ١١١٩) (٥)، والشوكاني (ت ١٢٥٠) (٦).

стр. 1124

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: - وصفه بالشذوذ، ولم أقف على من وصفه بالشذوذ إلا ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (مكة لا تدخل إلا بإحرام وأقل الإحرام عمرة، وقد شذّ ابن شهاب فأجاز دخولها بغير إحرام) (١)، ولم أقف على من تابع أبي عمر على ذلك، و (ابن عبدالبر ممن لا يعتبر مخالفة الشاذ، وهو من أطواد الأصول والفروع) (٢)، وهو وإن لم يسمه إجماعاً، إلا إن له نظراً في مخالفة الجمهور، وقد سبق توضيح ذلك بأمثلته (٣). - على أن الطحاوي (ت ٣٢١) قد قال: (إذا ثبت بأنه مأمور ألا يدخلها إلا بإحرام باتفاق من الفقهاء إلا ابن شهاب، وقد دللنا على فساد قوله) (٤)، فوصفه بالفساد!

стр. 1125

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب الإحرام لقاصد مكة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١). وجه الاستدلال: - قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ نهاهم فيه أن يتجاوزوا أعلام الحرم غير محرمين إِذا أرادوا دخول مكة (٢)، (وأكثر العلماء على أن قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ محكم غير منسوخ، ومعناه: لا تستحلوا حدوده ومعالمه وحرماته، وهذا لا يجوز نسخه) (٣). - (ويدل قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ على أنه غير جائز لأحد دخول مكة إلا بالإحرام; إذ كان قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ قد تضمن أن يكون من أم البيت الحرام فعليه إحرام، يحل منه ويحل له الاصطياد بعده) (٤).

стр. 1126

- (وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ قد أراد به الإحلال من الإحرام والخروج من الحرم أيضاً; لأن النبي ﷺ قد حظر الاصطياد في الحرم … فعلمنا أنه قد أراد به الخروج من الحرم والإحرام جميعاً) (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن عموم الآية لا يمنع أن يخص منها بعض الحالات، كما خُص عند عامة العلماء من يتكرر دخوله كالحطاب، فيخص أيضاً من لا يريد النسك بالسنة، كما سيأتي. - ثم إن استحباب الإحرام لمن قصد مكة محل اتفاق وهذا عمل بالآية، و (معنى عدم إحلالهم لها: تقرير حرمتها عملاً واعتقاداً … والشعائر هي ماحرم الله مطلقاً سواء كان في الإحرام وغيره، والمعطوفات الأربعة بعده مندرجة في عموم قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ فكان ذلك تخصيصاً بعد تعميم) (٢). - وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فإنه لمَّا (قدَّم تحريم الصيد عليهم وهم محرمون في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٣) … أخبرهم بإباحة الصيد لهم إذا حلوا، فليس في الآية ما يدل على المطلوب). - ويمكن الجواب أيضاً: بأن لفظ التحلل فيه محمول على الغالب؛ لأن أكثر من يدخلها يكون محرماً، فلا مفهوم له، ولا يؤخذ منه تحريم الدخول بلا إحرام. ٢/ واستدلوا بما رُوي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1127

«لا تَجوزوا الوقت إلا بإحرام» (١)، وفي رواية: «لا يجاوز أحد الوقت إلا المحرم» (٢)، وجاء عن طاوس أن النبي ﷺ لم يدخل مكة قط إلا محرماً، إلا يوم فتح مكة (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن المرفوع الأول لايثبت، أخرجه (ابن أبي شيبة والطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً، وفيه خصيف) (٤)، و (وهو ابن عبد الرحمن الجزري، ضعيف؛ لسوء حفظه) (٥)، وروي موقوفاً على ابن عباس وهو أصح. - والثاني مرسل، وهي حكاية فعل تدل على الاستحباب، ولا تدل على الوجوب، وقد دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح غير محرم، والحديث ثبت موقوفاً وهو الدليل الآتي: ٣/ ومن أدلتهم: ماثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ما يدخل مكة أحد من أهلها ولا من غير أهلها إلا بإحرام) (٦)، وعن أبي الشعثاء

стр. 1128

أنه: (رأى ابن عباس يردّ من جاوز الميقات غير محرم) (١)، وروي نحوه عن علي ﵁ (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - أما الرواية عن علي فهي ضعيفة، و (أما قول ابن عباس فيعارضه مذهب ابن عمر أنه كان لا يراه واجباً) (٣)، ففي الموطأ: (أن عبد الله بن عمر أقبل من مكة، حتى إذا كان بقُدَيْد (٤) جاءه خبر من المدينة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام) (٥). - وقد ترجم لهذا الأثر عدد من الحفاظ الذين رووه بما يدل على ما ذُكر، فقال البخاري: (باب دخول الحرم، ومكة بغير إحرام،

стр. 1129

ودخل ابن عمر)، وقال ابن أبي شيبة: (من رخص أن يدخل مكة بغير إحرام)، وقال البيهقي في الكبرى: (باب من رخص في دخولها بغير إحرام وإن لم يكن محارباً). وأجيب عن فعل ابن عمر: - بأنه لم يجاوز الميقات بل رجع قبل الميقات (وكان المعنى فيه: أن من كان داخل الميقات فهو بمنزلة أهل مكة؛ لأنه محتاج إلى الدخول في كل وقت، ولأن مصالحهم متعلقة بأهل مكة، ومصالح أهل مكة متعلقة بهم، فكما يجوز لأهل مكة أن يخرجوا لحوائجهم، ثم يدخلوها بغير إحرام فكذا لأهل الميقات) (١)، هكذا حمله الأحناف. - ثم إنه (رجع لاضطراب الناس والفتنة، فدخل كما هو) (٢)، وفي حكمه (من دخلها خائفاً لفتنة عرضت ونحو ذلك) (٣)، هكذا حمله الإمام أحمد، وبنحوه مالك (٤).

стр. 1130

وأجيب عن الجواب: - أما توجيه الحنفية فهو (غلط؛ لأن الحرمة في ذلك للحرم لا للميقات، ألا ترى أن من مرّ بالميقات ولا يريد الحرم لا يشرع له الإحرام، فلا معنى لما قالوه) (١). - ولذلك (كان ابن عباس وأصحابه يشددون في ذلك، ذكر عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: لا عمرة على أهل مكة من أجل الطواف، إلا أن يخرج أحدهم من الحرم فلا يدخله إلا حراماً، قال فقيل له: فإن خرج قريباً لحاجته؟ قال: يقضي حاجته ويجمع مع قضائها عمرة) (٢). - وأما حمل دخوله بلا إحرام على الأمر العارض والخوف فهو خلاف الظاهر، و (لا فرق في القياس والنظر بين أن يرجع لعارض عرض له، أو لأمر رآه) (٣)، إذ المقصود تعظيم البقعة. - وقد (احتج به ابن شهاب، والحسن البصري، وداود وأتباعه، على جواز دخولها بلا إحرام) (٤)، وأخذ بعض الشافعية كذلك من فعل ابن عمر الجواز (٥). - ولم يتفرد ابن عمر بذلك بل قال بقوله بعض السلف، كما روى مالك بعد الأثر السابق (عن ابن شهاب بمثل ذلك) (٦)، هكذا في

стр. 1131

رواية يحيى الليثي عن مالك، وهي في رواية أبي مصعب أوضح حيث قال: (حدثنا مالك، عن ابن شهاب، أنه سئل عن رجل يدخل مكة بغير إحرام، فقال: لا أرى بذلك بأساً) (١). - وحكي ذلك عن الحسن البصري أيضاً، كما قال ابن عبدالبر بعد حكايته قول ابن شهاب: (وما أعلم أحداً تابعه على ذلك إلا الحسن البصري، روى خالد بن عبد الله عن أشعث عن الحسن: أنه لم يكن يرى بأساً أن يدخل الرجل مكة بغير إحرام) (٢). - بل قال ابن حجر: (المشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقاً … والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب، وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر والزهري والحسن وأهل الظاهر) (٣). ٤/ ومن أدلتهم على الوجوب: أنه (لم يُحك لنا عن أحد من النبيين ولا الأمم الخالية أنه جاء أحد البيت قط إلا حراماً … وبأن من سمعناه من علمائنا قالوا: فمن نذر أن يأتي البيت يأتيه محرماً بحج أو عمرة) (٤). وتوضيحاً للاستدلال: فالمقصود بالأول: (أنه يلزمه الإحرام بحج أو عمرة؛ لإطباق

стр. 1132

النّاس عليه، والسُّنن يندر بها الاتفاق العملي) (١)، فـ (اتفاق الناس على فعل شيء دال على وجوبه؛ لندرة اتفاقهم على السنن) (٢)، و (لأنه ﷺ وقّت المواقيت، ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه، أنهم تجاوزوها بغير إحرام) (٣). والمقصود بالثاني: هو الاستدلال بـ (إجماعهم أن من نذر مشياً إلى بيت الله، أنه لا يدخله إلا محرماً بحج أو عمرة) (٤)، (لأن المشي في غير نسك ليس بقربة، فلم ينعقد كالمشي إلى غير البيت) (٥)، (وفي إجماعهم على ذلك في النذر دليل على وجوبه في الدخول) (٦). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن خلاصته الاستدلال بالإجماع، والقياس على من نذر إتيان الحرم، وفي كلا الدليلين نظر. - أما الإجماع فقد سبق خلاف ابن عمر ﵄ في دخوله للحرم بلا إحرام، وتجويز الزهري والحسن لذلك، وحسبك بهم في نقض الإجماع. - بل قابله قول الشوكاني: (كان المسلمون في عصره ﷺ يختلفون إلى مكة لحوائجهم، ولم ينقل أنه أمر أحداً منهم بإحرام كقصة الحجاج بن علاط، وكذلك قصة أبي قتادة لما عقر حمار الوحش داخل الميقات وهو حلال، وقد كان أرسله لغرض قبل الحج فجاوز الميقات لا بنية الحج ولا العمرة، فقرره ﷺ (٧).

стр. 1133

- وأما القياس على من نذر إتيان الحرم، فأول من وقفت عليه يستدل به هو الإمام الشافعي، ويُناقش بعدم التسليم بحكم الأصل، فمن نذر إتيان الحرم، فقد قال الشافعية: إن قلنا بالمذهب أنه يلزمه إتيان المسجد الحرام بالتزامه، وحملنا النذر على أقل واجب الشرع= لزمه حج أو عمرة، هذا هو نص الشافعي وهو المذهب. - وإن قلنا: لا يحمل على أقل واجب الشرع، بُني على أصل آخر، وهو أن دخول مكة هل يوجب الإحرام بحج أو عمرة وفيه قولان، أصحهما: لا يوجب، وعلى ذلك فهو كمن نذر إتيان مسجد المدينة أو الأقصى، وفيه قولان مشهوران، أحدهما: لا يلزم ويلغوا النذر، هذا هو الأصح عند العراقيين والروياني وغيرهم (١). - وعلى القول الآخر فقد قال النووي: (وإذا نزّلنا المسجد الحرام منزلة المسجدين، وأوجبنا ضمّ قربة إلى الإتيان، ففي تلك القربة أوجه، أحدها: الصلاة، والثاني: الحج أو العمرة، والثالث: يتخير، قال إمام الحرمين: ولو قيل يكفي الطواف لم يبعد) (٢). - وعلى فرض التسليم بحكم الأصل، فقد وجب النسك (لأن المشي المعهود في الشرع، هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر، حمل على المعهود الشرعي) (٣) وهذا لا إشكال فيه، فـ (النذر قرينة في إرادة النسك المختص بها) (٤).

стр. 1134

- أما من صرّح في نذره بإتيان البيت غير حاج ولا معتمر فمن ألزمه بالحج أو العمرة وأسقط قيده، ففي ذلك (نظر؛ لجواز التصريح بخلاف الظاهر، والكلام إنما يتم بآخره) (١)، قال ابن حزم: (وقال قوم: لا يمشي إلا في حج، أو عمرة. قال أبو محمد: وهذا خطأ؛ لأنه إلزام ما لم ينذره على نفسه بغير قرآن، ولا سنة) (٢). المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز دخول مكة دون إحرام: استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة منها: ١/ حديث أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر» (٣)، وفي حديث أبي الزبير عن جابر ﵁: «دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام» (٤). وجه الاستدلال: أن المحرم لا يغطي رأسه (فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئاً للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم) (٥)، وكلاهما يدل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن أراد غير النسك.

стр. 1135

ونوقش هذا الاستدلال: - بأن ذلك من خصائصه ﷺ بدلالة حديث «إنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لا تحل لأحد بعدي» (١)، (ومعلوم أنه لم يرد القتال؛ لأن القتال يحل بعده إذا احتيج إليه، فدل أنه أراد دخولها بغير إحرام) (٢). - لأن الإحلال (لا يخلو إما أن يكون أراد به القتال، أو دخولها بغير إحرام، فلما اتفق الجميع على جواز القتال فيها متى عرض مثل ذلك الحال (٣)، علمنا أن التخصيص وقع لدخولها بغير إحرام) (٤). وأجيب عن المناقشة: - بأن (الذي خُص به ﷺ جواز ابتداء القتال فيها) (٥)، قال ابن حزم: (ليت شعري بأي شيء استحلوا أن يُوهموا في هذا الخبر ما ليس فيه أثر ولا دليل؟ وإنما أخبر ﵇ أن سفك الدماء والقتال حرام لم يحل لأحد قبله، وليس في هذا الحديث للإحرام معنى) (٦). - قال النووي: (فالمراد به القتال … وليس في جميع طرق هذا الحديث ما يقتضي الإحرام، وإنما هو صريح في القتال) (٧)، قال

стр. 1136

ابن القيم: (هذا صريح في أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة … وهذا صريح في أن الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة) (١). - والاتفاق المذكور على جواز القتال فيها محل نظر، فقد قيل: بأن الخبر على ظاهره في تحريم القتال فيه، ومن بغى فإنه يضيق عليه حتى يخرج، وقيل: هو محمول على ما يعم إتلافه كالمنجنيق إذا أمكن إصلاح بدون ذلك، وقيل: بأن معنى الخبر أن تبقى مكة دار إسلام إلى يوم القيامة فلا يتمكن منها كافر بعد تلك الساعة (٢). ٢/ واستدلوا بقول النبي ﷺ في حديث المواقيت: «هنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة» (٣). وجه الاستدلال: - أن ظاهر هذا النص تخصيص وجوب الإحرام من المواقيت لمن مرّ عليها وهو مريد للحج أو العمرة (٤)، (فلو وجب بمجرد الدخول لما علّقه على الإرادة) (٥)، و (مفهومه أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام) (٦). ونوقش هذا الاستدلال: - أن هذا الاستدلال يتعلق بعموم مفهوم المخالفة، حيث يعم المفهوم: من لا يريد الحج أو العمرة ولا دخول مكة، ومن لا

стр. 1137

يريد الحج والعمرة ويريد دخول مكة، وفي عموم المفهوم نظر في الأصول، فيكفي تحقق إحدى صور المخالفة، وذلك متحقق فيمن لا يريد الحرم فلا يحرم عند أحد، وكما دل عليه المفهوم (١). - (وعلى تقدير أن يكون له عموم، فإذا دل دليل على وجوب الإحرام لدخول مكة، وكان ظاهر الدلالة لفظاً= قُدم على هذا المفهوم) (٢)، وقد سبق في أدلة القول الأول منطوقات، (فهذه المنطوقات أولى من المفهوم المخالف) (٣). - أما قوله: «ممن أراد الحج أو العمرة» (فائدة التخصيص: أن المريد للنسك يلزمه الإحرام بكل حال، ومن لا يريد النسك تارة يلزمه الإحرام) (٤) إذا أراد الحرم، وتارة لا يلزمه إذا لم يرد الحرم. - (ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما) (٥). وأجيب عن المناقشة: - أما المفهوم؛ فإن سياق الحديث في المواقيت التي هي فناء الحرم، وقوله: «لمن أتى عليهن … ممن أراد الحج والعمرة» مفهومه: أن من لم يردهما فلا ميقات له؛ إذ هو سياق الحديث، ومن لم يرد دخول مكة فغير مراد من السياق قطعاً، وإن شمله المفهوم (٦).

стр. 1138

- وأما الظواهر المنطوقة، فقد سبق أنه لا يصح شيء من المرفوع، والموقوف الدال على الوجوب عُورض بالموقوف الدال على الجواز، واعتضد الجواز بدخول النبي ﷺ دون إحرام، وبمفهوم هذا الحديث، وبالبراءة الأصلية. - وأما تخصيص الحج والعمرة؛ فإن المتبادر الظاهر أنه لنفي حكم الوجوب عن غير مريد النسك، والتأويل غير الظاهر لا يلجأ إليه بغير دليل. - وأما شرف البقعة فلا خلاف فيه، ولا يلزم من شرفها وجوب الإحرام لقصدها، وهو محل النزاع، ويمكن قلب الاستدلال بالقياس، فيقال: بأن الإحرام (قربة مشروعة لتعظيم البقعة فلم تجب؛ كتحية المسجد الحرام بالطواف، وتحية غيره بالصلاة) (١)، (فإن سبيله سبيل تحية البقعة، والتحية لا أصل لوجوبها) (٢)، (ولأنه أحد الحرمين، فلم يلزم الإحرام لدخوله، كحرم المدينة) (٣). ٣/ ومن أدلتهم: (أن النبي ﷺ بين أن الحج والعمرة إنما تجب مرة واحدة، فلو أوجبنا على كل من دخلها أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة) (٤). ونوقش هذا الاستدلال: - بأنه لا يجب نسك معين، وإنما يجب إحرام، فإن أدى به عمرة جاز وإن أدى به حجًّا جاز، لأن الحج والعمرة الواجبة مرة هو ما

стр. 1139

كان بإيجاب الله تعالى، لاما يجب بسبب من جهة المكلف كالنذر ومروره بالميقات؛ فإنه قد يتكرر بتكرر سببه (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - بأن فيها مصادرة على المطلوب بجعل النتيجة مقدمة، واستدلال على النزاع بمحل النزاع، وهو دور ممنوع؛ لأن النزاع هو في وجوب الإحرام لمن مرّ بالميقات غير مريد للنسك، فكيف يقال: يجب لأنه مرّ على الميقات. ٤/ واستدلوا ببعض الوقائع ومنها: - (أن النبي ﷺ لما رجع هو وأصحابه من حنين) (٢)، «اعتمروا من الجعرانة» (٣)، وفي الصحيحين: «من جعرانة حيث قسم غنائم حنين» (٤)، فلو كان الإحرام واجباً على من لم يرد النسك، لما جاوزا الميقات إلى الجعرانة (٥) وهي دونه بغير إحرام. - أن عثمان ﵁ في الحديبية اختاره النبي ﷺ «فبعثه إلى قريش … فخرج عثمان حتى أتى مكة … » (فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت، فطف به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به

стр. 1140

رسول الله ﷺ (١). - ولما افتتح رسول الله ﷺ خيبر قال الحجاج بن عِلاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالاً، وإن لي بها أهلاً، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا؟ «فأذن له رسول الله ﷺ على أن يقول ما شاء» (٢)، ولم يأمره بالإحرام كلما دخل (٣). - وفي حديث أبي قتادة: (انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم) (٤)، وفي رواية: (منا المحرم، ومنا غير المحرم) (٥)، قال الأثرم: (وكنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من هذا الحديث ويقولون، كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه) (٦)، (وقد استُدل بقصة أبي قتادة على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجاً ولا عمرة) (٧). ونوقش هذا الاستدلال: - أن هذه الوقائع كانت قبل توقيت المواقيت (وقد حكى الأثرم عن

стр. 1141

أحمد أنه سئل في أي سنة وقت النبي ﷺ المواقيت؟ فقال: عام حج) (١)، فالحج كان في السنة العاشرة، أما الحديبية ففي السنة السادسة، وخيبر في السنة السابعة، وحنين في السنة الثامنة. - وفي قصة أبي قتادة خاصة، لم يحرم (لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم) (٢). - ويحتمل أجوبة أخرى منها: (أنه أُرسل إلى جهة أخرى لكشفها، وكان الالتقاء بعد مضي مكان الميقات (٣)، ومنها: أنه قبل توقيت المواقيت) (٤)، قال ابن حجر: (والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام؛ لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير) (٥). وأجيب عن المناقشة: - أ ما القول بأنها كانت قبل المواقيت، فيحتاج إلى إثبات ودليل (٦)، والمنقول عن أحمد فيه غرابة، خاصة وأن الحنابلة لا يذكرونه، وقد استشكله المباركفوري فقال: (كذا ذكره الحافظ وغيره من الشراح واكتفوا بذكره في مبدأ المواقيت … ويشكل على ذلك أنهم تصدوا جميعًا للاعتذار عن مجاوزة أبي قتادة عام الحديبية عن

стр. 1142

المواقيت بغير إحرام، وذكروا لذلك توجيهات مختلفة، وإذا كان التوقيت عام حجة الوداع لم يكن حاجة إلى الجواب والاعتذار عنه) (١). - ومما يؤيد الإشكال في المنقول عن أحمد= حديث ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، وفي حجته حين حج … » (٢)، قال العيني: (إنما قال في العمرة بلفظ المضارع، وفي الحج بلفظ الماضي؛ لأنه لم يحج إلا مرة وتكررت منه العمرة) (٣). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فلاشك أن نسبته إلى الشذوذ غير صحيحة؛ فإنه لم يخالف نصاً صحيحاً صريحاً، ولم يخرم إجماعاً متحققاً، بل هو قول لبعض السلف، فهو رأي دائر بين راجح ومرجوح، وإن كان القول بعدم الوجوب أقوى فيما يظهر، (فحديث ابن عباس المتفق عليه: خص فيه النبي ﷺ الإحرام بمن أراد النسك، وظاهره أن من لم يرد نسكاً فلا إحرام عليه، وقد رأيت الروايات الصحيحة بدخول النبي ﷺ مكة يوم الفتح غير محرم، ودخول ابن عمر غير محرم) (٤)، مع الوقائع العديدة التي لم يأمر فيها النبي ﷺ بلزوم الإحرام، ومع استصحاب البراءة الأصلية، أما الوجوب فأقوى ما فيه قول ابن عباس ﵄، وقد خولف، مع إمكان حمل أمره على طلب الكمال وهذا لا نزاع فيه، كما أنه لانزاع في أن الخروج من الخلاف مستحب (٥).

стр. 1143

والقول بعدم الوجوب فيمن قضى حجة الإسلام، والعمرة الواجبة= لا يعني عدم الاستحباب، بل كما قال الشافعي: (لم يحك لنا عن أحد من النبيين ولا الأمم الخالية أنه جاء أحد البيت قط إلا حراماً) (١)، والله أعلم.

стр. 1144

(ولا يحفظ ابتداء من الكتب استقلالاً، بل يصحح على الشيخ كما ذكرنا، فالاستقلال بذلك من أضر المفاسد: وإلى هذا أشار الشافعي ﵀ بقوله: من تفقه من الكتب ضيع الأحكام). النووي ﵀ المجموع (١/ ٣٨)

стр. 1145

المبحث الثاني: القول بأن محاذاة الميقات كون المُحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1146

(فكل ما جاء مخالفًا لما عليه السلف الصالح؛ فهو الضلال بعبنه) الموافقات (٣/ ٢٨٤)

стр. 1147

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الواجب على من أتى على الميقات مريداً للنسك ألا يتجاوزه إلا محرماً، ومن لم يكن الميقات على طريقه فإنه يحرم إذا حاذاه، ومبنى هذه المسألة على معنى محاذاة الميقات في الشرع وفي الاصطلاح، أما المحاذة في اللغة؛ فهي من (الحَذْوُ والحِذاء: الإِزاءُ و المقابل) (١)، ("وحَاذَاهُ" مُحاذاةً: "آزاهُ" وقابَلَه) (٢)، ومن ذلك الحديث المتفق عليه: «أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة» (٣)، وفي مسلم: «حتى يحاذي بهما أذنيه» (٤)، (أي: مقابلهما) (٥). وقد اعتبر عمر ﵁ المحاذاة للميقات، واستعمل القياس هنا، كما قال ابن عمر ﵄: (قاس الناس ذات عرق بقرن) (٦)، ولم ينكر عليه أحد، (والناس حينئذ هم علماء الصحابة الذين هم حجة على من خالفهم) (٧)، قال الخطابي: (تابع الناس في ذلك عمر بن الخطاب إلى زماننا هذا) (٨)، وخالف

стр. 1148

في اعتبار المحاذاة ابن حزم (١)، و (لا يُعلم بأن أحداً من السلف خالف فيه عمر ﵁ قبل ابن حزم) (٢)، والكلام في المسألة ليس في اعتبار المحاذاة، وإنما في تفسير المحاذاة. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (ثبت أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن، وأجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث) (٣). ٢. و (كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته، والعقيق أحوط وأولى عندهم من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم أيضاً بإجماع) (٤). ٣. و (لا خلاف أنه يلزم الإحرام من مرّ بهذه المواقيت ممن أراد الحج أو العمرة) (٥)، هذا هو الأفضل أن يحرم من الميقات، و

стр. 1149

(لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرماً، تثبت في حقه أحكام الإحرام) (١). ٤. و (إذا انتهى الآفاقي إلى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو القران، حرم عليه مجاوزته غير محرم بالإجماع) (٢). ٥. … (وأعيان هذه المواقيت لايشترط بل الواجب عينها أو حذوها بالاتفاق) (٣)، (ومن تأمل كلام الفقهاء في المحاذاة وفي أحكامها، رأى اتفاقهم على مفهوم عام لها وهو: مسامتة المتجه إلى مكة الميقات الواقع عن يمينه أو شماله، وذلك حيث يكون بعده عن الكعبة كبعد ذلك الميقات) (٤)، وقال بعض المعاصرين: بأن معنى محاذاة الميقات كون المُحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد، وحُكم على هذا القول بالبطلان ونحوه، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1150

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: عبيدالله المباركفوري (ت ١٤١٤) (١)، وعلي الطنطاوي (ت ١٤٢٠) (٢)، ود. محمد رواس قلعه جي (ت ١٤٣٥) (٣)، وعدنان العرعور (٤)، ومحمد

стр. 1151

الحسن الددو (١).

стр. 1152

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: أما وجه شذوذ القول بأن المحاذاة تتحقق في كل بقعة بين ميقاتين؛ فهو نقل الاتفاق على خلافه، وحكم بعض العلماء عليه بالشذوذ أو البطلان ونحوهما، و من ذلك: - ابن باز (ت ١٤٢٠) بقوله: (صدر من بعض الإخوة في هذه الأيام كتيب اسمه: "أدلة الإثبات أن جدة ميقات" (١) يحاول فيه إيجاد ميقات زائد على المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ حيث ظن أن جدة تكون ميقاتاً للقادمين في الطائرات إلى مطارها أو القادمين إليها عن طريق البحر أو عن طريق البر، فلكل هؤلاء أن يؤخروا الإحرام إلى أن يصلوا إلى جدة ويحرموا منها؛ لأنها بزعمه وتقديره تحاذي ميقاتي السعدية والجحفة فهي ميقات وهذا خطأ واضح يعرفه كل من له بصيرة ومعرفة بالواقع … ولما تسرع بعض العلماء منذ سنوات إلى مثل ما تسرع إليه صاحب هذا الكتيب فأفتى بأن جدة ميقات للقادمين إليها صدر عن هيئة كبار العلماء قرار بإبطال هذا الزعم وتفنيده جاء فيه ما نصه: "وبعد الرجوع إلى الأدلة وما ذكره أهل العلم في المواقيت المكانية ومناقشة الموضوع من جميع جوانبه فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي: أن الفتوى

стр. 1153

الصادرة الخاصة بجواز جعل جدة ميقاتاً لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية فتوى باطلة؛ لعدم استنادها إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع سلف الأمة، ولم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمين ..... ) (١). - أ. د. إبراهيم الصبيحي (ت ١٤٣٧) حين علّق على قول العرعور لما قال عن المباركفوري: (ثم أجاز -كبقية العلماء- الإحرام من أي نقطة على هذا الخط) (٢)، قال الصبيحي: (فهو كلام لم أرَ من سبقه إليه. ولذا فلا تصح نسبة هذا القول لأهل العلم، بل أهل العلم مجمعون على خلافه) (٣)، وقال عن تقرير العرعور بأن جدة ميقات إضافي لجميع الناس بأن ذلك: (بناء على ما أحدثه وابتدعه من نظرية اختراق محيط المواقيت) (٤)، وقال: (جاء ببدعة جديدة) (٥). - ولما قال العرعور: (اتفق أهل العلم -كما سبق ذكره- على أن من قدم من مكان لا ميقات فيه، فليحرم على مسافة أقرب ميقات إليه) (٦)، قال الصبيحي: (لم يأخذ بهذا الإجماع الذي ارتضاه وقرره؛ حيث أجاز الإحرام من أي نقطة تقع على المحيط

стр. 1154

السداسي للمواقيت، بغض النظر عن محاذاتها من حيث المسافة للميقات القريب منها، أو عدم محاذاتها، وهذا يعد خرقاً لهذا الإجماع الذي حكاه، حيث خالف أهل العلم في ذلك، فقال في مخالفتهم: "المحاذاة إنما تعني اختراق محيط المواقيت، أي: المرور بين ميقاتين، وماعدا ذلك فليس من المحاذاة في شيء") (١). - وقال د. سليمان الملحم: (ومن تأمل كلام الفقهاء في المحاذاة وفي أحكامها، رأى اتفاقهم على مفهوم عام لها وهو: مسامتة المتجه إلى مكة الميقات الواقع عن يمينه أو شماله، وذلك حيث يكون بعده عن الكعبة كبعد ذلك الميقات) (٢)، وقال: (ولم يقل أحد من أهل العلم بمراعاة الميقاتين جميعاً) (٣)، وقال: (هذا القول قول غير مسبوق إليه من قبل فقهاء الأمة، بل مخالف لأقوالهم … ومع فساد هذا القول في كيفية المحاذاة، فإنه صعب التطبيق … ) (٤). - وقال أ. د. عبدالله السحيباني عن قول الطنطاوي في المحاذاة وأنها الخط الموصل بين ميقاتين، قال: (هذا في الحقيقة قول لم يسبق إليه الشيخ ﵀ فلعله سبق قلم منه، أو أنه اجتهاد لم يوفق فيه للصواب، وكل يؤخذ من قوله ويترك)، وقال: (وهذه القاعدة في

стр. 1155

المحاذاة وإن كانت متبادرة إلى الذهن وهي سهلة في التطبيق العملي، إلا أني لا أعلم قائلاً بها من فقهاء المذاهب) (١). - وفي موقع الدرر السنية: (التفسير للمحاذاة وهو كون المكان واقعاً بين ميقاتين على خط واحد مخالف لتفسير أهل العلم، وفي وضع هذا الخط المحيط بالمواقيت ربط للمحاذاة بميقاتين وليس بميقات واحد، وهذا خطأ واضح في فهم المحاذاة) (٢).

стр. 1156

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بأن المحاذاة هي كون المحاذي بينه وبين مكة، كما بين الميقات الأقرب منه إلى مكة، إذا كان الميقات عن يمينه أو شماله (١):

стр. 1157

استدل أصحاب هذا القول: ١/ بما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (لما فتح هذان المصران أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، «إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرناً»، وهو جورٌ عن طريقنا، وإنّا إن أردنا قرناً شقّ علينا، قال: (فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق) (١). وجه الاستدلال: - أن عمر ﵁ جعل المناط هو المحاذاة، ومن مسالك تحقيق المناط: الإجماع (٢)، و (من تأمل كلام الفقهاء في المحاذاة وفي أحكامها، رأى اتفاقهم على مفهوم عام لها وهو: مسامتة المتجه إلى مكة الميقات الواقع عن يمينه أو شماله، وذلك حيث يكون بعده عن الكعبة كبعد ذلك الميقات) (٣)، (ولم يقل أحد من أهل العلم بمراعاة الميقاتين جميعاً) (٤). ٢/ الدليل الآخر وله علاقة بالأول: أن عمر ﵁ (أمرهم بمحاذاة أقرب ميقات إلى طريقهم، دون

стр. 1158

مراعاة للميقات الآخر الذي على يمينهم وهو ذو الحليفة) (١)، وهو يدل على أن (الإحرام من محاذاة الميقات أقرب الأمور إلى النص؛ لأن القصد البعد عن مكة بهذه المسافة فلزم اتباعه) (٢). المسألة الثانية: أدلة القائلين بأن محاذاة الميقات كون المُحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد (٣): استدل أصحاب هذا القول: ١/ بأثر ابن عمر الذي استدل به أصحاب القول الأول، والشاهد منه قول عمر: (فانظروا حذوها من طريقكم). وجه الاستدلال: - أن عمر ﵁ جعل المناط هو المحاذاة، ومن مسالك تحقيق المناط: اللغة العربية (٤)، و (المحاذاة إنما تعني: اختراق محيط المواقيت،

стр. 1159

أي: المرور بين ميقاتين، وماعدا ذلك فليس من المحاذاة في شيء) (١)، وهذا (هو مقتضى اللغة، لايحتاج إلى بسط الأدلة عليه) (٢)، فـ (كل البقع التي تقع بين ميقاتين هي بقع محاذية) (٣). ويمكن [مناقشة] هذا الاستدلال بأمور (٤): - بأن مسلك الإجماع مقدم على مسلك اللغة؛ لأن الإجماع من المسالك النقلية وهي مُقدمة في الأحكام الشرعية، والدلالة اللغوية قد تُنقل في الشرع عن دلالتها. - ثم إن هذا المعنى للمحاذاة فيه مراعاة لميقاتين، وعمر ﵁ قال: (انظروا حذوها) يعني: قرن المنازل، وهي عن يسار ذات عرق، دون مراعاة لذي الحليفة التي عن يمينه. - وأقوال أهل العلم منحصرة في محاذاة الأقرب من المواقيت إلى طريقه، وبين التخيير فإن شاء أحرم من الأول أو الثاني، ولم يقل أحد بمراعاة الميقاتين جميعاً. - ولو وضع خط بين الجحفة ويلملم مثلاً، فإن جزءاً كبيراً من هذا الخط أقرب إلى مكة من الميقاتين الذين يراعيهما، فيفضي إلى تأخير الإحرام عن محاذاة جميع المواقيت (٥).

стр. 1160

- (ومع فساد هذا القول في كيفية المحاذاة فإنه صعب التطبيق، ويحتاج إلى عمليات حسابية وهندسية دقيقة في كل حال محاذاة يحتاج إليها الناس، على الرغم من سهولة تصوره على الورق والخرائط … وذلك من خلال النظر فيما يأتي: - معرفة المسافة بين الطريق المسلوك والميقات الواقع عن يمينه، معرفة المسافة بين الطريق المسلوك والميقات الواقع عن شماله. - معرفة المسافة بين مكة والميقات الذي عن يمينه، معرفة المسافة بين مكة والميقات الذي عن يساره. - نسبة المسافة التي بينه وبين أحد الميقاتين إلى المسافة التي بينه وبين الميقات الآخر، وماتقتضيه هذه النسبة من بعد عن مكة. - ولا شك أن هذه الأمور تحتاج إلى خبير … فكيف يُعلّق الحكم الشرعي الذي يحتاج إليه عموم الناس على أمر لايحسنه إلا أفراد منهم، مع مافيه من الحرج والمشقة؟) (١).
следующие страницы →