← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من تعليله بالعفو عن يسير المذي أنه أولى من الدم؛ للاختلاف في نجاسة المذي بخلاف الدم. ١٣. و قال عبد الرحمن بن محمد بن عسكر المالكي (ت ٧٣٢): (ولا خلاف في نجاسة الدم المسفوح) (١). ١٤. وقال الخازن (ت ٧٤١): (اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لايؤكل ولا ينتفع به) (٢). ١٥. و قال ابن عادل الحنبلي (ت ٧٧٥): (اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لايؤكل ولا ينتفع به) (٣). ١٦. و قال ابن الملقن (ت ٨٠٤): (نجاسة الدم وهو إجماع إلا من شذ) (٤). ١٧. و قال ابن حجر (ت ٨٥٢): (والدم نجسٌ اتفاقاً) (٥). ١٨. وقال العيني (ت ٨٥٥): (ونجاسته مجمع عليها بلا خلاف وهو حجة قطعية. والمرادُ من الدمِ الدمُ المسفوح) (٦). ١٩. و قال ابن نجيم (ت ٩٧٠): (إذا استاك للصلاة ربما يخرج منه دم، وهو نجس بالإجماع) (٧).

стр. 142

٢٠. و قال الهيتمي (ت ٩٧٤) عند بيان النووي للنجاسات فقال: (ودم) قال الهيتمي معلقاً: (إجماعاً) (١). ٢١. وقال الخرشي (ت ١١٠١): (والدم قسمان مسفوح، وهو الجاري نجس إجماعاً) (٢) ٢٢. و قال الرهوني (ت ١٢٣٠): (أما الدم المسفوح، أي: الجاري فنجس إجماعاً) (٣)، والرهوني وفاته قبل وفاة الشوكاني -رحمهما الله- بعشرين عاماً، وهذا يدل على أن الإجماع لم يزل ينقله العلماء من القرن الثالث و حتى القرن الثالث عشر دون معرفة مخالف معتبر قبل الشوكاني، وأختم هذه الإجماعات بالنقل عن هاتين الموسوعتين المعاصرتين: ٢٣. ففي الموسوعة الفقهية الكويتية: (اتفق الفقهاء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل، ولا ينتفع به) (٤). ٢٤. وفي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي: (أجمع الفقهاء على نجاسة الأنواع التالية: … الدم: دم الآدمي غير الشهيد، ودم الحيوان غير المائي، الذي انفصل منه حياً أو ميتاً، إذا كان مسفوحاً (جارياً) كثيراً) (٥). - فالإجماع على نجاسة الدم مشهور، منقول على ألسنة الأكابر، ومنهم من كان يتشدد في نقل الإجماع ويحتاط له؛ كالإمام أحمد، وابن تيمية.

стр. 143

- كما أن الأزمنة التي نقل فيها مختلفة، ومع ذلك لم يخرج في أي عصر من العصور من يَرُد على ناقل هذا الإجماع أو يخطئه، ولم يثبت ولو عن واحد من أهل العلم طيلة هذا الزمان القول بخلافه (١). و نوقش هذا الدليل: - بعدم التسليم، فقد عورض الإجماع بالاختلاف في دم الشهيد، والسمك، ودم مالانفس له سائلة (٢)، وبما ثبت عن بعض السلف مما ينافي إطلاق الإجماع، كقصة الصحابي الذي رماه المشرك وهو قائم يصلي، فاستمر في صلاته، وجرحه يسيل (٣). - وجاء في الفروع لابن مفلح رواية عن أحمد بطهارة الدم (٤). ويمكن الجواب عن ذلك بأمور: - إذا ثبت الإجماع على نجاسة نوع من أنواع الدم فلا يؤثر فيه وجود الخلاف في نوع آخر، ومن نقل الإجماع على نجاسة الدم المسفوح نقل الخلاف في دم الشهيد و نحوه، ومن ذلك قول ابن

стр. 144

حزم: (واتفقوا على أن الكثير من الدم أي دم كان، حاشا دم السمك وما لا يسيل دمه نجس) (١). - ومن اسثنى دم السمك والشهيد فرآى طهارتهما وهم الحنفية والحنابلة (٢)، نصوا على نجاسة الدم المسفوح، واستثناؤهم ما استثنوه دليل على العموم فيما سواه (٣). - وهذا التخصيص والاستثناء ليس بغريب إذا اقتضاه الدليل، وله نظائر كما خُصت ميتة البحر من تحريم الميتة، وكما خص بول الغلام من وجوب الغسل (٤). - أما ماثبت عن بعض السلف مما يظنُّ منافاته للإجماع، فلم يستدل بهذه الآثار أحد من العلماء المتقدمين على خرم الإجماع، وجميعُ ماجاء مما يُظن معارضته للإجماع فهو إن صح دائر بين أمرين: إما أن يكون يسيراً مما يُعفى عنه للمشقة، أو يكون كثيراً و لا يمكن التحرز منه للضرورة (٥)، وهاتان الصورتان مما حُكي

стр. 145

الإجماع على العفو عنهما، وهذا الجواب عن هذه الآثار بإجمال، و سيأتي تفصيل الجواب عند ذكرها بإذن الله. - وأما الرواية التي في الفروع عن أحمد، فهي خطأ في المطبوع يتبين ذلك بالرجوع إلى المخطوط (١)، فالعبارة التي في المطبوع: (وعنه: طهارة قيح، ومدّة وصديد، ودم. وعرق المأكول طاهر) (٢)، والظاهر أن قوله: (ودم) تابعة لما بعده، فتكون العبارة: (ودم عرق المأكول طاهر)، كما هي واضحة جداً هكذا في المخطوطين. - وهذه العبارة موجودة ومطروقة أيضاً في كتب المذهب الأخرى، قال في الإقناع: (ودم عرق مأكول بعد ما يخرج بالذبح وما في خلال لحمه طاهر ولو ظهرت حمرته نصاً) (٣)، وفي الإنصاف: (دم عرق المأكول طاهر، على الصحيح من المذهب، ولو ظهرت حمرته) (٤)، ويقصدون به: (الدم الذي يبقى في اللحم وعروقه طاهر، ولو غلبت حمرته في القدر، لأنه لا يمكن التحرز) (٥).

стр. 146

- ومما يؤكد ذلك: أن هذه الرواية الخاطئة لم يعلق عليها ابن قندس في حواشي الفروع، ولا المرداودي في تصحيح الفروع، مع أهميتها لو كانت صحيحة، ولم تذكر في بقية كتب المذهب، وهي مخالفة للنقل عن أحمد أنه لاخلاف في نجاسة الدم، والله أعلم. المسألة الثانية: أدلة القائلين بطهارة الدم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ البراءة الأصلية (١)، فالأصل في الأشياء الطهارة، ولم يأتِ دليل يعتمد عليه في نجاسة هذا الدم (٢)، ولم يأمر النبي ﷺ بغسل دمٍ من الدماء إلا دم الحيض (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن الاستدلال بالبراءة الأصلية إنما يتم عند عدم الدليل، فهو آخر مدار الفتوى (٤)، قال الشوكاني: (فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله لم أجد دليلاً على هذا؛ لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل) (٥). - وقد قام دليل الكتاب والإجماع على نجاسة الدم المسفوح، فمن يتمسك بالبراءة الأصلية هنا على قسمين: ١/ من لايرى انعقاد الإجماع؛ كالشوكاني، وهذا مناقشته في أصل الاستدلال

стр. 147

بالإجماع. ٢/ من يرى إمكان انعقاد الإجماع، ولكنه يعتقد أن الإجماع المحكي مخروم؛ كالألباني، والجواب عنه يكون عند ذكر الآثار التي استدل بها، أو يُظن خرمها للإجماع. - أما الأمر بغسل دم الحيض فهو دليل على نجاسة كل دم: أ) أما حديث عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» (١)، فقوله: «اغسلي عنك الدم» عام في كل دم، قال ابن حزم: (وهذا عموم منه ﷺ لنوع الدم، ولا نبالي بالسؤال إذا كان جوابه ﵇ قائماً بنفسه غير مردود بضمير إلى السؤال) (٢)، وقد استُدرك ذلك بأن اللام هنا للعهد الذكري (٣). ب) وأما حديث أسماء ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: «تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه» (٤)، فيقاس عليه غيره، قال الشافعي: (وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا كل دم غيره) (٥)، قال ابن عبدالبر: (وحكم كل دم كدم الحيض) (٦)، ونوقش: بأن

стр. 148

بينهما فرقاً؛ فدم الحيض دم طبيعة، بخلاف غيره؛ ولأن مخرجه مخرج البول فيعطى حكمه، كما أن صفاته مختلفة عن غيره (١). ٢/ ومن الآثار التي يُستدل بها أو يُظن خرقها للإجماع: قول الحسن البصري ﵀: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) (٢). وجه الاستدلال: أنه لم يرد عن النبي ﷺ الأمر بغسله، ولم يرد أن الصحابة ﵃ كانوا يتحرزون منه تحرزاً شديداً؛ بحيث يحاولون التخلي عن ثيابهم التي أصابها الدم متى وجدوا غيرها، ممايدل على طهارته (٣). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أن الأثر ليس فيه ذكر للدم، فلا يلزم من وجود الجرح وجود الدم، وعلى فرض وجود الدم فإنه يسير (٤)، أو أن الدم لم يتوقف (٥)؛ فيصلي على حاله للضرورة؛ كالمستحاضة، ومن به سلس البول؛ لأن حمل المجمل على مايوافق الإجماع أولى من حمله على مايعارضه،

стр. 149

كما أن المجمل يزول إجماله بالإجماع (١)، فالجادة أن يكون الإجماع مبيناً للإجمال، وليس العكس. - ثم إنَّ هذا الإجمال في أثر الحسن مُفسَّرٌ عند ابن أبي شيبة، وذكره ابن حجر في "تغليق التعليق" بعد الأثر مباشرة، وهو قول الحسن: (ما في نضحات من دم ما يفسد على رجل صلاته) (٢)، وهذا يوضح أن المقصود به الدم اليسير، وأن السياق في نقض الطهارة وليس في نجاسة الدم. - وممايدل على الأمرين وهو أوضح= مارواه ابن أبي شيبة أيضاً من طريق هشيم، عن يونس، عن الحسن: (أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلاً) (٣)، وقد أورد ابن حجر في "تغليق التعليق" (٤) هذين الأثرين بعد الأثر الذي علَّقه البخاري، إشارة إلى أن المقصود هو أحد هذين الأثرين، والله أعلم. - و المراد من أثر الحسن هو الاستدلال على عدم نقض الطهارة بذلك الدم اليسير الخارج من البدن، وبهذا الفهم ترجم له البخاري: (باب مَنْ لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر)، والأثر في البخاري يقرؤه العلماء على مرِّ العصور قبل عصرنا الحاضر، ولم يستدل به أحد منهم على طهارة الدم. - ثم إن القول بأن هذا الأثر يفيد طهارة الدم يلزم منه نسبة القول بطهارة

стр. 150

الدم إلى الحسن البصري ﵀ وهذا ليس من التحقيق؛ لأن مذهبه مشهور معروف في نجاسة الدم، بل وتشديده حتى في اليسير (١). - وأقرب شاهد على ذلك ما أورده البخاري بعد الأثر السابق بثلاثة آثار، وهو قول الحسن فيمن يحتجم: (ليس عليه إلا غسل محاجمه) (٢)، فأوجب غسل المحاجم من أثر الدم، ولايتساهل الحسن حتى في القطرة من الدم كما روى ابن أبي شيبة عن الحسن في الجب (٣) يقطر فيه القطر من الخمر أو الدم قال: (يهراق) (٤)،

стр. 151

قال ابن المنذر، والبيهقي، وابن قدامة: (وكان الحسن يقول: قليل الدم وكثيره سواء) (١)، علّق البيهقي على ذلك بقوله: (ومذهب سائر الفقهاء بخلافه، في الفرق بين كثير الدم ويسيره) (٢)، فهذا هو مذهب الحسن في نجاسة الدم. والتشديدُ فيه مشهور عند الفقهاء. ٣/ ومن الآثار التي يُستدل بها أو يُظنُّ خرقها للإجماع: ماروي عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع فرُمي رجل بسهم، فنزفه (٣) الدم، فركع، وسجد ومضى في صلاته» (٤). وجه الاستدلال: أنه يُستبعد عادة ألا يطلع النبي ﷺ على ذلك، وعلى فرض أن النبي ﷺ خفي ذلك عليه فما هو بخافٍ على الله الذي لا تخفى

стр. 152

عليه خافية، فلو كان الدم الكثير ناقضاً أو نجساً لأوحى الله بذلك إلى نبيه ﷺ (١). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن الأثر ضعيف (٢)؛ ففي سنده عقيل بن جابر، وهو مجهول، قال أبوحاتم: (لا أعرفه) (٣)، ومحمد بن إسحاق مختلف فيه (٤)، وتفرده في مثل هذا لايُحتمل.

стр. 153

- ولايُعترض على ذلك بأن ابن حبان وثَّق عقيل بن جابر بذكره في الثقات (١)، فإن الذكر المجرد للرجل في كتاب الثقات لايفيد توثيقاً على الصحيح؛ لأن العدل عند ابن حبان يدخل فيه من لم يُعلم بجرح (٢)، فمجهول الحال على ذلك= عدل!، قال ابن حجر: (وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه؛ فإنه يذكر خلقاً ممن ينص عليهم أبو حاتم، وَغيره على أنهم مجهولون) (٣). - ومع ضعف السند، ففي المتن نكارة، فكيف يُقرُّه النبي ﷺ على تعريض نفسه للهلكة وإتمام صلاته؟ هذا معارض للنصوص (٤)، فقد أمر الله بحمل السلاح وتغيير هيئة الائتمام والصلاة؛ حذراً ودفاعاً، وأمر النبي ﷺ بقتل الأسودين في الصلاة: الحية

стр. 154

والعقرب (١)، واتفق الفقهاء على وجوب قطع الصلاة؛ لإنقاذ غريق ونحوه (٢)، ولو كانت الصلاة فرضاً في الجميع، فكيف يقره النبي ﷺ على إتمام نفله، وتعريض نفسه وغيره للهلكة والقتل، والحراسةُ واجبة عليه؟! - … وعلى فرض التسليم بثبوت الأثر فإن دلالة الأثر إنما هي في عدم نقض الطهارة بذلك الدم الخارج من البدن، وبهذا الفهم ترجم جميع من أخرج الحديث أو ذكره. - وهذا البيان لتراجمهم: قال البخاري: (باب من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر)، وقال أبوداود: (باب الوضوء من الدم)، وقال ابن خزيمة: (باب ذكر الخبر الدال على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا يوجب الوضوء)، وقال ابن حبان: (باب نواقض الوضوء)، وقال الدارقطني: (باب جواز الصلاة مع خروج الدم السائل من البدن) (٣)، وقال البيهقي: (باب مايوجب الوضوء)، فهذا هو فقه من أخرج الأثر من أهل الحديث، وهكذا فقهاء المذاهب قبل عصرنا، فلم أقف على أحد منهم استنبط منه طهارة الدم. - وهذه أيضاً تخريجات فقهية مختصرة أسوقها تنزُّلاً بأن الأثر ثابت، فيقال: إن هذه النجاسة معفوٌ عنها؛ لأمور منها: الضرورة؛ كالعفو

стр. 155

عن النجاسة ولو كثرت في صلاة الخوف (١)؛ ولأنها نجاسة طارئة وليست مبتدأة (٢)؛ ولأن زمنها يسير فيعفى عنها كيسير النجاسة (٣)؛ ولأنه يُخفف في صلاة النافلة مالا يخفف في فرضها (٤)؛ وأخيراً، فإنه يحتمل أن هذا الصحابي ﵁ لايرى وجوب غسل النجاسة عن الثوب (٥)، والله أعلم. ٤/ ومن الآثار التي يُستدل بها أو يُظنُّ خرقها للإجماع: ماروي عن ابن مسعود ﵁: (أنه صلَّى وعلى بطنه فرثٌ، ودمٌ، من جزورٍ نَحَرها، و لم يتوضأ) (٦). وجه الاستدلال: أن ابن مسعود ﵁ صلّى وعلى بطنه دم من الجزور التي نحرها، فهذا يدل على طهارة دم الحيوان مأكول اللحم، كما أن حديث

стр. 156

الأنصاري الذي رُمي بالسهام يدل على طهارة دم الإنسان (١). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أن هذا الأثر في ثبوته نظر؛ فيحيى الجزار وإن كان ثقة و روى له مسلم (٢)، إلا أن روايته عن ابن مسعود فيها انقطاع (٣)، وقد أمسك ابن سيرين عن التحديث بهذا الأثر، كماروى ابن أبي شيبة، قال: (حدثنا هشيم قال: أخبرنا يونس، عن ابن سيرين، أنه أمسك عن هذا الحديث بعدُ ولم يعجبه) (٤)، وقال ابن سيرين أيضاً: (أُنكر هذا) (٥)، ممايدل على إعلاله له (٦). - ممايؤيد ذلك أن إبراهيم النخعي (و كان بصيراً بعلم ابن مسعود) (٧) كما قال الذهبي، (ولم يكن يخرج عن قول عبدالله وأصحابه) (٨)

стр. 157

كما قال ابن تيمية (١)، روى عنه ابن أبي شيبة أنه قال: (إذا توضأ الرجل ثم ذبح شاة لم يقطع ذلك طهوره، وإن أصابه دم غسله، وإن لم يصبه دم فلا شيء عليه) (٢)، وهذا موافق للإجماع؛ إذ (الأصل المتفق عليه أنَّ دماءَ الأنعام المأكولة لحومها نجسةٌ … كدماء بني آدم في ذلك) (٣). - وعلى فرض التسليم بثبوته فإن سياقه في عدم الوضوء من مس اللحم أو الدم، وهذا لفظ عبدالرزاق (٤٥٩) وهو اللفظ الذي استدل به الشيخ الألباني (٤) عن ابن مسعود ﵁: (أنه صلَّى وعلى بطنه فرث ودم من جزورٍ نحرها، ولم يتوضأ)، ولذا أورده عبدالرزاق في باب: (مس اللحم النيئ والدم)، وذكره ابن المنذر

стр. 158

في الأوسط في: (الأشياء التي اختُلف في وجوب الطهارة منها). - وهذه أيضاً بعض التخريجات الفقهية: وهو أن هذا الدم كان يسيراً ويدل عليه أن الراوي لم يقل (ولم يغسله)، وإنما قال: (ولم يتوضأ) فيحمل على أن الدم كان يسيراً، وإنما ذكر الدم والفرث تأكيداً لمسه للحم والدم وأن ذلك لا ينقض الوضوء (١)، ويؤكد هذا أن ابن أبي شيبة ذكر بعده بعض الآثار التي فيها الصلاة في الدم اليسير (٢)، قال الطحاوي: (وأما ما روي فيه عن ابن مسعود من حديث يحيى بن الجزار؛ فقد يحتمل أن يكون ذلك لم يكن له من المقدار ما يفسد به الصلاة؛ إذ كان قليلُ الدم في ذلك خلافَ كثيره عند كثير من أهل العلم) (٣). - أو يقال: إنه لم يعلم بالدم، أو أنه لم يعلم به إلا بعد انقضاء الصلاة، كما يدل عليه لفظ ابن أبي شيبة: (فلم يعد الصلاة) ممايشعر بعدم علمه إلا بعد أن صلى (٤)، وعلى أسوأ الاحتمالات وأضعفها يقال: إن مذهب ابن مسعود ﵁ التجاوز عن النجاسة في الثياب كما قال ابن المنذر: (وأسقطت طائفة غسل النجاسات عن الثياب، وروينا عن ابن مسعود أنه نحر جزوراً فأصابه من قرشها ودمها فصلى) (٥).

стр. 159

- هذه هي الآثار التي استدل بها: الشوكاني ثم الألباني والعثيمين ﵏، وفي الجواب عنها مايشبه القواعد للرد على مايماثلها ممايخالف الإجماع ولم نتحقق صحته، وأختم بأثر لم يوردوه، واستدل به بعض من جاء بعدهم (١) وهو: (أن عمر بن الخطاب ﵁ لما طُعن صلى الفجر وجرحه يثعب (٢) دماً) (٣). - ويكفي في الجواب عنه قول ابن تيمية ﵀: (إن كان الجرح لا يرقأ مثل ما أصاب عمر بن الخطاب ﵁ فإنه يصلي باتفاقهم؛ سواء قيل: إنه ينقض الوضوء؛ أو قيل: لا ينقض سواء كان كثيراً أو قليلاً) (٤). - قال ابن عبدالبر: (حديث عمر هذا هو أصل هذا الباب عند العلماء فيمن لا يرقأ دمه ولا ينقطع رعافه، أنه لا بد له من الصلاة في وقتها إذا أيقن أنه لا ينقطع قبل خروج الوقت) (٥). ٥/ ومن الأدلة العقلية التي استُدلَّ بها على طهارة الدم: القياس على طهارة جزء البدن من الآدمي لو قُطع، مع كونه يحمل دماً، والقياس كذلك على دم السمك الذي عُلِّلَت طهارته بطهارة ميتته وكذلك الآدمي (٦).

стр. 160

ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن القياس في الصورتين فاسد الاعتبار؛ لمخالفته الإجماع، فاعتبار القياس مع النص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد، و وضعٌ له في غير موضعه (١)، وهذه المناقشة هي الأصل وهي الأقوى. - ثم إن الدم الذي في الجزء المنفصل لايؤثر مادام لم ينفصل فإذا انفصل فهو نجس، كأي نجس مستقر في معدنه مالم ينفصل، وأما القياس في السمك فهو رد للمختلف على المختلف، وقد سبق الإشارة للخلاف في طهارة دم السمك، وهو قياس مع الفارق؛ لأن السمك مأكول في كل أحوال، والآدمي غير مأكول في أي جزء أو حال من أحواله (٢). سبب الخلاف: - يظهر والله أعلم أن سبب الخلاف في هذه المسألة أن الشوكاني ﵀ يخالف في حجية الإجماع، ولذا تراه في ذكره لمسألة الدم لم يعْرِض للإجماع لا من قريب ولا من بعيد، لا في استدلال ولا في نقاش و رد (٣)، وقد صرح الشوكاني بعدم احتجاجه بالإجماع

стр. 161

في بعض كتبه، ومن أصرحها قوله: (فأما الإجماع؛ فقد أوضحت في كثير من مؤلفاتي أنه ليس بدليل شرعي، على فرض إمكانه) (١). - ومما ذكره في مؤلفاته أيضاً قوله: (لا يخفى على المنصف ما ورد على إجماع الأمة من الإيرادات التي لا يكاد ينتهض معها للحجية بعد تسليم إمكانه ووقوعه) (٢). - ولاشك في أن عدم الاحتجاج بالإجماع مطلقاً زلة عظيمة، ولاتُعرف إلا عند أهل البدع، بل قال البزدوي (٣) (ت ٤٢٨): (ومن أنكر الإجماع فقد أبطل دينه كله؛ لأن مدار أصول الدين كلها ومرجعها إلى إجماع المسلمين) (٤). - والقول بعدم حجية الإجماع من أقوال المبتدعة، (ولم يخالف فيه غير النظَّام (٥)

стр. 162

والإمامية) (١)، قال الجويني (ت ٤٧٨): (وأول من باح برده النظّام ثم تابعه طوائف من الروافض) (٢)، وهل للزيدية تأثير في ذلك على الشوكاني؟ محتمل (٣). - وقد كفّر طائفة مِن العلماء مَن لم يحتج بالإجماع مطلقاً، بل إن ابن حزم (ت ٤٥٦) قال في مراتب الإجماع: (ومن شرط الإجماع الصحيح أن يكفر من خالفه بلا اختلاف بين أحد من المسلمين) (٤)، و تعقبه ابن تيمية في إطلاقه عدم الخلاف (٥)، لكنه قال في فتاويه: (التحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه) (٦)، وهذا الكلام حتى ولو كان في

стр. 163

مسألة واحدة من القطعيات؛ أما الظنيات فإن العلماء اتفقوا على أن إنكار حكم الإِجماع الظني غير مُوجب كفراً (١). - وبعد: فإن الشوكاني ﵀ وإن كان في ظاهر كلامه ومجموعه الذي سبق نقله ينكر حجية الإجماع مطلقاً، إلا أن له كلاماً مقيداً، يظهر فيه احتجاجه بإجماع الصحابة فقط (٢)، ومن أصرحها قوله في الإرشاد: (إجماع الصحابة حجة بلا خلاف) (٣)، وقوله في النيل: (لا حجة في أفعال الصحابة وأقوالهم إلا أن يصح إجماعهم على أمر) (٤)، مع أنه في المناسك لايبطل حج من تعمد الجماع و لوقبل التحلل، ولا يلزمه بفدية، والحجة فيه إجماع الصحابة، وسيأتي الإشارة لذلك في كتاب الحج.

стр. 164

- وهل قوله في الإرشاد: (بلا خلاف) استدلال منه بالإجماع مع أنه لايحتج به؟! وهذا عجيب، ومن العجيب أيضاً أن الشوكاني لم يستطع الطعن في الإجماع على نجاسة الدم كما طعن في الإجماع على وجوب الزكاة في العروض بمخالفة الظاهرية وإنما أعرض عن ذكره (١). - ثم إني وقفت على رسالة علمية بعنوان: "الإجماع عند الإمام الشوكاني" مما قال في خاتمتها عن الإجماع: (المخالفون في ذلك إما أهل بدع وضلال، وإما علماء زلوا في هذه المسألة عن سبق نظر، ومن هؤلاء الشوكاني)، ثم قال: (أخطأ الشوكاني خطأً بيّناً في رده الإجماع)، ثم قال عن إيراده للإجماع في بعض المسائل أنه: (من باب الاحتجاج على الخصم بما يعتقد صحته لا غير، يعني: من باب التقرير لا الإقرار) (٢). - أما من تبع الشوكاني في طهارة الدم الكثير من العلماء المعاصرين؛ فإما أن يوافقوه في أصله بعدم الاحتجاج بإجماع من بعد الصحابة، وإما أن يسلموا بالإجماع المستقر قبل الشوكاني. - أما الألباني فوقف على إجماع فيه إطلاق بنجاسة جميع الدماء؛ فطعن في إطلاقه (٣)، وأما العثيمين فكان يقرر الإجماع

стр. 165

ومايقتضيه (١)، ثم قوَّى في الشرح الممتع (٢) القول بطهارة دم الآدمي مالم يخرج من السبيلين واستدل على ذلك بما لم يستدل به من قبله. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته (٣)، فالذي يظهر أن نسبة القول بطهارة الدم الكثير إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، ولم يثبت بعد البحث مخالف يصح أن يُخرم به الإجماعات المتتابعة عبر العصور والطبقات المتوالية، ولا يعرف من قرَّر هذا القول قبل الشوكاني، (وكفى خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده) (٤)، والله أعلم.

стр. 166

(من أراد الإِنصاف فليتوهم نَفسه مكان خصمه فإِنه يلوح لهُ وَجه تعسّفه). ابن حزم الأخلاق والسير (ص 82)

стр. 167

المبحث الخامس: جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 168

(إذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رُدّ بأمور: … الثالث: أن يخالف الإجماع، فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون صحيحاً غير منسوخ، وتجمع الأمة على خلافه). الخطيب البغداديرحمه الله الفقيه والمتفقه (١/ ٣٥٤)

стр. 169

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: الآنية لغة: جمع إناء، وجمع الجمع: أوانٍ، كسقاء وأسقية وأَساقٍ (١)، (والإناء والآنية: الوعاء والأوعية وزناً ومعنى) (٢)، وهي ظرف من الظروف التي تحوي مايوضع فيها (٣)، ولا يخرج الاستعمال الفقهي للآنية عن الاستعمال اللغوي (٤). قال ابن حجر: (وقد نقل الشيخ الموفق (٥) الإجماع على تحريم استعمال أواني الذهب، والقناديل من الأواني بلا شك، واستعمال كل شيء بحسبه) (٦)، قال ابن القيم: (وهذا التحريم (٧) لا يختص بالأكل والشرب، بل يعم سائر وجوه الانتفاع، فلا يحل له أن يغتسل بها، ولا يتوضأ بها، ولا يدهن فيها، ولا يكتحل منها، وهذا أمر لا يشك فيه عالم) (٨).

стр. 170

والمقصود بالاستعمال: الانتفاع بالإناء فيما يستعمل فيه (١)، واستعمال كل شيء بحسبه (٢)، ومن الاستعمال: الوضوء والغسل من الطست أو الإبريق (٣). - و الأكل بالملعقة، والتجمر بالمجمرة، والاكتحال بالميل (٤)، والبول في الإناء (٥)، والشرب بكوب الشاي والقهوة (٦)، فمباشرة كل ذلك فيما صنع له يسمى استعمالاً. - وتحريم الاستعمال يستوي فيه الرجل والمرأة، قال النووي:

стр. 171

(بلاخلاف) (١)، ومما ينبغي أن يعلم أن باب الآنية والاستعمال غير باب التحلي واللباس كما قال ابن تيمية: (والرخصة في اللباس أوسع من الآنية) (٢)؛ ولذا أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب كما قال النووي (٣). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. اتفق العلماء على أن كل إناء ما لم يكن فضةً، ولا ذهبًا، ولا صفرًا، ولا رصاصًا، ولا نحاسًا، ولا مغصوبًا، ولا إناءَ كتابيٍّ، ولا جلدَ ميتةٍ، ولا جلدَ ما لا يُؤكلُ لحمُه وإن ذُكِّيَ، فإن الوضوءَ منه والأكلَ والشربَ جائزٌ كلُّ ذلك (٤)، و إن كان ثميناً بسبب صنعته (٥). ٢. ونُقل الإجماع على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل

стр. 172

والشرب، وغيرهما من الاستعمالات (١)، وحُكي عن الشافعي في القديم القول بالكراهة فقط (٢)، وحكي عن معاوية بن قرة (٣) القول بجواز الشرب بالفضة (٤)، وحكي عن داود تخصيص التحريم بالشرب دون الأكل (٥)، وخص بعض المعاصرين التحريم بالأكل والشرب دون سائر الاستعمالات، وهذا الرأي هو المراد بحثه وتصحيح نسبته للشذوذ من عدمه (٦).

стр. 173

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: - محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤) (١)، و سيد سابق (ت ١٤٢٠) (٢)، و ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (٣). - وقد سبقهما إلى هذا القول من المتأخرين الصنعاني (٤) (ت ١١٨٢)، والشوكاني (٥) (ت ١٢٥٠)، ولم أقف بعد البحث على قائل معتبر سبقهما إلى القول بجواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.

стр. 174

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، و قد نص على شذوذ هذا القول: - القرطبي (١) (ت ٦٥٦) بقوله بعدما ذكر تحريم استعمال آنية الذهب والفضة: (وروي عن بعض السلف إباحة ذلك. وهو خلاف شاذٌّ مطرح للأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب) (٢). - وقد نقل ابن حجر (ت ٨٥٢) كلاماً للقرطبي بقوله: (قال القرطبي وغيره) ثم نقل كلاماً للقرطبي قبل ذلك في شرح الحديث ثم قال: (وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقاً، ومنهم: من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم: من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل) (٣).

стр. 175

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث حذيفة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج، وآنية الذهب والفضة»، وقال: «هو لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة» (١)، وماجاء في حديث البراء بن عازب ﵁ عن

стр. 176

رسول الله ﷺ وفيه: «ونهانا عن آنية الفضة» (١). وجه الاستدلال: أن في الخبرين نهياً عاماً عن آنية الذهب والفضة جملة، فهما زائدان حكماً وشرعاً على الأخبار التي فيها النهي عن الشرب فقط أو الأكل والشرب فقط، والزيادة في الحكم لا يحل خلافها (٢). ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال: - أن اللفظ الأصح في الحديثين فيه تخصيص النهي بالشرب والأكل، وهو اللفظ المتفق عليه في كلا الحديثين، وهذا في الصنعة الحديثية (٣)؛ وسلوك الترجيح بين الروايات عند اتحاد

стр. 177

المخرج هو الأصوب عند أهل الفن (١). ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (واختلف العلماء في الشرب في الإناء المفضض، بعد إجماعهم على تحريم استعمال إناء الفضة والذهب في شرب أو غيره) (٢)، وقال: (واختلف العلماء في جواز اتخاذ أواني الفضة، بعد إجماعهم على أنه لا يجوز استعمالها لشرب ولا غيره) (٣). ٢. وقال ابن هبيرة (ت ٥٦٠): (اتفقوا على أن استعمال أواني الذهب والفضة من المأكول والمشروب والطيب وغيره منهي عنه) (٤). ٣. وقال النووي (ت ٦٧٦): (الإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب، وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة، والأكل بملعقة

стр. 178

من أحدهما والتجمر بمجمرة منهما والبول في الإناء منهما وجميع وجوه الاستعمال … ويستوي فى التحريم الرجل والمرأة بلاخلاف) (١). - وهذه الإجماعات صريحة في تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، ومن الإجماعات العامة في تحريم الاستعمال دون التنصيص على الأكل والشرب: ١. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (والعلماء كلهم لا يجيزون استعمال الأواني من الذهب كما لا يجيزون ذلك من الفضة) (٢). ٢. وقال ابن قدامة (ت ٦٢٠): (ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً) (٣). ٣. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): ( … آنية الذهب والفضة فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين: الذكر والأنثى) (٤). ٤. وقال ابن مفلح صاحب المبدع (٥) (ت ٨٨٤) عن استعمال آنية الذهب والفضة: (هذا مما اتُفق على تحريمه) (٦).

стр. 179

٥. وقال الشربيني (ت ٩٧٧) عن آنية الذهب والفضة: «فيحرم) استعماله على الرجل والمرأة والخنثى بالإجماع) (١). ٦. وقال الرملي (ت ١٠٠٤): «فمن المحرم الإناء) من ذهب وفضة بالإجماع للذكر وغيره … ومنه الميل للمرأة وغيرها فيحرم عليهما) (٢). ٧. وقال الدسوقي (ت ١٢٣٠) عن إناء الذهب والفضة: (والحاصل أن اقتناءه إن كان بقصد الاستعمال فحرام باتفاق) (٣)، ونقله الصاوي (ت ١٢٤١) أيضاً (٤). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الإجماع المحكي لايتم مع مخالفة معاوية وداود والشافعي وبعض أصحابه، على أنه لا يخفى على المنصف ما في حجية الإجماع من النزاع والإشكالات التي لا مخلص منها (٥). ويجاب عن ذلك: - أن مخالفة معاوية وداود مما يقر مجوّز الاستعمال بعدم صحتها لمخالفتها النص؛ فكيف يعترض بها، وهو لايسلّم كذلك بما نسب للشافعي من الكراهة، بل هذا عنده على التحريم، ومع ذلك فإن

стр. 180

الإجماع قائم لم يُخرم، ويمكن مناقشة مانسب لمعاوية والشافعي وداود بأمور: - أما مانسب للتابعي معاوية بن قرة (١)؛ فوجدته مسنداً عند ابن أبي شيبة عن أبي داود الطيالسي عن شعبة بن الحجاج أنه قال: سألت معاوية بن قرة، قلت: آتي الضَّبَّانيَّة (٢) فيه فأوتي بقدح من فضة أشرب فيه؟ قال: (لا بأس) (٣)، وقد ترجم عليه ابن أبي شيبة: (في الشرب من الإناء ا لمُفضَّضِ، من رخَّص فيه)، وأورد آثاراً كلها في الشرب في الإناء المُفضَّض أو المُضبّب بفضة، والمقصود بالمُفضَّض، أي: المُموّه أو المُرصَّع بالفضّة (٤)، وليس هذا بخارم للإجماع، لأن الخلاف في الإناء المضبب بفضة محفوظ (٥)، قال ابن عبدالبر: (واختلف العلماء في الشرب في الإناء المفضض،
следующие страницы →