← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

- أما القول بأن النخعي لايوجب في قص الظفر شيئاً (١)؛ فقبل الجواب عنه، من المناسب أن يذكر قاعدته في المناسك، ففي المصنف أنه قال: (كان يقال: من أحدث في حجه شيئاً لا ينبغي، ذبح لذلك ذبيحة) (٢)، وفيها شبه بقاعدة ابن عباس وتلميذه عطاء لكنها أعم (٣). - ولذلك ثبت عنه الفدية في تقديم بعض المناسك على بعضها، فقال: (إذا حلق قبل أن يذبح، أهراق لذلك دماً، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ﴾) (٤)، وجاء في موسوعة فقه النخعي: (القاعدة العامة عند النخعي في وجوب الجزاء: أن من أحدث في حجه شيئاً لاينبغي، فعليه دم) (٥). - وبعد: فإن النخعي لا يخالف في تقليم الأظفار الذي نُقل الإجماع على تحريمه، وإنما يخالف في إزالة الظفر المنكسر والمؤذي الذي حُكي الإجماع على جوازه (٦)، فلا يكون بذلك مخالفاً للإجماع،

стр. 1227

وقد جاء عن إبراهيم: (في المحرم: يبط الجرح، ويعصر القرحة، ويقص الظفر، إذا انكسر، ويجبر الكسر) (١)، ولم ينفرد النخعي بذلك (٢). - أما ما نسبه للحنابلة، فإنه لايسلّم به، وهي رواية وقع فيها وهمٌ بينه بعض علماء المذهب (٣)، وقبل بيان الوجه المنسوب للحنابلة، فقد سبق ذكر اختيار أحمد لما دل عليه أثر ابن عباس، وقوله في أثر ابن عمر لمن رمى قبل الزوال وأنه يهريق دماً: (أذهب إليه) (٤)، وتطبيقاته في ترك الواجب أو فعل المحظور مشهورة في المذهب. - وأما الوجه الذي ذكره في الظفر، فلم أقف عليه عند الحنابلة، بل قال المرداوي محقق المذهب: (والصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة، أن تقليم الأظفار كحلق الشعر. وحكاه ابن

стр. 1228

المنذر إجماعاً) (١)، إلا إن كان أخذ الوجه من قول ابن مفلح: (سبق قول داود في تخصيصه بالرأس خاصة، ويتوجه هنا احتمال; لأنه إن سلم الترفه به فهو دون الشعر، فيمتنع الإلحاق) (٢)، لكن الاحتمال متأخر في الرتبة عن الوجه (٣)، وكان المرداوي دقيقاً حين قال: (ووجّه فى "الفروع" احتمالاً، لا شيء فى تقليم الأظفار) (٤). - وأما قوله: (أن الأئمة الأربعة يرون تحريم بعض الأفعال وحظرها، ولا يرون فيها شيئاً؛ فمالكٌ يرى أن قصّ ظفر واحد محظور، ولا تلزم الفدية عنده إلا بقص الاثنين فصاعداً، وأبوحنيفة يرى حظر قص الواحد، ولايرى الفدية حتى يقص أظفار رجلٍ أو يدٍ كاملة، وكذلك أحمد والشافعي: يحظرون قص الشعرة والظفر، ولا يوجبون الفدية إلا في الثلاث) (٥). - فالجواب عنه: أن المتروك هنا بعض النسك والدم يجب في ترك النسك كاملاً، فيرجع إلى تحقيق مناط ترك النسك، لا في وجوب الدم على من ترك النسك، فإنهم متفقون عليه، وما يمكن الجواب عنه في خلاف العلماء في قدر شعرات الرأس الموجبة للفدية عند حلقها، يكون جواباً هنا والباب واحد.

стр. 1229

- وقد قال محمد الأمين الشنقيطي: (أما اختلاف العلماء في لزوم الدم بترك جمرة، أو رمي يوم، أو حصاة، أو حصاتين إلى آخر ما تقدم: فهو من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فمالك مثلا القائل: بأن في الحصاة الواحدة دما يقول [الحصاة] الواحدة داخلة في أثر ابن عباس المذكور، فمناط لزوم الدم محقق فيها، لأنها شيء من نسكه فيتناولها قوله: "من نسي من نسكه شيئاً، أو تركه … إلخ"، لأن لفظة "شيئاً" نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة عموم، والذين قالوا: لا يلزم في الحصاة، والحصاتين دم، قالوا: الحصاة، والحصاتان لا يصدق عليهما نسك، بل هما جزء من نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم في الجمرة الواحدة دم، قالوا: رمي اليوم الواحد نسك واحد فمن ترك جمرة في يوم لم يترك نسكاً، وإنما ترك بعض نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم إلا بترك الجميع قالوا: إن الجميع نسك واحد) (١). - وأما قوله: (عمر لم يأمر من ترك المبيت بمزدلفة بشيء كما عند سعيد في "سننه") (٢)، فإنه لم يورده بإسناده ليحكم عليه بالثبوت من عدمه، ثم ينظر في دلالته، والظاهر أنه مما نقله ابن تيمية في شرح العمدة بقوله: (روى إبراهيم عن الأسود: "أن رجلاً قدم على عمر بن الخطاب وهو بجمع بعدما أفاض من عرفات، فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت الآن، فقال: أما كنت وقفت بعرفات؟ قال: لا، قال: فأت عرفة وقف بها هنيهة، ثم أفض. فانطلق الرجل، وأصبح عمر بجمع، وجعل يقول: أجاء الرجل؟

стр. 1230

فلما قيل: قد جاء أفاض" رواه سعيد بإسناد صحيح، واحتج به أحمد). - فالجواب عنه: أن الرجل قد أدرك الواجب بمزدلفة، وابن تيمية أورده أصالة بهذا السياق فقال: (الصواب أن وقت الوقوف لا يفوت إلى طلوع الشمس، فمن وافاها قبل ذلك فقد وقف بها; لأن النبي ﷺ وقف بها وأفاض قبيل طلوع الشمس، وهذا الوقوف المشروع في غداتها، [و] هو المقصود الأعظم من الوقوف بمزدلفة، وبه يتم امتثال قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وإليه الإشارة بقوله: «هذا هو الموقف وجمع كلها موقف، وارفعوا عن بطن محسر» وهذا نظير الوقوف عشية عرفة، وأحد الموقفين الشريفين، فكيف لا يكون له تأثير في الوجوب وجوداً وعدماً؟ أم كيف لا يكون هذا الزمان وقتاً للنسك المشروع بمزدلفة؟) (١)، ثم ذكر حديث عروة بن مضرس ﵁ المرفوع (٢)، فقال: - (وهذا نص في [أن] مزدلفة تُدرك بعد طلوع الفجر كما تدرك قبل الفجر; لأن هذا السائل إنما وافاها بعد طلوع الفجر، وأخبره النبي ﷺ بقضاء حجه، ولم يخبره أن عليه دماً) (٣)، وقال عن أثر عمر: (لم يأمره عمر بدم، بل انتظره ليقف مع الناس، ولو كان وقت

стр. 1231

الوجوب قد ذهب لما كان لانتظاره معنى) (١)، وسيأتي مزيد بيان للمزدلفة. - وأما قوله: (وأحمد في رواية: يرى وجوب المبيت بمنى، ولايرى الدم على تاركه، بل الإثم فقط، ورواية أخرى عنه: يرى فيها الدم عن ليلتين و ثلاث، ويرى وجوب المبيت بمزدلفة، ولم ير وجوب الدم للمعذور؛ فقد قال: "ليس عليه شيء إذا أخطأ الطريق أو كان جاهلاً") (٢). - فالجواب عنه: أن المبيت بمنى اختُلف في وجوبه مع اتفاقهم على مشروعيته (٣)، ومن نفى الدم إنما نفاه لعدم وجوبه أو لتردده في وجوبه، وليس لأن ترك الواجب لا يجب فيه دم، وقد (اتفق جمهور الفقهاء القائلين بوجوب المبيت بمنى على أن من ترك المبيت بمنى جميع الليالي فإن عليه فدية كامة -دم-) (٤). - أما الإمام أحمد بخصوصه فقد سبق الإشارة أن عنه في ترك المبيت بمنى ثلاث روايات، روي: عليه دم، وروي: يتصدق بشيء، وروي: لا شيء عليه (٥)، وقال في رواية الأثرم: (فمن جاء للزيارة فبات بمكة يعجبني أن يطعم شيئاً، وخففه بعضهم بقول: ليس عليه

стр. 1232

شيء، وإبراهيم يقول: عليه دم، وضحك، وقال: الدم شديد) (١)، قال ابن تيمية: (لأن الإذن في ترك هذا المبيت لحاجة غير ضرورية تدل على أنه ليس من المناسك المؤكدة، فإن المناسك المؤكدة، لا يرخص في تركها لأحد) (٢). - أما المزدلفة، فالكلام فيها قريب من الكلام في منى، وقد قال الإمام أحمد: (ليس أمر جمع عندي كعرفة، ولا أرى الناس جعلوها كذلك) (٣)، ولذلك قال مانقله المعترض، أن الإمام أحمد: (سئل عمن لم يأت جمعاً؟ قال: ليس عليه شيء إذا أخطأ الطريق، أو كان جاهلاً، فليس عليه شيء إذا لم ينزل، وهو قول الحسن ﵁ (٤)، فهذا عاجز. - وقد قال ابن تيمية: (من الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب) (٥)، (فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل) (٦)، و (الواجبات كلها تسقط بالعجز) (٧)، و (الواجب إذا تركه من غير تفريط فلا دم عليه، بخلاف ما إذا تركه ناسياً أو جاهلاً) (٨)، (كما سقط سائر الواجبات مع العجز كطواف

стр. 1233

الوداع، وكما يباح للمحرم ما يحتاج إليه الناس من حاجة عامة كالسراويل والخفين فلا فدية عند أكثر العلماء) (١). - وأما قوله: (وابن المنذر في "الأوسط" يرى وجوب طواف الوادع، وقال: "لايجب بتركه شيء") (٢). - فالجواب عنه: أن ابن المنذر يرى أن تارك الواجب يجب عليه دم و فاعل المحظور يجب عليه الفدية وقاس مالم يرد على ماورد، ويُعرف ذلك باستقراء اختياراته -وسيأتي شيء منها-، وهذا هو محل النقاش، أما انتقاء مسألة اختُلف في وجوبها، وخالف فيها لاعتبار آخر، فليس هذا بمخالف للإجماع. - فقد قال ابن المنذر في الإحرام بعد الميقات: (من مر بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة فلم يحرم حَتَّى رجع إِلَى الميقات، فإن لم يفعل وأحرم فعليه دم) (٣)، وقال في الدفع من عرفة قبل الغروب: (إن أفاض منها قبل غروب الشمس عليه دم كذلك قال عطاء، والثوري، والشافعي، وأحمد … وبقول عطاء، ومن وافقه أقول) (٤)، وقال في ترك الرمي: (ومن فاته شيء من الرمي رمى في أيام التشريق، فإذا مضت أيام التشريق فقد فات الرمي وعليه دم) (٥)، وقال في الأخذ من الأظفار: (وإذا أخذ المحرم أظفاره فعليه دم) (٦)، وقال في لبس السراويل والخفين: (وله أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، ويلبس الخفين المقطوعين أسفل من

стр. 1234

الكعبين إذا لم يجد نعلين، فإذا وجد فلينزع وليخلع، فإن لم يفعل وترك ذَلِكَ عليه بعد الوجود افتداء) (١)، وقال في مباشرة الزوجة: (وإذا قبل الرجل زوجته أو باشرها أو جامعها دون الفرج فأنزل فعليه شاة) (٢). - أما مسألة طواف الوداع وقوله: (لايجب بتركه شيء) (٣)، فهو مبني على عدم وجوبه عنده كما قال النووي: (وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه) (٤)، لكن ابن حجر استدرك فقال: (والذي رأيته في "الأوسط" لابن المنذر: أنه واجب للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شيء) (٥)، فإن كان ذلك كذلك، فلعلّ سقوط الدم عنده؛ إما لأنه عنده ليس من المناسك بدليل سقوطه عن أهل مكة (٦)، أو لأنه واجب لكنه دون الواجبات ولذلك سقط

стр. 1235

عن الحائض، فما لا يجب على كل أحد في كل حال ليس كالواجب في حال دون حال (١). - وله سلف فيما ذهب إليه فقد روى الإمام مالك: عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: "من أفاض فقد قضى الله حجه. فإنه، إن لم يكن حبسه شيء، فهو حقيق أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت، وإن حبسه شيء، أو عرض له فقد قضى الله حجه" قال مالك: ولو أن رجلاً جهل أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت، حتى صدر. لم أر عليه شيئاً. إلا أن يكون قريبًا فيرجع فيطوف بالبيت. ثم ينصرف إذا كان قد أفاض) (٢). - وأما قوله: (أن جملة من الفقهاء يخرجون ويعذرون الناسي، مع أن عمدتهم أثر ابن عباس، فما الذي أخرج الناسي مع نص ابن عباس عليه؟!) (٣)، فهذا سبق الجواب عنه مفصّلاً عند الكلام على أثر ابن عباس، في الجواب عما ورد على مناقشته. - وأما عقد النكاح، فهذا لايجب الفدية فيه؛ لأنه لم ينعقد النكاح بكلامه أصلاً، فكان وجوده كعدمه، (بخلاف باقي المحرمات لأنه استمتع بما هو محرم عليه) (٤)، و (لأنه وسيلة وغيره مقصد والذي يجبر إنما هو المقاصد) (٥).

стр. 1236

- هذا على طريقة من لا ينعقد عنده النكاح، وأما من يفسده، وهم الحنابلة فـ (لأنه عقد فسد لأجل الإحرام، فلم يجب به فدية، كشراء صيد، فسد عقده لأجل الإحرام) (١)، فيفسد العقد، ولا جزاء فيه، (ولأنه من باب الأقوال والأحكام، وهذا الباب لا يوجب كفارة في الإحرام تختص به، كما لو تكلم بكلام محرم) (٢). - هذا مع ما روى مالك، عن داود بن الحصين، أن أبا غطفان بن طريف المُرّي أخبره أن أباه طَريفاً تزوج امرأة وهو محرم (فرد عمر بن الخطاب نكاحه) (٣). ولم يذكر فدية، ولا خلاف في ذلك كما قال الزركشي عن زواج المحرم: (إذا خالف وفعل فلا فدية عليه بلا خلاف نعلمه) (٤). - وبعد: فقد تبين أن جميع ما ذُكر لايخرج عن أحد ثلاثة أمور: إما ضعيف، وإما لأن المناط لم يتحقق وهو ترك النسك كاملاً، وإما أن هذا النسك قد خُفف فيه فلا يجزم بوجوبه، والأهم فيما سبق أن انتقاء مسألة لعالمٍ قال فيها بعدم الدم، مع عزلها عن فقهه في ترك الواجب وفعل المحظور غير سديد، ولا يتحقق به خرم الإجماع على المسألة العامة.

стр. 1237

المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم وجوب الفدية في فعل المحظور أو ترك الواجب إلا في حلق الرأس و الوطء قبل التحلل: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث ابن عمر ﵄: «أن العباس بن عبد المطلب، استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته، فأذن له» (١). وجه الاستدلال: - أن النبي ﷺ (لم يأمره بدم وقد ترك واجباً) (٢). - (ومثله الرعاة، وكمن ترك المبيت بمزدلفة شطر الليل الآخر، وكل ذلك واجب على المستطيع ومع ذلك لم يأمرهم بدم … وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. - فإن قيل: هؤلاء معذورون، قيل: كذلك كعب بن عجرة معذور حينما فعل محظوراً، فحلق رأسه، وأمره النبي ﷺ بالفدية؛ فدل على اختصاص الفدية بترك أعمال معينة وفعلها) (٣). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - (بأن ترك الواجب إذا أذن فيه الشرع: لم يجب فيه شيء، كترك الحائض طواف الوداع، وترك أهل السقاية والرعاة المبيت بمنى) (٤)، وهذا واضح.

стр. 1238

- وبين الأعذار المذكورة في الاعتراض فرق خلاصته (أن ترك واجبات الحج وفعل محظوراته يوجب الفدية: إذا فعلت لعذر خاص يكون ببعض الناس بعض الأوقات. - فأما ما رُخص فيه للحاجة العامة وهو ما يحتاج إليه في كل وقت غالباً فإنه لا فدية معه، ولهذا رخص للرعاة والسقاة في ترك المبيت بمنى من غير كفارة؛ لأنهم يحتاجون إلى ذلك كل عام، ورخص للحائض أن تنفر قبل الوداع من غير كفارة؛ لأن الحيض أمر معتاد غالب) (١). - ولذلك فإن ابن عباس وتلميذه عطاء لم يوجبا الدم على من ترك المبيت بمنى لعذر، فقال ابن عباس: (لا بأس لمن كان له متاع بمكة أن يبيت بها ليالي منى) (٢)، وجاء نحوه عن عطاء (٣)، وهذا الوارد عنهما يبيّن تفريقهما بين المسائل كما يفرّق العلماء. - وأما المزدلفة فقد سبق قول ابن تيمية: (الصواب أن وقت الوقوف لا يفوت إلى طلوع الشمس، فمن وافاها قبل ذلك فقد وقف بها)، وفتيا النبي ﷺ لعروة (نص في [أن] مزدلفة تُدرك بعد طلوع الفجر كما تدرك قبل الفجر; لأن هذا السائل إنما وافاها بعد طلوع الفجر، وأخبره النبي ﷺ بقضاء حجه، ولم يخبره أن عليه

стр. 1239

دماً) (١)، وسبقت فتيا عمر ﵁ بنحوها و (لم يأمره عمر بدم، بل انتظره ليقف مع الناس، ولو كان وقت الوجوب قد ذهب لما كان لانتظاره معنى) (٢). ٢/ ومن الأدلة: أنه (قد حج مع النبي ﷺ مئة ألف، ومع هذا لم يُذكر دم، مع اليقين بوقوع المخالفة منهم) (٣). ويمكن مناقشة هذا الدليل: بأن غايته المطالبة بالدليل، وما ذُكر في أدلة أصحاب القول الأول كافٍ في مناقشته. ٣/ واستدلوا: بحديث يعلى بن أمية ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، وعليه جبة وعليه أثر الخلوق - أو قال: صفرة -، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فقال له النبي ﷺ : « … اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» (٤). وجه الاستدلال: - أن الرجل تلبس بمحظورين من محظورات الإحرام، فـ (أمره النبي ﷺ بغسل الطيب، ونزع الجبة، ولم يأمره بشيء). - و (الأصل براءة الذمة، وأموال الناس معصومة؛ فلا تنتزع إلا بدليل

стр. 1240

بيّن، أما من باب الاحتياط من غير إيجاب، فالأمر واسع) (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن هذا الحديث فيه تقرير لما سبق ذكره من الفرق بين فعل المحظور وترك الواجب. - قال ابن تيمية: (فرّق أكثر العلماء في الصلاة والصيام والإحرام بين من فعل المحظور ناسياً، وبين من ترك الواجب ناسياً) (٢)، وقال: (وأما فاعل المنهي عنه إذا كان نائماً أو ناسياً أو مخطئاً فهو معفو عنه ليس عليه جبران إلا إذا اقترن به إتلاف كقتل النفس والمال) (٣)، وقال: (ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل محظورا مخطئاً أو ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله) (٤). - ولذلك قال الخطابي هنا: (في الحديث دليل أن المحرم إذا لبس ناسياً فلا شيء عليه؛ لأن الناسي في معنى الجاهل، وذلك أن هذا الرجل كان حديث العهد بالإسلام جاهلاً بأحكامه؛ فعذره النبي ﷺ فلم يلزمه غرامة) (٥)، وقال النووي: (وفيه أن من أصابه في إحرامه طيب ناسياً أو جاهلاً لا كفارة عليه، وهذا مذهب الشافعي، وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود) (٦).

стр. 1241

- وهذا ما صرّح به عطاء فقال: (النسيان والجهالة سواء، ليس عليه في الثياب ولا في الطيب شيء، يقول: إذا لبس أو تطيب ناسياً) (١)، وهو امتداد لمدرسة ابن عباس كما سبق، والمقصود إظهار تفريقهم بين المسائل وأن ما ذُكر لا يستدرك عليهم. - قال الإمام للشافعي: (من لبس ما ليس له لبسه قبل الإحرام، جاهلاً بما عليه في لبسه أو ناسياً لحرمه، ثم يثبت عليه أي مدة ما ثبت عليه بعد الإحرام، أو ابتدأ لبسه بعد الإحرام جاهلاً بما عليه في لبسه أو ناسياً لحرمه أو مخطئاً به، وذلك أن يريد غيره فيلبسه، نزع الجبة والقميص نزعاً ولم يشقه ولا فدية عليه في لبسه وكذلك الطيب قياساً عليه) (٢). - وأما البراءة الأصلية فقد تكرر أنها آخر مدار الفتوى، ورتبتها متأخرة في الاستدلال، فلا يركن إليها إلا عند عدم الدليل، وقد توسّع بها بعض الظاهرية، فخالفوا الأمة في مسائل كبار؛ لاضطرابهم في الإجماع (٣)، وإغفالهم قول الصحابي في الاحتجاج. سبب الخلاف: - يظهر في سبب الخلاف هو عدم اعتبار قول الصحابي الذي

стр. 1242

لايعرف له مخالف، وهي مسألة تتعلق بالأصل، وبعض المعاصرين يضطرب في اعتباره، أما الظاهرية فيطردون في عدم اعتباره. - والقول المعاصر في المسألة له علاقة بقول ابن حزم من حيث عدم إيجاب الفدية أو الدم إلا في المنصوص (١)، لكن ابن حزم يبطل الحج بتعمد أي معصية ومنها ترك الواجب أو فعل المحظور ولا يفرق بين ترك الركن والواجب (٢)، وبهذا فارقه. - ثم أخذ الشوكاني تقرير ابن حزم بعدم إيجاب الدم أو الفدية، وخففّه فلم يبطل حج من تعمّد المعصية حتى وإن كان ذلك بالوطء قبل التحلل، فلا بطلان ولا فدية، ثم أخذ بعض المعاصرين قول الشوكاني، وخالفوه في مسألة الوطء، وخالفوا ابن حزم في عدم البطلان، وخالفوا الجمهور في عدم الفدية، فأتى قولاً جديداً. - فالشوكاني أول من قرر هذا التقرير العام، واطرد اطراداً شاذاً لم يسبق إليه (٣)، فلم يوجب الفدية حتى في تعمّد الجماع، وقال: (غايته أن فاعله إذا تعمد أثم … وإذا عرفت أنه لا دليل على أن

стр. 1243

الجماع عمداً مبطل للحج، فكيف يبطل الجماع سهواً أو جهلاً؟) (١). وقال: (واعلم أنه ليس في الباب من المرفوع ما تقوم به الحجة والموقوف ليس بحجة) (٢)، ولم أقف من تابعه إلا صديق خان فقال: (فمن وطئ قبل الوقوف أو بعده، قبل الرمي أو قبل طواف الزيارة، فهو عاص يستحق العقوبة، وتغفر له بالتوبة، ولا يبطل حجه، ولا يلزمه شيء) (٣). - وقد كان يلزم من تابعه من المعاصرين في هذه المسألة أن يتابعوه في هذا الفرع، و إلا كان اضطراباً في مسألة واحدة بابها واحد وهو قول الصحابي الذي ليس له مخالف، وقد قال ابن المنذر: (أعلى شيء روي فيمن وطئ في حجه، حديث ابن عباس: سئل ابن عباس: عن رجل وقع على امرأته وهو محرم فقال: عليهما الحج من قابل، ويتفرقان من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يقضيا حجهما، وعليهما الهدى) (٤). - والشوكاني صرّح بعيب متابعة السلف في الحج، في سياقٍ كان الأصل فيه أن يكون مدحاً، حين قال: (وكثيراً من مسائل الحج قد قلّد فيه آخر هذه الأمة أولها، مع كونها مبنية على شفا جرفٍ هارٍ) (٥)، هكذا قال! وقال في التأصيل العام: (تقرر في الأصول أن قول الصحابي ليس بحجة، وليس في الباب إلا أقوال صحابة) (٦).

стр. 1244

- مع أن الشأن هنا ليس هو قول الصحابي فقط، بل هو قول اشتهر ووافقه بعض الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، وأطبق عليه أئمة الأمصار ومن بعدهم، وقد أقر بذلك الصنعاني حين قال: (فالعجب إطباق المفرعين على إيجاب الدم في محلات كثيرة والدليل كلام ابن عباس) (١)، وقد (انعقدت فتاوى أهل العلم على الإلزام بالدم لمن أخل بشيء من نسكه الواجب، من لدن أصحاب رسول الله ﷺ إلى علماء الأمصار من التابعين، إلى أئمة المذاهب الأربعة، إلى مدونات أهل الإسلام في قرون متطاولة وما على المنازِع إلا أن يتصفَّح في المصنفات والمدونات، من فتاوى التابعين ومن بعدهم … [و] المخالف في هذه المسألة متأخر جداً، وفي محل ناءٍ عن معقد الإجماع) (٢). - وقد رصدتُ ماورد من إلزام بالدم على ترك الواجب أو الفدية في فعل المحظور، من مصنف ابن أبي شيبة فقط، فكانت النتيجة كبيرة، مع استبعادي لفدية حلق الرأس وجزاء الصيد المنصوص عليهما ولكثرة الجزاءات في الصيد (٣). - وقول الصحابي ليس على درجة واحدة (٤)، وقد لخّص ابن تيمية

стр. 1245

درجاته بقوله: (وأما أقوال الصحابة: فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء (١). - وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء. - وإن قال بعضهم قولاً ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر (٢)؛ فهذا فيه نزاع وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك، وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع ولكن من الناس من يقول: هذا هو القول القديم) (٣). - ومسألتنا مما اشتهر ولم ينكر فهي إجماع كما تقدم في دليل الإجماع، فإن امتنع فهو قول الصحابي الذي لم يعلم اشتهاره لكنه لم يخالف فهو حجة، وقد جعل ابن القيم الخلاف في الاحتجاج به عن المتأخرين والمتكلمين، أما الأئمة فيحتجون به، فقال: (وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي … وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، وأكثر المتكلمين إلى أنه ليس بحجة) (٤). - وحصل إشكال في قول الشافعي في الجديد، قال ابن القيم: (وهو

стр. 1246

منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكى عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جداً) (١) إلى أن قال: (ونحن نشهد بالله أنه لم يرجع عنه) (٢). - وقد قال ابن كثير: (قال البيهقي عن الحاكم، عن الأصم محمد بن يعقوب، عن الربيع، عن الشافعي، أنه قال: الأصل كتاب الله، أو سنة، أو إجماع الناس، أو قول بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا من أدل الدليل على أن مذهبه: أن قول الصحابي حجة، وهو الذي عول عليه البيهقي وغيره من الأصحاب، وزعم الأكثرون منهم: الشيخ أبو حامد الإسفراييني، أنه رجع عن هذا في الجديد، ورأى فيه أن قول الصحابي ليس بحجة) (٣). - قال الزركشي: (واعلم أن هذا القول اشتهر نقله عن القديم، وقد نص عليه الشافعي في الجديد أيضاً، وقد نقله البيهقي، وهو موجود في كتاب الأم، في باب خلافه مع مالك، وهو من الكتب الجديدة فلنذكره) إلى أن قال: (وهذا صريح منه في أن قول الصحابي عنده حجة مقدمة على القياس … فيكون له قولان في الجديد، وأحدهما موافق للقديم وإن كان قد غفل عن نقله أكثر الأصحاب) (٤). - وأختم بقول الشافعي في الأم: (ونتبع ابن عباس في قوله: من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً) (٥).

стр. 1247

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بعدم وجوب الفدية في فعل المحظور أو ترك الواجب إلا في حلق الرأس و الوطءقبل التحلل، إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته للإجماع، و لا يعرف هذا التقرير في القرون المفضلة ولا بعدها إلى عصرنا. وهذا التقرير العام للمسألة بداية نشأته: رأي ابن حزم في عدم إيجاب الفدية أو الدم إلا في المنصوص، وردّه للقياس وعدم اعتبار الصحابي، لكن ابن حزم يبطل الحج بتعمد أي معصية، كترك الواجب و فعل المحظور، ومن ذلك الوطء قبل التحلل و بعده، كما قال: (وإن وطئ وعليه بقية من طواف الإفاضة أو شيء من رمي الجمرة فقد بطل حجه) (١). ثم أخذ الشوكاني تقرير ابن حزم بعدم إيجاب الدم أو الفدية، وخففّه فلم يبطل حج من تعمّد المعصية، حتى وإن كان ذلك بالوطء قبل التحلل، فلا بطلان ولا فدية، فاطرد في عدم اعتبار قول الصحابي، ثم أخذ بعض المعاصرين قول الشوكاني المُلفّق، وخالفوه في مسألة الجِماع، وخالفوا السلف في الفدية، وخالفوا ابن حزم في البطلان، فأصبح قولاً هجيناً مخالفاً لكل الأقوال. والخلاف إنما هو في الأصول الثلاثة: الإجماع والقياس وقول

стр. 1248

الصحابي، فالأول اضطرب فيه الظاهرية، والثاني ردوه، والثالث لم يعتبروه، والمعاصر اضطرب في كل الثلاثة. ولم يثبت بعد البحث مخالف يصح أن يُخرم به الإجماع، وهو قول ابن عباس في ترك الواجب ووافقه ابن عمر ولايعرف لهما مخالف، وجاء عن ثلاثة من الصحابة في فعل المحظور، حين قاسوا غير حلق الرأس عليه، ولا يعرف لهم مخالف. وهو ماعليه أئمة الأمصار في الأقطار المختلفة لا يعرف عندهم خلاف هذا القول، بل الأصل عندهم هو الدم على من ترك واجباً، والفدية على من فعل محظوراً، والله أعلم.

стр. 1249

المبحث الخامس: جواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1250

(مذاهب غير هؤلاء [الأئمة الأربعة] لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نُسب إليهم ما لم يقولوه، أو فُهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذبّ عنها، ويُنبّهُ عَلَى ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة). ابن رجب ﵀ الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة في مجموع رسائله (٢/ ٦٢٦)

стр. 1251

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الأضحية لغة: (فيها أربع لغات، يقال: أُضحيَّة وإِضحيَّةٌ … وضحيَّة .. وأَضْحَاةٌ) (١)، وهي: (اسم لما يضحى بها أي: يذبح) (٢)، (إنما سميت بذلك لأن الذبيحة في ذلك اليوم لا تكون إلا في وقت إشراق الشمس) (٣). والأضحية في الاصطلاح: (ما يذبح من بهيمة الأنعام، أيام النحر، بسبب العيد، تقرباً إلى الله تعالى) (٤)، وقيد "بسبب العيد" ليخرج (ما يذبح بسبب نسك أو إحرام) (٥). وبهيمة الأنعام: (هي الإبل والبقر والغنم … قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب) (٦)، (والعرب إذا أفردت النعم لم يريدوا بها إلا الإبل، فإذا قالوا: الأنعام، أرادوا بها الإبل والبقر والغنم)، كما قال الفراء (٧). وقد قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٨)، قال الإمام الشافعي: (فلا أعلم مخالفاً أنه عنى: الإبل والبقر

стр. 1252

والغنم والضأن، وهي الأزواج الثمانية) (١)، وبيّن الله في القرآن أن الأنعام (ثمانية أصناف هي: الجمل، والناقة، والثور، والبقرة، والكبش، والنعجة، والتيس، والعنز، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (٢)، ثم بين الأنعام بقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٣)، يعني: الكبش والنعجة، ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ (٤)، يعني: التيس والعنز، إلى قوله: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ (٥)، يعني: الجمل والناقة، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ (٦)، يعني: الثور والبقرة، وهذه الثمانية هي المرادة بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ (٧)، وهي المشار إليها بقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ (٨) (٩)، قال الماوردي: (اختص هذه الأزواج الثمانية من النعم بثلاثة أحكام: أحدها: وجوب الزكاة فيها. والثاني: اختصاص الأضاحي بها. والثالث: إباحتها في الحرم والإحرام) (١٠)، قال ابن القيم: (ولم يُعرف عنه ﷺ ، ولا عن الصحابة= هدي، ولا أضحية، ولا عقيقة، من غيرها، وهذا مأخوذ من القرآن) (١١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (اتفقوا أن التضحية بخنزير وبما لا يحل أكله لا يجوز) (١٢). ٢. … (أما الوحش فلا اختلاف في أنه لا يتقرب إلى الله بشيء منها، ولا ينسك به في هدي، ولا ضحية، ولا عقيقة، ولا فيما سوى ذلك من الأشياء) (١٣).

стр. 1253

٣. … (والذي يضحى به بإجماع من المسلمين الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر) (١)، و (نقل جَماعة إجماع العلماء [أن] التضحية لا تصح إلا بالإبل أو البقر أو الغنم، فلا يجزئ شئ من الحيوان غير ذلك) (٢)، وحكي عن بعضهم جوازها في البقر الوحشي وفي الظبي (٣)، بل ذهب ابن حزم إلى أن (الأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع، أو طائر) (٤)، وذهب أحد المعاصرين إلى تجويز الأخذ برأي ابن حزم، وحُكم على رأيه بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1254

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: د. سعد الدين الهلالي (١)، في عرضه لرأي ابن حزم وتجويزه للناس

стр. 1255

العمل به (١).

стр. 1256

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه ونحوه، ومن ذلك: - ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (قد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية إلا من شذّ ممن لا يعد خلافاً) (١). - وظفر التهانوي (ت ١٣٩٤) بقوله: (ما روي عن الحسن بن صالح وداود، في بقر الوحش والظباء، كله شاذ مردود بالكتاب والسنة والإجماع) (٢). - ومصطفى العدوي بقوله: (قول القائل بأنه تجوز الأضحية بالطيور قولٌ باطلٌ) (٣).

стр. 1257

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم جواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام: ١/ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢). وجه الاستدلال: - أن قوله: (﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ أي على ذبح ما رزقهم، ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، والأنعام هنا الإبل والبقر والغنم) (٣). - يؤيد ذلك أنه (لم يؤثر عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه ﷺ التضحية بغيرها) (٤)، (ولأن التضحية عبادة تتعلق بالحيوان فتختص بالنعم كالزكاة) (٥).

стр. 1258

- و (لأن الأضحية عرفت قربة بالشرع، وإنما ورد الشرع بها من الأنعام، ولأن إراقة الدم من الوحشي ليس بقربة أصلاً والقربة لا تتأدى بما ليس بقربة) (١). ونوقش الاستدلال: أن الأنعام خصت بالذكر لكونها الأغلب أو لكونها الأفضل، وذلك لايمنع غيرها (٢). ويمكن مناقشة الاستدلال: أن هذا مخالف للأصل، فالأصل أن التخصيص بالذكر على بابه، في نفي الحكم عن غير المذكور، خاصة وأنه لم يثبت التضحية بغيرها، عن النبي ﷺ ولا عن صحابته لا بالقول و لا بالفعل، فلو ورد لقيل بالتفسير الذي ذكره ابن المبرْد (ت ٩٠٩). ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على الاقتصار على الأنعام في الأضحية غير واحدٍ من العلماء: ١. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (اختلف العلماء فيما لا يجوز من أسنان الضحايا والهدايا، بعد إجماعهم أنها لا تكون إلا من الأزواج الثمانية) (٣). ٤. وقال ابن رشد الجد (ت ٥٢٠): (أما الوحش فلا اختلاف في أنه لا

стр. 1259

يتقرب إلى الله بشيء منها، ولا ينسك به في هدي، ولا ضحية، ولا عقيقة) (١). ٢. وقال ابن رشد الحفيد (ت ٥٩٥): (أجمع العلماء على جواز الضحايا من جميع بهيمة الأنعام) (٢)، وقال: (وكلهم مجمعون على أنه لا تجوز الضحية بغير بهيمة الأنعام إلا ما حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، والظبي عن واحد) (٣). ٣. وقال الرافعي (ت ٦٢٣): (وتختص التضحية بالأنعام إجماعاً … والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم، ولم يؤثر عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃ التضحية بغيرها) (٤). ٤. وقال القرطبي (ت ٦٧١): (والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية: وهي الضأن والمعز والإبل والبقر) (٥). ٥. وقال النووي (ت ٦٧٦): (نقل جماعة إجماع العلماء أن التضحية لا تصح إلا بالإبل، أو البقر، أو الغنم، فلا يجزئ شيء من الحيوان غير ذلك) (٦)، وقال: (وأجمع العلماء على أنه لا تجزي الضحية بغير الإبل والبقر والغنم، إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن واحد، وبه قال داود في بقرة الوحش) (٧).

стр. 1260

٦. وقال الدّميري (ت ٨٠٨): ("ولا تصح إلا من إبل وبقر وغنم" بإجماع) (١). ٧. وقال الحصني الشافعي (ت ٨٢٨): (أن يكون من الإبل والبقر والغنم بأنواعها … ولا يجزئ من غيرها بالإجماع) (٢). ٨. وقال زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦) في شروط الاضحية: ("كونها من النعم"، وهي الإبل والبقر والغنم بسائر أنواعها بالإجماع … ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه التضحية بغيرها) (٣). ٩. وقال الشربيني (ت ٩٧٧): ("ولا تصح" أي الأضحية "إلا من إبل وبقر وغنم" بسائر أنواعها بالإجماع … ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه التضحية بغيرها) (٤). ١٠. وقال المغربي (ت ١١١٩): (والإجماع على أنه لا يجوز الضحية بغير بهيمة الأنعام، إلا ما حكِي عن الحسن بن صالح، أنه يجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة والظبي عن واحد. وما روي عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ضحينا مع رسول الله ﷺ بالخيل. وعن أبي هريرة أنه ضحى بذلك) (٥)، وقال الصنعاني (ت ١١٨٢) نحوه (٦).

стр. 1261

١١. وقال ظفر التهانوي (ت ١٣٩٤): (ما روي عن الحسن بن صالح وداود، في بقر الوحش والظباء، كله شاذ مردود بالكتاب والسنة والإجماع) (١). ونوقش الاستدلال بالإجماع بأمور: - أن نفي وقوعه من النبي ﷺ والصحابة (يعكّر عليه ما ذكره السهيلي عن أسماء قالت: «ضحينا على عهد رسول الله ﷺ بالخيل»، وعن أبي هريرة أنه ضحى بديك) (٢). - و (قول بلال: ما أبالي لو ضحيت بديك، وعن ابن عباس في ابتياعه لحماً بدرهمين وقال: هذه أضحية ابن عباس) (٣). - و (حُكي عن الحسن بن صالح أنه قال: يضحي ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبى عن رجل) (٤)، (وبه قال داود في بقرة الوحش) (٥)، وهو قول عند الحنابلة (٦). - وابن حزم يقول: (الأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع، أو طائر، كالفرس، والإبل، وبقر الوحش، والديك، وسائر الطير والحيوان الحلال أكله) (٧)، وتبعه ابن المبرد (٨).

стр. 1262

- والاستدلال بالإجماع يمكن قلبه، فيقال: الأضحية بغير بهيمة الأنعام (صح في ذلك عن بلال، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة ﵃ (١)، فيكون حجة. ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما قول أسماء «ضحينا على عهد رسول الله ﷺ بالخيل» أو «بفرس» فلا أصل له بهذا اللفظ، أورده السهيلي بلا إسناد في سياق إباحة لحوم الخيل (٢)، ونقله ابن حجر عنه. - فإن قُصد معنى التضحية وهو الذبح كما هو سياق كلام السهيلي فالأمر سهل، وإن قُصد الذبح في العيد كما اعترض به ابن حجر فهو وهم، واللفظ المحفوظ للحديث متفق عليه، وهو قول أسماء: «نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه» (٣). - وأما النقل عن أبي هريرة ﵁، أنه ضحى بديك، فأول من نقله فيما وقفت عليه هو ابن حجر في التلخيص ولم يسنده (٤)، وتبعه على ذلك من بعده، ولا يعتمد عليه لعدم إسناده، أو توثيقه، والمشهور في هذا الأثر هو عن بلال، فلعله أراده وسبق القلم إلى أبي هريرة ﵁. - وأما النقل عن بلال ﵁، فهو الأشهر هنا، وهذا توثيقه وبيان وجهه، فقد رى عبد الرزاق عن عمران بن مسلم، عن سويد بن

стр. 1263

غفلة قال: سمعت بلالاً يقول: (ما أبالي لو ضحيت بديك، ولأن أتصدق بثمنها على يتيم أو مغبّر أحب إلي من أن أضحي بها) قال: فلا أدري أسويد قاله من قبل نفسه أو هو من قول بلال (١). - فأجيب عنه بأن هذا الأثر في ثبوته بعض الكلام، وأشار إلى ذلك ابن عبدالبر حين قال: ( … الخبر عن بلال لو صح) (٢)، (وابن رِياح لايحتمل مثل هذا الأثر الذي يخرق اتفاقا عملياً) (٣)، لأن الأصل فيما قاله العلماء هنا هو (العمل المتصل) (٤)، و (هو مقتضى قول كل من حكى الاتفاق على عدم مشروعية التضحية بغير بهيمة الأنعام دون الإشارة إلى مخالفة صحابي أو غيره) (٥)، وشك

стр. 1264

عمران بن مسلم مما يوهن الرواية عن بلال، فإنه قال: (فلا أدري أسويد قاله من قبل نفسه أو هو من قول بلال). - وعلى فرض ثبوته، فإنه لم يخرم الإجماع العملي؛ لأنه لم يضح بغير بهيمة الأنعام ولم يفعل لا هو ولا غيره من الصحابة ذلك، وكلامه إنما خرج مخرج المبالغة في عدم الوجوب (١)، و المنع من التباهي، أو على تفضيل الصدقة بثمنها على الأضحية بها، وعلى ذلك حمل هذا الأثر جميع من أورده (٢)، إلا ابن حزم الظاهري فأجراه على ظاهره في موضع (٣). - فقول بلال يحمل على ماورد عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أنه قال: (إني لأدع الأضحى، وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه

стр. 1265

حتم علي) (١)، وقول أبي أيوب ﵁: (كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس، فصارت كما ترى) (٢). - قال أبوبكر الطرطوشي بعد أن نقل ترك بعض الصحابة للأضحية، كأبي بكر وعمر وأبي مسعود وابن عباس وبلال ﵃، قال: (فإن لأهل الإسلام قولين في الأضحية (٣): أحدهما: سنة. والثاني: واجبة. ثم اقتحم الصحابة ترك السنة؛ حذرا أن يضع الناس الأمر على غير وجهه، فيعتقدونها فريضة) (٤). وكما قال الشاطبي: (الصحابة عملوا على هذا الاحتياط في الدين لما فهموا هذا الأصل من الشريعة، وكانوا أئمة يقتدى بهم؛ فتركوا أشياء وأظهروا ذلك ليبينوا أن تركها غير قادح وإن كانت مطلوبة) (٥). - وحمله كثير من العلماء أيضاً على تفضيله للصدقة على الأضحية، وهذا لايعارض الحمل السابق فهو لا يرى وجوب الأضحية بل
следующие страницы →