← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

يسمع أذاناً أغار عليهم» (١)، مايدل على أنه لم يتيقن كفر من أغار عليهم، فكيف يقال بأنه قاتلهم لعداوتهم أو ابتدائهم للقتال؟ - قال الصنعاني عن نبينا ﷺ : (فإنه قد بعث السرايا قطعاً واتفاقاً إلى قوم لم يقاتلوه ولا خاف شرهم … ولأنه لو كان غزوه ﵌ ليس إلا لدفع شر الكفار لا لأجل الكفر=لم يخرج من المدينة في غزاة ولا بعث سريّة، بل يبقى في المدينة فمن قصده دافعه فيها) (٢). - مع أن التكاليف الشرعية يكفي فيها الأمر أو الحث الشرعي ولا يشترط تحقق الفعل النبوي، فهذا شرط زائد للتكليف بأن يتوفر القول مع الفعل، الأذان، وصيام داود، والعمرة في رمضان كلها فاضلة، ولم يرد فعلها عن النبي ﷺ ، مع أن القول -لقوة دلالته- لو تعارض مع الفعل لقدّم القول، كيف والقول هنا قد توافق مع الفعل، فبدأه النبي ﷺ وأكمل مسيرته صحابته أعرف الناس بشريعته وطرائقه وأحواله. - ولعلي أختم البحث بهذا السياق المهم لابن كثير حين قال: (أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً فأولاً، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة،

стр. 1332

والطائف، واليمن واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجاً، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، فبلغ تبوك ثم رجع … ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجة الوداع. ثم عاجلته المنية، صلوات الله وسلامه عليه، بعد الحجة بأحد وثمانين يوماً، فاختاره الله لما عنده. - وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه، وخليفته أبو بكر ﵁ وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل، فثبته الله تعالى به فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد. وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الإله. - وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأوّاب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقاً وغرباً. وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعداً وقرباً. ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي. - ثم لما مات شهيداً وقد عاش حميداً، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، على خلافة أمير المؤمنين أبي عمرو عثمان

стр. 1333

بن عفان شهيد الدار، فكسى الإسلام بجلاله رياسة حلة سابغة. وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه. وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ … وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة، في غاية الاستقامة، والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار. - ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، فأخذوا من الأطراف بلداناً كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله سبحانه، الأمر من قبل ومن بعد. فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم) (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن قصر جهاد الكفار

стр. 1334

على الدفع فقط رأي شاذ؛ لمخالفته النصّ، والإجماع الصحيح، وأوّل من خالف فيما وقفت عليه هو محمد عبده (ت ١٣٢٣)، ثم تتابع الكتّاب بعده. ومنهم من يتلطف مع الطاعنين على شريعة الجهاد وأهل الإسلام ويضيف إلى الدفع: قتال من يصد عن الدعوة أو يؤذي الدعاة، (وهذا الرأي محدث لا أصل له في كتاب ولا سنّة ولا في كلام العلماء) (١). وبعد أن ظهر القول بقصر مشروعية الجهاد على الدفع في القرن الماضي، لم يفتر العلماء في الرد عليه، وبعضهم يطيل في الاستدلال لباطله مما يستدعي إطالة الرد، ولو كان ردّاً صريحاً للنصوص لكان أسهل، ولكنه استعمال للشريعة في إبطال بعض الشريعة، وصدق المعلمي حين قال: (فالردُّ الصريح أخف ضرراً على المسلمين، وأهون مؤنة على أهل العلم والدين، من إثارة الشبه والتطويل والتهويل الذي يغترّ به كثير من الناس، ويضطر العالم إلى صرف وقته في كشف ذلك! والله المستعان) (٢). ولم يمرّ علي في المسائل التي بحثتها كهذا الرأي في تحريف معاني القرآن الكثيرة، مع أنه (معلوم من الضرورة الدينية) (٣)، والإجماع فيه (أعظم إجماع قام على مسألة شرعية) (٤)، فهو إجماع الصحابة شاركوا فيه بفعلهم، واشتهر بينهم، ولم يخالف فيه أحد.

стр. 1335

وقبل ختم المقالة فإنه غني عن التعريف أن يقال: بأن التكليف مناط بالقدرة، ولا واجب مع العجز، وأن كل عبادة لها شروطها، وأن حال الضعف ليس كحال القوة، وأنه (إذا سقط الشيء لوجود مانعه، فإنه يعود وجوبه لزوال مانعه … فالواجب على المسلم إذا لم يتمكّن من الجهاد بفعله أن ينويه بقلبه) (١)، و (يجب على الأمة الإسلامية أن تستعد لعدوها) (٢)، وكل هذا كلام علمي شرعي، أما من أنكر جهاد الطلب في الشريعة فـ (كفى خطأً بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده) (٣)، والله أعلم.

стр. 1336

(الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء؛ لأن العلم يحتاج إليه فِي كل ساعة، والخبز والماء فِي كل يوم مرة أو مرتين). الإمام أحمد ﵀ طبقات الحنابلة (١/ ١٤٦)

стр. 1337

المبحث الثاني: جواز قتل نساء وأطفال الكفار إذا قتلوا نساءنا وأطفالنا وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1338

قال مالك لابني أخته: (إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا العلم فأقلا منه، وتفقَّها). شرح البخاري لابن بطال (١/ ١٨٥)

стр. 1339

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: في المبحث السابق جاءت الإشارة إلى حكم قتل النساء والصبيان والرهبان والشيوخ ونحوهم، عند الكلام على علّة قتال الكفار وهل هي: المقاتلة أو الكفر؟ وأن علة المقاتلة قال بها الجمهور، و (ليس المراد المقاتلة بالفعل، بل متى كان الكافر من أهل القتال، الذي يخيفون أهل الإيمان، ومن شأنه أن يقاتل فإنه يحل قتله. قالوا ومن ثمة نُهي عن قتل الشيخ الفاني والمرأة والصبي؛ لأنهم ليسوا ممن يخيف أهل الإيمان) (١)، وثمرة الخلاف بين رأي الجمهور، وبين من رأى أن العلة هي الكفر تظهر في قتل غير النساء والصبيان، ممن لاشأن له في القتال، كالرهبان والشيوخ الكبار (٢)، وقتل هؤلاء يعبّر عنه بعضهم في زماننا بـ: (قتل المدنيين)، ولعل هذا أوسع ممن لا شأن له في القتال، فيدخل فيه من لم يشارك في القتال بالفعل وإن كان من شأنه أن يقاتل، ثم إن النساء والصبيان المتفق على تحريم قتالهم، هناك حالات يستثنى منها ذلكم التحريم. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (لا خلاف أن قتل النساء والذراري محظور) (٣)، (وأجمع العلماء

стр. 1340

على القول بذلك، ولا يجوز عندهم قتل نساء الحربيين ولا أطفالهم؛ لأنهم ليسوا ممن يقاتل في الأغلب) (١) ٢. واستثنى العلماء: من قاتل منهم بفعله أو شارك برأيه (٢)، وفي حالة عدم قصدهم أو الاضطرار كالتبييت (٣)، والغارة (٤)، والتترس (٥).

стр. 1341

٣. أما قصد نساء وصبيان الكفار معاملة لمن قصد نساء وصبيان المسلمين بالمثل مع إمكان التمييز، فقد ذهب إليه بعض المعاصرين، ونُسب إلى الشذوذ، وهذا الرأي هو المراد بحثه، وتصحيح نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1342

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (١)، وغيره (٢).

стр. 1343

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذه: - اليافعي (١) بقوله: (قرأت في الإنترنت فتوى لبعض من ينتسب للعلم يجيز فيها قتل النساء والصبيان من أهل الحرب، في حالة ما إذا قتل الكفارُ نساءَ المسلمين وصبيانهم، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ … وهذا الاستدلال مع كونه مخالفاً للإجماع غريب عجيب … بعض الشباب المتهور يجد في مثل هذه الفتاوى المستعجلة الغريبة الشاذة مستنداً له) (٢).

стр. 1344

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بتحريم قتل نساء وأطفال الكفار معاملة لهم بالمثل، إذا قتلوا نساءنا وأطفالنا: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث ابن عمر ﵄ المتفق عليه: أن امرأة وُجدت في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، «فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان» (١)، وفي رواية أنه قال: «ما كانت هذه لتقاتل» (٢). وجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ عن قتل النساء والأطفال فيه تخصيص لعموم قتل الكفار، وقوله: «ماكانت هذه لتقاتل» (مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت) (٣)، وإذا لم تقاتل فلا تقصد بالقتل. ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال: بما ورد في حديث الصعب بن جثّامة ﵁ قال: قال: سئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين؟ يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟، فقال: «هم منهم» (٤).

стр. 1345

ويمكن أن يجاب عن المناقشة: بأن (قوله: «هم منهم»، أي: في الحكم تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم) (١)، ويتأيد ماقاله بالدليل الآتي. ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. ١. قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا أن إزالة المرء عن نفسه ظلماً بأن يظلم من لم يظلمه قاصداً إلى ذلك لا يحل) (٢).

стр. 1346

والإجماع على تحريم قتل النساء والصبيان مستصحب هنا، وقد نقله غير واحد من العلماء: ٢. فقال ابن حزم أيضاً: (واتفقوا أنه لا يحل قتل صبيانهم ولا نسائهم الذين لا يقاتلون) (١). ٣. وقال الجصاص (ت ٣٧٠): (لا خلاف أن قتل النساء والذراري محظور) (٢). ٤. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (وأجمع العلماء على القول بجملة هذا الحديث، ولا يجوز عندهم قتل نساء الحربيين ولا أطفالهم لأنهم ليسوا ممن يقاتل في الأغلب) (٣). ٥. وقال القاضي عياض (ت ٥٤٤): (أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث فى ترك قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) (٤). ٦. وقال ابن رشد (ت ٥٩٥): (لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم ما لم تقاتل المرأة والصبي) (٥). ٧. وقال النووي (ت ٦٧٦): (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) (٦). ٨. وقال ابن دقيق (ت ٧٠٢): (هذا حكم مشهور متفق عليه فيمن لا يقاتل، ويحمل هذا الحديث على ذلك لغلبة عدم القتال على النساء والصبيان) (٧).

стр. 1347

٩. وقال ابن تيمة (ت ٧٢٨): (ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل باتفاق العلماء) (١). ١٠. وقال ابن الملقن (ت ٨٠٤): (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتلها إذا لم يقاتلوا) (٢). ١١. وقال الحطاب (ت ٩٥٤): (وأما النساء فإن كففن أذاهن على المسلمين ولزمن قعر بيوتهن فلا خلاف في حريم قتلهن) (٣). - تنبيه: جاء في تبيين الحقائق للزيلعي: (فإذا كان يجوز قتل صبيان المشركين لمصلحة المسلمين، فقتل شيوخهم أولى إذا كان فيه مصلحة بأن كان ملكاً) (٤)، ولعله تصحيف من النساخ، استدركه صاحب الحاشية الشِّلبي بقوله: (الذي بخط الشارح "فإذا كان يجوز قتل صبيان المسلمين لمصلحة المسلمين، فقتل صبيانهم أولى") (٥). - فيكون أول كلام الزيلعي: (قتل صبيان المسلمين) متفق مع ماورد في كتب المذهب ويقصدون بها مسألة التترس، كما في مختصر القدوري: (وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم، ويقصدون بالرمي الكفار) (٦). - وقوله: (للمصلحة)، يعللون بها في مسألة التترس في ذات السياق كما في اللباب: (وإن كان فيه مفسدة لكنها خاصة، فيجوز ارتكابها لمصلحة عامة، كما إذا تترس الكفار بصبيان المسلمين

стр. 1348

وذراريهم) (١). - وقوله: (بأن كان ملكاً) قال الشلبي: (أي الصغير للكفار) (٢)، فإذا كان الصغير ملكاً فيجوّز الحنفية قتله، وبذلك يقول النسفي في الكنز الذي شرحه الزيلعي بالتبيين، عبارة تزيل الإشكال: (وقتل امرأة، وغير مكلف، وشيخ فان، وأعمى، ومقعد، إلا أن يكون أحدهم ذا رأي في الحرب، أو ملكاً) (٣)، وهي التي ورد عليها الشرح بالعبارة التي قد تُشكل، ومعلوم أن الَملك له رأي، و في قتله تفريق للجيش، وأيّاً ماكان فلم يرد عندهم ولا عند غيرهم -فيما وقفت عليه- تجويز قتل الصبيان قصداً لهم على سبيل المقابلة لقتل الكفار لصبيان المسلمين، والله أعلم. المسألة الثانية: أدلة من قال بجواز قتل نساء وأطفال الكفار إذا قتلوا نساءنا وأطفالنا: استدل أصحاب هذا القول: ١/ بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤). وجه الاستدلال: - أن إطلاق الآية وعمومها يشمل رد اعتداءهم وقتلهم لنساء وصبيان

стр. 1349

المسلمين بمثله، و (لما في ذلك من كسر قلوب الأعداء وإهانتهم) (١). - وهذه المصلحة ترجح على مفسدة تفويت ماليتهم، فـ (تفويت المال على المسلمين ليس بشيء غريب، ولهذا يحرق رحل الغال مع أنه فيه تفويت مال على أحد الغزاة) (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن إطلاق جواز رد الاعتداء هنا مقيّد بألا يكون ذلك: بمحرم لعينه (٣)، وألا يتعدى ذلك إلى غير المعتدي (٤)، وألا يكون فيه خيانة (٥). - وقد ختم الله الإذن في رد الاعتداء على من اعتدى بالأمر بالتقوى؛ لأن (النفوس -في الغالب- لا تقف على حدها إذا رُخّص لها في المعاقبة لطلبها التشفي، أمر تعالى بلزوم تقواه، التي هي الوقوف عند حدوده، وعدم تجاوزها) (٦). - وأما التعليل بمصلحة إذلال الكفرة وأنها أعظم من مفسدة تفويت

стр. 1350

المالية، فهذا مبني على علّة قتال الكفار، فإن كانت المقاتلة كما قال الجمهور فالنساء والصبيان ليسوا من أهل القتال (١)، وإن كانت الكفر كما في أحد قولي الشافعي فقد قالوا: (وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان؛ لكونهم مالاً مغنوماً) (٢). - هذا تمهيد لفهم المالية وأنها على مقتضى قول الشافعية؛ لكنهم لايجوّزون قتل النساء والصبيان من باب المقابلة -فيما وقفت عليه-، ولو فُرض وجود هذا القول بناء على هذه العلة، فإن من شروط صحة العلة المستنبطة ألا تعود على النص بالإبطال (٣)؛ (إذ الظن المستفاد من النص أقوى من المستفاد من الاستنباط، لأنه فرع لهذا الحكم، والفرع لا يرجع على إبطال أصله، وإلا لزم أن يرجع إلى نفسه بالإبطال) (٤). - فـ (كلّ تعليل يتضمّن إبطال النّص باطل) (٥)، وكل مصلحة عارضت النص فهي مصلحة ملغاة. - وقد صحّ في مسألتنا النهي عن قتل النساء والصبيان، وخُص من هذا النهي: التبييت، والغارة، والتترس بنص أو إجماع، وكل هذه

стр. 1351

الصور يجمعها أنه جاز قتلهم تبعاً لا استقلالاً، بخلاف مسألتنا. - وأما قتل المقاتل من النساء والصبيان، فهذا وإن جاز استقلالاً وقصداً إلا أنه قد اتفق عليه، وهو الذي صح أن يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ لأن رد الاعتداء هنا على المعتدي نفسه لا غيره، وقاعدة الشريعة ألا يؤاخذ الشخص بجريرة غيره، والله أعلم. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فإن نسبته إلى الشذوذ محل تردد؛ لاحتمال دخول السياسة الشرعية في الحكم، وشذوذه غير بعيد؛ لمخالفته النصَّ والاتفاق الذي حكاه ابن حزم (ت ٤٥٦) بأن (إزالة المرء عن نفسه ظلماً بأن يظلم من لم يظلمه قاصداً إلى ذلك لا يحل) (١)، على أن ابن تيمية لم يسلّم بعمومه كما سبق، ويبقى استصحاب الإجماع على تحريم قصد النساء والصبيان الذين لم يقاتلوا بالقتل، ولم أقف على قول يوافق قول الشيخ مع أن الفتوح والقتال قائم في زمانهم أكثر من زماننا، فلو كانت المقابلة من الصور الجائزة لاستثنوها كما استثنوا التتبييت والغارة والتترس ومن شارك، والله أعلم.

стр. 1352

قال أبو جعفر القطيعي دخلت على أبي عبد اللَّه فقلت: (أتوضأ بماء النورة؟ فقال: ما أحب ذلك. قلت: أتوضأ بماء الباقلاء؟ قال: ما أحب ذلك. قلت: أتوضأ بماء الورد؟ قال: ما أحب ذلك. قال: فقمت، فتعلّق بثوبي، ثم قال: إيش تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكتّ، فقال: وإيش تقول إذا خرجت من المسجد فسكتّ. فقال: اذهب فتعلم هذا). طبقات الحنابلة (١/ ٤١)

стр. 1353

المبحث الثالث: جواز بناء الكنائس في بلاد المسلمين وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 1354

(الحذر الحذر من مخالفة الأولين! فلو كان ثم فضل؛ لكان الأولون أحق به). الشاطبي ﵀ الموافقات (٣/ ٢٨٠)

стр. 1355

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الكنائس في اللغة: جمع كنيسة (وهي معربة أصلها كُنْشِت) (١)، (وهي تقع على بيعة النصارى وصلاة اليهود) (٢)، وفي القاموس: (متعبد اليهود أو النصارى أو الكفار) (٣). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، وقد قيل: (الكنيسة متعبد اليهود وتطلق أيضا على متعبد النصارى) (٤)، وقيل: (الكنيسة: موضع صلاة اليهود وجمعها الكنائس، والبِيعَة موضع صلاة النصارى وجمعها البِيَع) (٥)، والأصل التباين (٦)، على أن أحكام المعابد غير الإسلامية واحد، فما يقال في الكنيسة فإنه لايختص به (٧)، ولما ذكر ابن القيم معابد للنصارى ذُكرت في الشروط العمرية المشهورة -وستأتي- قال: (وحكم هذه الأمكنة كلها حكم الكنيسة) (٨). وقبل الشروع في بيان حكم المسألة، يحسن معرفة أقسام أمصار

стр. 1356

المسلمين التي يعيش فيها غير المحاربين، فـ (البلاد التي تفرّق فيها أهل الذمة والعهد ثلاثة أقسام: أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام (١). الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام، فافتتحها المسلمون عنوة (٢)، وملكوا أرضها وساكنيها. الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام، وفتحها المسلمون صلحاً) (٣). وبعبارة أخرى فإنه لا (يخل حالهم من ثلاثة أقسام: أحدها: ما أحياه المسلمون. والثاني: ما فتحوه عنوة. والثالث: ما فتحوه صلحاً) (٤). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. أما جزيرة العرب أو الحجاز؛ فلها عند الفقهاء خصوصية، ولايجوز فيها إحداث الكنائس ولا إبقاؤها، فهي أشد من غيرها في ذلك (٥).

стр. 1357

٢. وأما (ما مصَّره المسلمون كالكوفة والبصرة وبغداد وواسط، فلا يجوز فيها إحداث بيعة، ولا كنيسة، ولا مجتمع لصلاتهم، ولا صومعة بإجماع أهل العلم) (١). ٣. وكذلك (ما فتحه المسلمون عنوة؛ فلا يجوز فيها إحداث شيء بالإجماع، وما كان فيها شيء من ذلك، هل يجب هدمه؟) (٢)، فيه خلاف و (في وجوب هدمها قولان: ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت) (٣)، و (الصحابة ﵃، فتحوا كثيرا من البلاد عنوة، فلم يهدموا شيئاً من الكنائس … ولأن الإجماع قد حصل على ذلك، فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير) (٤).

стр. 1358

٤. وما مافُتح صلحاً؛ فهو على نوعين: (أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لهم، ولنا الخراج عنها، فلهم إحداث ما يحتاجون فيها؛ لأن الدار لهم (١). والثاني: أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين، ويؤدون الجزية إلينا، فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم، من إحداث ذلك، وعمارته) (٢). ٥. والحاصل مما سبق أنه لايجوز إحداث كنيسة بين المسلمين، سواء في البلاد التي أحدثوها أو فتحوها عنوة، وحكي إجماع العلماء على ذلك، وخالف بعض المعاصرين فجوّز إحداثها، وهذا هو الرأي المراد بحثه وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 1359

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا القول من المعاصرين: د. عبدالكريم زيدان (ت ١٤٣٥) (١)، وغيره (٢).

стр. 1360

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ حُكم بعض العلماء عليه بالخطأ ونحوه مما يرادف الشذوذ، ومن ذلك: - قول السبكي (ت ٧٥٦): (فقد سئلت عن ترميم الكنائس أو إعادة الكنيسة المضمحلة … وهذا الترميم يقع السؤال عنه كثيراً ولا سيما في الديار المصرية ويفتي كثير من الفقهاء بجوازه وتخرج به مراسيم من الملوك والقضاة بلا إذن فيه وذلك خطأ بإجماع المسلمين) (١). - وابن عابدين (١٢٥٢) بقوله: (لا يجوز إحداث كنيسة في القرى ومن أفتى بالجواز فهو مخطئ ويحجر عليه … وفي الوهبانية: إنه الصحيح من المذهب الذي عليه المحققون، إلى أن قال: فقد علم أنه لا يحل الإفتاء بالإحداث في القرى لأحد من أهل زمامنا بعدما ذكرنا من التصحيح والاختيار للفتوى، وأخذ عامة المشايخ، ولا يلتفت إلى فتوى من أفتى بما يخالف هذا، ولا يحل العمل به، ولا الأخذ بفتواه، ويحجر عليه في الفتوى، ويمنع، لأن ذلك منه مجرد إتباع هوى النفس وهو حرام) (٢).

стр. 1361

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بتحريم بناء الكنائس في بلاد المسلمين: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصلح قبلتان في أرض»، وفي رواية: «لا تكون قبلتان في بلد واحد» (١). وجه الاستدلال: أن إنشاء الكنيسة فيه إحداث لقبلة في بلد مسلم مع قبلة المسلمين، والنفي في الحديث يراد به النهي وهو أبلغ في المراد. ونوقش الاستدلال بالحديث: بأن الحديث لا يصح موصولاً، قال السبكي: (وفي القلب منه شيء ولا يتبين لي قيام الحجة به وحده) (٢).

стр. 1362

٢/ الدليل الثاني هو ماجاء في الشروط العمرية على النصارى وفيها: (أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها دَيْراً، ولا كنيسة، ولا قلَّاية، ولا صومعة راهب (١)، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي ما كان منها في خطط المسلمين) (٢)، وقول ابن عباس ﵄ عندما سئل: هل للمشركين أن يتخذوا الكنائس في أرض العرب؟ فقال ابن عباس: (أما ما مصَّر المسلمون فلا ترفع فيه كنيسة، ولا بيعة، ولا بيت نار، ولا صليب، ولا ينفخ فيه بوق، ولا يضرب فيه ناقوس، ولا يدخل فيه خمر، ولا خنزير، وما كان من أرض صولحت صلحاً، فعلى المسلمين أن يفوا لهم بصلحهم) (٣).

стр. 1363

وجه الاستدلال: قال السبكي: (أخذ العلماء بقول ابن عباس هذا وجعلوه مع قول عمر وسكوت بقية الصحابة إجماعاً) (١)، وهو واضح في المنع من إحداث الكنائس في بلاد المسلمين. ونوقش الاستدلال بأثر ابن عباس: بأن المقصود به: (الأمصار الإسلامية التي مصّرها المسلمون فلا يقاس عليها غيرها) (٢). والجواب عن هذه المناقشة: - بأن أمصار المسلمين لا يخرج عنها مما بأيدي المسلمين إلا ماصولح الكفار عليه من الأراضي، قال عبدالرزاق بعد إخراجه للأثر: (تفسير ما مصّر المسلمون: ما كانت من أرض العرب، أو أخذت من أرض المشركين عنوة) (٣)، وقال أبوعبيد: (يكون التمصير على وجوه: فمنها البلاد التي يسلم عليها أهلها، مثل المدينة والطائف،

стр. 1364

واليمن، ومنها كل أرض لم يكن لها أهل فاختطها المسلمون اختطاطاً ثم نزلوها، مثل الكوفة والبصرة، وكذلك الثغور، ومنها كل قرية افتتحت عنوة، فلم ير الإمام أن يردها إلى الذين أخذت منهم، ولكنه قسمها بين الذين افتتحوها كفعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر، فهذه أمصار المسلمين، التي لا حظ لأهل الذمة فيها، إلا أن رسول الله ﷺ كان أعطى خيبر اليهود معاملة لحاجة المسلمين كانت إليهم، فلما استغني عنهم أجلاهم عمر، وعادت كسائر بلاد الإسلام، فهذا حكم أمصار العرب) (١)، وقال الطبري: (وأمصار المسلمين ما كان خططاً، أو عنوة مقسومة، أو صلحاً أسلم أهلها عليها مثل الطائف والمدينة) (٢). - فهذه هي أمصار المسلمين التي مصّروها وهذا هو مفهومها عند العلماء، والمُناقش لم يحرم بناء الكنائس إلا على جزيرة العرب، وجوّزها في بقية أمصار المسلمين! فهل أمصار المسلمين لاتعني عنده إلا جزيرة العرب؟ - ثم إن المُناقش لم يتعرض لشروط عمر المشهورة عند الفقهاء، و (هذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها) كما قال ابن تيمية (٣)، قال السبكي: (حتى رأيت في كتب الحنابلة أنه عند الإطلاق يحمل على شروط عمر كأنها صارت معهودة

стр. 1365

شرعاً) (١)، وقال ابن القيم: (شهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها) (٢). ٣/ الدليل الثالث هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. قال الطبري (ت ٣١٠): (وأجمعوا أنه ليس لهم أن يبتدئوا إحداث بيعة ولا كنيسة في أمصار المسلمين التي مصّروها، ولافي شيء من أرض الحجاز) (٣). ٢. قال ابن حزم (ت ٤٥٦) بعد أن ذكر أنهم اتفقوا أن أهل الذمة يدفعون الجزية: (على أن يلتزمواعلى أنفسهم أن لايحدثوا شيئاً في مواضع كنائسهم وسكناهم ولاغيرها، ولا بيعة، ولاديراً، ولاقلّاية، ولاصومعة، ولايجددوا ماخرب منها، ولايحيوا ما دثر)، وذكر أموراً مما يجب التزامهم بها، ثم قال: (فاذا فعلوا كل ما ذكرنا، ولم يبدلوا ذلك الدين الذي صولحوا عليه بين الإسلام، فقد حرمت دماء كل من وفى بذلك وماله وأهله وظلمه، واختلفوا إن لم يف بشيء من الشروط التي ذكرنا ولا بواحد أيحرم قتله وسبي أهله وغنيمة ماله أم لا) (٤). ٣. وقال الطرطوشي (ت ٥٢٠): (وأما الكنائس فإن عمر بن الخطاب ﵁

стр. 1366

أمر بهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة … وكان عروة بن محمد يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين) (١). ٤. وقال ابن هبيرة: (ت ٥٦٠): (واتفقوا على أنه لا يجوز لهم إحداث كنيسة، ولا بيعة في المدن والأمصار في بلاد الإسلام، ثم اختلفوا: هل يجوز إحداث ذلك فيما قارب المدن؟) (٢) فذكر المنع عند الجمهور والجواز عند الحنفية إذا كانت القرية بعيدة (٣). ٥. وقال العمراني (ت ٥٨٨): (رُوِي عن ابن عبَّاس: أنه قال: "أيما مصر مصرته العرب .. فليس للعجم أن يبنوا فيه كنيسة" ولا مخالف له في الصحابة) (٤). ٦. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة) (٥)، وقال: (شروط عمر ﵁، التي اتفقت عليها الصحابة، وسائر الفقهاء بعدهم) (٦)، وقال: (هذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه

стр. 1367

والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة) (١)، وفي الفروع: (ويمنعون من إحداث الكنائس والبيع، ذكره شيخنا إجماعاً، إلا فيما شرطوه فيما فتح صلحاً على أنه لنا) (٢). ٧. وقال ابن القيم (ت ٧٥١): (إن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون؟ قيل: هي على نوعين: أحدهما: أن تحدث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر فهذه تزال اتفاقاً) (٣). ٨. وقال السبكي (ت ٧٥٦): (بناء الكنيسة حرام بالإجماع، وكذا ترميمها) (٤)، وقال: (وقد أخذ العلماء بقول ابن عباس هذا وجعلوه مع قول عمر وسكوت بقية الصحابة إجماعاً) (٥). ٩. وقال قاضي صفد محمد بن عبدالرحمن الدمشقي (ت بعد ٧٨٠ هـ): (اتفقوا على أنه لا يجوز إحداث كنيسة ولابيعة في المدن والأمصار بدار الإسلام. واختلفوا: هل يجوز إحداث ذلك فيما قارب؟) (٦). ١٠. وقال العيني (ت ٨٥٥): (ما مصره المسلمون … فلا يجوز فيها إحداث بيعة، ولا كنيسة ولا مجتمع لصلواتهم ولا صومعة، بإجماع أهل العلم … ما فتحه المسلمون عنوة، فلا يجوز إحداث شيء فيها بالإجماع) (٧). ١١. وقال ابن الهمام (ت ٨٦١): (ما مصره المسلمون … فلا يجوز فيها

стр. 1368

إحداث بيعة ولا كنيسة ولا مجتمع لصلاتهم ولا صومعة بإجماع أهل العلم … ما فتحه المسلمون عنوة فلا يجوز فيها إحداث شيء بالإجماع) (١). ١٢. وقال برهان الدين ابن مفلح (ت ٨٨٤) عن الكنائس والبِيع: (يمنعون من إحداثهما في دار الإسلام إجماعاً) (٢). ١٣. وقال الدردير (ت ١٢٠١): (أما البلد التي اختطها المسلمون (٣) كالقاهرة فلا يجوز الإحداث فيها باتفاق) (٤). ١٤. وقصّ ابن عابدين (ت ١٢٥٢) قصة حدثت في زمنه لإعادة بناء كنيسة في زمنه للنصارى، وقد كانت لليهود، يقول: (طلبوا فتوى على صحة ذلك الإذن، وعلى كونها صارت معبداً للنصارى، فامتنعت من الكتابة … وقلت: إن ذلك غير جائز فكتب لهم بعض المتهورين طمعاً في عرض الدنيا أن ذلك صحيح جائز، فقويت بذلك شوكتهم … وهذه الكنيسة كذلك جعلوها معبداً لهم حادثاً، فما أفتى به ذلك المسكين خالف فيه إجماع المسلمين … ولا شك أن من أفتاهم وساعدهم وقوى شوكتهم يخشى عليه سوء الخاتمة، والعياذ بالله تعالى) (٥).

стр. 1369

١٥. وقال ابن باز (ت ١٤٢٠): (أجمع العلماء ﵏ على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية، وعلى وجوب هدمها إذا أُحدثت، وعلى أن بناءها في الجزيرة العربية؛ كنجد والحجاز، وبلدان الخليج، واليمن، أشد إثماً وأعظم جرماً) (١). ١٦. وفي فتاوى اللجنة الدائمة: (أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية، مثل: الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، … وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أحدثت في أرض الإسلام … وأجمع العلماء -رحمهم الله تعالى- على أن بناء المعابد الكفرية، ومنها الكنائس في جزيرة العرب، أشد إثماً وأعظم جرماً) (٢). ١٧. وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: (يختلف حكم إحداث المعابد في أمصار المسلمين باختلاف الأمصار على النحو التالي: أ - ما اختطه المسلمون كالكوفة والبصرة، فلا يجوز فيها إحداث كنيسة ولا بيعة ولا مجتمع لصلاتهم ولا صومعة بإجماع أهل العلم. ب - ما فتحه المسلمون عنوة، فلا يجوز فيه إحداث شيء بالاتفاق لأنه صار ملكاً للمسلمين، واختلفوا في هدم ما كان فيه … ) (٣). ونوقش الاستدلال بالإجماع:

стр. 1370

- (أن من فقهاء المسلمين من أجاز لأهل الذمة إنشاء الكنائس والبيع وغيرها من المعابد في الأمصار الإسلامية، وفي البلاد التي فتحها المسلمون عنوة … إذا أذن لهم إمام المسلمين) (١). - أما (مامصّره المسلمون كالكوفة والبصرة وبغداد … قال الزيدية: يجوز لهم الإحداث إذا أذن لهم الإمام بذلك … مافتحه المسلمون عنوة … قال ابن القاسم المالكي: يجوز لهم الإحداث إذا أذن لهم الإمام بذلك) (٢). - (ويرى المالكية أنه لا مانع من إحداث كنيسة؛ إن كان في ذلك مصلحة أو ترتب على منع إحداث كنيسة مفسدة أعظم، فيجوز؛ ارتكاباً لأخف الضررين) (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما ما مصّره المسلمون وأحدثوه من البلدان، فقد نقل د. زيدان فيه خلاف الزيدية ثم رجّحه، وهذا لا يعتبر خلافاً، ولا يعتد به في مقابل الإجماع، فإن الزيدية وفاقهم وخلافهم غير معتبر، وقد قال النووي: (قالت الزيدية والقاسمية من الشيعة لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء) ثم قال: (وأما الشيعة فلا يعتد بخلافهم، ومع هذا فهم محجوجون بالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ أمر بالاستنجاء بالأحجار وأذن فيه وفعله) (٤)، وقال
следующие страницы →