← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم فليس في الآية دلالةٌ ظاهرةٌ بَلْهَ كونِها نصّاً في المسألة؛ لأن الرجس عند أهل اللغة: القذر (١)، ولا يلزم من ذلك النجاسة (٢)، ثم إن في الآية ما يمنع من حملها على أن المراد بالرجس النجس؛ لاقتران الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام، وهي طاهرة بالإجماع (٣). وأجيب عن ذلك: - بأنَّ المرادَ الحقيقةُ الشرعيةُ وليستِ اللغويةَ (٤)؛ فالله تعالى سمَّى الخمر رجساً كما سمّى النجاساتِ من الميتةِ، والدم المسفوحِ، ولحمِ الخنزيرِ رجساً (٥)، ولايضر قرن الخمر بالأشياء الطاهرة؛ لأن دلالة الاقتران ضعيفة (٦)، فيخرج الطاهر منها بدلالة الإجماع، ويبقى الخمر على مقتضى الكلام (٧). - و أيّاً ماكان فقد قال ابن حجر: (والتمسك بعموم الأمر باجتنابها

стр. 107

كافٍ في القول بنجاستها) (١)، بل إن لفظ الرجس أبلغ من لفظ النجس؛ إذ إن الرجس أصلها من الرَجس -بفتح الراء-، وهو: شدَّةُ الصوت، قال الرازي: (يقال: سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد، فكان الرجس هو العمل الذي يكون قويَّ الدرجة كامل الرتبة في القبح) (٢). وأجيب عن الجواب: بعدم التسليم في دلالة الرجس على النجس في الحقيقة الشرعية، فروي عن ابن عباس ﵁ في قوله : ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: سَخَطٌ (٣)، قال ابن تيمية: (وبالجملة لفظ (الرجس) أصله القذر، ويراد به الشرك، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ويراد به الخبائث المحرمة كالمطعومات والمشروبات، كقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ

стр. 108

لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾) (١)، وفي السنة مثل ذلك، قال ابن الأثير: (الرجس: القذر، وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح، والعذاب، واللعنة، والكفر) (٢)، ولابْنِ عطيَّةَ كلامٌ جميلٌ، حيث يقول في معنى الرجس: (كل مكروه ذميم، وقد يقال للعذاب … وقد يقال للنتن وللعذرة والأقذار رجس، والرجز العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين) (٣). ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على نجاسة الخمر غير واحد من العلماء: ١. قال الماوردي (ت ٤٥٠): (فأما الخمر فنجس بالاستحالة (٤)، وهو إجماع الصحابة ﵃ (٥). ٢. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (وقد أجمع علماء المسلمين في كل عصر وبكل مصر فيما بلغنا وصح عندنا أن عصير العنب إذا رمى بالزبد، وهدأ، وأسكر الكثير منه أو القليل أنه خمر، وأنه ما دام على حاله تلك حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير، رجس نجس

стр. 109

كالبول إلا ما روي عن ربيعة في نُقَطٍ من الخمر شيء لم أَرَ لذكره وجهاً؛ لأنه خلاف إجماعهم) (١). ٣. وقال ابن حزم (ت ٤٥٦): (وأما تنجيس الخمر ما وقعت فيه فلا نعلم في أنها تنجس ما مست من ذلك خلافاً، إلا شيئاً ذكره بعض العلماء عن ربيعة، وهو قول فاسد، وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٢). ٤. وقال ابن رشد الجد (ت ٥٢٠): (فلا خلاف بين أحد من المسلمين أعلمه في أن الخمرة نجسة) (٣) ٥. وقال ابن العربي (ت ٥٤٣) بعد ذكره لمعنى ﴿رِجْسٌ﴾ قال: (وهو النجس) ثم قال: (ولا خلاف في ذلك بين الناس، إلا ما يُؤثَرُ عن ربيعة أنه قال: إنها محرمة، وهي طاهرة، كالحرير عند مالك محرم، مع أنه طاهر) (٤). ٦. وقال النووي (ت ٦٧٦): (الخمر نجسة عندنا … ونقل الشيخ أبو حامد (٥) الإجماع على نجاستها) (٦). ٧. وقال العيني (ت ٨٥٥): (انعقد الإجماع على نجاستها، وداودُ لا يُعْتَبر خلافه في الإجماع، ولا يصح ذلك عن شريعة) (٧).

стр. 110

٨. وقال ابن مفلح (ت ٨٨٤): (وهي نجسة إجماعاً، لكن خالف فيه الليث، وربيعة، وداود، وحكاه القرطبي عن المزني، فقالوا بطهارتها) (١). ونوقش هذا الاستدلال: - بعدم التسليم بالإجماع بل الخلاف حاصل (٢)، بمخالفة الحسنِ البصريِّ (٣) (ت ١١٠)، و ربيعةَ (٤) (ت ١٦٣)، والليثِ بن سعدٍ (٥) (ت ١٧٥) (٦)، والمزنيِّ (٧) (ت ٢٦٤) (٨)، وداودَ الظاهري (ت ٢٧٠) (٩)، ومن

стр. 111

المتأخرين: الصنعاني (ت ١١٨٢) (١)، والشوكاني (ت ١٢٥٠) (٢). ويمكن أن يجاب عن ذلك: - بعدم التسليم بالخلاف بل الإجماع قائم لم يُخرم، ويمكن مناقشة هذه النسبة إليهم بأمور، وبين يَدَيْ الجواب أقدم بهذه العبارة المهمة لأبي العباس ابن تيمية، حيث يقول: (والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله) (٣)، وهذه العبارة تتأكد عندما يعود هذا المنقول على أصل من الأصول الشرعية بالبطلان (٤)، فلا نترك الدليل الشرعي القائم لخلاف منقول لم نتحققه، و لايُعارَضُ المعلومُ بالموهوم، فليس كل ماينقل عن العلماء صحيحاً، وليس كل ماصح عنهم يكون صريحاً في المسألة المراد بحثها، فالوقوف على نص الأئمة أولى. - ثم إن هناك معنى لطيف يستدعي التحقق من نسبة الأقوال إلى بعض الأئمة والعلماء غير الأئمة الأربعة المتبوعين، نبّه إليه ابن رجب في قوله: (مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما

стр. 112

نُسب إليهم ما لم يقولوه، أو فُهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذبّ عنها، ويُنبّهُ عَلَى ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة) (١)، وبعد هذه المقدمة فهذه هي مناقشة مانُسب إليهم: - أما مانُسب للحسن البصري؛ فإنه بعيد، ولم أقف على نسبة هذا القول للحسن البصري إلا عند بعض الشافعية (٢)، فأين الأئمة الذين لهم عناية بالوفاق والخلاف عن هذا القول، كابن المنذر (ت ٣١٩)، والطحاوي (ت ٣٢١)، وابن عبدالبر (٤٦٣)، وابن حزم (ت ٤٥٦)، بل حتى النووي (ت ٦٧٦) من الشافعية، كلهم لم يذكروا هذا القول، و من نسب ذلك إليه من الشافعية فإن بينه وبين الحسن البصري مفاوز. - وأما مانُسب لربيعة؛ فإنه غير دقيق، وربيعة أشهر من ينسب له القول بالمخالفة، فأكثر من ذكر الخلاف يذكر مخالفة ربيعة للإجماع، كالطحاوي وابن عبدالبر وابن حزم والقرطبي والنووي، فهو أشهر من ينسب له القول بالمخالفة، بل يكاد ينحصر فيه، لكن إطلاق القول بأنه يرى طهارة الخمر محل نظر!. - … والظاهر أنه يرى نجاستها لكنه يتسامح في اليسير منها، كما قال ابن عبدالبر - وهو من أعلم الناس بالخلاف- (٣): (وقد أجمع

стр. 113

علماء المسلمين في كل عصر وبكل مصر -فيما بلغنا وصح عندنا-، أن عصير العنب إذا رمى بالزبد وهدأ وأسكر الكثير منه أو القليل أنه خمر، وأنه ما دام على حاله تلك حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير، رجس نجس كالبول إلا ما روي عن ربيعة في نقط من الخمر شيء لم أر لذكره وجهاً؛ لأنه خلاف إجماعهم، وقد جاء عنه في مثل رؤوس الإبر من نقط البول نحو ذلك) (١)، فهو لا يخالف في نجاستها، وإنما يخفف في اليسير منها كما يخفف في اليسير من البول، وكما يخفف غيره في اليسير من سائر النجاسات (٢). - وأما مانُسب لليث بن سعد؛ فإن الطحاوي وهو أسبق من نقل عنه، نقل عنه مايدل على نجاستها عنده، فقال الطحاوي: (وقال مالك في الخمر يصيب ثوب الرجل فيصلي فيه وهو لا يعلم: أنه يعيد ما دام في الوقت، وهو قول الأوزاعي، وقال الليث: في أحد قوليه يعيد، وفي الآخر لا يعيد) (٣). - فسياق الكلام هو في الخمر يصيب الرجل ولا يعلم به إلا بعد الصلاة، فقال في أحد قوليه: يعيد، وهذا القول يدل على نجاسة الخمر عنده، والقول الآخر: لا يعيد، وهذا القول لايلزم منه

стр. 114

طهارة الخمر؛ كما قال الخطابي تعليقاً على الحديث الذي فيه خلع النبي ﷺ لحذائه المتقذر في الصلاة (١): (فيه من الفقه أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه) (٢)، فلعل من نسب إليه القول بطهارتها ظن أن حكمه بعدم الإعادة يدل على الطهارة. - و أما مانُسب للمزني (ت ٢٦٤)؛ فإني لم أقف على من ينقل عنه هذا الخلاف إلا القرطبي (ت ٦٧١)، ونحتاج إلى معرفةٍ بماقاله؛ لنرى دلالته على مانحن بصدده؛ لأن الشافعية عندهم وجه شاذ بطهارة الخمر المحترمة (٣)، فقد يكون هذا مراد المزني إن صح النقل عنه، قال النووي: (لا فرق في نجاسة الخمر بين الخمر المحترمة وغيرها، وكذا لو استحال باطن حبات العنب خمرا فإنه نجس، وحكى إمام الحرمين، والغزالي وغيرهما وجهاً ضعيفاً؛ أن الخمر المحترمة طاهرة، ووجهاً أن باطن حبات العنب المستحيل طاهر، وهما شاذان

стр. 115

والصواب النجاسة) (١)، أو يكون قصده النبيذ، قال في روضة الطالبين: (وفي النبيذ وجه شاذ مذكور في "البيان" أنه طاهر) (٢). - وأيّاً ماكان فحمل كلامه على مايوافق الإجماع أولى من حمله على مخالفته بلا برهان، ثم إن الشافعية ليس عندهم قول ولا وجه بالطهارة مطلقاً، ولم يحكوا في الأوجه الشاذة أيضاً قولاً للمزني، وهو صاحبهم وهم أعلم به، والله أعلم. - أما مانُسب لداود الظاهري؛ فإنه بعيد، يخالف أصوله الظاهرية، فابن حزم الظاهري مثلاً لايرى نجاسة الخمر فقط، بل نجاسة الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)، قال: (فمن صلى حاملاً شيئاً منها بطلت صلاته) (٤)، بل إن ابن حزم لا يعلم أن أحداً يخالف في نجاسة الخمر، وشنع على ربيعة بمانسب إليه من طهارتها فقال: (وأما تنجيس الخمر ما وقعت فيه؛ فلا نعلم في أنها تنجس ما مست من ذلك خلافاً، إلا شيئاً ذكره بعض العلماء عن ربيعة، وهو قول فاسد، وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٥)، فهذا ابن حزم لايعرف قول دواد إمام الظاهرية!. - والخلاصة: أن مانقل عن الحسن، والليث، والمزني، وداود، فإنه لايصح (٦)، ومانُقل عن ربيعة -وهو أشهر من عُرف بالمخالفة- فإنه غير دقيق، بل هو يرى نجاسة الخمر لكنه يتسامح في القطرة

стр. 116

والقطرتين من باب العفو عن يسير النجاسة (١)، والله أعلم. - وعلى فرض التسليم بوجود الخلاف، فإن هذا الخلاف حادث والإجماع سابق له؛ إذ هو إجماع الصحابة ﵃ ولاعبرة بالخلاف بعدهم، قال الماوردي: (وهو إجماع الصحابة ﵃ (٢)، ولايعرف عن الصحابة قول صحيح ولاضعيف بطهارة الخمر، بل المنقول عنهم خلاف ذلك (٣)، وهذا هو الأقوى. - فإن امتنع ذلك فهو إجماع من بعدهم (٤)، من القرن الرابع إلى القرن الثاني عشر، فقد أطبق الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم على القول بنجاسة الخمر.

стр. 117

المسألة الثانية: أدلة القائلين بطهارة الخمر: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ البراءة الأصلية، فالأصل الطَّهارة حتى يقوم دليل النَّجاسة، ولا دليل هنا، ولا يلزم من التحريم النجاسة؛ بدليل أن السُمَّ حرام وليس بنجس (١). ونوقش هذا الدليل بأمور: - أن البراءة الأصلية إنما يستقيم الاستدلال بها عند عدم المعارض الراجح، أَمَا وقد قام الإجماع على نجاسته فلا براءة. - ثم إن ماورد في الخمر من تسميتها رجساً، والأمر باجتنابها، وإراقتها، وكسر دنانها (٢)، وشق ظروفها (٣)، وغسل أوانيها،

стр. 118

واستخباث الشرع لها، ولعن عشرة فيها، مما لم يرد مثله ولا قريباً منه في البول، بل ولا الغائط، يكفي في الدلالة على نجاسة الخمر. - قال القرطبي: (ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكمٍ إلا حتى نجد فيه نصّاً لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليلة، فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك؟! وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة) (١). - أما قولهم: (لايلزم من التحريم النجاسة، ويلزم من النجاسة التحريم) (٢) فالجواب عنه: أن هذا الاعتراض إنما يستقيم لوكان العلماء المعترض عليهم يذكرونه في سياق الاستدلال، وهم إنما يذكرونه في سياق التعريف والحد أصالة (٣)، على أنه لايسلم

стр. 119

بتعريفهم بل كما قال ابن تيمية: (ضبط قانون كلي في الطاهر والنجس مطرد منعكس لم يتيسر، وليس ذلك بالواجب علينا بعد علمنا بالأنواع الطاهرة والأنواع النجسة) (١). - ومع ذلك فإن التحريم الذي يذكرونه ليس مطلقاً، وإلا لقيل: بنجاسة الأم؛ لأن الله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٢) ولا قائل بذلك، فليس مرادهم التحريم المطلق، بل مرادهم تحريم التناول (أي: الأكل) مع إمكانه، لا لحرمته كصيد المحرم، ولا لاستقذاره كالبصاق، ولا لضرره كالسم (٣)، فهذه هي النجاسة عندهم، ومع هذه القيود فلايستقيم الإلزام بجزء الكلام، وتركُ قيوده المؤثرة. ٢/ ومن أدلتهم أيضاً على طهارة الخمر: مارواه مسلم عن ابن عباس ﵁: أن رجلاً أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : «هل علمْتَ أن الله قد حرمها؟» قال: لا، فسارّ إنساناً، فقال له رسول الله ﷺ : «بِمَ سارَرْته؟»، فقال: أمرتُه ببيعها، فقال: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها»، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها (٤). وكذلك سفك المسلمين لها وإراقتها بعد تحريمها ولم يؤمروا بغسل أوانيهم بعدها، قال ابن عثيمين: (ولو كانت نجسة لأُمروا بِغَسْلها، كما أُمروا بِغَسْل الأواني من لحوم الحُمُر الأهليَّة حين حُرِّمت في غزوة خيبر) (٥).

стр. 120

ونوقش هذا الاستدلال، بأمور: - بعدم التسليم فإنه ورد الأمر بغسل أواني الخمر وهو أصرح من عدم الأمر؛ كما في حديث أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ ﵁ المُخرَّجِ في الصحيحين قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض أهل الكتاب، فنأكل في آنيتهم … ؟ فقال النبي ﷺ : «أمَّا ما ذكرتَ أنك بأرضِ أهلِ كتاب، فلا تأكلوا في آنيتهم إلا ألّا تجدوا بُدًّا، فإن لم تجدوا بُدًّا فاغسلوها وكلوا … الحديث» (١)، وقد أتى الأمر بعد الالتباس والسؤال، ولو لم يستشكلوا فإن الأمر غير وارد؛ لأنهم سيغسلون الآنية بعد استعمالها بداهة. - وقد جاء عند أحمد وأبي داود زيادةٌ مُفسِّرة: (إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزيرَ ويشربون في آنيتهم الخمر) (٢)، قال البيهقي: (وفي هذا دلالة على أن الأمر بالغسل، إنما وقع عند العلم بنجاستها) (٣)، وهذه الزيادة وإن كان قد أعرض عنها الشيخان وهذا مظنة إعلال، إلا أنه يجب المصير إليها عندَ

стр. 121

كلِّ منْ لايرى نجاسة بدن الكافر وهم الجمهور (١)، وإلا كان معارضاً لنصوص جواز استعمال آنية المشركين، قال النووي: (المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود، وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار وكونها معتادة للنجاسة) (٢) قال ابن حجر: (والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة في التنفير عنها) (٣). - يوضح ذلك أن الحُمر الأهلية إنما أمرهم بغسل أوانيها بعد سؤالهم، واستشكالهم، كما في حديث سلمةَ بنِ الأَكْوعِ في الصحيحين: أن النبي ﷺ رأى نيراناً توقد يوم خيبر، قال: «على ما توقد هذه النيران؟»، قالوا على الحمر الإنسية، قال: «اكسروها، وأهرقوها»، قالوا: ألا نهريقها، ونغسلها؟ قال: «اغسلوا» (٤)، ولم يؤمروا في غير هذا الحديث بغسلها، بل أُمروا بإكفاء القدور كما في حديث ابن أبي أوفى (٥)، وورد أيضاً أنهم امتثلوا هم بإكفائها دون أمْر، لما علموا تحريمها، كما في حديث

стр. 122

أنس (١)، فما يُورَدُ على عدم الأمر بغسل آنية الخمر يُورَدُ هنا. - وعلى فرض التسليم بأنهم لم يؤمروا بغسل أواني الخمر؛ فإن ذلك للعلم به بداهة حتى في الطاهرات، كاللبن إذا وضع في إناء فإنه يُغسل بعد شربه إذا أردنا شرب شيء آخر فيه، ثم إنه يلزم من استدلالهم = جوازُ شرب الماءِ في الإناء الذي شُرب به خمر ولو لم يُغسل، وهذا باطل قطعاً (٢). ٣/ ومن أدلتهم أيضاً على طهارة الخمر: حديث أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ أمر منادياً ينادي: ألا إنَّ الخمر قد حرمت»، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة (٣). وجه الاستدلال: كماقال القرطبي: (استدل سعيد بن الحداد القروي (٤) على طهارتها بسفكها في طرق المدينة، قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة ﵁، ولنهى رسول الله ﷺ عنه كما نهى عن التخلي في الطرق) (٥)، قال ابن عثيمين: (وطُرقات المسلمين لا يجوز أن

стр. 123

تكون مكاناً لإِراقة النَّجاسة) (١). ونوقش هذا الاستدلال بأمور (٢): - أما قياسها على التخلي في الطريق؛ فقياس مع الفارق؛ لأن التخلي لو لم يُنه عنه لاستمر الناس في فعله وتكرر، أما إراقة الخمر فهو مرة واحدة يوم حُرّم، والتخلي في الطرق فيه من خوارم المروءة، وتكشف العورات، والأذية بالنجس والريح ماليس في الخمر. - ثم إنه لايلزم من إراقتها أن تكون مؤذية، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها. - يُضاف إلى ذلك أن الإراقة يحتمل أنها لم تكن في أي سكة، بل في السكك التي لها منفذ وانحدار إلى وادٍ بعيدٍ عن طرق الناس، ويؤيد ذلك ماورد في حديث جابر بسند جيد (٣) في قصة صب الخمر قال: (فانصبت حتى استنقعت في بطن الوادي) (٤). - ولو سلمنا بهذا الاستدلال، فيمكن حمل فعل الصحابة ﵃ على الضرورة؛ لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيه، إذ

стр. 124

الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. - ثم إن مفسدة إراقتها يسيرة محتملة لمصلحة راجحة، من إشاعة لتحريمها، وإخراج لها من نفوس قد تعلقت بها وألفتها، قال المهلب: (إنما صبت الخمر في الطريق للإعلان برفضها وليشهر تركها، وذلك أرجح في المصلحة من التأذي بصبها في الطريق) (١). - و الخمر بعد إراقتها لاتمكث بل تختلط بالتربة، وتضربها الريح، وتشربها الأرض، وتُيَبِّسها الشمس، فتستحيل ولاتؤثر فيمن وطئها؛ كما (كانت الكلاب تبول، وتقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) (٢). - وعلى فرض أنها تبقى و لا يشق الاحتراز منها ثم وطئها المار عليها، فإنه ماوطئه يطهره ما بعده، كما في ذيل المرأة يطهره مابعده، والنعل يطهرها التراب، والطريق القذرة يطهر ماعلق منها الطريق الطيبة بعدها. - وبعد هذه الاحتمالات التي تُضعف الاستدلال، فهنا احتمال ضعيف أيضاً، وهو ماذكره ابن التّين: (هذا الذي في الحديث

стр. 125

كان في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، فأما الآن فلا ينبغي صب النجاسات في الطرق خوفاً أن يؤذي المسلمين) (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بطهارة الخمر إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، ولم يثبت بعد البحث مخالف يصح أن يُخرم به الإجماع، ولو ثبت المخالف فإنه محجوج بإجماع الصحابة قبله (٢)، ولايعرف عن الصحابة قول صحيح ولاضعيف بطهارة الخمر، فإن امتنع ذلك فهو إجماع من بعدهم، من القرن الرابع إلى القرن الثانيَ عشرَ، وقد أطبق الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم على القول بنجاسة الخمر، والله أعلم. مسألة في حكم الكحول (٣): - الكحول: سائل عديم اللون، له رائحة خاصة، يُنتج من تخمر السكر والنشاء وغيرهما، وهو روح الخمر وخلاصته (٤)، يدخل في صناعة الخمور، وفي تحضير الأدوية والعطور والصِّبغ، ويستعمل مادّةً مذيبة (٥)، وهو لفظ معرَّب، مع أن أصلها عربي وهو الغَوْل: أي: ما يغتال العقل بالسكر (٦)، وقد قال تعالى عن خمر الآخرة:

стр. 126

﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (١)، وحُكْمُ هذهِ الكحولِ الموجودة في بعض الأطعمة لحفظها، وفي بعض الأدوية والمعقمات، وفي بعض الأطياب والعطورات، مبنيٌ على مقدمتين: الأولى: هل تدخل الكحول في مسمى الخمر فتأخذ حكمه؟، والأُخْرى: هل النسبة الموجودة من الكحول مسكرة؟ - وفي كلٍّ من المقدمتين لابد من نظر مختص بهذه المركبات؛ لإظهار التوصيف الدقيق لها، حتى يحكم العالِم فيها، أما إعطاء حكم عام لها، ففيه صعوبة وحرج؛ لتعدد الاستعمال، واختلاف التراكيب، واختلاف النسب، والله أعلم.

стр. 127

المبحث الرابع: طهارة الدم الكثير وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 128

(وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ولم يسبقه إليه أحد منهم فإنه يكون خطأ كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام). ابن تيمية ﵀ مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٩١)

стр. 129

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: المقصود بالدم الكثير: الدم الجاري في أصل خلقته؛ لأن الله تعالى شرط فى نجاسته أن يكون مسفوحًا، فقال تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (١)، وكنّى بالمسفوح عن الكثير الجاري (٢)، أو الذي من شأنه أن يسيل (٣)؛ فالقليل ليس من شأنه أن يسيل، قال ابن عبدالبر: (ومعنى المسفوح: الجاري الكثير) (٤). فخرج بقيد المسفوحِ الجامدُ المنصوص عليه كالكبد و الطحال، و اليسيرُ كالذي بين اللحم وفي العروق، وهذا هو مفهوم هذه الآية ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبَّع المسلمون من العروق ما تتبعتِ اليهود (٥)، وعن عائشة ﵂ قالت: (كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله ﷺ تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا نُنْكره) (٦). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. فقد أجمع العلماء على طهارة الكبد والطحال (٧)، وعلى طهارة

стр. 130

المسك (١) مع أن أصله الدم (٢). ٢. وحُكي الإجماع على نجاسة الدم الكثير (٣)، وعلى العفو عن يسير الدم (٤)، وعلى جواز الصلاة في الدم المستمر الذي لايقف (٥). ٣. واختلفوا في دم السمك (٦)،

стр. 131

وعلقة (١) الآدمي (٢)، ودم الشهيد (٣). والمسألة المراد بحثها وتصحيح نسبتها إلى الشذوذ من عدمه، هي: القول بطهارة الدم الكثير السائل في أصله غير دم السمك و الشهيد.

стр. 132

المطلب الثاني: القائلون بطهارة الدم الكثير من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: - الألباني (١) (ت ١٤٢٠)، و قوَّى هذا القول ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (٢). - وقد سبقهما إلى هذا القول الشوكاني (٣) (ت ١٢٥٠)، وتبعه: صديق حسن خان (٤) (ت ١٣٠٧) (٥)، ولم أقف بعد البحث على قائل معتبر

стр. 133

سبق الشوكاني إلى هذا القول، إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين، قال النووي: (ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف) (١).

стр. 134

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي في المطلب الرابع؛ ومخالفة الإجماع الصحيح من أقوى وأظهر معايير الشذوذ، قال ابن تيمية عن أحد الأقوال: (قول شاذ مخالف للإجماع) (١). ٢/ النص على شذوذه، و قد نص على شذوذ هذا القول: - ابن الملقن (ت ٨٠٤) بقوله: (نجاسة الدم (٢) وهو إجماع إلا من شذ) (٣). - وابن جبرين (ت ١٤٣٠) بقوله: (وقد نازع بعض الناس في نجاسة الدم … وأنت ترى أن هذا قول شاذ) (٤).

стр. 135

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بنجاسة الدم: استدل أصحاب هذا القول، بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الرجس هو: النجس (٢)، وقد قام الإجماع على تقييد الدم المحرم النجس بالمسفوح، وليس مطلق الدم (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن الرجس دلالته أعم من النجاسة فقط، فهي تعم النجس

стр. 136

والقذر (١)، ثم إن المقصود بها النجاسة المعنوية، لأن الآية لم تُسق لبيان الطهارة والنجاسة، بل لبيان ما يحل ويحرم ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٢). - وعلى فرض التسليم بأن الرجس يعني النجس، فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٣)، يعود لأقرب مذكور وهو لحم الخنزير لا لجميع المذكورات؛ لإفراد الضمير (٤). وأجيب عن ذلك: - بالتسليم بعموم دلالة الرجس على النجس و القذر (٥)، ولكن إجماع الأمة عيَّن أحد هذه المعاني المحتملة، فنقل دلالة الرجس على النجس من الظن إلى القطع (٦)، قال ابن عبدالبر: (ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس) (٧). - ولايسلم بأن المقصود النجاسة المعنوية فهذا تأويل بالمعنى المجازي، والصحيح أنها نجاسة حسية؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة (٨)، والمجاز خلاف الأصل، لايصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة (٩).

стр. 137

- وإرجاع الضمير إلى أقرب مذكور هذا هو الأصل، لكنه ليس بمطرد، فقد يتقدم الضمير على مايفسره (١)، و قد يعود الضمير للمضاف إذا كان الأقرب هو المضاف إليه (٢)، وقد يعود لماهو أبعد إذا كان البعيد هو المتحدث عنه، أو كان فيه توحيداً لمرجع الضمائر (٣)، ونحوهما من الأدلة الصارفة عن الأصل (٤). - إذا تقرر هذا؛ فإن المتحدث عنه في الآية هو الطعام المحرم،

стр. 138

وإفراد الضمير باعتبار ﴿مُحَرَّمًا﴾ المذكورة في أول الآية، أو باعتبار الطعام المدلول عليه بقوله: ﴿يَطْعَمُهُ﴾، أو باعتبار الكائن المدلول عليه بقوله: ﴿يَكُونَ﴾، أو باعتبار المذكور، فيكون المعنى: فإن ذلك المحرم أو المطعوم أو الكائن أو المذكور رجس، وعوده على قوله ﴿مُحَرَّمًا﴾ فيه إشارة إلى علة التحريم (١). - مما يؤيد ذلك أن الميتة والدم ولحم الخنزير اشتركت في التحريم - وهو قبل الوصف بالرجسية-، وفي استثناء المضطر وهو بعد الوصف بالرجسية، فمناسبة اشتراكها بوصف الرجسية ظاهر (٢)، ومن قصر الضمير على لحم الخنزير فقصره قاصر؛ لأنه يؤدي إلى تشتيت الضمائر وإلى القصور في البيان القرآني حيث يكون ذاكراً للجميع حكماً واحداً يعلل لواحد منها فقط (٣). - قال العيني: (التحقيق في هذا الباب أن يكون التقدير في الضمير: فإن كل واحد من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجس، أي: نجس، فيكون هذا تعليلاً لقوله: ﴿مُحَرَّمًا﴾ فبين بذلك أن هذه الأشياء حرام؛ لأنها نجسة) (٤)، قال ابن تيمية: (الحكم بنجاسة الدم ونجاسة ذبائح المشركين إنما علم لما حرمت الميتة والدم ولحم الخنزير) (٥).

стр. 139

٢/ الدليل الثاني الإجماع. وقد نقل الإجماع على نجاسة الدم الكثير غير واحد من العلماء: ١. قال الإمام أحمد (ت ٢٤١): (الدم لم يختلف الناس فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه) (١) يعني في نجاسته. ٢. و قال الطحاوي (ت ٣٢١): (الأصل المتفق عليه أن دماء الأنعام المأكولة لحومها نجسة، وأن وقوعها في المياه يفسدها، وإن أصابت الثياب نجستها، كدماء بني آدم في ذلك) (٢). ٣. و قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس) (٣)، وقال: (وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس) (٤). ٤. و قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا على أن الكثير من الدم أي دم كان، حاشا دم السمك وما لا يسيل دمه نجس) (٥). ٥. وقال السمرقندي (ت ٥٤٠): (كل ما يخرج من بدن الإنسان مما يتعلق بخروجه وجوب الوضوء أو الغسل فهو نجس، نحو: الغائط، والبول، والدم … ولا خلاف في هذه الجملة) (٦) ٦. و قال ابن العربي: (ت ٥٤٣): (اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لايؤكل ولا ينتفع به) (٧).

стр. 140

٧. و قال ابن رشد (ت ٥٩٥): (اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس) (١). ٨. و قال ابن قدامة (ت ٦٢٠): (ما خرج من السبيلين، كالبول، والغائط، والمذي، والودي، والدم، وغيره، فهذا لا نعلم في نجاسته خلافاً، إلا أشياء يسيرة) (٢). ٩. و قال القرطبي (ت ٦٧١): (اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لايؤكل ولا ينتفع به) (٣). ١٠. و قال النووي (ت ٦٧٦) في المجموع: (الدلائل على نجاسة الدم متظاهرة ولا أعلم فيه خلافاً عن أحد من المسلمين، إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين، أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف) (٤)، وقال في شرحه لمسلم: (الدم نجس وهو بإجماع المسلمين) (٥). ١١. و قال القرافي (ت ٦٨٤): (والدم المسفوح نجسٌ إجماعاً) (٦). ١٢. و قال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (أما المذي؛ فيعفى عنه [أي: يسيره] في أقوى الروايتين؛ لأن البلوى تعم به ويشق التحرز منه، فهو كالدم بل أولى؛ للاختلاف في نجاسته، والاجتزاء عنه بنضحه) (٧)، فيفهم

стр. 141

من تعليله بالعفو عن يسير المذي أنه أولى من الدم؛ للاختلاف في نجاسة المذي بخلاف الدم. ١٣. و قال عبد الرحمن بن محمد بن عسكر المالكي (ت ٧٣٢): (ولا خلاف في نجاسة الدم المسفوح) (١). ١٤. وقال الخازن (ت ٧٤١): (اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لايؤكل ولا ينتفع به) (٢). ١٥. و قال ابن عادل الحنبلي (ت ٧٧٥): (اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لايؤكل ولا ينتفع به) (٣). ١٦. و قال ابن الملقن (ت ٨٠٤): (نجاسة الدم وهو إجماع إلا من شذ) (٤). ١٧. و قال ابن حجر (ت ٨٥٢): (والدم نجسٌ اتفاقاً) (٥). ١٨. وقال العيني (ت ٨٥٥): (ونجاسته مجمع عليها بلا خلاف وهو حجة قطعية. والمرادُ من الدمِ الدمُ المسفوح) (٦). ١٩. و قال ابن نجيم (ت ٩٧٠): (إذا استاك للصلاة ربما يخرج منه دم، وهو نجس بالإجماع) (٧).

стр. 142

٢٠. و قال الهيتمي (ت ٩٧٤) عند بيان النووي للنجاسات فقال: (ودم) قال الهيتمي معلقاً: (إجماعاً) (١). ٢١. وقال الخرشي (ت ١١٠١): (والدم قسمان مسفوح، وهو الجاري نجس إجماعاً) (٢) ٢٢. و قال الرهوني (ت ١٢٣٠): (أما الدم المسفوح، أي: الجاري فنجس إجماعاً) (٣)، والرهوني وفاته قبل وفاة الشوكاني -رحمهما الله- بعشرين عاماً، وهذا يدل على أن الإجماع لم يزل ينقله العلماء من القرن الثالث و حتى القرن الثالث عشر دون معرفة مخالف معتبر قبل الشوكاني، وأختم هذه الإجماعات بالنقل عن هاتين الموسوعتين المعاصرتين: ٢٣. ففي الموسوعة الفقهية الكويتية: (اتفق الفقهاء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل، ولا ينتفع به) (٤). ٢٤. وفي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي: (أجمع الفقهاء على نجاسة الأنواع التالية: … الدم: دم الآدمي غير الشهيد، ودم الحيوان غير المائي، الذي انفصل منه حياً أو ميتاً، إذا كان مسفوحاً (جارياً) كثيراً) (٥). - فالإجماع على نجاسة الدم مشهور، منقول على ألسنة الأكابر، ومنهم من كان يتشدد في نقل الإجماع ويحتاط له؛ كالإمام أحمد، وابن تيمية.

стр. 143

- كما أن الأزمنة التي نقل فيها مختلفة، ومع ذلك لم يخرج في أي عصر من العصور من يَرُد على ناقل هذا الإجماع أو يخطئه، ولم يثبت ولو عن واحد من أهل العلم طيلة هذا الزمان القول بخلافه (١). و نوقش هذا الدليل: - بعدم التسليم، فقد عورض الإجماع بالاختلاف في دم الشهيد، والسمك، ودم مالانفس له سائلة (٢)، وبما ثبت عن بعض السلف مما ينافي إطلاق الإجماع، كقصة الصحابي الذي رماه المشرك وهو قائم يصلي، فاستمر في صلاته، وجرحه يسيل (٣). - وجاء في الفروع لابن مفلح رواية عن أحمد بطهارة الدم (٤). ويمكن الجواب عن ذلك بأمور: - إذا ثبت الإجماع على نجاسة نوع من أنواع الدم فلا يؤثر فيه وجود الخلاف في نوع آخر، ومن نقل الإجماع على نجاسة الدم المسفوح نقل الخلاف في دم الشهيد و نحوه، ومن ذلك قول ابن

стр. 144

حزم: (واتفقوا على أن الكثير من الدم أي دم كان، حاشا دم السمك وما لا يسيل دمه نجس) (١). - ومن اسثنى دم السمك والشهيد فرآى طهارتهما وهم الحنفية والحنابلة (٢)، نصوا على نجاسة الدم المسفوح، واستثناؤهم ما استثنوه دليل على العموم فيما سواه (٣). - وهذا التخصيص والاستثناء ليس بغريب إذا اقتضاه الدليل، وله نظائر كما خُصت ميتة البحر من تحريم الميتة، وكما خص بول الغلام من وجوب الغسل (٤). - أما ماثبت عن بعض السلف مما يظنُّ منافاته للإجماع، فلم يستدل بهذه الآثار أحد من العلماء المتقدمين على خرم الإجماع، وجميعُ ماجاء مما يُظن معارضته للإجماع فهو إن صح دائر بين أمرين: إما أن يكون يسيراً مما يُعفى عنه للمشقة، أو يكون كثيراً و لا يمكن التحرز منه للضرورة (٥)، وهاتان الصورتان مما حُكي

стр. 145

الإجماع على العفو عنهما، وهذا الجواب عن هذه الآثار بإجمال، و سيأتي تفصيل الجواب عند ذكرها بإذن الله. - وأما الرواية التي في الفروع عن أحمد، فهي خطأ في المطبوع يتبين ذلك بالرجوع إلى المخطوط (١)، فالعبارة التي في المطبوع: (وعنه: طهارة قيح، ومدّة وصديد، ودم. وعرق المأكول طاهر) (٢)، والظاهر أن قوله: (ودم) تابعة لما بعده، فتكون العبارة: (ودم عرق المأكول طاهر)، كما هي واضحة جداً هكذا في المخطوطين. - وهذه العبارة موجودة ومطروقة أيضاً في كتب المذهب الأخرى، قال في الإقناع: (ودم عرق مأكول بعد ما يخرج بالذبح وما في خلال لحمه طاهر ولو ظهرت حمرته نصاً) (٣)، وفي الإنصاف: (دم عرق المأكول طاهر، على الصحيح من المذهب، ولو ظهرت حمرته) (٤)، ويقصدون به: (الدم الذي يبقى في اللحم وعروقه طاهر، ولو غلبت حمرته في القدر، لأنه لا يمكن التحرز) (٥).
следующие страницы →