← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال الفضيل بن عياض: (ما أحد من أهل العلم إلا وفي وجهه نضرة؛ لقول النبي ﷺ : «نضّر الله امرءا سمع منا حديثاً»). أخرجه الدينوري في المجالسة (١/ ٤١٤)

стр. 247

المبحث الثامن: تقييد جواز المسح على الخفين بوجود الحاجة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 248

قال الإمام مسلم -بعد أن ذكر أن الإعراض عن القول المطّرح أولى- استدرك فقال: (غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد= أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله). مقدمة صحيح مسلم

стр. 249

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: الخفان لغة: مُثَنَّى خف و (الخاء والفاء أصل واحد، وهو شيء يخالف الثقل والرزانة … فأما الخف؛ فمن الباب؛ لأن الماشي يخف وهو لابسه) (١)، وهو مايلبس على القدم (٢)، وجاء في بعض المعاجم المعاصرة تقييد ذلك بالجلد (٣). وأما الخف في الاصطلاح الشرعي؛ فهو: (الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه) (٤)، وسمي الخف بذلك؛ للتخفيف الحاصل بلبسه من الغسل إلى المسح (٥). والمشهور عند الفقهاء هو التفريق بين الخف والجورب (٦)؛ فالخف

стр. 250

من الجلد، والجورب من غيره؛ ومما يوضّح تفريق الفقهاء قول الشنقيطي: (وأجمع العلماء على جواز المسح على الخف الذي هو من الجلود، واختلفوا فيما كان من غير الجلد) (١). إلا أنه ثبت عن أنس بن مالك ﵁ مايدل على أن الخف يكون من غير الجلد أيضاً، يقول الأزرق بن قيس: (رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ومسح على جوربين من صوف فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: إنهما خفان، ولكنهما من صوف) (٢)، وهذا المعنى هو الذي عرّف به المناوي الخف شرعاً بقوله: (كل محيط بالقدم ساتر لمحل الفرض، مانع للماء يمكن متابعة [المشي] فيه) (٣)، وبوّب ابن أبي شيبة في مصنفه: (من قال الجوربان بمنزلة الخفين). والمسح على الخفين هو الأصرح والأصح في النصوص، بل هو

стр. 251

متواتر عن النبي ﷺ ، وقد أخرج ابن المنذر بسنده إلى الحسن البصري أنه قال: (حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه ﵇ مسح على الخفين) (١)، قال النووي: (وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة) (٢)، وقال ابن حجر: (وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة) (٣). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١/ اتفق العلماء على جواز المسح على الخفين (٤)، واتفقوا على عدم جواز المسح على النعلين (٥).

стр. 252

.........

стр. 253

٢/ ولم يختلف الصحابة في جواز المسح على الجوربين، و اختلف فيه من بعدهم (١).

стр. 254

٣/ واتفقوا في شروط المسح على الخف: أن يلبسه على طهارة كاملة (١)، وأن يكون الخف ساتراً لمحل الفرض في الغسل (٢)، وأن يمكن متابعة المشي فيه (٣). ٤/ ونُقل الإجماع على جواز المسح على الخفين ولو لُبس لغير حاجة (٤)، وذهب المالكية إلى أن من لَبِسَ الخفين ترفُّهاً (٥) فلا يجوز له المسح (٦)، وذهب بعض المعاصرين إلى اشتراط وجود

стр. 255

الحاجة إلى التدفئة لجواز المسح على الخفين، وهذا الرأي هو المراد بحثه، وتصحيح نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 256

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: لم أقف على قائل بهذا الرأي من المعاصرين إلا شيخنا: عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين (ت ١٤٣٠) (١) ﵀. المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: مخالفة الإجماع المحكي على جواز المسح على الخفين ولو لغير حاجة، وسيأتي مناقشته في المطلب الرابع.

стр. 257

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بجواز المسح على الخفين مطلقاً دون قيد الحاجة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ أن الأحاديث الكثيرة القولية منها والفعلية، والمرفوعة والموقوفة، التي وردت في مشروعية المسح على الخفين مطلقة، وليس فيها تقييد بالحاجة ولا بالمشقة ولا بالسفر، (والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع ﷺ ويقيد ما قيده) (١). ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع، كما قال النووي (ت ٦٧٦): (أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها والزمن الذي لا يمشي) (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن الإجماع لايصح؛ فقد خالف في هذه المسألة ابن عباس ﵁ بقوله في المسح على الخفين: (لو قلتم هذا في السفر البعيد، والبرد الشديد) (٣)، ففيه الإشارة إلى اشتراط الحاجة أو المشقة،

стр. 258

ولعل الإمام مالكاً أخذ مذهبه من ابن عباس ﵁ في اشتراطه عدم الترفه لجواز المسح (١)، وروي عنه في قول رجع عنه عدم المسح في الحضر (٢). المسألة الثانية: أدلة القول باشتراط الحاجة للمسح على الخف: يمكن أن يستدل لهذا القول: ١/ حديث ثوبان ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد «فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين» (٣).

стр. 259

وجه الاستدلال: أن التساخين ما يسخن به القدم، والرخصة جاءت به، فلا تعمم ولا يقاس عليها، ويؤيد التخصيص سبب الورود. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن المشهور في اللغة أن التساخين هي الخفاف (١)، قال ابن فارس: (التساخين: الخفاف، وممكنٌ أن تكون سميت بذلك؛ لأنها تُسخِّن على لُبْسِها القدم، وليس ببعيد) (٢).

стр. 260

- فعلى ذلك يكون هذا الحديث موافقاً للأحاديث الأخرى في المسح على الخفين، وليس فيه مايعارض به، وبخاصة وأن التسخين وصفٌ خرج مخرج الغالب؛ فلا يؤخذ منه مفهوم مخالفة (١). ومن الأدلة: أن الخف إنما شرع المسح عليه لغير متعة اللبس فلا تترك عزيمة غسل الرجلين لغير ضرورة (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - (أن الخف لا يشترط في لبسه نية القربة فلا يضره فيه الرفاهية) (٣). - ثم إن أدلة مشروعية المسح على الخفين وردت مطلقة، ولايجوز تقييد المطلق إلا بدليل، وتجويز الشارع للمسح على الخفين في غير السفر (٤)، مع مظنة ترفّه غير المسافر بلبس الخف (٥) دليل على إطلاق الحكم أيضاً (٦).

стр. 261

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته لاشك أن نسبته إلى الشذوذ غير صحيحة؛ فإنه لم يخالف نصاً، ولم يخرم إجماعاً، وله سلف فيما ذهب إليه من اشتراط الحاجة في جواز المسح على الخف وهو بعض رأي ابن عباس ﵁ و موافق لقول المالكية، وإن كان القول بعدم هذا الشرط أقوى وهو قول جمهور الصحابة والفقهاء (١)؛ إلا أنه كلما وجدت الحاجة كان الترخيص أولى (٢)؛ كما أنه لا يسن اللبس لأجل المسح، لكنَّ منع المسح من أجل ذلك محل نظر، كما قال ابن تيمية: (فمن تدبر ألفاظ الرسول ﷺ وأعطى القياس حقه: علم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة؛ وأن ذلك من محاسن الشريعة ومن الحنيفية السمحة التي بُعث بها) (٣)، والله أعلم.

стр. 262

قال سفيان الثوري: (إنما يطلب العلم ليتقى الله به فمن ثَمَّ فُضّل، فلولا ذلك لكان كسائر الأشياء). أخرجه أبونعيم في الحلية (٦/ ٣٦٢)

стр. 263

المبحث التاسع: جواز حلق اللحية وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بجواز حلق اللحية من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 264

(لو كان هذا الاستنباط حقاً لما خفي على أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه) يعني: ابن حزم. ابن رجب ﵀ فتح الباري (٢/ ٢٤)

стр. 265

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: اللحية لغة: هي الشعر النابت على الخدين والذَّقن (١)، سميت باسم المكان الذي تنبت منه وهو اللحيُ (٢)، ولكل دابة لحيان، و (اللَّحيان: العظمان اللذان فيهما منابت الأسنان من كلّ ذي لَحْيٍ) (٣)، فبداخل الفم ينبت الأسنان، ومن خارجه ينبت الشعر الذي يسمى العارض، وتبدأ اللحية من العذار؛ ولذا يُقال: عَذَّر الغلام، أي: نَبَتَ الشعرُ فِي العذار منه (٤)، والذي يصل الرأس باللحية هو الصدغ (٥)، و مجمع اللحيين من

стр. 266

الأسفل هو الذَّقَن (١)، وفوق الذَّقن العنفقة (٢)، وهي أسفل الشفة السفلية. فليس من اللحية في اللغة مانبت على الوجنتين فيما يظهر، ولا مانبت على الحلق، ولا مانبت في العنفقة، ولا الشارب وما انحدر منه إلى الذَّقن، وهو السَّبَلة (٣). أما اللحية في الاصطلاح؛ فهي: (الشعر النابت على الخدين من عذار وعارض، والذَّقن) (٤)، ويُلحظ مطابقته للتعريف اللغوي إلا أنه أكثر دقة؛ حيث فسّر النابت على الخدين بالعذار والعارض دون ما نبت على الوجنة.

стр. 267

وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. اتفق العلماء على مشروعية الأخذ من الشارب (١). ٢. واتفقوا على عدم تحريم أخذ ما زاد على القبضة من اللحية وخاصة في النسك (٢).

стр. 268

٣. ونُقل الإجماع على تحريم حلق اللحية (١)، وذهب بعض الشافعية إلى الكراهة؛ مع أن منصوص الإمام الشافعي هو التحريم، وصرّح به بعض أصحابه (٢). وذهب بعض المعاصرين إلى عدم تحريم حلق اللحية، وهذا الرأي هو المراد بحثه وتصحيح نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 269

المطلب الثاني: القائلون بجواز حلق اللحية من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: - محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤) (١)، ومحمود شلتوت (ت ١٣٨٣) (٢). - و عبدالله الجديع (٣)،

стр. 270

و د. علي جمعة (١)، و غيرهم (٢).

стр. 271

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة النص الصريح. ٢/ مخالفة الإجماع، وتفصيلهما ومناقشتهما في المطلب الرابع، في أدلة القول الأول. ٣/ النص على شذوذه، و قد نص على الشذوذ أو نحوه من العبارات: - د. صالح الفوزان بقوله: (إن ترجيح المؤلف [القرضاوي] للقول بكراهة حلق اللحية فقط ترجيح باطل لا دليل عليه) (١).

стр. 272

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بتحريم حلق اللحية: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث ابن عمر ﵁ المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللّحى» (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي

стр. 273

- ﷺ قال: «جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» (١)، وغيرهما. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بإعفاء وإرخاء اللحية، والأصل في الأمر الوجوب، والحلق فيه مخالفة لأمره الصريح، و وقوع فيما نهى عنه من مخالفة المجوس. ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم بأن الأمر للوجوب، بل الأصل في الأوامر النبوية هي الاستحباب. - ويدل لذلك أن الأمر بإعفاء اللحية اقترن بالأمر بإحفاء الشارب، والشارب مما يسن إحفاؤه عند الفقهاء، فليكن ذلك الحكم في اللحية لاتِّحاد المخرج والصيغة (٢). - ومعلوم أن ماشرع في الشارب فإن المشروع به في اللحية هو نقيضه، وحيث شُرع القص في الشارب، فالذي يقابله هو الإعفاء من قص اللحية و ذلك بتركها (٣).

стр. 274

- ثم إن الأحاديث الثابتة في الأمر بالإعفاء والإحفاء علّقت الأمر بمخالفة غير المسلمين، مما يؤكد أنه ليس حكماً تعبدياً محضاً؛ بل معلق بوجود المخالفة (١)، وهذه المخالفة مستحبة مالم يوجد قصد التشبّه، فإن وجد القصد فهنا التشبه المحذور (٢). - وقد وردت نصوص عديدة فيها أمر وتعليل بمخالفة غير المسلمين، وهي محمولة على الاستحباب؛ كتغيير الشيب، والصلاة في النعال، وأكلة السحر وغيرها (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - وبين يدي الجواب وتفصيله: فإن هذه الاستنباطات والتأويلات لم أقف عليها بمجموعها عند العلماء من قبل (٤)، وأقول كما قال ابن رجب: (لو كان هذا الاستنباط حقاً لما خفي على أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه) (٥). - أما القول بأن الأمر ليس للوجوب (٦)؛ فهذا يبطله قول الله:

стр. 275

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، ولو كانت مخالفة الأمر جائزة لما غضب النبي ﷺ حين خالفوا أمره في الحج (٢)، ولولا أن الأمر فيه إلزام لما قال النبي ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي -أو على الناس- لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» (٣). - أما اقتران الأمر بإعفاء اللحية بالأمر بإحفاء الشارب؛ فـ (هذه الدلالة التي ذكرنا تسمى دلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر أهل الأصول) (٤)، ومما يدل على ضعفها وخاصة عند عطف الجمل التامة قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٥)، قال النووي: (ولا يمتنع قرن الواجب

стр. 276

بغيره … [فـ] الإيتاء واجب والأكل ليس بواجب) (١)، بل قد تضعف دلالة الاقتران وإن كان العطف على مفرد يشترك معه في علة أو حكم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٢)، فالعدل واجب والإحسان مندوب (٣)، ولا يبعد أن تشترك المعطوفات في حكمٍ من الأحكام لا في كل الأحكام، وهي قرينة من القرائن قد تقوى وقد تضعف (٤)، وفهم عامة العلماء للحديث يدل على ضعفها في هذا الموضع. - ثم إن هذه الدلالة إنما يستقيم الاستدلال بها في مسألتنا على القول بعدم وجوب قص الشارب، لكن القول بوجوبه قول قوي (٥)، ولم يعرِض المعترض للقول بالوجوب ولا أدلته؛ لأنه أراد تقرير حكم الاستحباب للاقتران، ولا يخلُو كلامه من اضطراب، وهذا مثال على ذلك:

стр. 277

- فهو يقول: (وقد علمت أن الأمر بالمخالفة هو المقصود في الأحاديث، وليس مجرد إعفاء اللحية وقص الشارب، فلا يجوز بعده التعلق بالأمر بالإعفاء والقص مجردين عن السبب فيهما) (١)، إذا تقرّر ذلك فاقرأ كلامه بعد ذلك ولعله نسي: (وأما حكم قص الشارب، فإنه سنة مستحبة على كل حال، فإن النصوص التي وردت في اللحية ذكرته آمرة به للمخالفة، لكن المعنى فيه لغير المخالفة أوكد منه للمخالفة، فإنه من سنن الفطرة وأَمَر النبي ﷺ بالأخذ منه، ووقَّت لذلك مدة أقصاها أربعون ليلة) (٢)، وهذا إن لم يدل على الاضطراب، فليكن دليلاً منه وعليه بأن اللحية سنة وشريعة على كل حال كما هو الشارب؛ لاقترانهما. - أما قَصْرُ معنى الإعفاء على الترك مطلقاً؛ فهذا لم يفهمه الصحابة والتابعون الذين صحَّ عنهم الأخذ من اللحية، وإنما فهموا منه الترك حتى تكثر (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٤)، (أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء إذا كثر) (٥)، ولذلك قال الإمام البخاري بعد قوله: (باب إعفاء اللحى): ﴿عَفَوْا﴾ قال: (كثروا وكثرت أموالهم)، ثم

стр. 278

أورد حديث ابن عمر مرفوعاً وفيه: « … وأعفوا اللحى» (١). - أما القول بأن الأحاديث الثابتة في الباب علّقت الأمر بمخالفة غير المسلمين؛ فلا يُسلّم به، بل إنَّ أصح أحاديث الباب وهو حديث ابن عمر ﵁ المتفق عليه، ليس فيه ذكر مخالفة المشركين في أصحّ وأكثر طُرقه، وقد سبق بيان ذلك في تخريج الحديث، وقد أشار إلى ذلك البيهقي بقوله: (وزاد فيه عمر بن محمد بن زيد، عن نافع: «خالفوا المشركين» (٢). - هذا في حديث ابن عمر ﵁، وصح في حديث أبي هريرة ﵁: « … أرخوا اللحى خالفوا المجوس» (٣)، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «لكن ربي أمرني أن أُحْفِيَ شاربي وأعفي لحيتي» (٤)، وورد

стр. 279

في حديث عائشة أن إعفاء اللحية من الفطرة (١)، في عشر صفات غيرها، قال ابن العربي عن هذه الصفات العشر: (وقد اتفقت الأمة على أنها من الملة، واختلفوا في مراتبها) (٢)، والملة و الفطرة لا تتغيران، مع ما في الحلق من تغيير للخلقة الذي عُلل به النمص وهو قريب منه (٣)، و التشبه بالنساء.

стр. 280

- فاجتمع الأمر المجرد، مع الأمر المعلل بالمخالفة، مع أمر الله «أمرني ربي»، مع التنبيه على أن الإعفاء من الفطرة، وهذا هو فهم الصحابة، دون تعليق منهم للإعفاء بالمخالفة فقط، كما حكى عنهم عطاء بن أبي رباح بقوله: (كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة) (١). - المقصود من ذلك أن قصر العلة الشرعية بإعفاء اللحية على مخالفة الكفار لا يصح؛ فهي علة من العلل وليست كل العلل ولا بعضها (٢)، ولا ينتفي الحكم بانتفائها، وفي الشريعة هناك ما وجد لعلّة، وبقي التشريع مع فوت هذه العلة؛ كالرمل في الطواف، والسعي في الصفا. - ولو سُلّم بكون مخالفة الكفار هي أوحد العلل في الأمر بإعفاء اللحية، فإن المشركين حول النبي ﷺ يعفون لحاهم ولم يخالفهم (٣)، فكان المقصود بمخالفتهم في اللحية بما خالفوا فيه الفطرة، ولا نخالفهم فيما وافقوا فيه الفطرة؛ ولذا لم يخالف النبي

стр. 281

- ﷺ المشركين مع أنهم أقرب إليه وأكثر مخالطة؛ لأنهم وافقوا الفطرة بإعفاء اللحى، والنهي عن التشبه بالكفار إنما هو (فيما لم يكن سلف الأمة عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه؛ فلا ريب فيه، سواء فعلوه، أو تركوه، فإنا لا نترك ما أمر الله به؛ لأجل أن الكفار تفعله) (١)، وقد كان السلف يعفون لحاهم. - أما جعل التعليل بالمخالفة من صوارف الأمر إلى الاستحباب، فهذا لم أقف عليه عند العلماء من قبل (٢)، والأصل أن الأمر بالإعفاء اعتضد بالأمر بالمخالفة فقوّاه، ولم يُضعفه، وقد يُصرف هذا الأمر بالقرائن المعروفة كما سيأتي في الأمثلة المذكورة: - فتغيير الشيب والخضاب ورد مايصرف الأمر فيهما (٣) من الوجوب إلى الاستحباب. وخلاصة الصارف أن النبي ﷺ ثبت أنه لم يخضب شيبه (٤)، وأجمع العلماء على أن أمره بتغيير الشيب للاستحباب لا

стр. 282

للوجوب (١)، ولولا الصارف لقيل بالوجوب (٢). - ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن الشيب ليس من صنع الإنسان، ومن تركه فهو مشابه للكفار ولم يتشبّه؛ لأنه لم يعمل شيئاً، أما اللحية فمن حلقها؛ فهذا عمل منه فيه تشبّه؛ ولذا قوي التحريم هنا، كما قال ابن تيمية: (فإنه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بيض الشيب الذي ليس من فعلنا، فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى، ولهذا كان هذا التشبه [بالحلق] يكون محرماً بخلاف الأول [تغيير الشيب]) (٣). - والصلاة في النعال ورد مايصرف الأمر فيه (٤) من الوجوب إلى الاستحباب. وخلاصة الصارف ما قاله عبدالله بن عمرو ﵁: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافياً، [ومنتعلاً]» (٥)، وقال ﷺ : «إذا

стр. 283

صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلِّ فيهما» (١)، فالتخيير ظاهر في عدم الوجوب. - وأمّا السَّحور (٢)؛ فإن الصارف له عن الوجوب إلى الندب: «أن رسول الله ﷺ واصل في رمضان» (٣)، قال الإمام البخاري: (باب بركة السحور من غير إيجاب؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه واصلوا ولم يُذكر السحور) (٤)، وقال النووي عن السَّحور: (وأجمع العلماء على استحبابه وأنه ليس بواجب) (٥). - فأين مثل هذه الصوارف للأمر بإعفاء اللحى؟!، مع قيام الإجماع على تحريم الحلق كما سيأتي، ولم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه خالف ذلك، لاشك أن الفرق بينهما ظاهر، وأن التسوية بينهما خلل علمي. ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على تحريم حلق اللحية غير واحد من العلماء:

стр. 284

١. قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتَّفقوا أن حلق جميع اللحيَة مُثلَة لَا تجوز، وكذلك الْخَلِيفَة والفاضل والعالم) (١)، ولم يتعقب ابن تيمية هذا الإجماع بشيء. ٢. ونقله أبو الحسن ابن القطان في الإقناع بقوله: (واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز) (٢). ٣. و قال ابن الهمام (ت ٨٦١) في فتح القدير: (صحَّ عن ابن عمر … أنه كان يأخذ الفاضل عن القبضة … وأما الأخذ منها وهي دون

стр. 285

ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال؛ فلم يبحه أحد) (١). ٤. وقال الملا خسرو (ت ٨٨٥) في درر الحكام: (وأما الأخذ من اللحية، وهي دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال؛ فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل مجوس الأعاجم واليهود والهنود وبعض أجناس الإفرنج كما في الفتح) (٢). ٥. ونقله عن الفتح أيضاً: ابن نجيم (ت ٩٧٠) في البحر الرائق، والحصكفي في الدر المختار، وابن عابدين في رد المحتار، والطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح، والشِّلبي في حاشيته على تبيين الحقائق (٣). ٦. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (يحرم حلق اللحية)، قال ابن قاسم (ت ١٣٩٢): (للأحاديث الصحيحة ولم يبحه أحد) (٤)، وقال: (ولم يبحه أحد من أهل العلم) (٥).
следующие страницы →