← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- وأما السياق؛ فهو وإن كان للغسل إلا أنه نصَّ على الختان (١)، وهذا في أقل أحواله يدل على الجواز، ثم إن حديث الفطرة سيق لبيان مشروعية الختان. - ثم إن قاعدة: الدليل إذا سيق لمعنى فلايستدل به في غيره (٢)؛ ليست مطلقة وإلا لأبطلنا بذلك دلالة الإشارة وماهو أظهر منها، و دلالة السياق إنما يحسن الاستدلال بها عند التعارض مع نص آخر هو أخص في المسألة، و هنا لا يوجد نص يعارض به مشروعية ختان الإناث، و يهمل بعض كلام النبي ﷺ (٣) من أجله، كيف والدليل الآخر «خمس من الفطرة» يؤيد دلالة «الختانان» المذكورة ولا يعارضها؟! ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على مشروعية ختان الإناث، وجوازه غير واحدٍ من العلماء: ١. قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا أن من ختن ابنه فقد أصاب، واتفقوا على إباحة الختان للنساء) (٤).

стр. 212

٢. قال ابن هبيرة (ت ٥٦٠): (اتفقوا على أن الختان في حق الرجال، والخفاض في حق الأنثى مشروع، ثم اختلفوا في وجوبه) (١). ٣. وقال ابن القيم (ت ٧٥١): (لا خلاف في استحبابه للأنثى، واختُلف في وجوبه) (٢). ٤. قال ابن رجب (ت ٧٩٥): (وختان المرأة مشروع بغير خلاف، وفي وجوبه عن أحمد روايتان) (٣). ٥. وقال الشيخ علَّام نصّار (٤) (ت ١٣٨٦): (واتفقت كلمة فقهاء المسلمين وأئمّتهم على مشروعيّته مع اختلافهم في كونه واجباً أو سُنّة) (٥). ٦. وقال الشيخ جاد الحق (٦) (ت ١٤١٦): (الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال والخفاض في حق الإناث مشروع)، وقال أيضاً: (اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الختان للرجال والنساء من فطرة الإسلام وشعائره، وأنه أمر محمود، ولم ينقل عن أحد من فقهاء المسلمين فيما طالعنا من كتبهم التي بين أيدينا القول بمنع الختان للرجال أو للنساء، أو عدم جوازه أو إضراره بالأنثى) (٧).

стр. 213

٧. وقال د. محمد سيد طنطاوي (ت ١٤٣١): (الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال، والخفاض في حق النساء أمر مشروع، ثم اختلفوا في وجوبه) (١)، ثم رأى د. محمد سيد طنطاوي بعد ذلك عدم المشروعية. ٨. وقال د. علي جمعة: (اتفق الفقهاء على أن الختان في حق الرجال والخفاض في حق النساء مشروع) (٢)، ثم رأى د. علي جمعة بعد ذلك التحريم. - تنبيه: لايرد على الإجماع قول ابن الحاج: (واختُلف في حقهن هل يخفضن مطلقاً، أو يفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب، فأهل المشرق يؤمرون به؛ لوجود الفضلة عندهن من أصل الخلقة، وأهل المغرب لا يؤمرون به؛ لعدمها عندهن، وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد مختوناً، فكذلك هنا سواء بسواء) (٣)، فهذه مسألة أخرى خلافية وهي؛ كختان من ولد مختوناً، وهذه في خفاض من ولدت مخفوضة ليس فيها شيء زائد، وقد قال الجويني: (لو ولد مختوناً بلا قلفة فلا ختان لا إيجاباً ولا استحباباً) (٤).

стр. 214

المسألة الثانية: أدلة القائلين بتحريم ختان الإناث أو عدم مشروعيته: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ أنه لايصح في ختان الإناث دليل، كما قال ابن المنذر: (ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تتبع) (١)، وقال ابن عبدالبر: (والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال) (٢)، فلا يثبت دليل على مشروعيته، ولم يرد أن النبي ﷺ ختن بناته (٣). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور: - أما دعوى عدم الدليل فالجواب عنها في الدليل الأول والثاني من أدلة القائلين بمشروعية ختان الإناث وقد سبقا وفيه حديثان متفق عليهما (٤)، وفيه نقل للاتفاق على المشروعية، مما يقوي دلالة الحديثين، و يرفع درجتهما من الظن إلى القطع. - و أما قول ابن المنذر: (ليس في الختان خبر يرجع إليه … ) فليس هذا سياقه ولا نصه، وسياقه الصحيح في وقت الختان وليس في مشروعيته (٥)، وليس هذا نص كلام ابن المنذر، بل هو منقول

стр. 215

بالمعنى، ونص كلامه يدل على عكس ما سيق لأجله هنا، وهذا هو نص كلامه من كتابه: (ليس في باب الختان نهي ثبت، ولا لوقته خبر يرجع إليه، ولا سنة تتبع، وتستعمل الأشياء على إباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة) (١). - و أما قول ابن عبدالبر: (والذي أجمع المسلمون عليه … )، فله تتمة تبين أن الكلام له علاقة بكلام سابق وليس هو كلام مطلق، وكلامه بتمامه: (والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال على ما وصفنا) (٢)، فالكلام له ارتباط بكلام سابق، ويحتمل رجوع الضمير إلى قوله: (وأجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن)؛ لأنه أقرب مذكور ذُكر فيه الإجماع، أو إلى قوله: (قص الشارب، والختان، من ملة إبراهيم لا يختلفون في ذلك) (٣)؛ لأنه أقرب مذكور ذكر فيه نفي الخلاف، وفيه وصف يمكن تحققه في الرجال يقيناً، وهو: أن الختان من ملة إبراهيم للرجال بالإجماع. - ثم إن قول ابن عبدالبر ولو افترضنا إطلاقه فلا يلزم منه عدم وجود اتفاق في مشروعية ختان الأناث؛ لأنه لم ينفه، وقد أثبته غيره من العلماء، بل لايبعد أن نقول: إن ابن عبدالبر لايعلم خلافاً في استحباب ختان الإناث؛ حيث لم يذكر خلافاً على استحبابه في موسوعتيه: "التمهيد" و" الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء

стр. 216

الأمصار" (١)، بل نص على استحبابه عن جماعة العلماء بقوله: (ورأى مالك والشافعي وأبو حنيفة للكبير أن يختتن إذا أسلم، واستحبوه للنساء) (٢). - أما القول بأنه ﷺ لم يختن بناته، والاستدلال بذلك على عدم المشروعية، فهذا غريب، وليس من شرط السنة أن يجتمع الفعل مع القول، بل قد تثبت السنة بالإقرار ولو لم يرد فعل منه ﷺ ، فكيف بما ثبت بالقول وهو أقوى وأصرح؟! وكيف إذا أضيف إليه اتفاق العلماء على المشروعية؟! وهذا القول يلزم منه إبطال السنن التي لم تثبت إلا بالقول، ومن اللوازم القريبة أن يُبطل مشروعية ختان الذكر (٣)! - ومن المسالك الأصولية في إثبات الفعل للنبي ﷺ ماذكره الزركشي من أنه إذا قام الإجماع على أن إحدى صورتي الفعل أفضل من الأخرى، ف (العلم الضروري حاصل بأن أفضل الخلق لا يواظب على ترك الأفضل، فثبت إتيانه به) (٤). - أما عدم النقل؛ فلأن ختان الأنثى إخفاؤه أولى، بل قال ابن الحاج: (والسنة في ختان الذكر إظهاره، وفي ختان النساء

стр. 217

إخفاؤه) (١)، وقد تقصر الحجة عن السنية إلا أن هذا هو العرف كما قال السخاوي: (فالمعنى عليه والعرف يشهد له) (٢). ٢/ ومما استدلوا به أيضاً: أن في ختان الإناث ضرراً عند الأطباء، والضرر يزال، وقد ربط العلماء الحكم في عدد من المسائل بالأطباء؛ كقول الشافعي في الوضوء: (ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب) (٣)، ويؤيد المنع النهي عن تغيير خلق الله (٤). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور: - تمهيداً للمناقشة: سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن الختان الفرعوني (٥) فقالت: (هذا الختان لا يجوز بصفته المذكورة؛ لما فيه من الضرر البالغ بالمرأة) (٦)، وذكر بعض العلماء أن الختان المشروع إنما هو لمن وجد عندها فضلة في بظرها؛ كأهل المشرق

стр. 218

وليس مطلقاً (١)، وليس في هذين النقاش ولا إشكال فيهما، وتحريم ختان الأنثى مطلقاً خوفاً من الختان الفرعوني، كتحريم ختن الذكر المشروع خوفاً من الخصي الممنوع. - فالختان ليس على درجة واحدة؛ فمنه ما هو ممنوع عند الجميع ولايُختلف فيه كإزالة الأعضاء التناسلية أو أغلبها (٢) فهذا من الجنايات، أما الختان المشروع بقطع جزء يسير من البظر؛ فهذا الذي يُناقش في منعه، والخلط بينها سبب للخلاف، كما تقول د. آمال البشير: (بناء على هذا الدمج المتعمد للختان الشرعي للأنثى مع الختان الفرعوني بدرجاته المختلفة، جُندت كل جهود المنظمات العالمية لمحاربته، وللضغط المستمر على من يدافع عنه) (٣).

стр. 219

- أما الضرر الطبي؛ فإنه ليس بحقيقة علمية حتى يُترك من أجله اتفاق العلماء، يؤكد ذلك: تصريح عدد من الأطباء بفائدة ختان الإناث، و عدم ضرره، وهذا عكسٌ للدعوى (١). - ومما يؤيد ذلك استمرار الختان على مر العصور دون ذكر لهذا الضرر إلا في القرن الرابع عشر، وهذا الاستقراء يقويه تصريحُ العلماء على جوازه واتفاقُهم عليه؛ فلا نترك المعلوم للضرر الموهوم. - ولو أخذنا بكل ما يقال: أن فيه ضرراً دون تبيّن وتثبت للزمنا تحريم ختان الذكور أيضاً فإن هناك من يدعي وجود الضرر فيه (٢)، وجوابهم عنه هو الجواب هنا. - ومن جهة أخرى فإن هناك أضراراً ذكروها في ختان الإناث ليس مرجعها إلى الختان نفسهِ، وإنما إلى قيام شخص غير مؤهل بالختان، أو الختان بآلة غير صحية (٣)، وهذا غير مقبول في كل

стр. 220

عملية جراحية ولا اختصاص له بالختان فقط. - أما الاحتجاج بربط العلماء لمسائل فقهية بالأطباء، فهذا مقلوب عليهم، فأين ربط العلماء للختان المشروع بالأطباء؟! ثم فرق بين الفرع الفقهي المنصوص عليه وغير المنصوص عليه، فالذي يرجع فيه إلى الطب هو غير المنصوص عليه، أو النوازل إن احتيج فيها إلى رأيهم، أو قضايا الأعيان والأشخاص كما سيأتي في فتوى لابن تيمية. - وأما الاحتجاج بالنهي عن تغيير خلق الله، فهذا غريب؛ لأن كل ما أذن الشارع به فهو مخصوص من النهي، ويدخل في ذلك الختان، وتقليم الأظافر، والاستحداد ونحوها، بل يدخل ما هو أبعد من ذلك؛ من قطعٍ ليد سارق، وقصاصٍ في جناية. - وبعد: فإنه لوثبت الضرر في عملية الختان على شخص مخصوص من ذكر أو أنثى فإنه يمنع من الختان؛ لخصوص حاله، كما قرّر ابن تيمية عن ختان مسلم بالغ عاقل يصوم ويصلي وهو غير مختون، فقال: (إذا لم يخف عليه ضرر الختان فعليه أن يختتن فإن ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة … ويرجع في الضرر إلى الأطباء الثقات) (١)، فهي فتوى خاصة لحالة خاصة نقل الاتفاق على مشروعية ما سواها. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بتحريم ختان الإناث أو عدم مشروعيته إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته للنص

стр. 221

والإجماع، ولا يعرف من قرَّر القول بعدم المشروعية قبل محمود شلتوت، و د. محمد سيد طنطاوي، ولا من صرّح بالتحريم أو المنع قبل د. علي جمعة، و د. يوسف القرضاوي؛ وكفى خطأً بقولهم خروجهم عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئهم دلالة سواه، كيف وظاهر السنة ينبئ عن فساده (١)؟! والله أعلم.

стр. 222

(أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم؛ لأن العلم نور، فإِذا أطفأ مصابيحهم خبطهم فِي الظُلَم كيف شاء). ابن الجوزي ﵀ تلبيس إبليس (ص ٢٨٣)

стр. 223

المبحث السابع: جوازُ قراءةِ الجُنُبِ القرآنَ وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورة المسألة، وتحرير محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 224

قال عبد الرحمن بن مهدي: (لا يكون إماماً فِي العلم من أخذ بالشاذ من العلم). أخرجه ابن أبي خيثمه في تاريخه (١/ ٢٢٧)

стр. 225

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: الجُنُب لغة: صفة على وزن (فُعُل)، وأصلها من الجَنابة ضد القرابة، فالجُنب بالضم: البعيد، أما الجَنْب بالفتح فهو: القريب (١)، كما قال الله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣)، ويطلق الجُنُب على المفرد والمثنى والجمع مذكراً أو مؤنثاً (٤)، ومن إطلاقه على الجمع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥)، ووُصف الجنب قبل الطهارة بذلك؛ لابتعاده عن الصلاة وعن المسجد ونحوهما مما تشترط له الطهارة (٦)، وقد يقال: جُنُبَان وأجنابٌ وجُنُبُون وجُنُبَاتٌ (٧)، كما في مسلم عن عائشة ﵂: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان» (٨).

стр. 226

أما الجُنُب في الاصطلاح فهو: غير الطاهر؛ من إنزال منيٍّ أو مجاوزة ختان (١). وهذا هو قول جمهور الأمة في تعريف الجنب (٢)، وروي عن بعض الصحابة وغيرهم أنه لا غسل إلا على من أنزل، دون من جاوز الختان بلا إنزال (٣). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. اتفق العلماء على أن ذكر الله بطهارة تامة أفضل (٤). ٢. واتفقوا على جواز قراءة المحدث حدثاً أصغر القرآن (٥).

стр. 227

٣. واتفقوا على جواز ذكر الله سوى قراءةِ القرآنِ من الجُنُب (١). ٤. و يجوز للجنب عندهم جميعهم تلاوة ما لا يقصد به القرآن كالأدعية و الأذكار (٢). ٥. وذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز قراءة الجنب للقرآن الكريم، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٣)، وحُكي إجماعاً (٤)، ونُسب لبعض العلماء القول بجواز قراءة الجنب للقرآن منهم: ابن عباس ﵁ (٥)، وعكرمة مولى ابن عباس (٦)،

стр. 228

وسعيد بن جبير (١)، وهو من أصحاب ابن عباس، وسعيد بن المسيب (٢)، وربيعة، والبخاري، وداود، وابن جرير (٣)، وهو اختيار ابن المنذر، وابن حزم (٤)، ورجحه بعض المعاصرين، وحُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 229

المطلب الثاني: القائلون [بجوازِ] قراءةِ الجُنُبِ القرآنَ من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) لكن مع الكراهة (١). المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة النص الصريح. ٢/ مخالفة الإجماع، وتفصيلهما ومناقشتهما في المطلب الرابع في أدلة القول الأول. ٣/ النص على شذوذه، و قد نص على شذوذ هذا القول: - ابن عبد البر (ت ٤٦٣) بقوله: (وقد شذَّ داود عن الجماعة بإجازة قراءة القرآن للجنب) (٢)، وقوله: (وقد شذت فرق فأجازت قراءته جنباً، وهي محجوجة بالسنة وأقاويل علماء الأمة) (٣). ولم أقف على من تابع أبي عمر على ذلك.

стр. 230

- فالحكم بالشذوذ على من يرى الجواز، لم أقف عليه عند غيره، و (ابن عبدالبر ممن لا يعتبر مخالفة الشاذ، وهو من أطواد الأصول والفروع) (١)، وهو وإن لم يسمه إجماعاً، إلا إن له نظراً في مخالفة الجمهور، وأوضّح ذلك في نقطتين؛ لأهميته: - الحافظ ابن عبدالبر له نصوص عديدة في الاحتجاج بقول الجمهور ومن ذلك: قوله في فرضية الجلسة الأخيرة في الصلاة رداً على من قال بعدم فرضيتها: (والجمهور حجة على من شذ منهم؛ لأنه لا يجوز على جميعهم جهل ما علمه الشاذ المنفرد) (٢)، وقوله في تأخير صلاة الخوف إلى الأمن والاستطاعة: (وهذا قول جماعة من فقهاء أهل الشام شذوا عن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم) (٣) وقوله في زكاة الفطر: (والقول بوجوبها من جهة اتباع المؤمنين؛ لأنهم الأكثر والجمهور الذين هم حجة على من شذ عنهم) (٤)، وقوله في المنع من الجمع بين الأختين ونحوها بالنكاح أو ملك اليمين: (فكذلك هو عند الجمهور وهم الحجة المحجوج بها على من خالفهم وشذ عنهم) (٥)، وقال في جواز الأخذ من الزوجة في حال الخلع ونحوه: (وعليه جماعة العلماء إلا من شذ عنهم ممن هو محجوج بهم وهم حجة عليه؛ لأنهم لا يجوز عليهم الإطباق والاجتماع على تحريف الكتاب وجهل تأويله وينفرد بغير ذلك واحد غيرهم) (٦).

стр. 231

- ولا يلزم من ذلك أن يكون إجماعاً عنده، وعليه فلا يصح إطلاق التساهل عليه في نقل الإجماع لأنه لا يحكيه إجماعاً فهو أعرف بالخلاف، ومما يدل على ذلك أنه يتحرز ويعتبر بالخلاف وينبه عليه كما سبق، وأوضح منه قوله: (ذكر ابن خواز بنداد أن إجماع الصحابة انعقد على إيجاب الغسل من التقاء الختانين، وليس ذلك عندنا كذلك (١)، ولكنا نقول إن الاختلاف في هذا ضعيف، وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين، ومجاوزة الختان الختان، وهو الحق إن شاء الله) (٢)، وعدم اعتداده بالقول له مآخذ (٣).

стр. 232

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بتحريم قراءة القرآن للجُنب: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه: « … لم يكن يحجبه عن القرآن شيء، ليس الجنابة» (١)،

стр. 233

أي: غير الجنابة (١)، وحديث علي أيضاً عندما توضأ ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب فأما الجنب؛ فلا ولا آية» (٢). وجه الاستدلال: أن امتناع النبي ﷺ عن قراءة القرآن في حال الجنابة يدل على منع الجنب من قراءة القرآن، وقد صرّح بالمنع بقوله في الحديث الآخر: « … فأما الجنب فلا ولا آية». وقد نوقش هذا الاستدلال، بأمرين: - أن الحديث الأول ضعيف قال ابن المنذر: (لا يثبت إسناده) (٣)، والحديث الآخر لا يثبت إلا موقوفاً، قال الدارقطني: (هو صحيح عن علي) (٤). - ولو ثبت مرفوعاً فإنه لايدل على تحريم القراءة؛ لأنه فعلٌ مجرد غاية دلالته طلب الكمال، كما تطهّر ﷺ ؛ ليرد السلام؛ لأنه كره أن

стр. 234

يذكر الله إلا على طهارة (١). - ثم هو معارض بما هو أصح منه، وهو ماثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» (٢). - والجمع بينهما ممكن وهو أولى من الترجيح كما قال ابن جرير الطبري: (الصواب أن ما روي عنه ﷺ من «ذكر الله على كل أحيانه» وأنه «كان يقرأ ما لم يكن جنباً»: أن قراءته طاهراً اختيارٌ منه لأفضل الحالتين، والحالة الأخرى أراد تعليم الأمة، وأن ذلك جائز لهم، غير محظور عليهم ذكر الله وقراءة القرآن) (٣). ٢/ واستدلوا: بحديث ابن عمر ﵁ «لا تقرأ الحائضُ ولا الجُنُبُ شيئاً من القرآن» (٤).

стр. 235

وقد نوقش هذا الاستدلال: - بأن الحديث ضعيف، فقد قال عنه ابن تيمية: (حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث) (١)، وقال ابن القيم: (حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث) (٢). ٣/ واستدلوا بالإجماع: فتحريم القراءة على الجنب كان مشهوراً عند الصحابة؛ لا يخفى على رجالهم ولاعلى نسائهم، كما جاء في قصة ابن رواحة مع زوجته (٣)،

стр. 236

فكان إجماعاً (١). ونوقش هذا الاستدلال: - أما قصة ابن رواحة ﵁ مع زوجته؛ ففي أسانيدها ضعف، وفي حكاية أبياتها اضطراب، وفي القصة نكارة فالصحابة أجلّ من أن يُوهموا غيرهم أن الله قال شيئاً لم يقله، والنبي ﷺ لا يضحك من افتراء الكذب على الله أو شبهه، ثم كيف لا تفرق زوجته بين كلام الله الذي وقع به الإعجاز، و بين الشعر. - وأما الإجماع، فلم أقف على حكايته إلا عند الماوردي تعليقاً منه على قصة ابن رواحة، قال النووي: (واحتج أصحابنا أيضاً بقصة عبد الله بن رواحة ﵁ … والدلالة فيه … أن هذا كان مشهوراً عندهم؛ يعرفه رجالهم ونساؤهم؛ ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع) (٢)، وقد خالف ابن عباس ﵁، فلا إجماع. - وقد صرّح جماعة من العلماء بعدم ثبوت شيء مرفوع في المنع من قراءة الجنب للقرآن ومنهم: ابن المنذر وابن حزم (٣)، ومن

стр. 237

المعاصرين: الألباني (١)، قال ابن رجب: (وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديث مرفوعة، إلا أن أسانيدها غير قوية) (٢). - ومما يدلُّ على عدم ثبوت إجماع في المسألة أن القول بجواز قراءة الجنب للقرآن صحَّ عن ابن عباس (٣) ﵁، وهو قول جمعٍ من أصحابه (٤)، واختاره جمعٌ من العلماء بعدهم، وقد سبق ذكرهم في تحرير محل الشذوذ. ٤/ ومن أدلة المنع ما صحَّ عن عمر: ﵁ (لا يقرأ الجنب القرآن) (٥)، وصحَّ عن علي أيضاً منع الجنب من قراءة القرآن (٦)، قال ابن

стр. 238

رجب: (وهذا مروي عن أكثر الصحابة … والاعتماد في المنع على ما روي عن الصحابة) (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن قول الصحابي إنما يكون حجة على الصحيح إذا لم يوجد له مخالف من الصحابة (٢)، أما إذا اختلفوا؛ فلا يكون حجة بالاتفاق (٣). - وقد خالف في هذه المسألة ابن عباس، ومِنْ ثمَّ فلا يلزم الأخذ بقول أحدهما إلا بدليل آخر يرجحه (٤)، كما قال الشافعي في أقاويل الصحابة إذا اختلفت: (نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح في القياس) (٥).

стр. 239

وأجيب عن ذلك: - بأن من خالف ابن عباس أكثر، وفيهم إمامان: عمر، و علي ﵃، ومعهم ظاهر الخبر، كما ذكر البيهقي (١)، وكما قال ابن القيم عن أقوال الخلفاء الراشدين: (وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب) (٢). ويمكن مناقشة هذا الجواب: - بأنه لاشك في تقوية قول الصحابي بالكثرة، أو باعتماده على حديث فيه ضعف، أو بكون القائل أحد الخلفاء الأربعة (٣)، فهذا من القرائن والمرجحات، لكنه ليس بدليل مستقل، إذا عُلم ذلك فإنه ينبغي المقارنة بين القرائن التي عند الفريقين ثم الترجيح بعد ذلك. المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز قراءة الجنب للقرآن: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل

стр. 240

أحيانه» (١). وجه الاستدلال: أنه (بعمومه يشمل حالة الجنابة وغيرها؛ كما أن الذكر يشمل القرآن وغيره) (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأمرين: - (أن ذكر الله إذا أُطلق لا يراد به القرآن) (٣). - وعلى فرض عمومه فهو مخصوص بأحاديث منع الجنب من قراءة القرآن (٤). ويجاب عن هذه المناقشة بأمور: - أن إخراج القرآن عن معنى الذكر عند الإطلاق تحكّم؛ وفيه تخصيص للمعنى الشرعي بالعرف (٥)، ولا يُجوز تخصيص المعنى الشرعي بالعرف الحادث بعده (٦).

стр. 241

- ثم إن هذا التخصيص مخالف للتنصيص الخاص الدال على أن الذكر هو القرآن؛ كما قال الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (٣). - ولعل الذكر في الشرع يطلق ويراد به القرآن كما في الآيات السابقة، وقد يراد به الأدعية والأذكار، وقد يراد به جميعها، وتحديد المراد يعرف من السياق والقرائن. - أما تخصيص عموم «على كل أحيانه» بغير حالة الجنابة، بالأحاديث التي فيها المنع من قراءة الجنب للقرآن، فهذا ممتنع أيضاً؛ لضعف الأحاديث المخصصة، وقد سبق بيانها. ٢/ واستدلوا للإباحة بكتاب النبي ﷺ إلى هرقل وفيه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٤) … الحديث (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ كتب إلى الكفرة من الروم كتاباً فيه من القرآن ليقرأوه، والكافر يغلب عليه أن يكون جنباً،

стр. 242

وإن لم يكن جنباً، فالمسلم الجنب أولى من الكافر بجواز قراءة القرآن. ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن الكتاب اشتمل على شيء غير الآية، فأشبه كتب التفسير أو الفقه التي فيها بعض الآيات؛ لو قرأها الجنب فإنه لايمنع منها؛ لأنه لم يقصد التلاوة. - ثم إن كتابة الآية ونحوها للكفار جائزة؛ لمصلحة وضرورة التبليغ. - وعلى فرض التسليم بالاستدلال، فإنما يُجوّز للجنب الآية ونحوها كما في الكتاب (١). ٣/ واستدلوا أيضاً: بأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂ حين حاضت وهي حاجّة: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يستثن إلا الطواف، والحاج يقرأ القرآن، ولم تمنع منه الحائض، فكذلك الجنب؛ لأن حدثه أخف (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن قوله ﷺ : «افعلي ما يفعل الحاج … » لا دلالة فيه؛ لأنه ليس

стр. 243

في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتى تدخل في عموم هذا الكلام (١)، والكلام سياقه في أفعال الحج الخاصة فلا يستدل به في غيره، وإلا فيلزم منه تجويز الصلاة للحائض. وأجيب عن المناقشة: - بأن قراءة القرآن ذكر لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر من أفعال الحج التي شرعت؛ لإقامة ذكر الله، وأما الصلاة فمنعها فيه إجماع وفيه أدلة صحيحة خاصة فا فترقا (٢). ٤/ ومما استدلوا به أيضاً: البراءة الأصلية، واستصحاب الندب إلى قراءة القرآن لكل أحد، ولم يصح برهان في تخصيص الجنب بالمنع (٣)، مع عموم البلوى وشدة الحاجة، بل صحَّ عن نبينا ﷺ أنه ينام وهو جنب إذا توضأ (٤)، وكان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة قرأ الإخلاص والمعوذتين (٥)، وأقرَّ ﷺ مشروعية قراءة آية الكرسي

стр. 244

عند النوم (١)، وورد غير ذلك من الآيات و السور التي تُقرأ عند النوم (٢)، مع أن الجنابة عند النوم غير نادرة بل كثيرة، ولم يُستثن الجُنب في كل هذه الأخبار، والقاعدة أن: (ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال) (٣)،

стр. 245

والأصل إبقاء العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه حتى يظهر دليل التخصيص أو التقييد، ومن الأقيسة التي تدل على جواز تلاوة الجنب للقرآن: (أليس القرآن في جوفه)؟! (١)، أي: الجنب. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته لاشك أن نسبته إلى الشذوذ غير صحيحة؛ فإنه لم يخالف نصاً صحيحاً، ولم يخرم إجماعاً متحققاً، وقد استند قائله إلى أدلة قوية، له فيها سلف، فهو رأي دائر بين راجح ومرجوح، وإن كان القول بعدم المنع أرجح؛ لاعتماده على ظاهر نص صحيح، وقول صحابي جليل، مع استصحاب البراءة الأصلية، أما المنع فأقوى مافيه قول الخليفتين: عمر وعلي ﵄، مع إمكان حمل نهيهما على التنزيه وطلب الكمال، وهذا لا نزاع فيه، كما أن الخروج من الخلاف مستحب (٢)، والترخيص في الأوراد اليسيرة أظهر كآية الكرسي عند النوم، وأما قصد القراءة فيكره ولا يحرم، والله أعلم.

стр. 246

قال الفضيل بن عياض: (ما أحد من أهل العلم إلا وفي وجهه نضرة؛ لقول النبي ﷺ : «نضّر الله امرءا سمع منا حديثاً»). أخرجه الدينوري في المجالسة (١/ ٤١٤)

стр. 247

المبحث الثامن: تقييد جواز المسح على الخفين بوجود الحاجة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 248

قال الإمام مسلم -بعد أن ذكر أن الإعراض عن القول المطّرح أولى- استدرك فقال: (غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد= أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله). مقدمة صحيح مسلم

стр. 249

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: الخفان لغة: مُثَنَّى خف و (الخاء والفاء أصل واحد، وهو شيء يخالف الثقل والرزانة … فأما الخف؛ فمن الباب؛ لأن الماشي يخف وهو لابسه) (١)، وهو مايلبس على القدم (٢)، وجاء في بعض المعاجم المعاصرة تقييد ذلك بالجلد (٣). وأما الخف في الاصطلاح الشرعي؛ فهو: (الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه) (٤)، وسمي الخف بذلك؛ للتخفيف الحاصل بلبسه من الغسل إلى المسح (٥). والمشهور عند الفقهاء هو التفريق بين الخف والجورب (٦)؛ فالخف

стр. 250

من الجلد، والجورب من غيره؛ ومما يوضّح تفريق الفقهاء قول الشنقيطي: (وأجمع العلماء على جواز المسح على الخف الذي هو من الجلود، واختلفوا فيما كان من غير الجلد) (١). إلا أنه ثبت عن أنس بن مالك ﵁ مايدل على أن الخف يكون من غير الجلد أيضاً، يقول الأزرق بن قيس: (رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ومسح على جوربين من صوف فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: إنهما خفان، ولكنهما من صوف) (٢)، وهذا المعنى هو الذي عرّف به المناوي الخف شرعاً بقوله: (كل محيط بالقدم ساتر لمحل الفرض، مانع للماء يمكن متابعة [المشي] فيه) (٣)، وبوّب ابن أبي شيبة في مصنفه: (من قال الجوربان بمنزلة الخفين). والمسح على الخفين هو الأصرح والأصح في النصوص، بل هو
следующие страницы →