← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

١١. وقال ظفر التهانوي (ت ١٣٩٤): (ما روي عن الحسن بن صالح وداود، في بقر الوحش والظباء، كله شاذ مردود بالكتاب والسنة والإجماع) (١). ونوقش الاستدلال بالإجماع بأمور: - أن نفي وقوعه من النبي ﷺ والصحابة (يعكّر عليه ما ذكره السهيلي عن أسماء قالت: «ضحينا على عهد رسول الله ﷺ بالخيل»، وعن أبي هريرة أنه ضحى بديك) (٢). - و (قول بلال: ما أبالي لو ضحيت بديك، وعن ابن عباس في ابتياعه لحماً بدرهمين وقال: هذه أضحية ابن عباس) (٣). - و (حُكي عن الحسن بن صالح أنه قال: يضحي ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبى عن رجل) (٤)، (وبه قال داود في بقرة الوحش) (٥)، وهو قول عند الحنابلة (٦). - وابن حزم يقول: (الأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع، أو طائر، كالفرس، والإبل، وبقر الوحش، والديك، وسائر الطير والحيوان الحلال أكله) (٧)، وتبعه ابن المبرد (٨).

стр. 1262

- والاستدلال بالإجماع يمكن قلبه، فيقال: الأضحية بغير بهيمة الأنعام (صح في ذلك عن بلال، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة ﵃ (١)، فيكون حجة. ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما قول أسماء «ضحينا على عهد رسول الله ﷺ بالخيل» أو «بفرس» فلا أصل له بهذا اللفظ، أورده السهيلي بلا إسناد في سياق إباحة لحوم الخيل (٢)، ونقله ابن حجر عنه. - فإن قُصد معنى التضحية وهو الذبح كما هو سياق كلام السهيلي فالأمر سهل، وإن قُصد الذبح في العيد كما اعترض به ابن حجر فهو وهم، واللفظ المحفوظ للحديث متفق عليه، وهو قول أسماء: «نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه» (٣). - وأما النقل عن أبي هريرة ﵁، أنه ضحى بديك، فأول من نقله فيما وقفت عليه هو ابن حجر في التلخيص ولم يسنده (٤)، وتبعه على ذلك من بعده، ولا يعتمد عليه لعدم إسناده، أو توثيقه، والمشهور في هذا الأثر هو عن بلال، فلعله أراده وسبق القلم إلى أبي هريرة ﵁. - وأما النقل عن بلال ﵁، فهو الأشهر هنا، وهذا توثيقه وبيان وجهه، فقد رى عبد الرزاق عن عمران بن مسلم، عن سويد بن

стр. 1263

غفلة قال: سمعت بلالاً يقول: (ما أبالي لو ضحيت بديك، ولأن أتصدق بثمنها على يتيم أو مغبّر أحب إلي من أن أضحي بها) قال: فلا أدري أسويد قاله من قبل نفسه أو هو من قول بلال (١). - فأجيب عنه بأن هذا الأثر في ثبوته بعض الكلام، وأشار إلى ذلك ابن عبدالبر حين قال: ( … الخبر عن بلال لو صح) (٢)، (وابن رِياح لايحتمل مثل هذا الأثر الذي يخرق اتفاقا عملياً) (٣)، لأن الأصل فيما قاله العلماء هنا هو (العمل المتصل) (٤)، و (هو مقتضى قول كل من حكى الاتفاق على عدم مشروعية التضحية بغير بهيمة الأنعام دون الإشارة إلى مخالفة صحابي أو غيره) (٥)، وشك

стр. 1264

عمران بن مسلم مما يوهن الرواية عن بلال، فإنه قال: (فلا أدري أسويد قاله من قبل نفسه أو هو من قول بلال). - وعلى فرض ثبوته، فإنه لم يخرم الإجماع العملي؛ لأنه لم يضح بغير بهيمة الأنعام ولم يفعل لا هو ولا غيره من الصحابة ذلك، وكلامه إنما خرج مخرج المبالغة في عدم الوجوب (١)، و المنع من التباهي، أو على تفضيل الصدقة بثمنها على الأضحية بها، وعلى ذلك حمل هذا الأثر جميع من أورده (٢)، إلا ابن حزم الظاهري فأجراه على ظاهره في موضع (٣). - فقول بلال يحمل على ماورد عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أنه قال: (إني لأدع الأضحى، وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه

стр. 1265

حتم علي) (١)، وقول أبي أيوب ﵁: (كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس، فصارت كما ترى) (٢). - قال أبوبكر الطرطوشي بعد أن نقل ترك بعض الصحابة للأضحية، كأبي بكر وعمر وأبي مسعود وابن عباس وبلال ﵃، قال: (فإن لأهل الإسلام قولين في الأضحية (٣): أحدهما: سنة. والثاني: واجبة. ثم اقتحم الصحابة ترك السنة؛ حذرا أن يضع الناس الأمر على غير وجهه، فيعتقدونها فريضة) (٤). وكما قال الشاطبي: (الصحابة عملوا على هذا الاحتياط في الدين لما فهموا هذا الأصل من الشريعة، وكانوا أئمة يقتدى بهم؛ فتركوا أشياء وأظهروا ذلك ليبينوا أن تركها غير قادح وإن كانت مطلوبة) (٥). - وحمله كثير من العلماء أيضاً على تفضيله للصدقة على الأضحية، وهذا لايعارض الحمل السابق فهو لا يرى وجوب الأضحية بل

стр. 1266

يرى أن الصدقة بثمنها أفضل، إما مطلقاً، وإما في تلك السنة لحاجة خاصة أو منعاً للتباهي، ويؤيده قوله: (ولأن أتصدق بثمنها على يتيم أو مغبّر أحب إلي من أن أضحي بها) (١)، وبهذا السياق أورد الأثر ابن المنذر (٢)، وابن بطّال، وابن قدامة، وابن الملقّن، وغيرهم (٣). - وأما النقل عن ابن عباس ﵄؛ فقد جاء عن مولى لابن عباس أنه قال: أرسلني ابن عباس أشتري له لحماً بدرهمين، وقال: (قل هذه ضحية ابن عباس) (٤).

стр. 1267

- وهذا الأثر ليس فيه تضحية وذبح حتى يُحتج به على جواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام، فهو لم يدخل أصلاً حتى يُخرج، وهو محمول على إظهار عدم وجوب الأضحية كما في الأثر السابق عن بلال، قال الإمام الشافعي: (وقد بلغنا أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما ليظن من رآهما أنها واجبة، وعن ابن عباس أنه جلس مع أصحابه، ثم أرسل بدرهمين، فقال: اشتروا بهما لحماً، ثم قال: هذه أضحية ابن عباس، وقد كان قلّما يمر به يوم إلا نحر فيه أو ذبح بمكة (١)، وإنما أراد بذلك مثل الذي روي عن أبي بكر وعمر) (٢). - وعلى ذلك حمله كثير من العلماء (٣)، و (فهموا أن صنيع ابن عباس من باب تقرير عدم وجوب الأضحية عملياً، خاصة أن التعبير النبوي عما لاتجزئ أضحية= هو وصفها بأنها «شاة لحم» كما في الصحيحين وغيرهما) (٤). - وأما ماحُكي عن الحسن بن صالح (ت ١٦٩)، فإن الحكاية عنه

стр. 1268

متأخرة أول من حكاها فيما وقفت عليه ابن المنذر (ت ٣١٩) (١)، ولم يسنده بل قال: (وحُكي). - والظاهر أن المنقول عنه في إجزاء بقر الوحش والظبي، وكذلك المنقول عن داود (٢)، والقول الذي عند الحنابلة في البقر الوحشي، من باب إلحاقها بالأنعام، ولذا في المنقول عن الحسن في البقر الوحشي أنها تجزئ عن سبعة، و (الظبي عن واحد بمنزلة المعز). - وقد (قال بعضهم: بهيمة الأنعام: الظباءُ والبقر الوحشية والحمْر الوحشية) (٣)، و (كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه) (٤)، وقال الحريري عن العرب أنها: (جعلت الأنعام اسماً لأنواع المواشي من الإبل والبقر والغنم، حتى أن بعضهم أدخل فيها الظباء وحمر الوحش) (٥)، هكذا قال (٦)، فيكون قولهم أشبه بما نقل عن أبي ثور أنه قال: (يجزئ إذا كان منسوباً إلى بهيمة الأنعام) (٧). - والمراد أن مردّ الخلاف معهم في معنى بهيمة الأنعام، وليس في التضحية في غير بهيمة الأنعام، والخلاف الأكبر هنا هو فيمن

стр. 1269

صرّح بجواز الأضحية بغير الأنعام كالطيور، وهو قول ابن حزم (ت ٤٥٦)، ثم تبعه ابن المبْرد الحنبلي (٩٠٩)، ثم أظهر ذلك وسوّغه بعض المعاصرين كالهلالي، وهذا الرأي تبيّن أنه لا سلف له، لا في الفعل ولا في القول، لا عن بلال ولا غيره. المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢). وجه الاستدلال: - (أن الأضحية قربة إلى الله تعالى، فالتقرب إلى الله تعالى، بكل ما لم يمنع منه قرآن ولا نص سنة= حسن … والتقرب إليه بما لم يمنع من التقرب إليه به= فعل خير) (٣). - و (النحر هنا عام، ظاهره نحر أي شيء كان حيث حصل النحر) (٤) كما في الآية الثانية. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن الأضحية عبادة لم تعرف إلا من الشرع، فيلتزم فيما يضحّى به، بل وفي سنّ الأضحية بالشرع؛ لأنها عبادة والنبي ﷺ يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد» (٥)، وأما الإطلاق الذي في آية النحر فإن التقييد في آيتي الحج يقضي عليه.

стр. 1270

٢/ حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة … » (١)، وفي رواية: «يُهدي عصفوراً» (٢). وجه الاستدلال: - أن (في هذين الخبرين هدي دجاجة، وعصفور، وتقريبهما، وتقريب بيضة؛ والأضحية تقريب بلا شك) (٣)، بل (هذا صريح في إجزاء ذلك، فأيُّ تقرب إلا الأضحية؟!) (٤)، (ولأن يوم الجمعة عيد، فشبّه التقرب فيه بالتقرب في العيد) (٥). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن ابن حزم يقول في تقرير حكم المسألة: (الأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع، أو طائر، كالفرس، والإبل، وبقر

стр. 1271

الوحش، والديك، وسائر الطير والحيوان الحلال أكله) (١)، ويلزمه أن يقول بجواز الأضحية بالبيضة أيضاً، فالحديث واحد وتقريره فيه (إعمال بعض الحديث وإهمال بعضه) (٢). - ويلزمه كذلك (القول بإجزاء الدجاجة والعصفور والفرس ونحوها في هدايا الحج؛ لورود الحديث بلفظ الهدي، وأصله فيما يهدى إلى الحرم) (٣)، وابن حزم يقول: (والهدي إما من الإبل، أو البقر، أو الغنم) (٤)، ويقول: (أما قولنا: إن الهدي الواجب على المتمتع رأس من الغنم أو من الإبل أو من البقر، أو شرك في بقرة أو ناقة … فلقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ واسم الهدي يقع على الشاة، والبقرة، والبدنة … وروينا من طريق البخاري، نا إسحاق بن منصور، أنا النضر بن شميل، أنا شعبة، نا أبو جمرة هو نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس ﵄ عن المتعة؟ فأمرني بها وسألته عن الهدي؟ فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم) (٥). - قال التهانوي معلّقاً على تقرير ابن حزم: (فكان عليك أن ترد قول ابن عباس بقول النبي ﷺ في حديث المهجّر، وتقول: بأن اسم

стр. 1272

الهدي يقع على الدجاجة والعصفور والبيضة أيضاً، وإلا فأنت متناقض متلاعب) (١). - (والحق أن الإهداء فيه مفسّرٌ بالتصدق دون إراقة الدم بدليل ذكر البيضة فيه … والتقريب التصدق بالمال تقرباً إلى الله ، وأما قولك: إن الأضحية تقريب بلاشك، فنعم، ولكنها مقيدة بإراقة الدم كالهدي) (٢). - قال الخطابي: (اسم الهدي لا يقع على الدجاجة والبيضة غالباً … وأما قوله: «أهدى دجاجة» و «أهدى بيضة»، فمن المحمول على حكم ما تقدمه من الكلام، كقولك: أكلت طعاماً وشراباً والأكل إنما ينصرف إلى الطعام دون الشراب، إلا أنه لما عطف به على المذكور قبله حمل على حكمه) (٣). - وقوله في الرواية الأخرى: «كأنما قرّب» (هذا ضربٌ من التمثيل للأجور ومقاديرها لا على تمثيل الأجور وتشبيهها حتى تكون أجرها كأجر هذا، وتكون الدجاجة فى التمثيل والتدريج والبيضة، بقدر أجريهما من أجر البدنة لو كان هذا مما يهدى) (٤).

стр. 1273

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بجواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، و لا يصح تقرير هذا القول عن أحد قبل ابن حزم؛ (وكفى خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده) (١)؟، وقد قال الله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، مع مافي هذا القول من مخالفة للأصل والقاعدة في العبادات وأنها مبنية على التوقيف، وماروي عن بلال فيه ضعف، وليس فيه أنه ضحّى أو فعل ذلك، وكلامه محمول على المبالغة في نفي الوجوب، والنهي عن تباهي الناس بالأضاحي، وقد ترك جمع من الصحابة الأضحية لأجل ذلك، و بنحوه ماورد عن ابن عباس ﵃، والله أعلم.

стр. 1274

قال ابن المبارك: (لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم؛ فقد جهل). أخرجه الدينوري في المجالسة (٢/ ١٨٦). و أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٤٠٩) أن أبا خراش سأل عبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن إلى متى تطلب العلم؟ قال: (لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد).

стр. 1275

الفصل السادس: الآراء في الجهاد ، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: قصر جهاد الكفار على الدفع فقط المبحث الثاني: جواز قتل نساء وأطفال الكفار إذا قتلوا نساءنا وأطفالنا المبحث الثالث: جواز بناء الكنائس في بلاد المسلمين المبحث الرابع: جواز تولي الكافر رئاسة الدولة

стр. 1276

(ربما وردت علي المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم) الإمام مالك ﵀ ترتيب المدارك (١/ ١٧٧)

стр. 1277

المبحث الأول: قصر جهاد الكفار على الدفع فقط وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1278

قال النخعي كما ذكره ابن أبي زيد في الجامع ص (١١٩): (لو رأيت الصحابة يتوضؤون إلى الكوعين لتوضأت كذلك، وأنا أقرؤها إلى المرافق، وذلك لأنهم لا يُتهمون في ترك السنن وهم أرباب العلم وأحرصُ خلق الله على اتباع رسول الله ﷺ ، فلا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة في دينه). علّق على ذلك ابن الحاج بقوله كما في المدخل (٤/ ٢٥٠): (فكل ما لم يفعلوه إذا فُعل بعدهم كان نقصاً في الدين).

стр. 1279

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الجهاد في اللغة، مأخوذ من الجهد و (الجيم والهاء والدال أصله المشقة، ثم يحمل عليه ما يقاربه. يقال جهدت نفسي وأجهدت والجُهد الطاقة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾) (١)، و (تكرر لفظ الجَهد والجُهد في الحديث كثيراً، وهو بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير) (٢). وفي الشرع (الجِهادُ والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجِهَاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس (٣)، وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾) (٤)، هذا هو المعنى العام للجهاد، (ثم غلب في الإسلام على قتال الكفار ونحوه) (٥)، وهذا الاصطلاح الخاص، هو

стр. 1280

الذي يقرره الفقهاء (١) في تعريف الجهاد، ومن المناسب للتمهيد إيراد تعريفهم له: - فقال الحنفية: (هو الدعاء إلى الدين الحق، والقتال مع من امتنع عن القبول بالمال والنفس) (٢)، وقيل هو: (بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة، أو معاونة بمال أو رأي، أو تكثير سواد، أو غير ذلك) (٣). - وعند المالكية هو: (قتال مسلم كافراً غير ذي عهد؛ لإعلاء كلمة الله، أو حضوره له، أو دخول أرضه له) (٤)، وعند الشافعية هو: (قتال الكفار لنصرة الإسلام) (٥). - وقال الحنابلة بأن الجهاد شرعاً: (عبارة عن قتال الكفار خاصة) (٦). - ولذلك (فإن مادة الجهاد في الآيات المكية تدل على معناها في الوضع اللغوي العام، وهي ثلاث آيات … وأما مادة الجهاد في

стр. 1281

الآيات المدنية فبلغت "٢٦" كلمة، وأكثرها يدل دلالة واضحة على معنى القتال) (١)، وكذلك ("سبيل الله" إذا أطلق لم يفهم منه إلا الجهاد) (٢). - ولذلك فإن الصحابة والصحابيات ﵃ صاروا لايطلقون لفظ الجهاد إلا على القتال، بإقرار النبي ﷺ وتبيينه، كما في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه؟» قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء» (٣)، وكما في حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لَكِنَّ أفضل الجهاد حج مبرور» (٤)، مع أن الطاعة و الحج فيه جهاد للنفس، لكنه لا يراد عند إطلاق الجهاد إلا بقرينة. - وقد مرّ تشريع قتال الكفار بمراحل فقد (كان محرماً، ثم مأذوناً به، ثم مأموراً به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأموراً به لجميع المشركين) (٥)، فإن النبي ﷺ (كان مأموراً بالكف عن قتالهم؛ لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال،

стр. 1282

ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش ملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة) (١). - (وبمعرفة هذه المراحل يظهر خطأ بعض المتصدين للدفاع عن عقيدة الجهاد … فيقفون به عند حد المرحلة الثالثة) (٢). - فآخر التشريع هو قتال الطلب، ولا يعني ذلك نسخ جميع المراحل نسخاً كلياً، بل من (كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر، الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (٣). - والأصل في حديث الفقهاء عن الجهاد إنما هو في جهاد الطلب (٤)، ثم يأتي التفريع على حكمه إذا دهم العدو بلاد

стр. 1283

المسلمين واضطروا لدفعه، (وجهاد الدفع أصعب من جهاد الطلب، فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل … فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوباً … ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين … لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع، لا جهاد اختيار … جهاد الدفع يقصده كل أحد، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعاً وعقلاً، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين) (١)، وهذه المقدمة المختصرة، مهمة في تصوير المسألة. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (لم تختلف الأمة أن القتال كان محظوراً قبل الهجرة) (٢)، (فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقاً) (٣).

стр. 1284

٢. … (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حضر العدو بلده: تعيّن عليه بلا نزاع، وكذا لو استنفره من له استنفاره بلا نزاع) (١). ٣. … (واتفقوا أن قتال أهل الكفر بعد دعائهم إلى الإسلام أو الجزية إذا امتنعوا من كليهما جائز) (٢)، يعني غير ممنوع؛ (فأما حكم هذه

стр. 1285

الوظيفة فأجمع العلماء على أنها فرض على الكفاية لا فرض عين، إلا عبد الله بن الحسن، فإنه قال: إنها تطوع) (١)، وذهب بعض المعاصرين إلى إنكار جهاد الطلب، وحُكم على قولهم بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1286

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا القول من المعاصرين: محمد عبده (ت ١٣٢٣) (١)، وتلميذه محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤) (٢). و سيد سابق (ت ١٤٢٠) (٣) وغيرهم (٤).

стр. 1287

سس

стр. 1288

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذه أو نحوه من الألفاظ: - سليمان بن حمدان (١) (ت ١٣٩٧) بقوله: (مثل هذا القول مما يرغب عن ذكره لشذوذه، ومخالفته لنصوص الكتاب والسنة، فضلاً عن حكايته في مسائل الخلاف) (٢). - وابن باز (ت ١٤٢٠) بقوله في نهاية محاضرة له بعنوان"الجهاد ليس للدفع فقط": (وبهذا يعلم بطلان هذا القول وأنه لا أساس له ولا وجه له من الصحة … ومن تأمل أدلة الكتاب والسنة ونظر في ذلك بعين البصيرة وتجرد عن الهوى والتقليد عرف قطعاً بطلان هذا القول وأنه لا أساس له) (٣).

стр. 1289

- وعطية سالم (ت ١٤٢٠) بقوله: (نشأت أفكار جديدة باسم المقاربة بين المسلمين والمشركين، أو الكفار أو الكتابيين، ونادى بعض المتأخرين: بأن النصرانية انتشرت بالأخوة والتراحم والتعاطف، أما أنتم أيها المسلمون فنشرتم الإسلام بالسيف، فقام من هو مخدوع أو مخادع وقال: نحن كذلك، ليس عندنا سيف إلا دفاعاً عن النفس، ونشأت الفكرة الضالة … تلك الدعوة الجديدة الزائفة) (١). - وأ. د. علي بن نفيع العلياني (٢) بقوله: (ابتدع تلاميذ المستشرقين ومن سار على نهجهم بدعة منكرة تخالف الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة، وإجماع سلف الأمة، وهذه البدعة هي أن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط … وهذه البدعة المنكرة لم يقلها أحد من علماء السلف المعتبرين، وأول ما ظهرت -على ما أعلم- على أيدي تلاميذ المدرسة العقلية الحديثة (٣) التي من أشهر رجالها: جمال

стр. 1290

الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا) (١). - وعبدالرحمن البراك بقوله في مقالة له بعنوان "شريعة الجهاد في الإسلام: لا تنسخها المواثيق الدولية": (أثناء كتابة هذا المقال بلغني كلام للدكتور سلمان بن فهد العودة -هداه الله- في إحدى القنوات الفضائية، حول الجهاد في الإسلام، ومن المعاني الباطلة التي تضمنها كلامه: ما سماه مصطلح جهاد الدفع والطلب، وأنه مصطلح حادث، وهو يقرر جهاد الدفع، ولكنه لا يقرر جهاد الطلب … ومعلوم أن هذا النوع من الجهاد هو الذي اتخذ منه أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم مطعناً على الإسلام، فصار بعض الجهال أو المصانعين للكفار من المدافعين عن الإسلام يحصرون غاية الجهاد في الإسلام في الدفاع؛ لأن دفع المعتدي لا ينكره أحد) (٢)، وقال عمن يمنع من الجهاد إذا لم يحصل صد عن الدعوة وتضييق على أهلها (٣): (لا يكفي أن تفتح لنا دول الكفر

стр. 1291

أبوابها، وتسمح لنا بدعوة شعوبهم إلى الإسلام ولهم السيادة على بلادهم، كما يزعم بعض النّاس في هذا العصر أنّهم إذا فعلوا ذلك لم يجب قتالهم! وفي هذا تلطف مع الطاعنين على الإسلام والمسلمين بشريعة الجهاد في سبيل الله، بل لابدّ مِن الجهاد في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا؛ إمّا بإسلامهم أو بذلهم الجزية، فتكون السّيادة للدولة الإسلاميّة إلا أن تقتضي مصلحة الإسلام والمسلمين معاهدتهم مدة معلومة أو مطلقة، وهذا الرأي محدث لا أصل له في كتاب ولا سنّة ولا في كلام العلماء) (١). - والطرابلسي (٢) بقوله: (ظلّ مفهوم الجهاد بمعنى طلب غير المسلمين في دارهم بعد بلوغهم الدعوة مفهوماً اتفقت عليه المذاهب الفقهية جميعها الباقية والدارسة، ولم يشذ عن القول بذلك أحد من العلماء … وقد كان شيوخ مدرسة التجديد أول الخارقين للإجماع المنعقد على هذه المسألة، كالشيخ محمد عبده، ورشيد رضا … ) (٣).

стр. 1292

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بمشروعية جهاد الطلب: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (١)، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). وجه الاستدلال: - (أنه لما نزلت براءة أُمر أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال، وثنيّهم وكتابيّهم، سواء كفوا عنه أو لم يكفوا … وقيل له فيها: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، بعد أن كان قد قيل له: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ (٤) (٥). - وسورة التوبة هي آخر مانزل، كما قال البراء ﵁: (آخر سورة نزلت كاملة براءة) (٦).

стр. 1293

- وفي الآية الأولى علّق قتالهم بوصف الشرك، والثانية بوصف عدم الإيمان وعدم تحريم ما أحل الله وعدم الديانة بدين الحق؛ و (الاسم إذا كان بصيغة الوصف دل على اعتبار الوصف كقولك: أعط الفقير درهماً) (١). - و (لم يجعل لذلك غايةً إلا أن يُسلموا، وجعل في أهل الكتاب حدّاً آخر إن كانوا لم يسلموا: وهو إعطاء الجزية) (٢)، (ولم يقل: حتى يعطوا الجزية أو يكفوا عنا) (٣). - وقد ثبت عن ابن عباس (في قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، وقوله : ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾، وقوله : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، وقوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾، قال: نسخ هذا كلّه قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾) (٤).

стр. 1294

- وجاء عن (علي بن أبي طالب أنه قال: بُعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف، سيف للمشركين: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، وسيف للكفار أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وسيف للمنافقين: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وسيف للبغاة: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾) (١). - (هذا هو المعروف في كلام أهل العلم من المفسرين وغير المفسرين، كلهم قالوا فيما علمنا واطلعنا عليه من كلامهم (٢)، إن هذه الآية وما جاء في معناها ناسخة لما مضى قبلها من الآيات التي فيها الأمر بالعفو والصفح، وقتال من قاتل والكف عمن كف، ومثلها قوله جل وعلا في سورة الأنفال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، ومثلها قوله جل وعلا في سورة براءة بعد ذلك: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾) (٣). ونوقش الاستدلال: - أما قوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ فالسياق

стр. 1295

يدل على أن (أل) في المشركين للعهد، أي: المشركين المذكورين، (وما هي إلا إذن بقتال المشركين الذي نكثوا العهد كما في الآيات التي قبلها وبعدها. وذلك أن المسلمين عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم عهدًا فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة، فأمر الله تعالى بأن ينبذ للناكثين عهدهم ويمهلوا أربعة أشهر إلى آخر المحرم من الأشهر الحرم، فإن تابوا وإلا قوتلوا) (١)، (ثم تليها آيات أخر تعلل للأمر بقتلهم … فهم يصدون عن سبيل الله، ولا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمّة، ثم إنهم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دين الله، وهمّوا بإخراج الرسول، وبدؤوا المؤمنين بالقتال أول مرة!!) (٢) - وأما قوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ففيه (وصف أهل الكتاب الذين بين حكم قتالهم أربع صفات سلبية هي علة عداوتهم للإسلام، ووجوب خضوعهم لحكمه في داره; لأن إقرارهم على الاستقلال، وحمل السلاح فيه يفضي إلى قتال المسلمين في دارهم) (٣). - و (وهذه الآية لايجوز أن تقرأ منفصلة عن سائر الآيات الأخرى في القرآن، فإذا وجد في أهل الكتاب من اعتزل المسلمين فلم يقاتلوهم، ولم يظاهروا عليهم عدوّا، وألقوا إليهم السلم، فليس على المسلمين أن يقاتلوهم) (٤).

стр. 1296

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما تأويل (أل) في المشركين على أنها للعهد وأنها خاصة، مع أنه مخالف للأصل؛ فإن في قوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١)، ما يؤكد أن اللام للجنس، فجعل الغاية ألا تكون فتنة، وهي الشرك هنا في قول جمهور المفسرين، وأن يخلص الدين لله (٢)، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٣)، قال قتادة: (أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) (٤). - ويؤيدهما قول من أوتي جوامع الكلم ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (٥)، وهو حديث متواتر (٦)، وفيه (جُعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر) (٧)، وليس كف القتال، فإنه (لم يقل: فإذا كفوا عنا أو اعتزلونا … فدل ذلك على أن المطلوب دخولهم في الإسلام وإلا فالسيف، إلا أهل الجزية) (٨)، وهي صريحة بالمراد. - وأما جعل القتال في آية أهل الكتاب لعلة احتمال قتالهم للمسلمين

стр. 1297

إذا تركنا معهم السلاح، فهو تسليم بالمراد، مع فوات التسليم بالنص، وقد قال النبي ﷺ كما في حديث بريدة ﵁ في وصية النبي ﷺ لأمرائه: « … وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم … فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم … » (١)، (وهذا محمول على أهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس عند جمهور أهل العلم جمعاً بين هذا الحديث وبين آية التوبة) (٢)، (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام، أو تسليم الجزية، أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية) (٣). - وأما حمل آية السيف ونحوها على الآيات التي في المراحل قبلها؛ لأن المطلق يحمل على المقيد؛ فهذا خطأ هنا؛ لأنه نص ابن عباس على أن آية السيف ناسخة لما قبلها ولم يخالفه أحد من الصحابة ولا من التابعين، والنسخ ينبغي أن يفهم على اصطلاحهم الأعم، وعليه فلا يلزم منه رفع الحكم بالكلية. - وعلى فرض جواز حمل المطلق على المقيد هنا، فإن الآية التي فيها تقييد قتال الكفار بمن قاتلنا، أُخذ المنع من البدء بالقتال فيها بمفهوم المخالفة، والمفهوم لايقوى على معارضة المنطوق، فالمفهوم (حجّة ما لم يعارضه دليل أقوى منه، وقد عارضه ما هو أقوى منه؛ كآية السّيف وغيرها مما يقتضي إطلاق قتل الكفار، قاتلوا أو لم يقاتلو) (٤).

стр. 1298

- وهذا كله يتأيد بإجماع من سلف على هذا الفهم قبل مخالفة الخلف، مما يرفع الدلالة في النصوص من الظن إلى القطع، وهو الدليل الآتي: ٢/ الدليل الآخر: هو الإجماع. والإجماع المنقول في هذه المسألة على قسمين: صريح، وغير صريح؛ أما الصريح: ١. فقال ابن جرير (ت ٣١٠): (وأجمعوا أن موادعة أهل الشرك من عبدة الأوثان، ومصالحة أهل الكتاب على أن أحكام المسلمين عليهم غير جائزة إلى الأبد= باطلة إذا كان بالمسلمين قوة على حربهم) (١). ٢. وقال الجصاص (ت ٣٧٠): (ولا نعلم أحداً من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره، فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال) (٢). ٣. وقال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا أن قتال أهل الكفر بعد دعائهم إلى الإسلام أو الجزية إذا امتنعوا من كليهما جائز) (٣)، يعني: غير ممنوع.

стр. 1299

٤. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين. وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء؛ إلا أن يقاتل بقوله أو فعله) (١). ٥. وقال الزيلعي (ت ٧٤٣): «الجهاد فرض كفاية ابتداء) يعني: يجب علينا أن نبدأهم بالقتال وإن لم يقاتلونا … وعليه إجماع الأمة) (٢). ٦. وقال الصنعاني (ت ١١٨٢): (فقد عُلم من ضرورة الدين وجوب الجهاد على المسلمين للكفار بالله الجاحدين، واتفق على ذلك كافة المؤمنين، وتعددت بذلك نصوص كتاب الله المبين) (٣). ٧. وقال الشوكاني (ت ١٢٥٠): (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية … وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين، بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم) (٤).

стр. 1300

٨. وقال محمد بن إبراهيم (ت ١٣٨٩): (فالقول بأنهم يقاتلون لأجل صيالهم كأنه يبطل مصارمتهم … العلماء متفقون على وجوب قتالهم) (١). ٩. وقال سليمان بن حمدان (ت ١٣٩٧): (الذي دلّ عليه الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة، أن قتال الكفار فرض على الأمة، إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية) (٢). ١٠. وقال ابن باز (١٤٢٠): (الطوائف الثلاث تؤخذ منهم الجزية، هذا محل وفاق بين أهل العلم فإما أن يسلموا وإما أن يؤدوا الجزية، وإما القتال … أما قول من قال بأن القتال للدفاع فقط، فهذا القول ما علمته لأحد من العلماء القدامى) (٣). ١١. وقال عطية سالم (ت ١٤٢٠): (ماحكم قتال الكفار؟ ماحكم قتال الناس حتى يقولوا؟ نجد الأمة مجمعة في القرون الأولى، إلى أن اختلط المسلمون بغيرهم وجاءت المدارس الغربية والشرقية، ونشأت أفكار جديدة باسم المقاربة بين المسلمين والمشركين، أو الكفار أو الكتابيين، ونادى بعض المتأخرين: بأن النصرانية انتشرت بالأخوة والتراحم والتعاطف، أما أنتم أيها المسلمون فنشرتم الإسلام بالسيف، فقام من هو مخدوع أو مخادع وقال: نحن كذلك، ليس عندنا سيف إلا دفاعاً عن النفس، ونشأت الفكرة الضالة) (٤). ١٢. وقال د. عبدالكريم زيدان (ت ١٤٣٥): (قتال دار الإسلام لأهل دار
следующие страницы →