← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما تأويل (أل) في المشركين على أنها للعهد وأنها خاصة، مع أنه مخالف للأصل؛ فإن في قوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١)، ما يؤكد أن اللام للجنس، فجعل الغاية ألا تكون فتنة، وهي الشرك هنا في قول جمهور المفسرين، وأن يخلص الدين لله (٢)، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٣)، قال قتادة: (أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) (٤). - ويؤيدهما قول من أوتي جوامع الكلم ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (٥)، وهو حديث متواتر (٦)، وفيه (جُعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر) (٧)، وليس كف القتال، فإنه (لم يقل: فإذا كفوا عنا أو اعتزلونا … فدل ذلك على أن المطلوب دخولهم في الإسلام وإلا فالسيف، إلا أهل الجزية) (٨)، وهي صريحة بالمراد. - وأما جعل القتال في آية أهل الكتاب لعلة احتمال قتالهم للمسلمين

стр. 1297

إذا تركنا معهم السلاح، فهو تسليم بالمراد، مع فوات التسليم بالنص، وقد قال النبي ﷺ كما في حديث بريدة ﵁ في وصية النبي ﷺ لأمرائه: « … وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم … فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم … » (١)، (وهذا محمول على أهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس عند جمهور أهل العلم جمعاً بين هذا الحديث وبين آية التوبة) (٢)، (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام، أو تسليم الجزية، أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية) (٣). - وأما حمل آية السيف ونحوها على الآيات التي في المراحل قبلها؛ لأن المطلق يحمل على المقيد؛ فهذا خطأ هنا؛ لأنه نص ابن عباس على أن آية السيف ناسخة لما قبلها ولم يخالفه أحد من الصحابة ولا من التابعين، والنسخ ينبغي أن يفهم على اصطلاحهم الأعم، وعليه فلا يلزم منه رفع الحكم بالكلية. - وعلى فرض جواز حمل المطلق على المقيد هنا، فإن الآية التي فيها تقييد قتال الكفار بمن قاتلنا، أُخذ المنع من البدء بالقتال فيها بمفهوم المخالفة، والمفهوم لايقوى على معارضة المنطوق، فالمفهوم (حجّة ما لم يعارضه دليل أقوى منه، وقد عارضه ما هو أقوى منه؛ كآية السّيف وغيرها مما يقتضي إطلاق قتل الكفار، قاتلوا أو لم يقاتلو) (٤).

стр. 1298

- وهذا كله يتأيد بإجماع من سلف على هذا الفهم قبل مخالفة الخلف، مما يرفع الدلالة في النصوص من الظن إلى القطع، وهو الدليل الآتي: ٢/ الدليل الآخر: هو الإجماع. والإجماع المنقول في هذه المسألة على قسمين: صريح، وغير صريح؛ أما الصريح: ١. فقال ابن جرير (ت ٣١٠): (وأجمعوا أن موادعة أهل الشرك من عبدة الأوثان، ومصالحة أهل الكتاب على أن أحكام المسلمين عليهم غير جائزة إلى الأبد= باطلة إذا كان بالمسلمين قوة على حربهم) (١). ٢. وقال الجصاص (ت ٣٧٠): (ولا نعلم أحداً من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره، فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال) (٢). ٣. وقال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا أن قتال أهل الكفر بعد دعائهم إلى الإسلام أو الجزية إذا امتنعوا من كليهما جائز) (٣)، يعني: غير ممنوع.

стр. 1299

٤. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين. وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء؛ إلا أن يقاتل بقوله أو فعله) (١). ٥. وقال الزيلعي (ت ٧٤٣): «الجهاد فرض كفاية ابتداء) يعني: يجب علينا أن نبدأهم بالقتال وإن لم يقاتلونا … وعليه إجماع الأمة) (٢). ٦. وقال الصنعاني (ت ١١٨٢): (فقد عُلم من ضرورة الدين وجوب الجهاد على المسلمين للكفار بالله الجاحدين، واتفق على ذلك كافة المؤمنين، وتعددت بذلك نصوص كتاب الله المبين) (٣). ٧. وقال الشوكاني (ت ١٢٥٠): (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية … وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين، بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم) (٤).

стр. 1300

٨. وقال محمد بن إبراهيم (ت ١٣٨٩): (فالقول بأنهم يقاتلون لأجل صيالهم كأنه يبطل مصارمتهم … العلماء متفقون على وجوب قتالهم) (١). ٩. وقال سليمان بن حمدان (ت ١٣٩٧): (الذي دلّ عليه الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة، أن قتال الكفار فرض على الأمة، إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية) (٢). ١٠. وقال ابن باز (١٤٢٠): (الطوائف الثلاث تؤخذ منهم الجزية، هذا محل وفاق بين أهل العلم فإما أن يسلموا وإما أن يؤدوا الجزية، وإما القتال … أما قول من قال بأن القتال للدفاع فقط، فهذا القول ما علمته لأحد من العلماء القدامى) (٣). ١١. وقال عطية سالم (ت ١٤٢٠): (ماحكم قتال الكفار؟ ماحكم قتال الناس حتى يقولوا؟ نجد الأمة مجمعة في القرون الأولى، إلى أن اختلط المسلمون بغيرهم وجاءت المدارس الغربية والشرقية، ونشأت أفكار جديدة باسم المقاربة بين المسلمين والمشركين، أو الكفار أو الكتابيين، ونادى بعض المتأخرين: بأن النصرانية انتشرت بالأخوة والتراحم والتعاطف، أما أنتم أيها المسلمون فنشرتم الإسلام بالسيف، فقام من هو مخدوع أو مخادع وقال: نحن كذلك، ليس عندنا سيف إلا دفاعاً عن النفس، ونشأت الفكرة الضالة) (٤). ١٢. وقال د. عبدالكريم زيدان (ت ١٤٣٥): (قتال دار الإسلام لأهل دار

стр. 1301

الحرب هو لإزالة النظام الباطل الذي يتبعونه، ولا يتم هذا إلا بإخضاعهم لسلطان دار الإسلام … والفقهاء يجمعون على هذا … وأعمال الفقهاء الراشدين تؤيد ماقلناه وقاله الفقهاء، فإنهم فتحوا البلاد المجاورة وأبطلوا أنظمتها الباطلة، ونفذوا فيها القانون الإسلامي، وأدخلوها في سلطان الدولة الإسلامية، وصارت جزءا منها، ولم ينكر عليهم أحد مطلقاً، فيكون هذا النهج مجمعاً عليه من قبل الجميع، وهو أعظم إجماع قام على مسألة شرعية) (١). ١٣. وقال أ. د. علي العلياني: (أجمع علماء الإسلام على أن جهاد الكفار، وتطلبهم في عقر دارهم، ودعوتهم إلى الإسلام، وجهادهم إن لم يقبلوه أو يقبلوا الجزية= فريضة محكمة غير منسوخة) (٢). ١٤. وقال عبدالرحمن البراك عمن يجعل غاية قتال الطلب ألا يوجد من يصد عن الدعوة: (وهذا الرأي محدث لا أصل له في كتاب ولا سنّة ولا في كلام العلماء) (٣). ١٥. وقال د. محمد خير هيكل: (اتفقت كلمة الفقهاء في الإسلام على مشروعية إعلان الجهاد على جميع الكفار ابتداء. أي: ولو لم يصدر منهم اعتداء على المسلمين أو على الدعوة، وذلك من أجل

стр. 1302

إدخالهم تحت حكم الإسلام، اللهم إلا ماروي عن الإمام مالك من عدم مشروعية الجهاد ابتداء ضد الحبشة والترك فقط) (١). ١٦. وأختم بما ورد في الفقه الميسر-للطيار والمطلق والغصن-: (قام الصحابة ﵃ بفتح فارس والعراق والشام ومصر وغيرها، وذلك إجماع منهم على أن الجهاد يقوم على الطلب والمبادأة، كما يقوم على الدفاع والذود عن حمى الإِسلام والمسلمين) (٢). وأما غير الصريحة، ففيها أن الجهاد فرض كفاية بالإجماع، وجهاد الدفع -كما سبق- فرض عين بلانزاع (٣)، فدل أن مرادهم جهاد الطلب، ولذلك تجد في بعض النقول من يقرر أنه فرض كفاية ثم يستثني إن دهم العدو ساحة الإسلام ففرض عين: ١٧. قال المنصوري (٤) (ت ٢٩٢): (وأجمع المسلمون جميعًا على أن الله فرض الجهاد على الكافة، إذا قام به البعض سقط عن البعض) (٥).

стр. 1303

١٨. وقال الجوهري (ت ٣٦٥) (أجمع الفقهاء أن الجهاد فرض على الناس إلا من كفي مؤنة العدو منهم أباح لمن سواه التخلف ماكان على كفايته، إلا عبيدلله بن الحسن ﵁ فإنه قال: هو متطوع) (١). ١٩. وقال ابن يونس (ت ٤٥١): (ولا خلاف بين الأمة في وجوبه، وهو من فروض الكفايات دون الأعيان) (٢). ٢٠. وقال ابن عطية (ت ٥٤٢): (واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام، فهو حينئذ فرض عين) (٣). ٢١. وقال ابن رشد (ت ٥٩٥): (فأما حكم هذه الوظيفة؛ فأجمع العلماء على أنها فرض على الكفاية لا فرض عين، إلا عبد الله بن الحسن، فإنه قال: إنها تطوع) (٤). ٢٢. وقال الرازي (ت ٦٠٦): (والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين؛ فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل) (٥). ٢٣. وقال قاضي صفد محمد بن عبدالرحمن الدمشقي (ت بعد ٧٨٠ هـ): (اتفق الأئمة على أن الجهاد فرض كفاية إذا قام به من المسلمين من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وعن سعيد بن المسيب أنه فرض عين) (٦).

стр. 1304

٢٤. وقال ابن عادل الحنبلي (ت بعد ٨٨٠): (والإجماع اليوم منعقدٌ على أنه من فروض الكفايات، إلاَّ أن يدخل المشركون ديار المسلمين؛ فيتعيّن الجهاد حينئذٍ على الكلِّ. وقال آخرون: هو فرض عينٍ) (١). ونوقش الاستدلال بالإجماع: - بعدم التسليم، فقد أخرج مسلم قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن وهيب المكي، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق»، قال ابن سهم: قال عبد الله بن المبارك: فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ (٢). - فهذا ابن المبارك يرى أن فرض الجهاد كان على الصحابة وحدهم، قال النووي: (وهذا الذى قاله ابن المبارك محتمل) (٣). - ووجد من الصحابة والتابعين من قال بأن الجهاد تطوع غير فرض، كما نقل عن ابن عمر، وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن شبرمة (٤). - و (ابن تيمية، والحسن الجلال، والصنعاني يخالفون هذا الإجماع المدّعى) (٥)، فابن تيمية (من أبرز الذين صنّفوا في ذلك) (٦)، أي: في نفي جهاد الطلب.

стр. 1305

- (وممن تبنى هذا القول ونصره الإمام المجتهد، علامة الزيديّين، وفخر اليمنيين: الحسن بن أحمد الجلال (ت ١٠٨٤) في "حاشية ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار" الذي قرّر بوضوح: أن قتال الكفار إنما هو لدفع شره وضرره عن الإسلام وأهله) (١). - ومما قاله الجلال (إن آية السيف مختصة بالمحاربين … قتال الكافر المحارب ليس إكراهاً على الدين، بل لدفع شرّه عن الإسلام وأهله، فإذا استستلم-كالمنافق والذمي- لم يجز قتاله … وعلى المحاربين يُحمل حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله … »، ويُصحّح هذا الحمل تركه لقتال الذمي والمنافق) (٢)، قال د. القرضاوي: (هذا ماقاله العلامة الحسن الجلال وهو في غاية الوضوح) (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - تمهيداً للجواب، فإن النزاع في المسألة بين المعاصرين والسلف في مشروعية جهاد الطلب أو عدمها، ثم نقلها المعترض على الإجماع -وهو ممن ينكر جهاد الطلب-، إلى الخلاف في جهاد الطلب هل هو على الوجوب أم على الاستحباب. - فهذا منه أولاً تسليم بمشروعية جهاد الطلب الذي أنكره قبل ذلك، وقد أبعد في مناقشة الإجماع (٤)، وهذا بيان ذلك:

стр. 1306

- أما مانقله عن ابن المبارك (ت ١٨١)، فلا علاقة له بمسألتنا؛ وإنما هو في عقوبةٍ من عقوبات ترك الغزو، وأن من فعل ذلك «مات على شعبة من النفاق»، فابن المبارك: (حمله على النفاق الحقيقي) (١) وخصه بزمن النبي ﷺ ، قال النووي: (وهذا الذى قاله ابن المبارك محتمل، وقد قال غيره: إنه عام، والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد فى هذا الوصف؛ فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق) (٢). - ما علاقة هذا بوجوب جهاد الطلب أو مشروعيته؟! - ورحم الله الإمام ابن المبارك لو حاول خرق الإجماع بغيره؛ لأن من أخص صفاته التي يشاد بها الغزو، كما قال الذهبي: (الحافظ، الغازي، أحد الأعلام) (٣)، وما أبياته (ياعابد الحرمين لو أبصرتنا … ) التي فيها نصح لعياض بالغزو، إلا من شواهد ذلك. - وأما مانقله عن بعض الصحابة والتابعين بأن: الجهاد تطوع غير فرض، فهذا -كما سبق- تفريع على إثبات مشروعية الطلب بعد إنكاره له، وليس هذا هو النزاع، وفرق بين من يقول: جهاد الطلب مندوب كماهو قول بعض السلف، ومن يقول: جهاد الطلب محرّم كما هو قول بعض المعاصرين، وحتى يتبين الفرق: لو دعا ولي الأمر إلى الغزو، فإنه يتعين على الرأي الأول وهو إجماع، وعلى الرأي المُحدث لايجاب؛ لأنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق (٤)!

стр. 1307

- ومع ذلك فقد سها أو دلّس في نقله عن السلف، حيث لم يسق النقل هنا بتمامه (١) بل اكتفى بتقرير أنهم يرون أن الجهاد تطوّع! وفي سياقه بتمامه عن الجصاص ردٌ عليه، ولن أعلّق عليه لكفايته، قال الجصاص: - (أهل الثغور متى اكتفوا بأنفسهم، ولم تكن لهم حاجة إلى غيرهم فليس يكادون يستنفرون، ولكن لو استنفرهم الإمام مع كفاية من في وجه العدو من أهل الثغور وجيوش المسلمين؛ لأنه يريد أن يغزو أهل الحرب ويطأ ديارهم فعلى من استنفر من المسلمين أن ينفروا. وهذا هو موضع الخلاف بين الفقهاء في فرض الجهاد، فحكي عن ابن شبرمة والثوري في آخرين أن الجهاد تطوع وليس بفرض … وقد روي فيه عن ابن عمر نحو ذلك، وإن كان مختلفا في صحة الرواية عنه … وروي عن عطاء وعمرو بن دينار نحوه … وقد ذكر أبو عبيد أن سفيان الثوري كان يقول: ليس بفرض، ولكن لا يسع الناس أن يجمعوا على تركه أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين. وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم، ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين له، ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية؟ فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة أنه جائز للإمام والمسلمين أن لا يغزوهم، وأن يقعدوا عنهم … وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار في أن

стр. 1308

الجهاد ليس بفرض يعنون به أنه ليس فرضه متعينا على كل أحد كالصلاة والصوم، وأنه فرض على الكفاية) (١). - وأما مانسبه لابن تيمية (ت ٧٢٨)، وأنه (من أبرز الذين صنّفوا في ذلك)، في ماذا؟! أتى بمصنّف منسوب لأبي العباس في معرض إنكار الإجماع على جهاد الطلب، وزعم أنه يخالف الإجماع، ثم اكتفى بالنقل عنه على مخالفة الإجماع أنه (صنف في ذلك)! وفي المسائل الجليلة لا يغني التلميح عن التصرح، ولا يكفي قوله (صنف في ذلك) دون بيان تصريحه في مناقضة الإجماع، وهذا بيانٌ في الرسالة: - الرسالة المنسوبة لابن تيمية، وهي: رسالة ملخصة في: (قتال الكفار هل سببه المقاتلة أو مجرد الكفر) (٢)، كلها تدور حول سبب قتال الكفار، وليس فيها إنكار جهاد الطلب، ابتدأها بقوله: (فصلٌ في قتال الكفار هل هو سبب المقاتلة، أو مجرد الكفر) (٣)، ثم استطرد في بيان أنه لايكره أحد على الدين، وفي أخذ الجزية من جميع الكافرين، وفي المقارنة بين شرك المجوس وشرك العرب، وفي العهد المطلق والمقيد، وفي نقض الكفار للعهد، ثم رجع

стр. 1309

لسبب القتال والاستدلال على مايراه، فقال: (فهذا الأصل الذي ذكرناه وهو أن القتال لأجل الحراب لا لأجل الكفر هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة، وهو مقتضى الاعتبار) (١)، ومقصد الرسالة: الرد على من قال بأن الكافر يقاتل لأجل كفره كما هو قول الشافعي خلافاً للجمهور، وثمرة الخلاف: في قتل الراهب والشيخ الفاني والضعيف ونحوهم، أما النساء والصبيان فاتفق الجميع على عدم قتلهم مالم يقاتلوا، وسيأتي توثيق الخلاف. - وسأقف مع هذه الرسالة ثلاث وقفات مهمة؛ لأنه (لما رآها بعض من ينتسب إلى العلم وليس من أهل الدراية والفهم، صادفت هوى في نفسه، فطار بها فرحاً، ظنّاً منه أنها الضالة المنشودة) (٢)، (وذلك لأن العلماء الذين عللوا قتل الكفار بالمحاربة والمقاتلة نصوا على مرادهم، وهو تلمس الحكمة الشرعية في أمر الله سبحانه بقتال كل كافر باستثناء النساء والأطفال والرهبان والشيوخ العجزة، فقالوا: لو كان علة القتال الكفر لوجب قتل كل كافر، فإذًا العلة هي القدرة على المحاربة والمقاتلة، فإن من عنده الطاقة على القتال فهو مصدر خطر على المسلمين، ولم يقل هؤلاء العلماء إن الكافر لا يقاتَل إلا إذا حارب بالفعل واعتدى، كما هو قول أهل الدفاع الذين يحرفون نصوص العلماء لكي يظهروا للناس بأنهم لم يخرقوا الإجماع، وأن هناك طائفة من العلماء تقول بقولهم) (٣)، وكذلك بعض من ردّها وأنكرها أخطأ في فهمها. - الوقفة الأولى في ثبوتها: اختلف العلماء في ثبوتها، فنفاها كثير

стр. 1310

من أهل العلم، وأثبتها آخرون (١)، والنفي قد يكون متجهاً؛ فإن هذه الرسالة لم يذكرها تلامذته العارفون بكتبه كابن رشيّق، وابن عبدالهادي، وابن رجب (٢)، إلا إن ابن عبدالهادي يقول: (وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدم ذكره، يشق ضبطه وإحصاؤه، ويعسر حصره واستقصاؤه) (٣). - ومما هو متفق عليه: أن أصل الرسالة لم يصلنا، إنما وصلنا مختصرها، والمُختَصِر لها مجهول العين والحال، وماحذفه غير معلوم، وأول ناسخ لهذا المختصر عن أصله، فيما وصلنا عام (١٣٦٣)، فيكون بينه وبين ابن تيمة أكثر من ستة قرون، وطبعت أولاً ضمن مجموعة رسائل عام (١٣٦٨) في مطبعة السنة المحمدية، ثم طبعت عام (١٤٢٥) بتحقيق د. عبدالعزيز الزير، والمختصر في تحقيقه من ص (٨٧ - ٢٢٠). - والمختصر فيه مواضع تدل على حذف كلام قد يكون مؤثراً وفيه قيود مهمة (٤)، فلا يُجزم بنسبة ما في المختصر إلى ابن تيمية، مع الحذر في التعامل معها، ومن أدق الكلام فيها قول محمد بن

стр. 1311

إبراهيم: (هذه الرسالة حقيقتها أن بعضها من كلامه، ومحذوف منها شيء، ومدخل فيها شيء آخر) (١)، والرسالة (عليها بصمات شيخ الإسلام) (٢). - ومن بصماته: تعبيراته وألفاظه، ودخوله وخروجه في المسائل ثم عودته لمسألته، بل إن مثل هذه المضائق العلمية لا يحسنها إلا أمثال أبي العباس، يطرحها بوضوح وجلاء، وقد حيرت بعض من بعده؛ بل إن الصنعاني قرأ تعليل الجمهور الذي قرّبه ابن تيمية ودللّ عليه، قرأه عند غيره فقال: (ولم نعرف له سلفاً في ذلك، حتى وقفنا على رسالة للعلامة المحقق أبي العباس أحمد بن تيمية ﵀، فيها تحرير القولين) (٣)، وقال في موضع آخر: (السابق إلى التأليف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية … والمسألة تعزب عن النظار مظنة أدلتها) (٤). - هذا كله في الكلام على المختصر المطبوع، و وقفت على مختصر للرسالة أوثق من السابق، اختصره الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢)، واقتصر فيه على موضوع الرسالة وهو سبب قتال الكفار، وحذف استطرادات الشيخ في الجزية والعهد والمجوس، وهي مطبوعة ضمن كتاب: "ذخائر علماء اليمن" ولذلك جاءت مختصرة من ص (١٥٥ - ١٦٣)، قال الصنعاني في خاتمتها: (وقفنا على رسالة للعالم المحقق أبي العباس أحمد بن تيمية ﵀ فيها تحرير

стр. 1312

القولين، وذكر أدلة الفريقين، إلا أنه لسعة باعه وكثرة اطلاعه يطيل الأبحاث، ويخرج من فائدة إلى أخرى قبل وفائه الكلام على الأولى، فلا يُستخرج المطلوب من كلامه إلا بطول ترديده وتتبعه، فتتبعت ما أردتُ من كلامه على هذين القولين، وليس [لي] فيه إلا تحرير مقال أو توضيح استدلال) (١)، كما أن هذه الرسالة أشار إليها الشوكاني (ت ١٢٥٠) في نيل الأوطار (٢)، بل إن ابن تيمية أشار إليها في كتاب النبوات حين قال: (الكفار إنما يُقاتلون بشرط الحراب؛ كما ذهب إليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة؛ كما هو مبسوط في موضعه) (٣). - وكرّر الصنعاني ذكرها في حاشية ضوء النهار حين قال: (وأما إيجاب القتال للكفار؛ فاعلم أن في سببه قولين: … وكنت قديما كتبت فيها رسالة مجردة إذ فيها بعض الغرابة، والسابق إلى التأليف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية) (٤). - ومن المناسب جداً ذكر فهم الصنعاني والشوكاني لمعنى اختيار ابن تيمية في لب الرسالة، وهو سبب قتال الكفار وأنه: المقاتلة أو الحراب للمسلمين كما هو قول الجمهور وليس مجرد الكفر، فقال الصنعاني: (وليس المراد المقاتلة بالفعل، بل متى كان الكافر من أهل القتال الذين يخيفون أهل الإيمان، ومن شأنه أن يقاتل=فإنه يحل قتله؛ ولذا فإنها لا تقتل المرأة ولا الشيخ الفاني غير ذي الرأي ولا المكفوف؛ لأن القتال للمسلمين ليس من شأنهم) (٥)،

стр. 1313

ويقول الشوكاني: (قتل من أنبت ليس من أجل التكليف؛ بل لرفع ضرره لكونه مظنة للضرر كقتل الحية ونحوها … وكون قتال الكفار لكفرهم هو مذهب طائفة من أهل العلم، وذهبت طائفة أخرى إلى أن قتالهم لدفع الضرر … ومن القائلين بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حفيد المصنف وله في ذلك رسالة) (١). - وتأمل في كلام الصنعاني -واحتمال كونه لابن تيمية قائم-، فهو يبين المراد من الكتاب بجلاء، وفي المختصر المتداول نحوه: (من كان من المحاربين المقاتلين للمؤمنين، فإنه يقاتل حيث ثقف، وليس من حكمه أن لايقاتل إلا في حال قتاله، بل متى كان من أهل القتال الذي يخيف المسلمين، ومن شأنه أن يقاتل=قُتل قائماً أو قاعداً أو نائماً) (٢). - الوقفة الثانية: توثيق مذاهب العلماء في سبب قتال الكفار من ابن تيمية ثم من المذاهب ليتضح معنى الحراب والمقاتلة التي هي سبب القتال عند الجمهور: - في المختصر المطبوع قال: (فصلٌ في قتال الكفار هل هو سبب المقاتلة، أو مجرد الكفر؟ وفي ذلك قولان مشهوران للعلماء: الأول قول الجمهور كمالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم. الثاني: قول الشافعي، وربما علّل به بعض أصحاب أحمد) (٣)، وفي مجموع الفتاوى نحو هذا التقرير حين قال: (فأبو حنيفة رأى أن الكفر مطلقاً إنما يقاتل صاحبه لمحاربته، فمن لا حراب فيه لا

стр. 1314

يقاتل، ولهذا يأخذ الجزية من غير أهل الكتاب العرب وإن كانوا وثنيين. وقد وافقه على ذلك مالك وأحمد في أحد قوليه … وأما الشافعي فعنده نفس الكفر هو المبيح للدم، إلا أن النساء والصبيان تركوا لكونهم مالاً للمسلمين) (١)، فهذا كلام ابن تيمية وهذا توثيق للمذاهب: - أما الحنفية؛ فقال المرغيناني: (المبيح للقتل عندنا هو الحراب … والشافعي -رحمه الله تعالى- يخالفنا في الشيخ الفاني والمقعد والأعمى لأن المبيح عنده الكفر) (٢)، وابن نجيم يقول: (وسبب الجهاد عندنا كونهم حرباً علينا، وعند الشافعي هو كفرهم) (٣)، وهذا التعليل بالحراب لا يلزم منه نفي الطلب عندهم ولا عند غيرهم، ولذلك قال القدوري: (وقتال الكفار واجب وإن لم يبدؤونا) (٤). - وأما المالكية؛ فقال ابن رشد الجد عن ترك قتال الرهبان: (العلة التي من أجلها نهى عن قتلهم، وهي اعتزالهم لأهل دينهم، وترك معونتهم لهم بقتال أو رأي … ولم ينه عن قتلهم لخير عندهم، بل هم أبعد من الله، لاستبصارهم في كفرهم، وإنما نهى عن قتلهم، لاعتزالهم أهل دينهم، وترك معونتهم لهم بيد أو رأي … إنما يقتل من أهل الكفر من يقاتل) (٥)، وهذا لاينفي الطلب كما سبق، ولذلك قال في الكافي: (على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو وكل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم ويكف أذاهم ويطهر دين الله عليهم ويقاتلهم حتى

стр. 1315

يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية … وأما النافلة من الجهاد فإخراج طائفة بعد طائفة وبعث السرايا في أوقات العزة وعند إمكان الفرصة) (١)، ويستثني الإمام مالك في الطلب الترك والحبشة، كما قال ابن رشد الحفيد: (فأما الذين يُحاربون فاتفقوا على أنهم جميع المشركين … إلا ما روي عن مالك أنه قال: لا يجوز ابتداء الحبشة بالحرب ولا الترك) (٢). - وأما الشافعية؛ فقال الشيرازي في الشيخ الذي لايقاتل: (إن لم يكن له رأي، ففيه وفي الراهب قولان: أحدهما: أنه يقتل … لأنه ذكر مكلف حربي، فجاز قتله بالكفر كالشاب) (٣)، ثم ذكر القول الآخر عن الشافعي أنه لا يقتل، قال المزني عن الأول: (هذا أولى القولين عندي بالحق؛ لأن كفر جميعهم واحد، وكذلك حل سفك دمائهم بالكفر في القياس واحد) (٤)، وهذا لاينفي الطلب كما سبق، ولذلك قال الجويني: (إذا كان الكفار قارّين في ديارهم غيرَ متعلّقين بأطراف ديار الإسلام، فمقاتلتهم فرض على الكفاية، ثم قال الفقهاء: يتعين على الإمام أن يقيم في كل سنة قتالاً مع الكفار، ويجب أن يُغزي إلى كل صوب منهم جنداً إذا أمكن ذلك) (٥). - وأما الحنابلة؛ فيكفي نسبة ابن تيمية فيه، وزيادة للتوثيق فقد قال ابن قدامة: (ولنا، في الزمن والأعمى، أنهما ليسا من أهل القتال،

стр. 1316

فأشبها المرأة … ولأن هؤلاء إنما لم يقتلوا لأنهم في العادة لا يقاتلون) (١)، وهذا لا ينفي الطلب كما سبق، ولذلك قال ابن قدامة: (ويبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم) (٢). - بعد هذا التفريق يظهر بجلاء مشروعية جهاد الطلب في جميع المذاهب، بل هو (معلوم من الضرورة الدينية) (٣)، كما قال الشوكاني، والإجماع فيه (أعظم إجماع قام على مسألة شرعية) (٤)، وقد سبق نقل الإجماعات فيه. - و يبقى التفريق بين القتال والقتل كما قال ابن تيمية: (أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم … وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليه ومفاداته منسوخا) (٥)، وقال: (الكفر مبيح للدم لا موجب لقتل الكافر بكل حال، فإنه يجوز أمانه ومهادنته والمن عليه ومفاداته، لكن إذا صار للكافر عهد عصم العهد دمه الذي أباحه الكفر) (٦)، والشيخ يفرق بينهما في المختصر، وليس هذا بمهم هنا. - وبسبب الخلط بين القضيتين وعدم التفريق بينهما؛ بالغ بعضهم في إنكار هذه الرسالة، كما قال ابن حمدان: (قال المفتري: فصلٌ في قتال الكفار هل هو سبب المقاتلة، أو مجرد الكفر؟ وفي ذلك

стр. 1317

قولان مشهوران للعلماء: الأول قول الجمهور كمالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم. الثاني: قول الشافعي، وربما علّل به بعض أصحاب أحمد. [قال ابن حمدان:] والجواب: أن جهاد الكفار والمشركين سببه وعلته الكفر والشرك الذي هم عليه، لامجرد المحاربة، وقد تظاهرت بذلك دلائل الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة … وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة … لاينكره إلا مكابر) (١). - كما أنه للخلط بين القضيتين وعدم التفريق بينهما؛ بالغ بعضهم في إثباتها، كما قال د. القرضاوي: (هذا أهم ماذكره ابن تيمية في قاعدته في قتال الكفار، وقد أثبت فيها بما يزيل كل ريب، ويقطع كلّ نزاع عند من تأمّل وأنصف: أن الكفر وحده ليس موجباً ولا مبيحاً (٢) لقتل المخالفين، وإنما الموجب هو مايقوم به هؤلاء المخالفون من محاربة وفتنة وعدوان على المسلمين في دينهم أو أهليهم أو أموالهم أو حرماتهم. وماشرع الإسلام القتال إلا لدفع هذا الشر والعدوان. أما المخالف الذي لايتعرض للمسلمين بسوء ولا أذى فإنما مضرة كفره على نفسه) (٣)، هكذا قال. - وقد أخطأ على ابن تيمية، و نسب إليه ما صرّح بضده في هذا المختصر، حيث نسب له في موجزه المختصر أن الكفر غير مبيح، وابن تيمية يقول في الخلاصة التي كتب ملخصاً لها: (الكفر وإن لم يكن موجباً فصاحبه ليس بمعصوم الدم ولا المال، بل هو مباح

стр. 1318

الدم والمال) (١)، وخطؤه على الشريعة في مناقضة الإجماع، وخطؤه على الأئمة بخلطه بين المسألتين، والله أعلم. - الوقفة الثالثة: هل في الرسالة إنكار جهاد الطلب؟ ليس في الرسالة إنكار لجهاد الطلب، والكلام على تفاصيل الرسالة قد يطول، وخاصة في رد المجمل من كلام ابن تيمية إلى المحكم، وتفسير كلامه ببعضه، لكني سأختم بذكر نصوص واضحة لابن تيمية في إثبات جهاد الطلب، ومن ذلك: - قوله في نفس المختصر المطبوع: (فإنه يجوز قتال اليهود والمجوس بالنص والإجماع حتى يعطوا الجزية) (٢)، كما قال في السياسة الشرعية: (فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون، حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (٣)، ولم يقل: حتى يكفوا عن قتالنا، وأصرح منهما قوله: (فكل من بلغته دعوة رسول الله ﷺ إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له؛ فإنه يجب قتاله) (٤). - ونحوه قوله في الجواب الصحيح: (أنزل في ﴿بَرَاءَةٌ﴾ الأمر بنبذ العهود، وأمرهم بقتال المشركين كافة، وأمرهم بقتال أهل الكتاب إذا لم يسلموا حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولم يبح لهم ترك قتالهم وإن سالموهم وهادنوهم هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم) (٥)، ونحوه قوله في منهاج السنة: (فلما

стр. 1319

نزلت آية الجزية لم يكن بد من القتال أو الإسلام، والقتال إذا لم يسلموا حتى يعطوا الجزية) (١)، وقال في الصارم: (الدم لا يباح بالكفر إلا حال وجود الكفر؛ إذ المقصود بقتله أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فإذا انقاد لكلمة الله ودان بدين الله، حصل مقصود القتال ومطلوب الجهاد) (٢)، وله غير ذلك من الكلام نحوه، لكني أختم بقوله: - (فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداءً ودفعاً، فلأن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداءً ودفعاً لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى) (٣)، والله أعلم. - وأما مانسبه للحسن الجلال (ت ١٠٨٤)؛ فيظهر أنه أصرح ماوجده في نقض الإجماع، لمّا لم يجد عند أهل السنة مايدعم به جرأته على نقض الإجماع، فرح بمتأخر من الزيدية، ولا أدري هل من منهجه الفرح بأي خلاف والاعتداد بخلاف المبتدعة (٤)، بل احتفى بصاحبه وأشاد بأن: (ممن تبنى هذا القول ونصره الإمام المجتهد، علامة الزيديّين، وفخر اليمنيين: الحسن بن أحمد الجلال)،

стр. 1320

بألقاب لم يضفها إلى غيره، وبعد النقل عنه قال: (وهو في غاية الوضوح)، ومع ذلك فقد أخطأ عليه، ولن أطيل في بيان ذلك، فالحسن الجلال يقول: - (إن آية السيف مختصة بالمحاربين … قتال الكافر المحارب ليس إكراهاً على الدين، بل لدفع شرّه عن الإسلام وأهله، فإذا استستلم-كالمنافق والذمي- لم يجز قتاله … وعلى المحاربين يُحمل حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله … »، ويُصحّح هذا الحمل تركه لقتال الذمي والمنافق) (١) انتهى مانقله القرضاوي (٢). - وهذا كما سبق هو قول جمهور العلماء واختيار ابن تيمية أن سبب القتال: هو الحراب، ولاتلازم بينه وبين نفي جهاد الطلب، وقد شرح ذلك الصنعاني في حاشيته، ولكنه أغفلها ولم ينقلها، قال الصنعاني في بيان ما اختار الجلال أن القتال للمحاربين كما هو قول الجمهور: (ليس المراد المقاتلة بالفعل، بل متى كان الكافر من أهل القتال، الذي يخيفون أهل الإيمان، ومن شأنه أن يقاتل فإنه يحل قتله. قالوا ومن ثمة نهي عن قتل الشيخ الفاني والمرأة والصبي؛ لأنهم ليسوا ممن يخيف أهل الإيمان) (٣). - وأزيد على ذلك أن الجلال إنما جعل مقابل المحاربين= من خضع لسلطان المسلمين إما بإظهار الإسلام كالمنافقين، أو بدفع الجزية كالذميين (وهو في غاية الوضوح)!

стр. 1321

- أما مانسبه للصنعاني (ت ١١٨٢)؛ فأدع الصنعاني يرد عليه، يقول الأمير عن نبينا ﷺ : (أما غزواته فلو سلّم أنها كانت كلها لدفع شر من يقاتله من الكفار، لما دل ذلك على أنه لا يقاتل الكفار لطلب الإيمان وإزالة الكفر، فإنه قد بعث السرايا قطعاً واتفاقاً إلى قوم لم يقاتلوه، ولا خاف شرهم) (١)، وسبق نقل الإجماع عنه، وأنه قد (عُلم من ضرورة الدين وجوب الجهاد على المسلمين للكفار بالله الجاحدين). - وبعد هذا الجواب عن مانوقش به الإجماع، تبيّن أنه كله خطأ على العلماء، وفيه تشتيت للقارئ، وتشويه للأئمة، وتلبيس في الكلام، وتدليس للحقائق، ولا أدري ما الداعي لذلك؟ فالإسلام دين كامل، لايُدافع عنه بتحريفه، والجرأة على أصوله، وقد تركت إساءته للعلماء ووصفهم بـ"المتشددين" و"الهجوميين" و "دعاة الحرب"؛ لأن القصد هو الرد العلمي، والله الهادي إلى سواء السبيل. المسألة الثانية: أدلة القائلين بقصر جهاد الكفار على الدفع: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢). وجه الاستدلال: - أنه (شرع قتال من قاتلنا، ومفهومه عدم قتال من لم يقاتلنا، ونهى عن الاعتداء ومنه: قتال من سالم) (٣)، فـ (الذين لا يبدءون

стр. 1322

بعدوان، فإنه لا يجوز قتالهم ابتداء) (١). - (وتعليل النهي عن العدوان بأن الله لا يحب المعتدين=دليل على أن هذا النهي محكم غير قابل للنسخ، لأن هذا إخبار بعدم محبة الله للاعتداء، والإخبار لا يدخله النسخ، لان الاعتداء هو الظلم، والله لا يحب الظلم أبداً) (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بعدم التسليم، بأن المراد بالآية قتال من قاتلنا، بل المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي: (الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال) (٣)، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: (لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابين والمجوس) (٤)، ويدخل في الاعتداء: (ارتكاب المناهي … من المثلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة) (٥). - فالآية محكمة ويشبه ماورد فيها قوله ﷺ : «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلّوا، ولا تقتلوا وليداً» (٦). - وعلى فرض التسليم بأن المراد: قتال من قاتلنا، فليس فيها نهي عن قتال من لم يقاتلنا، فهو مسكوت عنه، ثم أتت المرحلة

стр. 1323

الأخيرة من مراحل التشريع فأُطلق فيها القتال، فيقاتل من قاتلنا بآية البقرة، ويقاتل من لم يقاتلنا بآية السيف، وهذا إعمال للدليلين. - ولو فُرض التعارض بينها، فإن المنطوق يقدم على المفهوم عند التعارض، فالمفهوم (حجّة ما لم يعارضه دليل أقوى منه، وقد عارضه ما هو أقوى منه؛ كآية السّيف وغيرها مما يقتضي إطلاق قتل الكفار، قاتلوا أو لم يقاتلو) (١). ٢/ واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٣). وجه الاستدلال: - فالأولى فيها (الأمر بالجنوح إلى السلم إذا جنح العدو إليها) (٤)، وهذا الأمر (حتى بعد وقوع القتال=إذا جنح لها العدو، وإن كان يريد الخداع) (٥). - والأخرى فيها (منعه … صراحة عن قتال من سالمنا) (٦)، إذا (كان اعتزالهم هذا اعتزالاً حقيقياً يريدون به السلام، فهؤلاء لا سبيل للمؤمنين عليهم) (٧). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن الذي قال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ هو القائل: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (٨)، والجمع بين

стр. 1324

النصوص واجب، والجمع هنا معروف عند العلماء، (ولم يقل أحد من السلف فيما أعلم بوجوب الجنوح إلى السلام إذا طلب الكفار) (١)، بل القول بنسخها مشهور، (والآية مقيدة برؤية المصلحة إجماعاً) (٢). - قال الجصاص: (لم يختلفوا أن سورة براءة من أواخر ما نزل من القرآن، وكان نزولها حين بعث النبي ﷺ أبا بكر على الحج في السنة التاسعة من الهجرة، وسورة الأنفال نزلت عقيب يوم بدر، بين فيها حكم الأنفال والغنائم والعهود والموادعات، فحكم سورة براءة مستعمل على ما ورد، وما ذكر من الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها حكم ثابت أيضاً. - وإنما اختلف حكم الآيتين لاختلاف الحالين، فالحال التي أمر فيها بالمسالمة هي حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوتهم على عدوهم، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فنهى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم) (٣). - قال ابن حجر: (الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهراً على الكفر، ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا) (٤). - وأما الآية الأخرى؛ فهي في فئة من المنافقين: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي

стр. 1325

الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (١)، وليست في الكافرين هذا أولاً، والنزاع في قتال الكفار. - وأما ثانياً؛ فالآية فيها قتال هذه الفئة من المنافقين الذين عُرفوا بنفاقهم ولم يهاجروا: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، هذا هو الحكم الأصلي، ثم استثنى منهم: من دخل مع كفار بينهم وبين المسلمين عهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٣)، ومن تنحى عن قتال المسلمين والكفار واستسلم: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٤). - قال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، فإنه يقول: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتهم صلحاً منهم لكم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً، أي: فلم يجعل الله لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم طريقاً إلى قتل أو سباء أو غنيمة، بإباحة منه ذلك لكم ولا إذن، فلا تعرضوا لهم في ذلك إلا سبيل خير. ثم نسخ الله جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾) (٥). - وأيّاً ما كان فقد قال الجصاص: (ولا نعلم أحداً من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره) (٦).

стр. 1326

٣/ ومن أدلتهم: قوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١)، وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن الله (منع الإكراه في الدين بأي وجه من الوجوه) (٤)، وأمر الله رسوله ﷺ (بالتولي والإعراض عن المشركين إذا لم يستجيبوا لدعوته، ولم يؤمر بقتالهم) (٥). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن القائل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، هو القائل ﷻ : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وهو القائل : ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٦). - و (المنفي في الآية هو الإكراه على الدخول في الإسلام، وليس الإكراه على الخضوع للنظام الإسلامي الذي ورد في آية الجزية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ … -إلى قوله- حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾) (٧). - (وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من

стр. 1327

نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب) (١). - (ونظيرها قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾) (٢)، (وعلى هذا فكل من رأى قبول الجزية من جنس، تُحمل الآية عليه) (٣)، (واتفق المسلمون على أخذها من أهل الكتاب والمجوس وتنازع العلماء في سائر الكفار) (٤)، كما قال ابن تيمية واختار أنها تؤخذ من جميع الكفار؛ وأن آية أخذ الجزية من أهل الكتاب فيها تنبيه (على أن من هو دونهم من المشركين أولى أن لا يهادن بغير جزية) (٥). - ومن السياقات المهمة في تفسير الآية قول الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بيّن واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً … وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا

стр. 1328

الجزية. وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو يبذل الجزية= قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه، قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ … وفي الصحيح: «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل الجنة. - فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن حميد عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «أسلم» قال: إني أجدني كارهاً. قال: «وإن كنت كارهاً» فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام بل دعاه إليه، فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: أسلم وإن كنت كارهاً فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص) (١). - وأما قول الحق: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فليس فيها نفي القتال، ولم أقف على من فهم منها ذلك، بل في الآية قبلها مايدل على عكس مراده، وقد فرّعت عليها بالفاء مما يدل على ترتب الآية بعدها على حاصل التي قبلها، وتضمنت قتل الكفار الذي يعزّ على النبي ﷺ وقوعه لفوات الهداية عنهم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ

стр. 1329

عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، قال ابن جرير: (أي: عزيز عليه عنتكم، وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى … حريص على هدى ضلّالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق … وإنما وصفه الله جل ثناؤه بأنه عزيز عليه عنتهم؛ لأنه كان عزيزاً عليه أن يأتوا ما يعنتهم؛ وذلك أن يضلوا فيستوجبوا العنت من الله بالقتل والسبي) (٢). - وفي تخصيص المؤمنين بأنه ﷺ بهم رؤوف رحيم مايدل على ذلك أيضاً، (وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين، فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم) (٣)، والختم بهاتين الآيتين في سورة التوبة التي أتت بالسيف على الكافرين المعرضين مناسبة عظيمة، يراجع فيها كتاب ابن عاشور فقد أبدع بالربط. - وسياقها في التوكل على الله، والتثبيت لنبيه ﷺ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (٤)، وأنه لايملك إدخال الهداية إلى قلوبهم ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥)، والتوكل لاينافي فعل الأسباب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٦). ٤/ ومن أبرز أدلتهم: (أن حروب الرسول ﷺ كانت كلها دفاعاً، ليس

стр. 1330

فيها شيء من العدوان) (١)، و (لم يبدأ أحداً بقتال قط) (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بعدم التسليم، فإن الجهاد الطلبي شُرع في آخر حياة النبي ﷺ في السنة التاسعة، ومع ذلك فتجد قبل نزولها خروج النبي ﷺ لطلب عير لقريش، وهي سبب معركة بدر، وقوله ﷺ بعد الأحزاب: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» (٣)، (ثم فتح مكة سنة ثمان، وهوازن وحنين، وحاصر الطائف، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فكان كما قال) (٤). - وبعد ذلك في الستة التاسعة، بعد أن دانت له العرب، وطهّر الجزيرة من الشرك، (جمع المسلمين لغزو الشام وذلك عام تبوك، حتى وصلها في حرٍّ شديد وجهد، فرجع عامه ذلك، ثم بعث قبل موته أسامة بن زيد مولاه; ليغزو تخوم الشام) (٥). - بل في قول أنس ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً، لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كفّ عنهم، وإن لم

стр. 1331

يسمع أذاناً أغار عليهم» (١)، مايدل على أنه لم يتيقن كفر من أغار عليهم، فكيف يقال بأنه قاتلهم لعداوتهم أو ابتدائهم للقتال؟ - قال الصنعاني عن نبينا ﷺ : (فإنه قد بعث السرايا قطعاً واتفاقاً إلى قوم لم يقاتلوه ولا خاف شرهم … ولأنه لو كان غزوه ﵌ ليس إلا لدفع شر الكفار لا لأجل الكفر=لم يخرج من المدينة في غزاة ولا بعث سريّة، بل يبقى في المدينة فمن قصده دافعه فيها) (٢). - مع أن التكاليف الشرعية يكفي فيها الأمر أو الحث الشرعي ولا يشترط تحقق الفعل النبوي، فهذا شرط زائد للتكليف بأن يتوفر القول مع الفعل، الأذان، وصيام داود، والعمرة في رمضان كلها فاضلة، ولم يرد فعلها عن النبي ﷺ ، مع أن القول -لقوة دلالته- لو تعارض مع الفعل لقدّم القول، كيف والقول هنا قد توافق مع الفعل، فبدأه النبي ﷺ وأكمل مسيرته صحابته أعرف الناس بشريعته وطرائقه وأحواله. - ولعلي أختم البحث بهذا السياق المهم لابن كثير حين قال: (أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً فأولاً، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة،

стр. 1332

والطائف، واليمن واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجاً، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، فبلغ تبوك ثم رجع … ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجة الوداع. ثم عاجلته المنية، صلوات الله وسلامه عليه، بعد الحجة بأحد وثمانين يوماً، فاختاره الله لما عنده. - وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه، وخليفته أبو بكر ﵁ وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل، فثبته الله تعالى به فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد. وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الإله. - وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأوّاب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقاً وغرباً. وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعداً وقرباً. ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي. - ثم لما مات شهيداً وقد عاش حميداً، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، على خلافة أمير المؤمنين أبي عمرو عثمان

стр. 1333

بن عفان شهيد الدار، فكسى الإسلام بجلاله رياسة حلة سابغة. وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه. وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ … وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة، في غاية الاستقامة، والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار. - ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، فأخذوا من الأطراف بلداناً كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله سبحانه، الأمر من قبل ومن بعد. فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم) (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن قصر جهاد الكفار

стр. 1334

على الدفع فقط رأي شاذ؛ لمخالفته النصّ، والإجماع الصحيح، وأوّل من خالف فيما وقفت عليه هو محمد عبده (ت ١٣٢٣)، ثم تتابع الكتّاب بعده. ومنهم من يتلطف مع الطاعنين على شريعة الجهاد وأهل الإسلام ويضيف إلى الدفع: قتال من يصد عن الدعوة أو يؤذي الدعاة، (وهذا الرأي محدث لا أصل له في كتاب ولا سنّة ولا في كلام العلماء) (١). وبعد أن ظهر القول بقصر مشروعية الجهاد على الدفع في القرن الماضي، لم يفتر العلماء في الرد عليه، وبعضهم يطيل في الاستدلال لباطله مما يستدعي إطالة الرد، ولو كان ردّاً صريحاً للنصوص لكان أسهل، ولكنه استعمال للشريعة في إبطال بعض الشريعة، وصدق المعلمي حين قال: (فالردُّ الصريح أخف ضرراً على المسلمين، وأهون مؤنة على أهل العلم والدين، من إثارة الشبه والتطويل والتهويل الذي يغترّ به كثير من الناس، ويضطر العالم إلى صرف وقته في كشف ذلك! والله المستعان) (٢). ولم يمرّ علي في المسائل التي بحثتها كهذا الرأي في تحريف معاني القرآن الكثيرة، مع أنه (معلوم من الضرورة الدينية) (٣)، والإجماع فيه (أعظم إجماع قام على مسألة شرعية) (٤)، فهو إجماع الصحابة شاركوا فيه بفعلهم، واشتهر بينهم، ولم يخالف فيه أحد.

стр. 1335

وقبل ختم المقالة فإنه غني عن التعريف أن يقال: بأن التكليف مناط بالقدرة، ولا واجب مع العجز، وأن كل عبادة لها شروطها، وأن حال الضعف ليس كحال القوة، وأنه (إذا سقط الشيء لوجود مانعه، فإنه يعود وجوبه لزوال مانعه … فالواجب على المسلم إذا لم يتمكّن من الجهاد بفعله أن ينويه بقلبه) (١)، و (يجب على الأمة الإسلامية أن تستعد لعدوها) (٢)، وكل هذا كلام علمي شرعي، أما من أنكر جهاد الطلب في الشريعة فـ (كفى خطأً بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده) (٣)، والله أعلم.
следующие страницы →