← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

رسول الله ﷺ وفيه: «ونهانا عن آنية الفضة» (١). وجه الاستدلال: أن في الخبرين نهياً عاماً عن آنية الذهب والفضة جملة، فهما زائدان حكماً وشرعاً على الأخبار التي فيها النهي عن الشرب فقط أو الأكل والشرب فقط، والزيادة في الحكم لا يحل خلافها (٢). ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال: - أن اللفظ الأصح في الحديثين فيه تخصيص النهي بالشرب والأكل، وهو اللفظ المتفق عليه في كلا الحديثين، وهذا في الصنعة الحديثية (٣)؛ وسلوك الترجيح بين الروايات عند اتحاد

стр. 177

المخرج هو الأصوب عند أهل الفن (١). ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (واختلف العلماء في الشرب في الإناء المفضض، بعد إجماعهم على تحريم استعمال إناء الفضة والذهب في شرب أو غيره) (٢)، وقال: (واختلف العلماء في جواز اتخاذ أواني الفضة، بعد إجماعهم على أنه لا يجوز استعمالها لشرب ولا غيره) (٣). ٢. وقال ابن هبيرة (ت ٥٦٠): (اتفقوا على أن استعمال أواني الذهب والفضة من المأكول والمشروب والطيب وغيره منهي عنه) (٤). ٣. وقال النووي (ت ٦٧٦): (الإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب، وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة، والأكل بملعقة

стр. 178

من أحدهما والتجمر بمجمرة منهما والبول في الإناء منهما وجميع وجوه الاستعمال … ويستوي فى التحريم الرجل والمرأة بلاخلاف) (١). - وهذه الإجماعات صريحة في تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، ومن الإجماعات العامة في تحريم الاستعمال دون التنصيص على الأكل والشرب: ١. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (والعلماء كلهم لا يجيزون استعمال الأواني من الذهب كما لا يجيزون ذلك من الفضة) (٢). ٢. وقال ابن قدامة (ت ٦٢٠): (ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً) (٣). ٣. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): ( … آنية الذهب والفضة فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين: الذكر والأنثى) (٤). ٤. وقال ابن مفلح صاحب المبدع (٥) (ت ٨٨٤) عن استعمال آنية الذهب والفضة: (هذا مما اتُفق على تحريمه) (٦).

стр. 179

٥. وقال الشربيني (ت ٩٧٧) عن آنية الذهب والفضة: «فيحرم) استعماله على الرجل والمرأة والخنثى بالإجماع) (١). ٦. وقال الرملي (ت ١٠٠٤): «فمن المحرم الإناء) من ذهب وفضة بالإجماع للذكر وغيره … ومنه الميل للمرأة وغيرها فيحرم عليهما) (٢). ٧. وقال الدسوقي (ت ١٢٣٠) عن إناء الذهب والفضة: (والحاصل أن اقتناءه إن كان بقصد الاستعمال فحرام باتفاق) (٣)، ونقله الصاوي (ت ١٢٤١) أيضاً (٤). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الإجماع المحكي لايتم مع مخالفة معاوية وداود والشافعي وبعض أصحابه، على أنه لا يخفى على المنصف ما في حجية الإجماع من النزاع والإشكالات التي لا مخلص منها (٥). ويجاب عن ذلك: - أن مخالفة معاوية وداود مما يقر مجوّز الاستعمال بعدم صحتها لمخالفتها النص؛ فكيف يعترض بها، وهو لايسلّم كذلك بما نسب للشافعي من الكراهة، بل هذا عنده على التحريم، ومع ذلك فإن

стр. 180

الإجماع قائم لم يُخرم، ويمكن مناقشة مانسب لمعاوية والشافعي وداود بأمور: - أما مانسب للتابعي معاوية بن قرة (١)؛ فوجدته مسنداً عند ابن أبي شيبة عن أبي داود الطيالسي عن شعبة بن الحجاج أنه قال: سألت معاوية بن قرة، قلت: آتي الضَّبَّانيَّة (٢) فيه فأوتي بقدح من فضة أشرب فيه؟ قال: (لا بأس) (٣)، وقد ترجم عليه ابن أبي شيبة: (في الشرب من الإناء ا لمُفضَّضِ، من رخَّص فيه)، وأورد آثاراً كلها في الشرب في الإناء المُفضَّض أو المُضبّب بفضة، والمقصود بالمُفضَّض، أي: المُموّه أو المُرصَّع بالفضّة (٤)، وليس هذا بخارم للإجماع، لأن الخلاف في الإناء المضبب بفضة محفوظ (٥)، قال ابن عبدالبر: (واختلف العلماء في الشرب في الإناء المفضض،

стр. 181

بعد إجماعهم على تحريم استعمال إناء الفضة والذهب في شرب أو غيره) (١). - وعلى فرض التسليم بأن مراده إناء الفضة، فيعتذر له بأن النهي لم يبلغه (٢)، (ولا شك أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب) (٣)، ومخالفته للنص الصريح لايعكر على الإجماع؛ لشذوذه وعدم معرفة من سبقه من الصحابة، ثم إن من يرى جواز الاستعمال من المتأخرين لا يقول بهذا القول فلا يعد سلفاً له. - وأما مانقل عن الشافعي في القديم (٤) من القول بأن النهي محمول على التنزيه وليس على التحريم؛ فهذا أنكره أكثر الخراسانيين من الشافعية (٥)، و قد اتفقوا على ضعف قوله القديم (٦)، وعلى فرض

стр. 182

التسليم به فإن قوله في الجديد هو التحريم (١)، وهو الصحيح المعتبر، فلا يعكر القديم على الإجماع، كما قال النووي: (والصحيح عند أصحابنا وغيرهم من الأصولين أن المجتهد إذا قال قولاً ثم رجع عنه لايبقي قولاً له ولاينسب إليه، قالوا: وإنما يذكر القديم وينسب إلى الشافعي مجازاً، وباسم ما كان عليه، لا أنه قول له الآن، فحصل مما ذكرناه أن الإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب، وإناء الفضة) (٢). - وأما مانُسب لداود الظاهري (٣) من القول بأن المحرم هو الشرب

стр. 183

فقط؛ فهذا كما قال النووي: (غلط فاحش) (١)؛ لمخالفته للنص الصريح، (ولا شك أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب) (٢)، ومخالفته للنص الصريح لايعكر على الإجماع؛ لشذوذه وعدم معرفة من سبقه من الصحابة، (وإجماع من قبل داود حجة عليه) (٣)، ثم إن من يرى جواز الاستعمال من المتأخرين لا يقول بهذا القول فلا يعد سلفاً له، وعلى فرض أن النص لم يرد إلا في الشرب كقوله ﷺ : «الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (٤)، حيث لم يذكر الأكل في حديث أم سلمة هذا، وكذلك حديث البراء ﵁ وقد سبق ذكره، فجوابه: - أن النهي عن الأكل ثبت من حديث حذيفة في الصحيحين (٥)، ومن حديث أنس بن مالك (٦)، ومن حديث علي بن أبي

стр. 184

طالب (١) ﵃. - وعلى فرض عدم ثبوت الأكل، فإن التنصيص على الشرب تنبيه على الأكل، فالأكل أولى؛ لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف، بل فيه تنبيه على جميع الاستعمالات؛ لأنها في معناه؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (٢)، وجميع أنواع الاستيلاء في معنى الأكل بالإجماع، وإنما نبه بالأكل في الربا؛ لكونه الغالب، كما نبه بالشرب في الآنية لكونه الغالب (٣). - والجواب السابق كله (على قول من يعتد بقول داود في الإجماع والخلاف وإلا فالمحققون يقولون: لايعتد به؛ لإخلاله بالقياس وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتد به) (٤)، هذا كلام النووي والمسألة فيها خلاف، ومن أعدل الأقوال في خلاف داود ماقاله الذهبي موافقاً لشيخه ابن تيمية: (لا ريب أن كل مسألة انفرد بها،

стр. 185

وقطع ببطلان قوله فيها، فإنها هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص، وسبقه إليها صاحب أو تابع، فهي من مسائل الخلاف، فلا تهدر) (١)، وقد شنّع ابن تيمية على الظاهرية في بعض أصولهم، فقال: (ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر … وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا) (٢). - والخلاصة: أن مانقل عن معاوية بن قرة الظاهر أن المراد به الآنية المضببة بفضة، وإن كان مراده جواز الشرب من آنية الفضة فهذا قول شاذ معارض للنص الصريح فلايعتد به، وما نقل عن الشافعي فقد رجع عنه، والعبرة بما استقر عليه رأيه، ومانسب إلى داود فمخالف للنص الصريح، ومع شذوذه فالإجماع سابق له، والله أعلم. - تنبيه: نسب بعضهم إلى أبي الحسن التميمي الحنبلي كراهة استعمالهما في غير الأكل والشرب، وهذا وهم، فقوله المنقول في الاتخاذ لا في الاستعمال (٣).

стр. 186

٣/ أما الدليل الثالث، فهو القياس على الأكل والشرب: فغير الأكل والشرب فيه المعنى نفسُه من الهيئة والحالة المنافية للعبودية (١)، والتشبه بالكافرين (٢)؛ وذكر الأكل والشرب في الحديث خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك لا يتقيد الحكم به (٣)، وليس له مفهوم مخالفة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤)، والرهن في الحضر كالسفر، لكن تَعَذُّر الكاتب يكون غالباً في السفر، ثم إن التحريم إذا كان في الأكل والشرب وهما من العادات فتحريمهما في العبادات كالوضوء أولى (٥).

стр. 187

ونوقش هذا الاستدلال: بأن القياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق؛ فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بآنية من فضة، وذلك مناط معتبر (١)، ولهذا لما رأى رسول الله ﷺ في يد رجل خاتماً من ذهب قال: «ما لَكَ وَلِحُلِيِّ أهل الجنة؟» (٢). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن هذا التعليل غريب (٣)، ولا يُسلم به، فحديث «ما لَكَ وَلِحُلِيِّ أهل الجنة؟» ضعيف، ولايُعرف النهي عن التشبه بأهل الجنة، وكم من الطيبات التي أباحها الله للمؤمنين في الدنيا وأثبتها بأسمائها في نعيم أهل الجنة كالماء واللبن و العسل ونحوها (٤)، وتمدح المرأة الملازمة لخدرها مع تشبهها بنساء الجنة المقصورات في الخيام! المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز استعمال آنية الذهب و الفضة في غير الأكل والشرب: استدل من يرى تخصيص النهي الوارد بالأكل والشرب بأدلة منها:

стр. 188

١/ حديث حذيفة ﵁ مرفوعاً: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ وهو أبلغ الناس نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل والشرب، ولو أراد النبي ﷺ بيان تحريم كل استعمال لصرَّح به (٢)، وقال: لا تستعملوا، فلا نستدل بالأخص على الأعم، بل لا بد أن يكون أعم من المدلول أو مساوياً له (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن جميع أنواع الاستعمالات للآنية في معنى الأكل والشرب بالإجماع؛ وإنما خص الأكل والشرب في الحديث لأن هذا هو الأغلب في استعمال الآنية فلامفهوم له (٤)؛ كقوله تعالى في المحرمات من النساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (٥)، وقوله ﷺ : «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» (٦)، فتخصيص ذكر الحجر والأحجار؛ لأنهما الغالب؛ إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في حجر الزوج وتربيته،

стр. 189

وأن الاستنجاء لا يكون غالباً إلا بالحجارة (١). وأجيب عن هذه المناقشة: بأن مظهر الترف في الأكل والشرب أبلغ منه في غير ذلك، وهذه علة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب، فالأواني الظاهرة في الأكل والشرب ليست مثل من يستعملها في حاجات تخفى على كثير من الناس (٢). ويمكن الجواب عن هذا الجواب: - بأنه لايسلم بأن العلة هي مظهر الترف الذي يكسر قلوب الفقراء، وهذه العلة منتقضة، (فكسر قلوب المساكين لا ضابط له؛ فإن قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللذيذة، وغير ذلك من المباحات) (٣)، والأقرب إلى النص في التعليل هو منع التشبه بالكافرين: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٤)، قال ابن رشد الجد: (إنما جاء النهي عن الأكل والشرب في آنية الفضة والذهب من جهة التشبه بالأعاجم) (٥).

стр. 190

- أما القول: (بأن الدليل لابد أن يكون أعم من المدلول أو مساوياً له) (١)، فجوابه: أن ذلك لايسلم به، وقد قال ابن تيمية: (ليس من ضرورة الدليل أن يكون أعم أو أخص، بل لا بد في الدليل من أن يكون ملزوماً للحكم) (٢)، وعلى فرض التسليم بذلك فإن القياس فيه تعميم للعلة، وهي مستنبطة من النص. ٢/ الدليل الثاني حديث عثمان بن عبدالله بن موهب، قال: (كان عند أم سلمة أم المؤمنين جُلجُل (٣) من فضة فيه شعرات من شعر رسول الله ﷺ ، وكان إذا أصاب إنساناً عين أو اشتكى بعث بإناء فخضخض (٤) فيه، ثم شربه، وتوضأ منه … ) (٥).

стр. 191

وجه الاستدلال: أن أم سلمة وهي راوية حديث النهي عن الشرب بالفضة، كان عندها جلجل من فضة فيه شعر للنبي ﷺ يستشفي به الناس، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور: - أن ذكر الفضة في هذا الأثر ليس بموقوف على الصحابي، بل مقطوع على التابعي، أو من بعده وهو إسرائيل بن يونس، وهو ظاهر صنيع البخاري. - ممايوضح ذلك رواية البخاري للأثر، يقول عثمان بن عبدالله بن موهب: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ بقدح من ماء - وقبض إسرائيل ثلاث أصابع - من قُصَّةٍ (٢)، فيه شعر من شعر النبي ﷺ ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مِخْضَبَهُ (٣)، فاطلعت في الجلجل، فرأيت شَعَرَاتٍ حُمْرًا) (٤).

стр. 192

- فيحتمل في موضع شاهد هذا الأثر أنه بلفظ (القصّة) أو لفظ (الفضة)، ويحتمل أن هذا وصف للقدح الذي جاء به عثمان، أو هو وصف لجلجل أم سلمة، ويحتمل أنه من فضة خالصة، أو هو مموه ومضبب بالفضة، ويحتمل أن الترخيص في الإناء الصغير دون الكبير، ويحتمل أن هذا من قبيل الاستعمال، أو أنه من قبيل الحفظ والاتخاذ (١)، والاحتمالات تضعف الاستدلال، وعلى كل حال واحتمال ليس هو من الموقوف على أم سلمة ﵂ حتى يمكن أن يُعارض به ماروته. - يوضح ذلك كماسبق في تخريج الحديث: أن الحديث مداره على عثمان بن عبدالله بن موهب، ويرويه عنه خمسة من الرواة كلهم ليس في روايتهم ذكر للفضة إطلاقاً، وتفرد بذكر الفضة: إسرائيل بن يونس، وقد اختلف أيضاً فيها عليه: فرواية المصعب بن قدام عنه ليس فيها ذكر للفضة، وذكرها بعضهم عنه بلفظ (قُصة) كما في البخاري، وذكرها غيرهم عنه بلفظ الفضة، وعلى فرض ثبوت لفظ (الفضة) عنه فهذا من اجتهاده، ويدل عليه قول البخاري: (وقبض إسرائيل ثلاث أصابع) إذا كان هذا وصفاً لمقدار الفضة. - وعلى فرض ثبوته من إقرار أم سلمة ﵂ أو فعلها، فالفعل والإقرار أضعف دلالة من القول؛ لاحتماله، إضافة إلى أن قول الصحابي عند الشوكاني (٢) ليس بحجة بَلْهَ فعله

стр. 193

وإقراره (١)، فكيف إذا كان هذا النص المحتمل تفرد به هذا الصحابي، أو كان مخالفاً للمرفوع؟، قال الشوكاني: (قول الصحابي ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا عارض المرفوع)؟! (٢). - ثم إن هذا الأثر في البخاري تحت نظر العلماء، ولم يستدلوا به على تجويز استعمال الفضة، وقد ساقه البخاري في موضع واحد من ثلاثة طرق أحدها طريق إسرائيل الذي تفرد بالزيادة، وترجم له: (باب ما يذكر في الشيب) ولم يبوّب على المعنى الذي زاده إسرائيل، وجعله الطبري في أحاديث تغيير الشيب والخضاب، وبوّب عليه البيهقي في الدلائل: (باب ذكر شيب ﷺ وما ورد في خضابه)، ولم أقف على أحد استدل به على جواز استعمال الفضة في غير الأكل والشرب مطلقاً قبل الشوكاني. ٣/ واستدلوا أيضاً: بالبراءة الأصلية، و أن الأصل الحل فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم (٣)، ويؤيد هذا الأصل حديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها» (٤)، ولو كانت محرمة في كل

стр. 194

استعمال؛ لأمر النبي ﷺ بتكسيرها كما أمر بهتك الصور (١). ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن الاستدلال بالبراءة الأصلية إنما يتم عند عدم الدليل، فهو آخر مدار الفتوى، (فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله لم أجد دليلاً على هذا؛ لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل) (٢)، وقد قام دليل الإجماع وغيره. - وأما الحديث؛ فضعيف، لتفرد أَسِيدِ البرَّاد، وتحريم الذهب المحلق في أوله منكر، وعلى فرض ثبوته فقد أشار ابن شاهين (٣)، والبيهقي إلى نسخه.

стр. 195

- ثم قوله: «فالْعبوا بها» سياقه في النساء (١)، ومعنى الحديث: أن الذهب كان حراماً على النساء، وقال لهم ترخيصاً: «العبوا بالفضة»، أي: حلّوا نساءكم منها بما شئتم، ثم نسخ تحريم الذهب على النساء؛ ولذا قال في أوله: «من أحب أن يحلق حبيبه» فدلّ ذلك على أن المراد بقوله: «فالعبوا بها»، أي: حلوا بها أحبابكم كيف شئتم; لارتباط آخر الكلام بأوله (٢)، وهو في بابِ اللبس والتحلي وليس الاستعمال، وبابُ التحلي أوسع، وأما عدم الأمر بتكسيرها؛ فلأن حرمتها ليست لعينها؛ كحرمة الخمر، وإنما لوصفها حال كونها آنية مستعملة، ويمكن حفظ المال وتحلي النساء فيها، والله أعلم. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بجواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، ولم يثبت بعد البحث قول معتبر يصح أن تُخرم به الإجماعات المنقولة عن علماء الأمة (٣)، ولايعرف من قرَّر هذا القول قبل الصنعاني، والله أعلم.

стр. 196

(يرحم الله السَّلف الصالح فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء، فإياك أن تلعب بدينك). أبو العباس القرطبي ﵀ المفهم (٦/ ٢٠٨)

стр. 197

المبحث السادس: تحريم ختان الإناث وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 198

(وكم من حديث منسوخ وهو صحيح من حيث الصناعة الحديثية). ابن حجر ﵀ فتح الباري (١/ ٣٩٧)

стр. 199

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: الخِتان لغة: مصدر خَتَنَ يختِنُ خَتْناً فهو مختون (١)، (والخَتْنُ: القَطْعُ) (٢)، (وقد يؤنث بالهاء فيقال: خِتانة، فالغلام مختون والجارية مختونة) (٣)، وختانة الجارية يطلق عليها أيضاً: الخفض، فيقال: جارية مخفوضة، أي: مختونة (٤)، و الإعذار: الختان، ويطلق أيضاً على وليمة الختان (٥)، وقيل: يسمى ختان الرجل إعذاراً، وختان المرأة خفضاً (٦). أما الختان في الاصطلاح؛ فهو في الغلام: قطع الجلدة الساترة للحشفة؛ بحيث تنكشف جميع الحشفة (٧)، وفي الجارية: قطع بعض جلدة عالية مشرفة على الفَرج، تشبه عرف الديك، أو هو: إزالة ما بالفرج من الزيادة (٨).

стр. 200

- وقد جاء في الحديث المتفق عليه: «الفطرة خمس» وذكر منها: «الختان» (١)، ومعنى الفطرة هنا عند أكثر العلماء: أنها من سنن الأنبياء ﵈ (٢)، ولايختص ذلك بالرجل كما لايختص نتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظفار به، قال الإمام مالك: (من الفطرة ختان الرجال والنساء) (٣)، (وأجمع العلماء على أن إبراهيم ﵇ أول من اخْتَتَن) (٤)، وقد جاء في الصحيحين مرفوعاً: «اختتن إبراهيم النبي ﵇، وهو ابن ثمانين سنة بالقَدُوم» (٥)، وهذا الاختتان من الكلمات التي ابتلاه الله بهن (٦).

стр. 201

- ومن الأدلة الخاصة على ختان الإناث ماروي عن النبي ﷺ أنه قال لأم عطية: «إذا خفضت فأشمِّي ولا تَنْهِكي، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج» (١)، وقد شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة، وقوله «لاتَنْهِكي» أي: لا تبالغي في استقصاء الختان، والمعنى: اقطعي بعض البظر أو النواة ولا تستأصليها (٢). - قال ابن تيمية: (المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة (٣)، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها؛ فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة … وإذا حصلت المبالغة في

стр. 202

الختان ضعفت الشهوة؛ فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال) (١). - ومما هو مهمٌ في فهم المسألة: أن قضية ختان الإناث لم تكن محل إشكال عند المسلمين إلا في القرن الرابع عشر، فقد حصل فيها نقاشات كثيرة، وبخاصة في الديار المصرية، وأول قانون صدر ضد ختانهن كان سنة (١٣٦٥ هـ)، من إدارة المستعمرات الإنجليزية في السودان. - وفي سنة (١٣٧٠) نشرت مجلة (الدكتور) في مصر ملحقاً خاصاً عن أضرار ختان الإناث، وفي نفس السنة بدأت مجلة (لواء الإسلام) بنشر فتاوى العلماء والرد على هذا الملحق (٢)، وفي سنة (١٣٧٨) صدر قرار بمنع الختان في وحدات وزارة الصحة في مصر، ولم يتوقف الناس عن ختان الإناث؛ لأنه لم يمنع إلا في المستشفيات الحكومية، ثم تتابعت الحملات وانعقدت المؤتمرات لمحاربته، ومنظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة لها دور في ذلك، وقد جعلت ختان الإناث من تشويه الأعضاء التناسلية! وفي سنة (١٤٠٢) أصدرت بياناً صرحت فيه بمحاربة هذه الممارسة، وكلما أثيرت حملة خرج من يرد عليها من الشرعيين والأطباء وتدرج ذلك في مراحل، ومن المراحل المهمة سنة (١٤١٥) حيث عرضت القناة الأمريكية (سي إن إن) تصويراً فيه عمليّة ختان لفتاة على يد أحد الحلاقين، وتم فيه التركيز على الرعب والصراخ الهستيري الذي أصابها، وقد أثار ذلك ضجّة للرأي العام المصري والعالمي (٣)، وفي سنة (١٤٣٠) أقرّ البرلمان

стр. 203

المصري بقانون يجرم ختان الإناث، وفي سنة (١٤٣٤) دعت الأمم المتحدة ثلاثاً وتسعين، ومائة (١٩٣) دولة إلى حظر ختان الإناث، وعُقدت كذلك في لندن قمة دولية لمكافحة ختان الإناث. - وقد قال أحد علماء مصر عن هذه الحملات: (إنها حملات باغية) (١)، بل إن هناك مايسمى باليوم العالمي لرفض ختان الإناث، وفي مصر هناك يوم أسموه: (اليوم الوطني لمناهضة ختان الإناث)، وقد شاركت دار الإفتاء المصرية بفعاليات هذا اليوم في تاريخ (١٤/ ٨/ ١٤٣٤ هـ)، وأكدت فيه تحريم ختان الإناث (٢)، وأخيراً ففي تاريخ (٢٠/ ٨/ ١٤٣٥ هـ) نُشر هذا الخبر: (مصر تؤكد للأمم المتحدة الْتزامها بمكافحة ختان الإناث) (٣). وبعد: فهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع، حتى تتضح المسألة المراد بحثها: ١. اتفق العلماء على مشروعية الختان للرجال (٤)، واتفقوا على مشروعيته للإناث (٥).

стр. 204

٢. وصرّح عامة الفقهاء على أن ختانها المشروع يكون بقطع جزء يسير من بظرها (١). ٣. ولم يختلف الفقهاء في حرمة استئصال غالب أو كل الأعضاء التناسلية للمرأة، وأن ذلك لايسمى (ختاناً) وإنما هو (جناية)، توجب القصاص أو الدية (٢). ٤. ثم اختلفوا في وجوبهما (٣)، ولم يخالف أحد في مشروعية الختان للذكور والإناث، وخالف بعض المعاصرين في مشروعية الختان للإناث؛ فحرمه أو قال بعدم مشروعيته، وهذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 205

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: - محمود شلتوت (١) (ت ١٣٨٣) (٢)، ود. محمد سيد طنطاوي (٣) (ت ١٤٣١) (٤)، أفتيا بعدم المشروعية.

стр. 206

- … د. علي جمعة (١)، وغيره (٢)، أفتيا بالتحريم أو المنع.

стр. 207

- والتحريم هو قول دار الإفتاء المصرية مؤخراً (١). ولم أقف بعد البحث على قائل سبقهم إلى القول بعدم مشروعية ختان الإناث أو تحريمه.

стр. 208

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة النص الصريح. ٢/ مخالفة الإجماع، وتفصيلهما في المطلب الرابع. ٣/ ولم أقف على من نصّ بأن هذا الرأي شاذ (١). المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بمشروعية ختان الإناث: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الفطرة خمس» وذكر منها: «الختان» (٢)، وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب

стр. 209

الغسل» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ذكر الختان من السنن، والأصل اشتراك النساء مع الرجال في التشريع إلا لمخصص (٢)، وفي حديث عائشة نص على ختان الرجل والمرأة: «ومس الختان الختان» (٣)، فلو كان محرماً أو مكروهاً لنبّه عليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز. وقد نوقش هذا الاستدلال: بأن الختان لايطلق في اللغة على الأنثى فيحمل على ختان الرجل، وأما لفظ: «الختانان» فقد خرج مخرج الغالب، وهو مسوق لحكم الغسل، لا مشروعية الختان فلا دلالة فيه؛ لأن الدليل إذا سيق لمعنى فلا يصرف إلى غيره (٤). ويمكن الجواب عن ذلك بأمور: - و قبل تفصيل الجواب عن المناقشة، فإنه يلحظ على هذه المناقشة أن فيها تأويلاً للنص، وصرفاً عن الظاهر، وإبطالاً للحقيقة،

стр. 210

وإهمالاً لبعض الكلام، وكل هذا خلاف الأصل (١)، إضافة إلى أن فيه فهماً حادثاً للنص لم أقف على من سبق إليه. - أما كون الختان في اللغة لا يطلق على الأنثى فهذا خطأ؛ لأن أصل الختن: القطع (٢)، وهو حاصل في الذكر والأنثى، قال في اللسان: (خَتَنَ الغلام والجارية يختنهما … ) (٣). - وأما لفظ: «الختانان» فلايسلّم به؛ لأن اللفظ الذي أثبته الإمام مسلم هو: « … ومس الختان الختان» فقط، وهذا اللفظ لايصح معه دعوى التغليب (٤). - وعلى فرض التسليم باللفظ الآخر: «الختانان»، فإن ذلك لاينفي ختان الأنثى؛ فإن المقصود بذلك اللفظ: ختان الذكر وختان الأنثى، ولفظ مسلم يفسر هذا المقصود، وتفسير السنة بالسنة أولى، ثم إن هذا هو الحقيقة في اللفظ وهي مقدمة على غيره. - و على فرض التسليم أيضاً، بأن اللفظ ليس للتثنية الحقيقية بل فيه تغليب فإن العلماء لم ينفوا ختان الأنثى، وإنما قالوا: يسمى خفاضاً؛ كما قال العيني عن لفظ الختانين: (يعني: ختان الرجل، وختان المرأة، وقال بعضهم: المراد بهذه التثنية ختان الرجل، وخفاض المرأة، وإنما ثنيا بلفظ واحد تغليباً) (٥).

стр. 211

- وأما السياق؛ فهو وإن كان للغسل إلا أنه نصَّ على الختان (١)، وهذا في أقل أحواله يدل على الجواز، ثم إن حديث الفطرة سيق لبيان مشروعية الختان. - ثم إن قاعدة: الدليل إذا سيق لمعنى فلايستدل به في غيره (٢)؛ ليست مطلقة وإلا لأبطلنا بذلك دلالة الإشارة وماهو أظهر منها، و دلالة السياق إنما يحسن الاستدلال بها عند التعارض مع نص آخر هو أخص في المسألة، و هنا لا يوجد نص يعارض به مشروعية ختان الإناث، و يهمل بعض كلام النبي ﷺ (٣) من أجله، كيف والدليل الآخر «خمس من الفطرة» يؤيد دلالة «الختانان» المذكورة ولا يعارضها؟! ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على مشروعية ختان الإناث، وجوازه غير واحدٍ من العلماء: ١. قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا أن من ختن ابنه فقد أصاب، واتفقوا على إباحة الختان للنساء) (٤).

стр. 212

٢. قال ابن هبيرة (ت ٥٦٠): (اتفقوا على أن الختان في حق الرجال، والخفاض في حق الأنثى مشروع، ثم اختلفوا في وجوبه) (١). ٣. وقال ابن القيم (ت ٧٥١): (لا خلاف في استحبابه للأنثى، واختُلف في وجوبه) (٢). ٤. قال ابن رجب (ت ٧٩٥): (وختان المرأة مشروع بغير خلاف، وفي وجوبه عن أحمد روايتان) (٣). ٥. وقال الشيخ علَّام نصّار (٤) (ت ١٣٨٦): (واتفقت كلمة فقهاء المسلمين وأئمّتهم على مشروعيّته مع اختلافهم في كونه واجباً أو سُنّة) (٥). ٦. وقال الشيخ جاد الحق (٦) (ت ١٤١٦): (الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال والخفاض في حق الإناث مشروع)، وقال أيضاً: (اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الختان للرجال والنساء من فطرة الإسلام وشعائره، وأنه أمر محمود، ولم ينقل عن أحد من فقهاء المسلمين فيما طالعنا من كتبهم التي بين أيدينا القول بمنع الختان للرجال أو للنساء، أو عدم جوازه أو إضراره بالأنثى) (٧).

стр. 213

٧. وقال د. محمد سيد طنطاوي (ت ١٤٣١): (الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال، والخفاض في حق النساء أمر مشروع، ثم اختلفوا في وجوبه) (١)، ثم رأى د. محمد سيد طنطاوي بعد ذلك عدم المشروعية. ٨. وقال د. علي جمعة: (اتفق الفقهاء على أن الختان في حق الرجال والخفاض في حق النساء مشروع) (٢)، ثم رأى د. علي جمعة بعد ذلك التحريم. - تنبيه: لايرد على الإجماع قول ابن الحاج: (واختُلف في حقهن هل يخفضن مطلقاً، أو يفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب، فأهل المشرق يؤمرون به؛ لوجود الفضلة عندهن من أصل الخلقة، وأهل المغرب لا يؤمرون به؛ لعدمها عندهن، وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد مختوناً، فكذلك هنا سواء بسواء) (٣)، فهذه مسألة أخرى خلافية وهي؛ كختان من ولد مختوناً، وهذه في خفاض من ولدت مخفوضة ليس فيها شيء زائد، وقد قال الجويني: (لو ولد مختوناً بلا قلفة فلا ختان لا إيجاباً ولا استحباباً) (٤).

стр. 214

المسألة الثانية: أدلة القائلين بتحريم ختان الإناث أو عدم مشروعيته: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ أنه لايصح في ختان الإناث دليل، كما قال ابن المنذر: (ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تتبع) (١)، وقال ابن عبدالبر: (والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال) (٢)، فلا يثبت دليل على مشروعيته، ولم يرد أن النبي ﷺ ختن بناته (٣). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور: - أما دعوى عدم الدليل فالجواب عنها في الدليل الأول والثاني من أدلة القائلين بمشروعية ختان الإناث وقد سبقا وفيه حديثان متفق عليهما (٤)، وفيه نقل للاتفاق على المشروعية، مما يقوي دلالة الحديثين، و يرفع درجتهما من الظن إلى القطع. - و أما قول ابن المنذر: (ليس في الختان خبر يرجع إليه … ) فليس هذا سياقه ولا نصه، وسياقه الصحيح في وقت الختان وليس في مشروعيته (٥)، وليس هذا نص كلام ابن المنذر، بل هو منقول

стр. 215

بالمعنى، ونص كلامه يدل على عكس ما سيق لأجله هنا، وهذا هو نص كلامه من كتابه: (ليس في باب الختان نهي ثبت، ولا لوقته خبر يرجع إليه، ولا سنة تتبع، وتستعمل الأشياء على إباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة) (١). - و أما قول ابن عبدالبر: (والذي أجمع المسلمون عليه … )، فله تتمة تبين أن الكلام له علاقة بكلام سابق وليس هو كلام مطلق، وكلامه بتمامه: (والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال على ما وصفنا) (٢)، فالكلام له ارتباط بكلام سابق، ويحتمل رجوع الضمير إلى قوله: (وأجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن)؛ لأنه أقرب مذكور ذُكر فيه الإجماع، أو إلى قوله: (قص الشارب، والختان، من ملة إبراهيم لا يختلفون في ذلك) (٣)؛ لأنه أقرب مذكور ذكر فيه نفي الخلاف، وفيه وصف يمكن تحققه في الرجال يقيناً، وهو: أن الختان من ملة إبراهيم للرجال بالإجماع. - ثم إن قول ابن عبدالبر ولو افترضنا إطلاقه فلا يلزم منه عدم وجود اتفاق في مشروعية ختان الأناث؛ لأنه لم ينفه، وقد أثبته غيره من العلماء، بل لايبعد أن نقول: إن ابن عبدالبر لايعلم خلافاً في استحباب ختان الإناث؛ حيث لم يذكر خلافاً على استحبابه في موسوعتيه: "التمهيد" و" الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء
следующие страницы →