← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

القياس إن ثبت ذلك عنه) (١). - وأما سكوت البيهقي فهي قرينة على ثبوته عنده لكنها ليست حجة على من أعلّه، وقد تُعقب بأحاديث سكت عليها، وكذلك سكوت ابن خزيمة والحاكم ﵏، فيبقى الثبوت أوالإعلال اجتهادياً، أما نفي العمل به فإجماع، كما سبق بيانه. - مع أن البيهقي أشار إلى أن في حديث أم سلمة متن مستقيم توبعت عليه، ومتن غير مستقيم لم تتابع عليه بقوله عن حديث عائشة: «طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت» رواه مسلم … وقد رويت تلك اللفظة في حديث أم سلمة مع حكم آخر لا أعلم أحدا من الفقهاء يقول بذلك) (٢). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بعودة الحاج محرماً بعد تحلله إذا لم يطف إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، و لا يصح تقرير هذا القول عن أحد قبل الألباني والإثيوبي؛ (وكفى خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده) (٣)؟ كيف والسنة المتواترة تنبئ عن خطأ في الرواية والدراية؟، مع مافيه من مخالفة للأصل والقاعدة ألا عمل إلا بنية وقصد، و (كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ) (٤)، والله أعلم.

стр. 1192

(اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف، فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد فكيف في القرى والبوادي). الغزالي ﵀ إحياء علوم الدين (٢/ ٣٤٢)

стр. 1193

المبحث الرابع: عدم وجوب الفدية في فعل المحظور أو ترك الواجب إلا في حلق الرأس و الوطء قبل التحلل وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1194

يقول ابن الملقن في الإعلام (١/ ٦٥٤): (فاحذر التقليد في النقول فإنه مذموم). قال ابن نجيم في البحر الرائق (٦/ ٢٠١): (وقد يقع كثيرا أن مؤلفا يذكر شيئا خطأ في كتابه فيأتي من بعده من المشايخ فينقلون تلك العبارة من غير تغيير ولا تنبيه فيكثر الناقلون لها وأصلها لواحد مخطئ).

стр. 1195

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الفدية في اللغة: جمعها فِدى، وتطلق على العدل و البدل (والفِدية والفَدى والفِداءُ، كلُّه بمعنى) (١)، و (المفاداة أن تدفع رجلاً وتأخذ رجلاً، والفداء أن تشتريه) (٢)، (وقيل: هما واحد) (٣)، وفي التنزيل: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٤)، ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ (٥)، وفي آيات الحج قال الله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٦)، يعني: إذا حلق رأسه فعليه الفدية، وهي المراد عند الإطلاق في محظورات الحج (٧). والفدية في الاصطلاح العام: (البدل الذي يتخلص به المكلف عن مكروه توجه إليه) (٨)، وهي في الحج: (ما يجب بسبب الإحرام أو الحرم) (٩)؛ فالتي بسبب الإحرام كدم تمتع، أوترك واجب، أو فعل

стр. 1196

محظور أو إحصار، والتي بسبب الحرم المكي كالواجب في صيده (١)، وسبق الإشارة أن الفدية عند الإطلاق هي فدية التخيير في فعل المحظور، أما ترك الواجب فيقال: فيه دم كما قال ابن عباس، وفي العنوان تغليب. وليس من مسألتنا وجوب الهدي على المحصر و المتمتع، الذي بينه الله بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ … فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)؛ لأن المقصود في البحث مايكون به مع انتفاء العذر=الإثم، فـ (الفدية والجزاء في النسك، إنما هو عوض من تقصير في واجب، وتضييع للازم قد فات وقت عمله، وحرج بتضييعه، وأثم بتقصيره فيه) (٣). وليس من مسألتنا جزاء الصيد ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤)؛ فتحريم الصيد متعلق بالحرم أيضاً، وليس كبقية المحظورات المتعلقة بالبدن وبالإحرام فقط، ولا أعلم بين المعاصرين خلافاً في الأمور الثلاثة المذكورة (هدي التمتع، والإحصار، وجزاء الصيد)، إضافة إلى ما استثني في العنوان وهي فدية حلق الرأس والجماع، فهذه خمسة فروع يقول المعاصرون فيها بالفدية. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (أجمعوا على أن المحرم ممنوع من: الجماع، وقتل الصيد، والطيب، وبعض اللباس (٥)،

стр. 1197

وأخذ الشعر (١)، وتقليم الأظفار (٢) … وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه) (٣). ٢. … (وأجمعوا على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء من ذلك في حال الإحرام، إلا الجماع) (٤)، وهو (مفسد قبل الوقوف، موجب للقضاء والهدي إجماعاً) (٥).

стр. 1198

٣. … وحلق الرأس كذلك مما (أجمعوا على وجوب الفدية على من حلق، وهو مُحرِم) (١)، لكنه لايفسد الحج (٢)، وبقية المحظورات مقيسة على الرأس في لزوم الفدية. ٤. وقد (اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتكب الحاج أو المعتمر محظوراً من محظورات الحج أو العمرة فعليه فدية أو كفارة حسب المحظور الذي ارتكبه) (٣).

стр. 1199

٥. و (لا خلاف بين الفقهاء في أن: من ترك واجباً من واجبات الحج كالإحرام من الميقات، ورمي الجمار كلها أو بعضها، ولم يتمكن من الإتيان به، يجب عليه الجبر بالدم، ولا يجبر بالدم إلا ما كان واجباً) (١). ٦. … (وأهل الظاهر لا يوجبون الفدية إلا في المنصوص عليه) (٢)، لكنهم يبطلون الحج في تعمد أي معصية (٣)، وذهب بعض المعاصرين إلى تصحيح حج من فعل المحظور أو ترك الواجب، ولا تجب الفدية عندهم إلا فيما نُص عليه، وحُكم على رأيهم بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1200

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) (١)، ومقبل الوادعي (ت ١٤٢٢) (٢)، وغيرهما (٣).

стр. 1201

وأشار إلى ذلك من المتأخرين قبلهم الصنعاني (ت ١٢٨٢) (١). وقرره الشوكاني (ت ١٢٥٠)، ولعله أول من قرر هذا الرأي، وزاد عليه: بأن من جامع متعمداً فلا يجب عليه دم ولا يفسد حجه (٢)، ولا تجب الفدية في المحظورات إلا في حلق الرأس (٣)، وقرّر في المحظورات: عدم المنع من المخيط إلا ما نُص عليه فقط (٤)، أما الواجبات فكل أفعال النبي ﷺ في الحج واجبة عنده (٥)، ولا يجب في ترك شيء منها دم (٦).

стр. 1202

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذه أو شذوذ بعض مسائله: - ابن بطال (ت ٤٤٩) بقوله في "باب فرض مواقيت الحج والعمرة": (وهذا الباب رد على عطاء والنخعي والحسن، فإنهم زعموا أنه لا شيء على من ترك الميقات ولم يُحْرم وهو يريد الحج والعمرة، وهذا شذوذ من القول) (١). - والماوردي (ت ٤٥٠) بقوله: (وهو قول الجماعة إلا الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، فإنهما قالا: الإحرام من الميقات مستحب وليس بواجب، ومن تركه فلا شيء عليه، وهذا مذهب شاذ واضح الفساد) (٢). - وابن عبدالبر (٤٦٣) بقوله: (في هذه المسألة أقاويل أيضاً غير هذه، أحدها: أنه لا شيء على من ترك الميقات، هذا قول عطاء والنخعي، وقول آخر أنه لا بد له أن يرجع إلى الميقات إذا تركه، فإن لم يرجع حتى قضى حجه فلا حج له، هذا قول سعيد بن جبير، وقول آخر وهو أن يرجع إلى الميقات كل من تركه فإن لم يفعل حتى تم حجه رجع إلى الميقات وأهل منه بعمرة، روي هذا

стр. 1203

عن الحسن البصري، فهذه الأقاويل الثلاثة شذوذ ضعيفة عند فقهاء الأمصار) (١). - وقال ابن رشد (ت ٥٩٥): (وقال أبو محمد بن حزم: يقص المحرم أظفاره وشاربه. وهو شذوذ، وعنده أن لا فدية إلا من حلق الرأس فقط للعذر الذي ورد فيه النص) (٢)، ولبعض المعاصرين عبارات تفيد شذوذه (٣).

стр. 1204

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب الفدية في فعل المحظور أو ترك الواجب: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)، ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٢)، وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٣). وجه الاستدلال: - من (قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ … ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؛ وذلك أن العبد إذا أحرم بحج أو عمرة، فقد أوجب ذلك على نفسه، بمنزلة من أوجب على نفسه نذراً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، فسماها نذوراً بجامع إيجاب الإنسان ذلك على نفسه) (٤). - وأركان الحج لا يتم الحج إلا بها، وواجباتها يجب الوفاء بها كما يجب الوفاء بالنذر، وإلا فيجبر كل فائت بالبدل كما يجب بفوات النذر بدل، وهي واجبات متعددة، ونذور متحققة بإحرامه، وليست

стр. 1205

نذراً واحداً ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (أي: أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم بإحرامهم بالحج) كما قال القرطبي (١). - وآية الإحصار (تدل على وجوب الهدي على من لم يتمكن من إتمام حجه وعمرته بسبب الإحصار، ولم يرد فيها تحديد نوع النسك الذي يجب لتركه دم، بل هي عامة لجميع أنواع المناسك التي أوجبها الله على خلقه، فعلى من لم يفعلها بسبب الإحصار دم؛ لأنه لم يتم حجه، ولذا فإن ذكر الإحصار دون غيره يمكن حمله على أنه من باب التمثيل لا الحصر؛ لأنه أول مانع صد المسلمين عن إكمال مناسكهم) (٢). - وإذا كان الحاج (لو فوَّت نفس الحج لزمه القضاء والكفارة، فكذلك إذا فوت بعض واجباته التي يمكن قضاؤها: يجب أن تجب فيه الكفارة إلحاقاً لأجزاء العبادة بأصلها، فإنه من أجلى الأقيسة) كما قال ابن تيمية (٣). - ولذلك قال ابن قدامة: (وإن كان ما حصر عنه ليس من أركان الحج، كالرمي، وطواف الوداع، والمبيت بمزدلفة أو بمنى في

стр. 1206

لياليها، فليس له التحلل؛ لأن صحة الحج لا تقف على ذلك، ويكون عليه دم؛ لتركه ذلك، وحجه صحيح، كما لو تركه من غير حصر) (١)، أما (أهل الظاهر فإنهم لا يرون دماً إلا حيث ورد النص) (٢). ٢/ ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣)، مع قصة كعب ﵁ لما آذته هوام رأسه فقال له النبي ﷺ : «فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة» (٤). وجه الاستدلال: - أن (قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾) (٥)، وفيها (بيان لملازمة حالة الإحرام حتى ينحر الهدي، وإنما خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب تمهيداً لقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ ويعلم استمرار حكم الإحرام في البقية بدلالة القياس والسياق) (٦). - وكما أن النهي عن حلق الرأس لا يختص به في المنع، فكذلك

стр. 1207

الفدية المترتبة على حلق الرأس لا تختص به، والأصل (هو القياس على الأصل السابق المنصوص عليه في الكتاب والسنة بخصوص الحلق، فقاس الفقهاء عليه سائر مسائل الفصل بجامع اشتراك الجميع في العلة وهي الترفه، أو الارتفاق) (١)، (وأهل الظاهر لا يوجبون الفدية إلا في المنصوص عليه) (٢)؛ لإنكارهم القياس، فالنقاش معهم في الأصل (٣). - ٣/ ومن الأدلة-وهو أشهرها- قول ابن عباس-﵄: (من نسي من نسكه شيئاً، أو تركه فليهرق دماً) (٤)، وقال تلميذه عطاء -إمام المناسك- (٥): (من نسي من النسك شيئاً، حتى رجع إلى أهله،

стр. 1208

فليهرق لذلك دماً) (١)، وقد وافق ابن عباس في أصل إيجاب الدم من الصحابة: ابن عمر فقال: (إذا رمى الرجل قبل الزوال أعاد الرمي، وإذا نفر قبل الزوال أهراق دماً) (٢)، قال الإمام أحمد عقبه: (أَذْهَبُ إليه) (٣). وجه الاستدلال: - أن أثر ابن عباس (تلقاه العلماء بالقبول (٤)، وقالوا: من ترك شيئاً من نسكه فعليه دم، مع أنهم لا يقولون بإطلاقه … فيحملونه على من

стр. 1209

ترك شيئاً من نسكه الواجب أو نسيه) (١). - (وذلك أن النسك على ثلاثة أضرب: ضرب هو ركن من أركانه … فهذا من ترك شيئا منه لم يصح نسكه وكان عليه إتمامه ولا يجزئه عنه دم ولا غيره … وضرب ثان وهو موجبات [لعلها واجبات] الحج … فهذه التي أراد عبد الله بن عباس بقوله في هذا الحديث … والضرب الثالث ليست من واجبات الحج وإنما هي من أحكامه المشروعة فيه على وجه الندب والاستحباب … فهذه كلها مشروع الإتيان بها مندوب إليها فمن تركها أو نسيها فقد ترك الأفضل وليس عليه في ذلك دم ولا غيره) (٢). - (وبالجملة فقد اتفق الجميع على أن الدم لا يغني شيئاً في ترك الفرائض والأركان، وليس بلازم في ترك السنن والآداب، فثبت بذلك أن قول ابن عباس هذا محمول على الواجبات فقط) (٣). - ثم تأيدت قاعدة ابن عباس بفتوى ابن عمر، وبقول عطاء ولا مخالف لهم من السلف، و (ابن عباس إمام أهل مكة وأعلم الأمة في زمنه بالمناسك وغيرها، وكذلك عطاء بعده إمام أهل مكة، بل إمام الناس كلهم في المناسك) كما قال ابن تيمية (٤). ونوقش الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم في الأصل، فإنه موقوف على ابن عباس ولاحجة في قول الصحابي، وعلى فرض التسليم به فإنه شامل لكل نسك كائناً ماكان، ولايقولون بذلك (٥).

стр. 1210

- ثم إن قول ابن عباس رواه عنه سعيد بن جبير فقط مع كثرة أصحاب ابن عباس، ومثل هذا القول يحتاج إليه، فلو كان له حكم الرفع لرواه الكثير ونقلوه. - وابن عباس ذكر الناسي والعامد، والناسي معذور، وعامة الصحابة لايلحقون الناسي بالمتعمد، وجملة من العلماء يخرجون الناسي من الفدية كابن تيمية وابن القيم، مع أن قول ابن عباس يشمل الناسي، فمن احتج به على المتعمد فليحتج به على الناسي (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - أما مناقشة الأصل وأن قول الصحابي ليس بحجة؛ فهذا سأفرده في سبب الخلاف وأن الأئمة يحتجون به، مع أن الشأن في هذه المسألة هو قول الصحابي الذي لايعلم له مخالف، بل أطبق عليه من بعده كما قال الصنعاني: (فالعجب إطباق المفرعين على إيجاب الدم في محلات كثيرة والدليل كلام ابن عباس) (٢)، فهو إطباق وإجماع كما سيأتي في الدليل الآتي وهو الإجماع. - أما الاعتراض بأن قوله: (من نسكه) شامل لكل أنواع النسك وأن تخصيصه بالواجب فقط تحكم، فسبق في وجه الاستدلال أن الركن لايجبره شيء، وأن المستحب غير لازم فلا يحتاج إلى جابر إلا إن تطوّع المحرم به (٣)، كالهدي المستحب. - ولذلك نظير في العبادات كما في حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً:

стр. 1211

«إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين» (١)، وروي في حديث ثوبان: «لكل سهو سجدتان» (٢)، فنقص الركن أو السهو عنه لايجبره السجود فقط، والنقص أو السهو عن المستحب لايوجب سجوداً. - وأما تفرد سعيد بن جبير فليس بشيء ولا يسلّم به، فمن أين قال عطاء نحو قول ابن عباس؟ وعلى فرض التسليم بتفرده فابن جبير إمام متفق على عدالته، وإذا لم يقبل تفرده في مثل هذا الموقوف فمن الذي يقبل؟! - وأئمة الحديث والفقه متتابعون على الاحتجاج به، فهذا مالك في الموطأ أخرجه وفرّع عليه، وبعده الشافعي، وهذان إماما أهل الحديث: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه حين سألهما الكوسجُ قائلاً: (قلت: من قدم نسكاً قبل نسك، وأي شيء حديث ابن عباس ﵄؟ قال أحمد: من نسي فقدم شيئاً قبل شيء فليس عليه شيء، وحديث ابن عباس ﵄ أنه [قال: من] ترك من مناسكه شيئاً، وإن حلق قبل أن يرمي على السهو فليس عليه شيء. قال إسحاق: كما قال، إلا أن المذهب، كما قال ابن عباس ﵄، فمن نسيَ أو ترك حتى فات فعليه دم، وليس هذا بمخالف لما قدم شيئاً قبل شيء؛ لأنه قد أتى على كله) (٣).

стр. 1212

- ثم إن ابن عباس قد وافقه ابن عمر ﵄ في أصل إيجاب الدم على من ترك واجباً من الواجبات كما سبق في الدليل. - أما القول بأن ابن عباس يقول: (من ترك من نسكه شيئاً أو نسيه) وأن من احتج به في المتعمد فليحتج به في الناسي، وأن جماعة من الصحابة و ابن تيمية وابن القيم لا يلحقون الناسي بالمتعمد؛ فهذا فيه خلط وعدم تمييز بين ترك الواجب وفعل المحظور، والنسبة إلى ابن تيمية وابن القيم في ترك الواجب خطأ، بيانه في الآتي: - أن أثر ابن عباس في ترك الواجب وليس في فعل المحظور وبينهما فرق، قال ابن تيمية: (فرّق أكثر العلماء في الصلاة والصيام والإحرام بين من فعل المحظور ناسياً، وبين من ترك الواجب ناسياً) (١)، وقال: (تارك المأمور به عليه قضاؤه وإن تركه لعذر … ومثل من ترك شيئا من نسكه الواجب فعليه دم أو عليه فعل ما ترك إن أمكن وأما فاعل المنهي عنه إذا كان نائماً أو ناسياً أو مخطئاً فهو معفو عنه ليس عليه جبران إلا إذا اقترن به إتلاف كقتل النفس والمال) (٢)، وقال: (ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل محظورا مخطئاً أو ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله) (٣). - و قال ابن تيمية في فدية الأذى: (أما الكفارة والفدية فتلك

стр. 1213

وجبت؛ لأنها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان المتلف بمثله، كما لو أتلفه صبي أو مجنون أو نائم ضمنه بذلك، وجزاء الصيد إذا وجب على الناسي والمخطئ فهو من هذا الباب، بمنزلة دية المقتول خطأ والكفارة الواجبة بقتله خطأ بنص القرآن وإجماع المسلمين. وأما سائر المحظورات فليست من هذا الباب وتقليم الأظفار وقص الشارب والترفه المنافي للتفث كالطيب واللباس، ولهذا كانت فديتها من جنس فدية المحظورات ليست بمنزلة الصيد المضمون بالبدل. فأظهر الأقوال في الناسي والمخطئ إذا فعل محظوراً ألا يضمن من ذلك إلا الصيد) (١). - وهذا التفريق بين المأمور والمحظور يقرره تلميذه ابن القيم أيضاً بقوله: (وسر الفرق أن من فعل المحظور ناسياً يجعل وجوده كعدمه، ونسيان ترك المأمور لا يكون عذراً في سقوطه) (٢)، وفرّع عليه كتفريع شيخه فقال: (من تطيب أو لبس أو غطى رأسه أو حلق رأسه أو قلم ظفره ناسياً فلا فدية عليه، بخلاف قتل الصيد، فإنه من باب ضمان المتلفات فهو كدية القتيل. وأما اللباس والطيب فمن باب الترفه، وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف، فإنه لا قيمة له في الشرع ولا في العرف) (٣). - ولو نسب ذلك القول إلى الحنفية لكان ذلك متجهاً؛ لأن الحنفية عندهم أن الواجبات إذا تُركت لغير عذر ففيها الدم، وإذا تركت لعذر فلاشيء فيها، أما المحظورات فالكفارة عندهم فيها ثابتة

стр. 1214

سواء لعذر أو لغير عذر، لكني لم أرهم يذكرون أثر ابن عباس في كتبهم، فلا يلزمهم هذا اللازم، ومع ذلك فإنهم يوجبون الدم في ترك الواجب لغير عذر، مما يدل على استفاضة في هذا الحكم. - قال الكاساني: (إذا كان واجباً فإن تركه لعذر فلا شيء عليه، وإن تركه لغير عذر لزمه دم؛ لأن هذا حكم ترك الواجب في هذا الباب أصله طواف الصدر … ورخص للحائض، بخلاف الأركان فإنها لا تسقط بالعذر) (١)، وقال ابن عابدين: (إن تركه بلا عذر لزمه دم، وإن بعذر فلا شيء عليه مطلقاً. وقيل: فيما ورد به النص فقط) (٢)، يعني: لادم في ترك الواجب الذي ورد في بعض الأدلة الترخيص بتركه دون إيجاب للدم، كالمبيت بمنى، وفوات مزدلفة، وترك الوداع. - ثم قال ابن عابدين: (وهذا بخلاف ما لو ارتكب محظوراً كاللبس والطيب فإنه يلزمه موجبه ولو بعذر) (٣)، وارتكاب المحظور بغير عذر يوجب الدم بلا تخيير، (وإن تطيب أو حلق أو لبس من عذر فهو مخير: إن شاء ذبح شاة وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع من طعام وإن شاء صام ثلاثة أيام) (٤). ٤/ ومن الأدلة في المحظورات -غير الجماع والصيد- ثلاثة آثار عن الصحابة: أولها: قول ابن عمر-﵄: (المحصر بمرض لا يحل، حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة. فإذا اضطر إلى لبس شيء من

стр. 1215

الثياب التي لا بد له منها، أو الدواء، صنع ذلك وافتدى) (١). وثانيها: جاء عن أبي معبد مولى ابن عباس، أن ابن عباس قال له: (يا أبا معبد، رد علي طيلساني، وهو محرم، قال: قلت: كنت تنهى عن هذا، قال: إني أريد أن أفتدي) (٢). وثالثها: جاء عن قتادة أنه قال: (سألت امرأةٌ عبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عمر، عن امرأة محرمة اكتحلت بإثمد، فأمرها عبد الرحمن بن أبي بكر تهريق دماً) (٣). وجه الاستدلال: - في الأول (ابن عمر ﵁ ألزم بالفدية من فعل "اللبس" مضطراً، مع أنّ اللبس غير منصوص عليه؛ ولا يوجد مخالفٌ لابن عمر ﵁ في هذه المسألة، من الصحابة ولا من السلف، مما يدل على أنّ هذا القياس صحيح لا إشكال فيه) (٤). - وفي الثاني (قياس صريح من ابن عباس … جعل الألبسة حكمها حكم الحلق) (٥).

стр. 1216

- والثالث أَمَر بالدم على الاكتحال بالإثمد؛ (لأن الإثمد طيب … وكون عبدالرحمن بن أبي بكر يأمر بالهدي، فهذا معروف عند السلف أنهم أحياناً يأمرون الشخص بأعلى مراتب التخيير، وهذا واضح لمن تدبر أقوالهم في الأيمان وفي النذور والكفارات) (١). ٥/ ومن الأدلة: الإجماع المحكي على مسائل متفرقة في ترك الواجب أو فعل المحظور، وبعضها عام، وسأبدأ في ترك الواجب وأنتهي بفعل المحظور، ومن ذلك: ١. قول ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (أجمع العلماء على أن من لم يرم الجمار أيام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها أنه لا يرميها بعد، وأنه يجبر ذلك بالدم أو بالطعام على حسب اختلافهم فيها) (٢). ٢. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (وإلحاق هذه (٣) بالحصى، وبحلق الشعر: لا يصح; لأن ذاك قد ثبت بالنص والإجماع أن في جميعه دماً، وهنا الخلاف في أصل وجوبه) (٤)، يعني: المبيت بمنى. ٣. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: (اتفق الفقهاء على أنه تجب فدية في ترك واجبات الحج والعمرة، كترك الإحرام من الميقات

стр. 1217

وترك الوقوف بالمزدلفة، وترك المبيت بمنى ليالي التشريق، وترك الرمي للجمرات، وترك طواف الوداع، وغير ذلك من المأمورات التي لا يفوت الحج بفواتها) (١). ٤. وقال الشنقيطي (ت ١٣٩٣): (إذا عرفت أقوال أهل العلم في حكم من أخل بشيء من الرمي، حتى فات وقته، فاعلم أن دليلهم في إجماعهم على أن من ترك الرمي كله وجب عليه دم، هو ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من نسي من نسكه شيئا، أو تركه، فليهرق دماً) (٢)، ثم قال عنه: (موقوف ليس له حكم الرفع، فهو فتوى من صحابي جليل لم يعلم لها مخالف من الصحابة) (٣)، فبدأ بالجمار ثم استدل بأثر ابن عباس العام في ترك الواجب وأنه لا مخالف له، وقال نحو قوله عن الأثر: ٥. ابن رشد الجد (ت ٥٢٠): ( … قول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئا أو نسيه؛ فليهرق دما، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه) (٤). ٦. والصنعاني (ت ١١٨٢): (فالعجب إطباق المفرعين على إيجاب الدم في محلات كثيرة، والدليل كلام ابن عباس) (٥). ٧. وابن باز (ت ١٤٢٠): (حديث ابن عباس … لم نعرف مخالفاً له من الصحابة) (٦).

стр. 1218

٨. وابن عثيمين (ت ١٤٢١): (على فرض أن مثله يقال بالرأي وأن ابن عباس ﵄ اجتهد فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم، فإنه قول صحابي لم يظهر له مخالف فكان أولى بالقبول من قول غيره) (١)، ولغيرهما من المعاصرين نحوه من العبارات (٢). ٩. وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: (اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتكب الحاج أو المعتمر محظوراً من محظورات الحج أو العمرة فعليه فدية أو كفارة) (٣). ١٠. وقال عبدالوهاب البغدادي (ت ٤٢٢): (الطيب ممنوع في الإحرام قليله أو كثيره، منع حظر تجب الفدية بتناوله ولا خلاف في ذلك) (٤). ١١. وقال ابن قدامة (ت ٦٢٠): (لا خلاف في وجوب الفدية على المحرم، إذا تطيب أو لبس عامداً؛ لأنه ترفه بمحظور في إحرامه،

стр. 1219

فلزمته الفدية، كما لو ترفه بحلق شعره، أو قلم ظفره والواجب عليه أن يفديه بدم) (١). ١٢. وقال النووي (ت ٦٧٦): (وإذا تطيب أو لبس ما نهي عنه لزمته الفدية إن كان عامداً بالإجماع) (٢). ١٣. وقال ابن أبي عمر (ت ٦٨٢): (إذا لبس أو تطيب أو غطى رأسه عامداً فإن عليه الفدية بغير خلاف علمناه) (٣). ١٤. وقال الزيلعي (ت ٧٤٣): (وجوب الدم بتغطية الرأس مجمع عليه) (٤). ١٥. وقال المرداوي (ت ٨٨٥): (إذا احتاج إلى فعل شئ من هذه المحظورات، مثل إن احتاج إلى حلق شعره لمرض، أو قمل، أو غيره، أو إلى تغطية رأسه، أو لبس المخيط ونحو ذلك، وفعله، فعليه الفدية، بلا خلاف أعلمه) (٥).

стр. 1220

ونوقش هذا الاستدلال: - بأن حكاية الإجماع بلزوم الدم أو الفدية على من ترك واجباً أو فعل محظوراً، لا تسلّم؛ وذلك من وجوه: ١. أن إمام المناسك عطاء بن أبي رباح جاء عنه عدم لزوم الدم فيمن ترك بعض الواجبات؛ كمن تجاوز الميقات بغير إحرام؛ فإنه عنده آثم ولادم عليه، ووافقه النخعي، والنخعي لا يرى الفدية فيمن قص أظفاره ولو متعمداً وهو وجهٌ للحنابلة. ٢. … أن الأئمة الأربعة يرون تحريم بعض الأفعال وحظرها، ولا يرون فيها شيئاً؛ فمالكٌ يرى أن قصّ ظفر واحد محظور، ولا تلزم الفدية عنده إلا بقص الاثنين فصاعداً، وأبوحنيفة يرى حظر قص الواحد، ولايرى الفدية حتى يقص أظفار رجلٍ أو يدٍ كاملة، وكذلك أحمد والشافعي: يحظرون قص الشعرة والظفر، ولا يوجبون الفدية إلا في الثلاث. ٣. أن بعض الأئمة يرون وجوب أعمالٍ، ولا يرون فدية في تركها: فعمر لم يأمر من ترك المبيت بمزدلفة بشيء كما عند سعيد في "سننه"، وأحمد في رواية: يرى وجوب المبيت بمنى، ولايرى الدم على تاركه، بل الإثم فقط، ورواية أخرى عنه: يرى فيها الدم عن ليلتين و ثلاث، ويرى وجوب المبيت بمزدلفة، ولم ير وجوب الدم للمعذور؛ فقد قال: "ليس عليه شيء إذا أخطأ الطريق أو كان

стр. 1221

جاهلاً"، وابن المنذر في "الأوسط" يرى وجوب طواف الوادع، وقال: "لايجب بتركه شيء". ٤. أن جملة من الفقهاء يخرجون ويعذرون الناسي، مع أن عمدتهم أثر ابن عباس، فما الذي أخرج الناسي مع نص ابن عباس عليه؟! (١). ٥. وعقد النكاح محظور عند الجمهور خلافاً للحنفية، ولا يجب فيه الفدية عند جميعهم. ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - أما الجواب المجمل، فإن ما ذكره من مسائل غير مانعة للإجماع لأمور: إما أن يكون ماذكر لا يصح عمن ذكر عنه، وإما لأن المتروك فيها بعض النسك والدم يجب في ترك النسك كاملاً، وإما لأنه ورد التخفيف في النسك المذكور بعدم إيجابه على كل أحدفلا يجزم العالم بوجوبه فلايوجب فيه الدم، هذا الإجمال، وأما التفصيل: - أما مانسبه لإمام المناسك عطاء في عدم وجوب الدم على من تجاوز الميقات وهو غير محرم، فهذا انتقاء غير جيد، و (يكفي في تحقيق هذا الإجماع أن ننقل عن عطاء إلزامه بالدم في ترك بعض الواجبات) (٢)؛ لأن الكلام هو رأيه في المسألة العامة"ترك الواجب"، فلا يعترض بأمثلة للمسألة محتملة، هذا تنزلاً، وإلا فلا يسلم بما نسبه. - يوضح ذلك أن عطاء يقول: (من نسي من النسك شيئاً، حتى رجع

стр. 1222

إلى أهله، فليهرق لذلك دماً) (١)، إذا استحضرت ذلك، فتأمل في فتاويه، وسأسرد منها ماتيسر مما يناسب، ثم أرجع إلى فتوى الميقات، فمن فتاويه للمُحرم: - (إذا نتف إبطه، أو قلم أظفاره، فإن عليه الفدية) (٢)، والعطّار (إن جلس عنده متعمداً كفّر) (٣)، ومن (لبس قميصاً ناسياً فلا شيء عليه وليستغفر الله تعالى؛ فإن تعمد ذلك فالكفارة) (٤)، و (سئل عن محرم أصابه مطر فغطى رأسه فقال: فدية من صيام أو نسك) (٥)، وقال: (إذا قبل أو غمز فعليه دم) (٦). - وقال لرجل (قَدِم فترك الصفا والمروة فقال عطاء: أهرق دماً) (٧)، وفي عرفة قال: (عليه شاة إذا دفع قبل الإمام) (٨)، وفي مزدلفة

стр. 1223

قال: (من رُهِقَ عن جمع فلم ينزلها أهرق لذلك دماً) (١)، وقال فيمن رمى بخمس حصيات: (يرمي بما بقي إلا أن يكون ذهبت أيام التشريق أهراق لذلك دماً) (٢)، وفي منى قال: (إذا بات بمكة لغير ضرورة فليهرق دماً) (٣)، وفي طواف الوداع قال: (من ترك طواف الصدر فعليه دم) (٤). - بعد هذه الجولة المختصرة في فقه عطاء فيمن فعل محظوراً أو ترك واجباً، فما وجه ما نُسب إليه من عدم وجوب الدم في ترك الإحرام من الميقات؟ - فعن عطاء روايات في هذه المسألة، منها مايوافق قاعدته وتطبيقه بوجوب الدم، -ولم يشر إليها المعترض- مع أنها هي الأَوْلى؛ لموافقتها للإجماع، وموافقتها لتطبيقه، ولأنها أقوى إسناداً، أما رواية عدم الوجوب فقد حُكم عليها بالشذوذ -الفقهي- كما سبق، مع إمكان حملها على محمل صحيح، وهذا تفصيل الرواية عن عطاء هنا: - … الرواية الأولى عنه أنه قال: (من أخطأ أن يهل بالحج من ميقاته أو عمد ذلك فليرجع إلى ميقاته فليهلل منه، إلا أن يحبسه أمر يعذر به

стр. 1224

من وجع أو غيره، أو يخشى أن يفوته الحج إن رجع فليهرق دماً ولا يرجع) (١)، يؤيدها قوله: (يهل من مكانه وعليه دم) (٢). - أما الرواية الثانية فقد ذكرها ابن حزم مع إشارته إلى الرواية الأولى، فقال: (وعن عطاء قال مرة: عليه دم، ومرة قال: لا شيء عليه، روينا ذلك من طريق سعيد بن منصور نا سفيان -هو ابن عيينة - عن ابن أبي نجيح عن عطاء قال: ليس على من تجاوز الميقات غير محرم شيء) (٣). - والجمع بين الروايات ممكنٌ بحمل الثانية على من لم يرد النسك (٤)، والأولى على مريد النسك. - فإن لم يمكن الجمع فلا شك أن الرواية الأولى بوجوب الدم أصح وأثبت؛ لأنها من رواية ابن جريج وهو من أثبت الناس في عطاء (٥)، وهو أعرف بفقه عطاء من غيره كما قال ابن المديني: (ماكان في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج) (٦).

стр. 1225

- ومن خالفه هنا هو ابن أبي نجيح، وقد قال ابن عبدالبر: (ابن جريج أثبت الناس في عطاء، لا يقاس به فيه ابن أبي نجيح ولا غيره) (١)، فرواية ابن جريج مقدمة هنا. - أما موافقة النخعي على الرواية الضعيفة عن عطاء، فإن النسبة إليه بإطلاق خطأ؛ فقوله كان فيمن تجاوز الميقات (لا حاجاً ولا معتمراً) ثم بدا له الإحرام، وهو مع ذلك معذور يخاف (أن يفوته) الحج إن رجع للميقات، فلا يجب عليه وعلى من أنشأ نية النسك بعد الميقات أن يرجع للميقات ولا الدم (٢)، ولذا قال الراوي: (ولم يذكر دماً) لأنه لم يترك واجباً، وهي تدل على اشتهار هذا الحكم عندهم. - وهذا سياق الرواية كما في المصنف: (عن حبيب، عن إبراهيم، في رجل دخل مكة لا حاجاً ولا معتمراً، وهو يخاف إن خرج إلى الوقت أن يفوته، قال: "يهل من مكانه"، ولم يذكر دماً) (٣).

стр. 1226

- أما القول بأن النخعي لايوجب في قص الظفر شيئاً (١)؛ فقبل الجواب عنه، من المناسب أن يذكر قاعدته في المناسك، ففي المصنف أنه قال: (كان يقال: من أحدث في حجه شيئاً لا ينبغي، ذبح لذلك ذبيحة) (٢)، وفيها شبه بقاعدة ابن عباس وتلميذه عطاء لكنها أعم (٣). - ولذلك ثبت عنه الفدية في تقديم بعض المناسك على بعضها، فقال: (إذا حلق قبل أن يذبح، أهراق لذلك دماً، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ﴾) (٤)، وجاء في موسوعة فقه النخعي: (القاعدة العامة عند النخعي في وجوب الجزاء: أن من أحدث في حجه شيئاً لاينبغي، فعليه دم) (٥). - وبعد: فإن النخعي لا يخالف في تقليم الأظفار الذي نُقل الإجماع على تحريمه، وإنما يخالف في إزالة الظفر المنكسر والمؤذي الذي حُكي الإجماع على جوازه (٦)، فلا يكون بذلك مخالفاً للإجماع،

стр. 1227

وقد جاء عن إبراهيم: (في المحرم: يبط الجرح، ويعصر القرحة، ويقص الظفر، إذا انكسر، ويجبر الكسر) (١)، ولم ينفرد النخعي بذلك (٢). - أما ما نسبه للحنابلة، فإنه لايسلّم به، وهي رواية وقع فيها وهمٌ بينه بعض علماء المذهب (٣)، وقبل بيان الوجه المنسوب للحنابلة، فقد سبق ذكر اختيار أحمد لما دل عليه أثر ابن عباس، وقوله في أثر ابن عمر لمن رمى قبل الزوال وأنه يهريق دماً: (أذهب إليه) (٤)، وتطبيقاته في ترك الواجب أو فعل المحظور مشهورة في المذهب. - وأما الوجه الذي ذكره في الظفر، فلم أقف عليه عند الحنابلة، بل قال المرداوي محقق المذهب: (والصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة، أن تقليم الأظفار كحلق الشعر. وحكاه ابن

стр. 1228

المنذر إجماعاً) (١)، إلا إن كان أخذ الوجه من قول ابن مفلح: (سبق قول داود في تخصيصه بالرأس خاصة، ويتوجه هنا احتمال; لأنه إن سلم الترفه به فهو دون الشعر، فيمتنع الإلحاق) (٢)، لكن الاحتمال متأخر في الرتبة عن الوجه (٣)، وكان المرداوي دقيقاً حين قال: (ووجّه فى "الفروع" احتمالاً، لا شيء فى تقليم الأظفار) (٤). - وأما قوله: (أن الأئمة الأربعة يرون تحريم بعض الأفعال وحظرها، ولا يرون فيها شيئاً؛ فمالكٌ يرى أن قصّ ظفر واحد محظور، ولا تلزم الفدية عنده إلا بقص الاثنين فصاعداً، وأبوحنيفة يرى حظر قص الواحد، ولايرى الفدية حتى يقص أظفار رجلٍ أو يدٍ كاملة، وكذلك أحمد والشافعي: يحظرون قص الشعرة والظفر، ولا يوجبون الفدية إلا في الثلاث) (٥). - فالجواب عنه: أن المتروك هنا بعض النسك والدم يجب في ترك النسك كاملاً، فيرجع إلى تحقيق مناط ترك النسك، لا في وجوب الدم على من ترك النسك، فإنهم متفقون عليه، وما يمكن الجواب عنه في خلاف العلماء في قدر شعرات الرأس الموجبة للفدية عند حلقها، يكون جواباً هنا والباب واحد.

стр. 1229

- وقد قال محمد الأمين الشنقيطي: (أما اختلاف العلماء في لزوم الدم بترك جمرة، أو رمي يوم، أو حصاة، أو حصاتين إلى آخر ما تقدم: فهو من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فمالك مثلا القائل: بأن في الحصاة الواحدة دما يقول [الحصاة] الواحدة داخلة في أثر ابن عباس المذكور، فمناط لزوم الدم محقق فيها، لأنها شيء من نسكه فيتناولها قوله: "من نسي من نسكه شيئاً، أو تركه … إلخ"، لأن لفظة "شيئاً" نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة عموم، والذين قالوا: لا يلزم في الحصاة، والحصاتين دم، قالوا: الحصاة، والحصاتان لا يصدق عليهما نسك، بل هما جزء من نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم في الجمرة الواحدة دم، قالوا: رمي اليوم الواحد نسك واحد فمن ترك جمرة في يوم لم يترك نسكاً، وإنما ترك بعض نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم إلا بترك الجميع قالوا: إن الجميع نسك واحد) (١). - وأما قوله: (عمر لم يأمر من ترك المبيت بمزدلفة بشيء كما عند سعيد في "سننه") (٢)، فإنه لم يورده بإسناده ليحكم عليه بالثبوت من عدمه، ثم ينظر في دلالته، والظاهر أنه مما نقله ابن تيمية في شرح العمدة بقوله: (روى إبراهيم عن الأسود: "أن رجلاً قدم على عمر بن الخطاب وهو بجمع بعدما أفاض من عرفات، فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت الآن، فقال: أما كنت وقفت بعرفات؟ قال: لا، قال: فأت عرفة وقف بها هنيهة، ثم أفض. فانطلق الرجل، وأصبح عمر بجمع، وجعل يقول: أجاء الرجل؟

стр. 1230

فلما قيل: قد جاء أفاض" رواه سعيد بإسناد صحيح، واحتج به أحمد). - فالجواب عنه: أن الرجل قد أدرك الواجب بمزدلفة، وابن تيمية أورده أصالة بهذا السياق فقال: (الصواب أن وقت الوقوف لا يفوت إلى طلوع الشمس، فمن وافاها قبل ذلك فقد وقف بها; لأن النبي ﷺ وقف بها وأفاض قبيل طلوع الشمس، وهذا الوقوف المشروع في غداتها، [و] هو المقصود الأعظم من الوقوف بمزدلفة، وبه يتم امتثال قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وإليه الإشارة بقوله: «هذا هو الموقف وجمع كلها موقف، وارفعوا عن بطن محسر» وهذا نظير الوقوف عشية عرفة، وأحد الموقفين الشريفين، فكيف لا يكون له تأثير في الوجوب وجوداً وعدماً؟ أم كيف لا يكون هذا الزمان وقتاً للنسك المشروع بمزدلفة؟) (١)، ثم ذكر حديث عروة بن مضرس ﵁ المرفوع (٢)، فقال: - (وهذا نص في [أن] مزدلفة تُدرك بعد طلوع الفجر كما تدرك قبل الفجر; لأن هذا السائل إنما وافاها بعد طلوع الفجر، وأخبره النبي ﷺ بقضاء حجه، ولم يخبره أن عليه دماً) (٣)، وقال عن أثر عمر: (لم يأمره عمر بدم، بل انتظره ليقف مع الناس، ولو كان وقت
следующие страницы →