← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بأن المحاذاة هي كون المحاذي بينه وبين مكة، كما بين الميقات الأقرب منه إلى مكة، إذا كان الميقات عن يمينه أو شماله (١):

стр. 1157

استدل أصحاب هذا القول: ١/ بما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (لما فتح هذان المصران أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، «إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرناً»، وهو جورٌ عن طريقنا، وإنّا إن أردنا قرناً شقّ علينا، قال: (فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق) (١). وجه الاستدلال: - أن عمر ﵁ جعل المناط هو المحاذاة، ومن مسالك تحقيق المناط: الإجماع (٢)، و (من تأمل كلام الفقهاء في المحاذاة وفي أحكامها، رأى اتفاقهم على مفهوم عام لها وهو: مسامتة المتجه إلى مكة الميقات الواقع عن يمينه أو شماله، وذلك حيث يكون بعده عن الكعبة كبعد ذلك الميقات) (٣)، (ولم يقل أحد من أهل العلم بمراعاة الميقاتين جميعاً) (٤). ٢/ الدليل الآخر وله علاقة بالأول: أن عمر ﵁ (أمرهم بمحاذاة أقرب ميقات إلى طريقهم، دون

стр. 1158

مراعاة للميقات الآخر الذي على يمينهم وهو ذو الحليفة) (١)، وهو يدل على أن (الإحرام من محاذاة الميقات أقرب الأمور إلى النص؛ لأن القصد البعد عن مكة بهذه المسافة فلزم اتباعه) (٢). المسألة الثانية: أدلة القائلين بأن محاذاة الميقات كون المُحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد (٣): استدل أصحاب هذا القول: ١/ بأثر ابن عمر الذي استدل به أصحاب القول الأول، والشاهد منه قول عمر: (فانظروا حذوها من طريقكم). وجه الاستدلال: - أن عمر ﵁ جعل المناط هو المحاذاة، ومن مسالك تحقيق المناط: اللغة العربية (٤)، و (المحاذاة إنما تعني: اختراق محيط المواقيت،

стр. 1159

أي: المرور بين ميقاتين، وماعدا ذلك فليس من المحاذاة في شيء) (١)، وهذا (هو مقتضى اللغة، لايحتاج إلى بسط الأدلة عليه) (٢)، فـ (كل البقع التي تقع بين ميقاتين هي بقع محاذية) (٣). ويمكن [مناقشة] هذا الاستدلال بأمور (٤): - بأن مسلك الإجماع مقدم على مسلك اللغة؛ لأن الإجماع من المسالك النقلية وهي مُقدمة في الأحكام الشرعية، والدلالة اللغوية قد تُنقل في الشرع عن دلالتها. - ثم إن هذا المعنى للمحاذاة فيه مراعاة لميقاتين، وعمر ﵁ قال: (انظروا حذوها) يعني: قرن المنازل، وهي عن يسار ذات عرق، دون مراعاة لذي الحليفة التي عن يمينه. - وأقوال أهل العلم منحصرة في محاذاة الأقرب من المواقيت إلى طريقه، وبين التخيير فإن شاء أحرم من الأول أو الثاني، ولم يقل أحد بمراعاة الميقاتين جميعاً. - ولو وضع خط بين الجحفة ويلملم مثلاً، فإن جزءاً كبيراً من هذا الخط أقرب إلى مكة من الميقاتين الذين يراعيهما، فيفضي إلى تأخير الإحرام عن محاذاة جميع المواقيت (٥).

стр. 1160

- (ومع فساد هذا القول في كيفية المحاذاة فإنه صعب التطبيق، ويحتاج إلى عمليات حسابية وهندسية دقيقة في كل حال محاذاة يحتاج إليها الناس، على الرغم من سهولة تصوره على الورق والخرائط … وذلك من خلال النظر فيما يأتي: - معرفة المسافة بين الطريق المسلوك والميقات الواقع عن يمينه، معرفة المسافة بين الطريق المسلوك والميقات الواقع عن شماله. - معرفة المسافة بين مكة والميقات الذي عن يمينه، معرفة المسافة بين مكة والميقات الذي عن يساره. - نسبة المسافة التي بينه وبين أحد الميقاتين إلى المسافة التي بينه وبين الميقات الآخر، وماتقتضيه هذه النسبة من بعد عن مكة. - ولا شك أن هذه الأمور تحتاج إلى خبير … فكيف يُعلّق الحكم الشرعي الذي يحتاج إليه عموم الناس على أمر لايحسنه إلا أفراد منهم، مع مافيه من الحرج والمشقة؟) (١).

стр. 1161

فائدة: - الظاهر والله أعلم أن هذه المسألة فيها جِدّة نسبية، وهي أشبه بالنوازل، (وأكثر الفقهاء المتقدمين لا يقفون عند كلمة "محاذاة" وقفةً طويلة؛ حيث إنها لم تكن مشكلة في زمنهم؛ لأن الطرق والمسالك محدودة، والمحاذاة تكون قريبة من الميقات الأصلي، وتحريِّها سهل، فالطرق في الماضي وعرة، بخاصة تلك التي تجانب الطريق السالكة للحجاج، حيث الأمن والقوافل وتوفير الماء والرفقة، فالغالب على أمر الناس أنهم يسلكون هذه الطرق التي تمر بالمواقيت، أو قريباً منها. - أما اليوم فقد اختلف الحال فكثرت الطرق والبلاد حول المواقيت، وتطورت وسائل المواصلات، فأصبح أكثر الحجاج -خاصة حجاج الجو- لا يحرمون من نفس المواقيت، وإنما من حذائها … - ولأجل أن هذه المسألة من المسائل النازلة بصورتها الواقعية في هذا الزمن، فقد لا يجد الباحث في كلام المتقدمين معنى منضبطاً وتحديداً دقيقاً للمعنى الواقعي للمحاذاة) (١). - ويشهد لذلك قول شيخنا د. الملحم في معنى المحاذاة: (لاحظت أن تعريفها متداول في كتب الشافعية بكثرة ثم كتب المالكية. أما الحنفية والحنابلة فلم أقف على تعريف لها عندهم) (٢). - ومعرفة رتبة المسألة وأنها بالنوازل أشبه، يُضعف إمكان الاحتجاج عليها بالإجماع، أو دعوى مخالفة الاتفاق السابق، فالخلاف

стр. 1162

محفوظ بين المعاصرين الذين اجتهدوا في النازلة بتحقيق المناط بعد اتفاقهم على أن المناط هو المحاذاة (١). - المناط هو المحاذاة، والقول الأول سلك في تحقيق المناط مسلك اللغة العربية وأن هذا (هو مقتضى اللغة) (٢)، والقول الآخر سلك في تحقيق المناط مسلك الإجماع، وأن (من تأمل كلام الفقهاء في المحاذاة وفي أحكامها، رأى اتفاقهم على مفهوم عام لها وهو: مسامتة المتجه إلى مكة الميقات الواقع عن يمينه أو شماله، وذلك حيث يكون بعده عن الكعبة كبعد ذلك الميقات) (٣)، وقال: (ولم يقل أحد من أهل العلم بمراعاة الميقاتين جميعاً) (٤)، والله أعلم. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بأن معنى محاذاة الميقات هو كون المُحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد إلى الشذوذ غير صحيحة؛ لعدم مخالفته لإجماع واضح أو نص صريح، بل هو اجتهاد في تحقيق مناط متفق عليه. لكن القول بهذا الخط المستقيم فيه ضعف لأمور:

стр. 1163

- أن حدود المواقيت التي سيكون منها الخط غير محددة المعالم، فإن المواقيت (لم يقدر النبي ﷺ المسافات التي بينها وبين الحرم لا بالأميال ونحوها، ولا بالمراحل، كما أنه ﷺ لم يحد واحدًا منها بحد ولم يصفه بصفة، وإنما اقتصر على ذكر أسمائها) (١). - وبعد محاولة للتحديد تبيّن أن (جميع مواقيت الإحرام أودية عظام) (٢) أو قرى كبيرة كما ذكر في معجم البلدان عن بعضها، فـ (ذو الحليفة: قرية … منها ميقات أهل المدينة) (٣)، والجحفة (كانت قرية كبيرة … وإنما سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام) (٤)، ويلملم وادي مجراه ممتد من الشرق إلى الغرب، من سفوح جبال السراة حتى مصبه في البحر الأحمر، ويُقدر بنحو مائة وخمسين كيلاً (٥)، و (قرن المنازل هو وادي السيل … ثم على الجهة الأخرى في أعلاه هو الذي يسميه أهل الطائف "المحرم" فالمحرم والسيل واحد) (٦). - فإن عسُر على المكلف تحديد الميقات فبمحاذاته، والمحاذاة ليست بأعظم من استقبال القبلة، وقد قيل للإمام أحمد (قبلة أهل

стр. 1164

بغداد على الجدي؟ فجعل ينكر أمر الجدي، فقال: أيش الجدي؟ ولكن على حديث عمر: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (١). - ويتجلّى حكم المسألة بالنظر في نظائرها، كالقبلة، ومواقيت الصلاة، ودخول الأشهر، وبخاصة إذا أضيف إلى تحديد المحاذاة حساب ورسم، فهذا لا يحسنه كل أحد وفيه من العنت والمشقة التي لم يؤمر بمثلها الناس في التكاليف العامة. - ومبنى المسألة على التيسير إذا تحقق التعظيم، فقد جُعلت المواقيت أماكن كبيرة محيطة بالحرم، ولم تحد بمسافات ولا صفات، فلايحتاج المتجه إلى مكة إذا لم يمر بميقات إلا معرفة أقرب ميقات في طريقه عن يمينه أو شماله، ثم تقدير نحو مسافته إلى مكة، والمحاذاة تتوسع كلما اتسعت المسافة وهذا لا يُراعى بوضع الخطوط، وهو مهم (٢). - وحين النظر إلى الميقات المتفق عليه بالمحاذاة وهو "ذات عرق" والفرق بين مسافته عن مكة ومسافة "قرن المنازل" نجد فرقاً (٣)، وكان الإمام الشافعي دقيقاً في عبارته حين قال: (ذات عرق شبيه بقرن في القرب وألملم) (٤).

стр. 1165

- وأختم بعبارة ابن تيمية حين قال: (يعرف محاذاته للمؤقت وكونه هو الأقرب إليه بالاجتهاد والتحري، فإن شك فالمستحب له الاحتياط فيحرم من حيث يتيقن أنه لم يجاوز حذو الميقات القريب إليه إلا محرماً، ولا يجب عليه ذلك حتى يغلب على ظنه أنه قد حاذى الميقات الأقرب) (١)، والله أعلم.

стр. 1166

(سئل عبد الله بن المبارك: هل للعلماء علامة يعرفون بها؟ قال: "علامة العالم من عمل بعلمه، واستقل كثير العلم والعمل من نفسه، ورغب في علم غيره، وقبل الحق من كل من أتاه به، وأخذ العلم حيث وجده، فهذه علامة العالم وصفته"، قال المروذي فذكرت ذلك لأبي عبد الله. قال: هكذا هو). إبطال الحيل لابن بطة ص (٣٤)

стр. 1167

المبحث الثالث: عودة الحاج محرماً بعد حله إذا لم يطف قبل الغروب يوم النحر وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1168

يقول أبو إسماعيل الكوفي سألت عطاء بن أبي رباح عن شيء فأجابني، فقلت له: عمن ذا؟ فقال: (ما اجتمعت عليه الأمة أقوى عندنا من الإسناد). أخرجه أبونعيم في الحلية (٣/ ٣١٤)

стр. 1169

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: هذه المسألة تتعلق بالتحلل الأول الذي يكون في يوم النحر، فإذا تحلل المحرم برمي الجمرة، أو برميها مع الحلق، -على الخلاف فيما يحصل به التحلل الأول-، ولم يبق عليه إلا طواف الإفاضة، فهل يعود إلى إحرامه إذا لم يطف للإفاضة قبل غروب شمس يوم النحر؟ هذه مسألتنا. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … الحاج (إذا أتى منى رمى جمرة العقبة … فإذا رمى جمرة العقبة نحر هديه إن كان معه هدي (١) … ثم يحلق رأسه أو يقصره … وإذا فعل ذلك فقد تحلل باتفاق المسلمين التحلل الأول فيلبس الثياب ويقلم أظفاره) (٢). ٢. ويبقى التحلل كله بطواف الإفاضة (٣)، (فإذا طاف طواف الإفاضة

стр. 1170

فقد تم حجه وحل له كل شيء بإجماع) (١). ٣. … (واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق) (٢)، ولم يلزموا من لم يطف الإفاضة يوم النحر أن يعود محرماً، وذهب بعض المعاصرين إلى أنه إن لم يطف قبل غروب شمس يوم النحر فإنه يعود محرماً بعد تحلله، وحُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1171

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين (١): الألباني (ت ١٤٢٠) (٢)، ومحمد بن علي الإثيوبي (٣).

стр. 1172

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذه: - ابن باز (ت ١٤٢٠) بقوله: (ما يتعلق بعوده محرماً كما كان إذا لم يطف يوم العيد. فهذا القول ضعيف وهو خلاف ما عليه أهل العلم … هذا القول قول شاذ ومخالف لما عليه أهل العلم، والحديث ضعيف لا يحتج به، ولو فرضنا أن له شاهداً صحيحاً، فهو قول شاذ مخالف لما عليه أهل العلم، ولما دلت عليه السنة) (١).

стр. 1173

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بأن من تحلل فلا يعود إلى الإحرام: من الأدلة على ذلك: ١/ حديث حفصة ﵂ قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: «إني لبّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» (١)، وقول عائشة- ﵂: «طيبت رسول الله ﷺ بيديّ هاتين، حين أحرم، ولحلّه حين أحل، قبل أن يطوف» (٢). - وروى سالم عن ابن عمر عن عمر ﵁ قال: (إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات، وذبحتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب)، قال سالم وقالت عائشة- ﵂: (حل له كل شيء إلا النساء)، قال: وقالت عائشة ﵂: «أنا طيبت رسول الله ﷺ ) يعني لحله (٣).

стр. 1174

-وقالت عائشة: (إذا رمى حل له كل شيء إلا النساء، حتى يطوف بالبيت، فإذا طاف بالبيت حل له النساء) (١)، وقال عبدالله بن الزبير: ﵁ (من سنة الحج … فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت) (٢)، وصحّ عنه أنه قال: (إذا رميت الجمرة من يوم النحر فقد حل لك ما وراء النساء) (٣)، وجاء عن ابن عباس أنه كان يقول: (التلبية شعار الحج فإن كنت حاجاً فلب حتى بدء حلك وبدء حلك أن ترمي جمرة العقبة) (٤). وجه الاستدلال: - أن هذه الأحاديث الثابتة، مرفوعة وموقوفة، مع تنوعها، ليس في

стр. 1175

شيء منها اشتراط الطواف قبل الغروب لحصول التحلل الأول، مع أهميته لو كان ثابتاً (١). - وقد كان تأخير الإفاضة مما هو معتاد عند السلف، فقد ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه هذه الترجمة (من زار يوم النحر)، ثم ترجم بعدها: (من كان لا يرى بتأخير الزيارة بأساً) وذكر آثاراً منها، عن محمد بن المنكدر قال: (لم يكن يفيض من أصحاب النبي ﷺ إلا من كان منهم يكون معه امرأة) (٢). - ويؤيده ماصحّ عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: (كنا مع أبي أيوب في نفر من الأنصار، ما زار منا أحد البيت حتى كان في النفر الآخر، إلا رجل كان معه من أهله فتعجل بهم) (٣)، وهذا يوافق ماصحّ عن عائشة-﵂: (أنها كانت إذا حجت، ومعها نساء تخاف أن يحضن، قدمتهن يوم النحر فأفضن) (٤)، وقال ابن طاوس: (لم أعقل أني أفيض إلا ليلاً) (٥). ٢/ الدليل الآخر: هو الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. البيهقي (ت ٤٥٨) بقوله عن الحكم الوارد في حديث أم سلمة-وهو

стр. 1176

دليل القول الآخر-: (لا أعلم أحداً من الفقهاء يقول بذلك) (١)، قال النووي معلّقاً: (فيكون الحديث منسوخاً دل الإجماع على نسخه؛ فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لكن يدل على ناسخ) (٢). ٢. قال الصنعاني (ت ١٢٨٢) معلّقاً: (فهذه حكاية للإجماع على خلاف ما أفاده حديث أم سلمة … وقد قيل: إنه حديث منسوخٌ، وأنه لم يقل به أحد من العلماء) (٣). ٣. وقال المحب الطبري (ت ٦٩٤): (هذا حكم لا أعلم أحداً قال به) (٤). ٤. وقال ابن كثير (ت ٧٧٤): (وهذا الحديث غريب جداً، لا أعلم أحداً من العلماء قال به) (٥). ٥. وقال البلقيني (ت ٨٠٥): (الحديث الذي رواه أبو داود في سننِه من حديث أم سلمة … فهذا مما أجمع العلماء على ترك العمل به) (٦). ٦. وذكره ابن رجب (ت ٧٩٥) في الأحاديث التي حُكي عدم العمل بها ولم يخطّئ ذلك (٧)، فقال: (حديث أن التحلل برمي الجمرة مشروط بطواف الإفاضة في بقية يوم النحر) (٨).

стр. 1177

٧. وقال العيني (ت ٨٥٥): (حديث أم سلمة هذا شاذ، أجمعوا على ترك العمل به) (١). ٨. وقال عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب (ت ١٢٤٢): (ما جسرنا على الفتيا به؛ لأجل أنه خلاف أقوال العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم) (٢). ٩. وقال ابن باز (ت ١٤٢٠): (مخالف لما عليه أهل العلم ولما دلت عليه السنة) (٣)، وقال: (هو كالإجماع، وإنما يروى فيها خلاف لعروة بن الزبير، وإلا فهو كالإجماع من أهل العلم، أن من حل فحله تام، لا يعود للإحرام، وإجماعهم حجة … وعروة بن الزبير تابعي قبله الصحابة) (٤). ١٠. وابن عثيمين (ت ١٤٢١) بقوله: (لا يعوّل عليه؛ لشذوذه، وعدم عمل الأمة به) (٥). ونوقش الإجماع: - بأن حديث أم سلمة (قال به عروة بن الزبير) (٦)، و (الخلاف في ذلك موجود، قال ابن المنذر في الإشراف -لما حكى الخلاف فيما أبيح للحاج بعد الرمي وقبل الطواف-: وفيه قول خامس:

стр. 1178

وهو أن المحرم، إذا رمى الجمرة يكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. - وقال عروة بن الزبير: من أخّر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفر فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب، وقد اختلف فيه عن الحسن البصري، وعطاء، والثوري، انتهى) (١). - وبعد أن (عرفت أن هذه الدعوى باطلة، حيث ثبت خلاف جماعة، كأبي قلابة، وابن الزبير، والحسن البصريّ، وعطاء، والثوريّ، على خلافٍ عن هؤلاء الثلاثة، فأين الإجماع المزعوم؟) (٢). - وعلى فرض التسليم، (فحديث رسول الله ﷺ أجلّ من أن يستشهد عليه بعمل الفقهاء به، فإنه أصل مستقل حاكم غير محكوم. ومع ذلك فقد عمل بالحديث جماعة من أهل العلم منهم عروة بن الزبير التابعي الجليل) (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما المروي عن عروة بن الزبير (ت ٩٤)، فإنه مقابل للإجماع المحكي، وقبل هدر الإجماع يحسن أن يُتحقق من ثبوته ودلالته، فالنقش بعد الثبوت، وإذا احتمل بعد الثبوت موافقة الإجماع حُمل عليه. - أما الثبوت فلم أقف عليه مسنداً بهذا السياق، وأقدم من ذكره ابن

стр. 1179

حزم (ت ٤٥٦) (١)، ثم ابن رجب (ت ٧٩٥) (٢)، وعدم ثبوته بذلك ظاهر، فكيف يقال: (ثبت خلاف جماعة)، فمثل هذه الدعوى إن لم تُثبت فلا يحسن بها معارضة الأئمة الذين ينفون الخلاف، والظاهر أن النسبة إلى عروة بهذا السياق خطأ. - فقد جاء عنه بسياق آخر حكى لفظه ابن المنذر فذكر عن عروة قوله: ([من] أخّر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم الصدر، فإنه لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب) (٣)، فهذا لايوافق حديث أم سلمة الذي فيه اشتراط الطواف يوم النحر، وليس فيه التحلل ثم العودة إلى الإحرام، ويشبه أن يكون مذهبه البقاء على الإحرام أو بعضه حتى يطوف. - مما يدل لذلك أنه قد حكى عنه المحب الطبري أنه قال: (لا يحل الطيب لمن لم يطف بالبيت بعد عرفة وإن قصّر. أخرجه سعيد بن منصور) (٤)، وقوله هذا أخرجه ابن خزيمة ولفظه: (إنه لا يحل الطيب لأحد لم يطف قبل عرفات، وإن قصر ورمى)، قال ابن خزيمة: (فعروة بن الزبير إنما يتأول بهذا الفتيا أن الطيب إنما يحل قبل زيارة البيت لمن قد طاف بالبيت قبل الوقوف بعرفة) (٥)، وصرّح ابن خزيمة أن عروة يقول بخلاف حديث أم سلمة فقال:

стр. 1180

(وهذا لفظ خبر أم سلمة، وخبر عكاشة مثله في المعنى فإذا حكم لهذا الخبر على ظاهره دل على خلاف قول عروة الذي ذكرته) (١). - وهذا قريب من مذهب عمر ﵁ في منع الطيب قبل الطواف، وقد ردته عائشة بتطييبها رسول الله ﷺ لحله قبل الطواف، وليس هو من مسألتنا في شيء. - قال ابن قدامة: (وقال عمر بن الخطاب ﵁: يحل له كل شيء، إلا النساء، والطيب. وروي ذلك عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، وعباد بن عبد الله بن الزبير؛ لأنه من دواعي الوطء، فأشبه القبلة. وعن عروة، أنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب) (٢). - قال ابن عثيمين: (لأنه يبعد جداً أن يكون عروة بن الزبير قال بمقتضى حديث أم سلمة ثم يخفى قوله على مثل الطبري والبيهقي. وعلى هذا؛ يكون معنى قول عروة: إنه لا يحل له الطيب حتى يطوف بالبيت، وهذا قول مشهور والنزاع في هذا معروف) (٣). - يؤيد ذلك أيضاً قول الطحاوي: (ذهب إلى هذا قوم فقالوا: لا يحل اللباس والطيب لأحد، حتى يحل له النساء، وذلك حين يطوف طواف الزيارة) (٤)، قال العيني: (أراد بالقوم هؤلاء: عروة بن الزبير وطائفة من السلف؛ فإنهم قالوا: لا يحل اللباس والطيب للحاج يوم النحر وإن رمى وحلق وذبح حتى يحل له النساء، والنساء لا تحل له إلاَّ بطواف الزيارة) (٥).

стр. 1181

- وعلى فرض التسليم بخلافه، فهو مسبوق بالإجماع فـ (عروة بن الزبير تابعي قبله الصحابة) (١). - أما قول أبي قلابة الجرمي (ت ١٠٤)، فلاعلاقة له بحديث أم سلمة، فإن قوله كما نقل عنه ابن المنذر: (أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة) (٢)، فأين التحلل واشتراط الطواف قبل الغروب؟. - وأما قول ابن المنذر: (وقد اختلف فيه عن الحسن البصري، وعطاء، والثوري) (٣)، فهذا لايمكن أن يبنى عليه شيء؛ لأنه ذكر ستة أقوال ليس في شيء منها عمل بظاهر حديث أم سلمة، وأقرب مذكور لقوله: (اختلف فيه) هو قول عروة، وسبق بيانه. - وأقوى مايمكن أن يكون سلفاً لهذا القول -ولم يذكره الألباني ولا الأثيوبي-، هي ترجمة ابن خزيمة (ت ٣١١) لحديث أم سلمة بقوله: (باب النهي عن الطيب واللباس إذا أمسى الحاج يوم النحر قبل أن يفيض، وكل ما زجر الحاج عنه قبل رمي الجمرة يوم النحر) (٤)، ولم أقف على من نسب إليه هذا الرأي قبل بعض المعاصرين (٥). - والظاهر أن ابن خزيمة لم يجزم بالقول بظاهر الحديث، وإنما ترجم لظاهر معنى الحديث ومافيه من النهي، ويدل على عدم جزمه بظاهره= قوله قبل ذلك: «فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا بالبيت صرتم

стр. 1182

كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة» وهذا لفظ خبر أم سلمة، وخبر عكاشة مثله في المعنى، فإذا حُكم لهذا الخبر على ظاهره دل على خلاف قول عروة الذي ذكرته) (١)، وأصرح منه في اختياره قوله قبل ذلك: (باب إباحة التطيب يوم النحر بعد الحلق وقبل زيارة البيت، ضد قول من زعم أن التطيب محظور حتى يزور البيت) (٢)، وهو عام في الرد على قول عروة في المنع من الطيب قبل الطواف، وعلى ظاهر حديث أم سلمة في الإباحة المشروطة. - ولذلك لم أقف على من نسب إليه القول بظاهر خبر أم سلمة من السابقين، ويبعد أن يكون ذلك خفي على البيهقي، والنووي، والمحب الطبري، وابن كثير، والبُلقيني، بل كلهم قطعوا بعدم معرفتهم من قال به وأن الإجماع قائم على خلاف ظاهره، والنووي خاصة له عناية بأقواله ويعده من أصحابهم (٣)، حتى الألباني لم يتجاسر على نسبته لابن خزيمة مع عنايته بصحيحه. - وأما قول الألباني: (حديث رسول الله ﷺ - أجلّ من أن يستشهد عليه بعمل الفقهاء به، فإنه أصل مستقل حاكم غير محكوم)، فإنه شعار جليل لا يخالفه أئمة الدين الذين خالفهم، لكن هذا فرع عن ثبوته، ومن أثبته فقد حكم عليه بالنسخ ونحوه، فلا يرد عليه هذا الكلام، وسيأتي زيادة بيان عند أدلة القول الآخر -بإذن الله-.

стр. 1183

المسألة الثانية: أدلة القائلين بعودة الحاج محرماً بعد حله إذا لم يطف قبل الغروب يوم النحر: استدل أصحاب هذا الرأي: ١/ بحديث أم سلمة ﵂ قالت: كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النحر فصار إلي، ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية متقمّصين، فقال رسول الله ﷺ لوهب: «هل أفضت أبا عبد الله؟» قال: لا والله، يا رسول الله، قال ﷺ : «انزع عنك القميص» قال: فنزعه من رأسه ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولمَ يا رسول الله؟ قال: «إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلو» - يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء -، «فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرما كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به» (١).

стр. 1184

وعند أحمد: (قال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس ابنة محصن، وكانت جارة لهم، قالت: خرج من عندي عُكّاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمّصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلي عشاء، قمصهم على أيديهم، يحملونها. قالت: فقلت: أيْ عُكّاشة، ما لكم خرجتم متقمصين، ثم رجعتم وقُمُصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: خيراً يا أم قيس كان هذا يوماً قد رخص لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما حرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به صرنا حرماً كهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة حتى نطوف به، فأمسينا ولم نطف، فجعلنا قُمصنا كما ترين) (١).

стр. 1185

وجه الاستدلال: أن الحديث (صريح في أن المحرم إنما يحلّ له كلّ شيء برمي جمرة العقبة، بشرط أن يطوف بالبيت يوم النحر، قبل أن يمسي، وإلا فقد عاد كما هو حتى يطوف) (١). ونوقش الاستدلال بأمور: - أن الحديث ضعيف، و (لا يمكن أن يقال: إنه حديث صحيح) (٢)، وذلك للآتي: - تفرّد من لايحتمل منه التفرّد بمثل ذلك وهو محمد بن إسحاق و أبو عبيدة بن عبدالله بن زمعة؛ ولم يتابع ابن إسحاق إلا ابن لهيعة وهو سيء الحفظ مع اضطراب في الرواية، وابن إسحاق كما قال الإمام أحمد: (أما في المغازى وأشباهه فيكتب، وأما في الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا -ومد يده وضم أصابعه-) (٣)، وأبوعبيدة فيه جهالة، وأحاديثه تدل على قلة ضبطه (٤)، وتوضيح ذلك: - أن أبا عبيدة غير مكثر وله خمسة أحاديث فقط، أحدها في إسناده

стр. 1186

متهم، وبقي أربعة توبع على أحدها عند مسلم، وبقي ثلاثة زاد في أحدها لفظة، والثاني خولف في لفظه، والثالث حديث الباب، (ولم يأت مايشهد له لا من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال الصحابة) (١). - (فإذا كان هذا سند الحديث لم يروه إلا من في روايتهم نظر ومقال، وأعرض عنه الأئمة … مع أنه في أمر تعم البلوى به، وتتوافر الدواعي على نقله، كان ذلك دليلاً على أنه لا أصل له) (٢) - يقوي ذلك= مخالفته لقول الله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٣)، فجعل نهاية تحريم الصيد هو التحلل، فإذا حصل فلا ينقض مرة أخرى، إلا بفرض للحج أو العمرة (٤). - كما قال الله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ (٥)، ففيها دلالة على أن الإحرام يكون بالفرض دون غيره، و (الأصول الشرعية والقواعد المرعية … مقتضاها أن العامل متى حل من العبادة لم يعد إليها إلا بنية جديدة) (٦). - وفيه مخالفة للسنة المتواترة، فـ (إطلاقات الأحاديث الصحيحة

стр. 1187

المخرجة في الصحيحين وغيرهما صريحة في عدم تقييد الإحلال بزمن معين، فرجوع الحلال حراما بعدما حل … مستنكر غريب في النصوص) (١)، كما قال ابن كثير: (وهذا الحديث غريب جداً) (٢)، فالأحاديث المتكاثرة كما قال الطحاوي: (أولى؛ لأن معها من التواتر وصحة المجيء، ما ليس مع غيرها مثله) (٣). - وسبق حديث حفصة وعائشة المرفوعين في التحلل دون قيد، وخطب عمر بالناس: (إذا جئتم منى، فمن رمى الجمرة، فقد حل له ما حرم على الحاج. إلا النساء والطيب)، ونحوه عن عائشة وابن الزبير وابن عباس ﵃ دون تقييد أو اشتراط. - بل كان التأخير عندهم معتاداً كما سبق في بعض الآثار (٤)، وهذا يوافق ماصحّ عن عائشة-﵂: (أنها كانت إذا حجت، ومعها نساء تخاف أن يحضن، قدمتهن يوم النحر فأفضن) (٥)، (ومفهوم هذا أن من كانت لا تخاف عليها الحيض لاتقدمها تطوف يوم النحر) (٦). - وهكذا كان العمل عند السلف، حتى قال البيهقي والمحب الطبري وابن كثير وغيرهم عن حديث أم سلمة: (لا أعلم أحداً من الفقهاء

стр. 1188

يقول بذلك) (١)، فالحديث عندهم غير محفوظ، ومن أثبته فإنه قال بنسخه (دل الإجماع على نسخه) (٢)، و (أجمع العلماء على ترك العمل به) (٣). - فأي انتقاص للسلف، ولأمة محمد ﷺ إذا اعتُقد أنه يمكن إطباقهم على ترك سنة؟! و (ولو لم يكن في الأئمة من استعمل هذه السنن الصحيحة النافعة لكان وصمة على الأمة ترك مثل ذلك والأخذ بما ليس بمثله لا أثراً ولا رأياً) (٤). والجواب عن تضعيف الحديث: - بأن (ابن إسحاق من رجال البخاريّ، وأبو عبيدة روى عنه جماعة، وهو من رجال مسلم، والباقون لا يسأل عنهم، وابن إسحاق، وإن كان مدلّسًا، إلا أنه صرّح هنا بالتحديث، فزالت العلّة، فوجب القول به) (٥). - وأبو عبيدة روى الحديث عن أبيه وأمه عن أم سلمة، ثم رواه عن جارتهم أم قيس عن عكّاشة، وهؤلاء قريبون منه فالغالب ضبط حديثهم، واختصاصه بالحديث عنهم ممكن، قال ابن القيم: (وهذا يدل على أن الحديث محفوظ؛ فإن أبا عبيدة رواه عن أبيه وعن أمه وعن أم قيس، وقد استشكله الناس) (٦).

стр. 1189

- ثم إن ابن إسحاق توبع على ذلك، وخاصة فيما أخبر به عن أم قيس عن عكّاشة، والمتابعة ليس فيها ابن إسحاق ولا أبو عبيدة، (ورجاله ثقات كلهم؛ لولا سوء حفظ ابن لهيعة، ولكن لا بأس به في الشواهد) (١). - ومما يدل على عدم نكارة المتن سكوت أبي داود والبيهقي، فهو صالح في اصطلاح أبي داود (٢)، و صحيح عند البيهقي (٣)، وغير خفي تصحيح ابن خزيمة والحاكم بإخراجه دون إعلال. والجواب عن الجواب: - أما كون ابن إسحاق من رجال البخاري، فإنه لم يحتج به وإنما علّق عنه (٤)، ولو احتج به فإنه ينتقي من الحديث ويميز الخطأ فلا يخرجه، والكلام في ابن إسحاق مشهور، وليس الإعلال هنا بالتدليس حتى يُذكر التحديث. - وأما أبوعبيدة فإن له في مسلم حديث واحد قد توبع فيه، وسبق الكلام على مروياته وأن خطأه أكثر من صوابه على قلة في روايته. - وأما رواية أبي عبيدة عن أبيه وأمه وجارتهم أم قيس، وأن ذلك دليل حفظه، (ففيه نظر؛ لأن هذه الطرق مدارها على أبي عبيدة،

стр. 1190

وهي من باب الاختلاف على الراوي، لا من باب المتابعات، وأبوعبيدة لاتحتمل حاله تفرده بهذه السنة إذا رواها بإسناد واحد، فكيف إذا اختُلف عليه، فإن هذا لايزيد الحديث إلا وهناً) (١). - والظاهر أن هذا الأثر مما استُنكر على أبي عبيدة ورُدّ عليه في زمنه، فحاول ردّ هذا الاستنكار بفعل النبي ﷺ ، كما أخرج أحمد عن ابن إسحاق، قال: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أمه زينب ابنة أبي سلمة، وعن أبيه عبد الله بن زمعة، عن أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، قالت: كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله ﷺ ، فذكر معنى حديث ابن أبي عدي، قال أبو عبيدة: (أولا يشدّ لك هذا من الأثر إفاضة رسول الله ﷺ من يومه ذلك قبل أن يمسي؟) (٢). - وأما متابعة ابن لهيعة فإنها منكرة اجتمع فيها أربع علل: ضعف ابن لهيعة، وتفرده عن أبي الأسود، واضطرابه في سنده (٣)، واضطرابه في متنه، (فاجتمع في الحديث أربع علل جعلته في مصاف الأحاديث الشديدة الضعف) (٤). - أما سكوت أبي داود فإنه يدل على أنه صالح للاعتبار وليس للاحتجاج، قال ابن حجر: (فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة، ويقدمها على

стр. 1191

القياس إن ثبت ذلك عنه) (١). - وأما سكوت البيهقي فهي قرينة على ثبوته عنده لكنها ليست حجة على من أعلّه، وقد تُعقب بأحاديث سكت عليها، وكذلك سكوت ابن خزيمة والحاكم ﵏، فيبقى الثبوت أوالإعلال اجتهادياً، أما نفي العمل به فإجماع، كما سبق بيانه. - مع أن البيهقي أشار إلى أن في حديث أم سلمة متن مستقيم توبعت عليه، ومتن غير مستقيم لم تتابع عليه بقوله عن حديث عائشة: «طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت» رواه مسلم … وقد رويت تلك اللفظة في حديث أم سلمة مع حكم آخر لا أعلم أحدا من الفقهاء يقول بذلك) (٢). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بعودة الحاج محرماً بعد تحلله إذا لم يطف إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، و لا يصح تقرير هذا القول عن أحد قبل الألباني والإثيوبي؛ (وكفى خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده) (٣)؟ كيف والسنة المتواترة تنبئ عن خطأ في الرواية والدراية؟، مع مافيه من مخالفة للأصل والقاعدة ألا عمل إلا بنية وقصد، و (كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ) (٤)، والله أعلم.

стр. 1192

(اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف، فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد فكيف في القرى والبوادي). الغزالي ﵀ إحياء علوم الدين (٢/ ٣٤٢)

стр. 1193

المبحث الرابع: عدم وجوب الفدية في فعل المحظور أو ترك الواجب إلا في حلق الرأس و الوطء قبل التحلل وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1194

يقول ابن الملقن في الإعلام (١/ ٦٥٤): (فاحذر التقليد في النقول فإنه مذموم). قال ابن نجيم في البحر الرائق (٦/ ٢٠١): (وقد يقع كثيرا أن مؤلفا يذكر شيئا خطأ في كتابه فيأتي من بعده من المشايخ فينقلون تلك العبارة من غير تغيير ولا تنبيه فيكثر الناقلون لها وأصلها لواحد مخطئ).

стр. 1195

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الفدية في اللغة: جمعها فِدى، وتطلق على العدل و البدل (والفِدية والفَدى والفِداءُ، كلُّه بمعنى) (١)، و (المفاداة أن تدفع رجلاً وتأخذ رجلاً، والفداء أن تشتريه) (٢)، (وقيل: هما واحد) (٣)، وفي التنزيل: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٤)، ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ (٥)، وفي آيات الحج قال الله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٦)، يعني: إذا حلق رأسه فعليه الفدية، وهي المراد عند الإطلاق في محظورات الحج (٧). والفدية في الاصطلاح العام: (البدل الذي يتخلص به المكلف عن مكروه توجه إليه) (٨)، وهي في الحج: (ما يجب بسبب الإحرام أو الحرم) (٩)؛ فالتي بسبب الإحرام كدم تمتع، أوترك واجب، أو فعل
следующие страницы →