← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

- ﷺ المشركين مع أنهم أقرب إليه وأكثر مخالطة؛ لأنهم وافقوا الفطرة بإعفاء اللحى، والنهي عن التشبه بالكفار إنما هو (فيما لم يكن سلف الأمة عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه؛ فلا ريب فيه، سواء فعلوه، أو تركوه، فإنا لا نترك ما أمر الله به؛ لأجل أن الكفار تفعله) (١)، وقد كان السلف يعفون لحاهم. - أما جعل التعليل بالمخالفة من صوارف الأمر إلى الاستحباب، فهذا لم أقف عليه عند العلماء من قبل (٢)، والأصل أن الأمر بالإعفاء اعتضد بالأمر بالمخالفة فقوّاه، ولم يُضعفه، وقد يُصرف هذا الأمر بالقرائن المعروفة كما سيأتي في الأمثلة المذكورة: - فتغيير الشيب والخضاب ورد مايصرف الأمر فيهما (٣) من الوجوب إلى الاستحباب. وخلاصة الصارف أن النبي ﷺ ثبت أنه لم يخضب شيبه (٤)، وأجمع العلماء على أن أمره بتغيير الشيب للاستحباب لا

стр. 282

للوجوب (١)، ولولا الصارف لقيل بالوجوب (٢). - ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن الشيب ليس من صنع الإنسان، ومن تركه فهو مشابه للكفار ولم يتشبّه؛ لأنه لم يعمل شيئاً، أما اللحية فمن حلقها؛ فهذا عمل منه فيه تشبّه؛ ولذا قوي التحريم هنا، كما قال ابن تيمية: (فإنه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بيض الشيب الذي ليس من فعلنا، فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى، ولهذا كان هذا التشبه [بالحلق] يكون محرماً بخلاف الأول [تغيير الشيب]) (٣). - والصلاة في النعال ورد مايصرف الأمر فيه (٤) من الوجوب إلى الاستحباب. وخلاصة الصارف ما قاله عبدالله بن عمرو ﵁: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافياً، [ومنتعلاً]» (٥)، وقال ﷺ : «إذا

стр. 283

صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلِّ فيهما» (١)، فالتخيير ظاهر في عدم الوجوب. - وأمّا السَّحور (٢)؛ فإن الصارف له عن الوجوب إلى الندب: «أن رسول الله ﷺ واصل في رمضان» (٣)، قال الإمام البخاري: (باب بركة السحور من غير إيجاب؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه واصلوا ولم يُذكر السحور) (٤)، وقال النووي عن السَّحور: (وأجمع العلماء على استحبابه وأنه ليس بواجب) (٥). - فأين مثل هذه الصوارف للأمر بإعفاء اللحى؟!، مع قيام الإجماع على تحريم الحلق كما سيأتي، ولم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه خالف ذلك، لاشك أن الفرق بينهما ظاهر، وأن التسوية بينهما خلل علمي. ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على تحريم حلق اللحية غير واحد من العلماء:

стр. 284

١. قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتَّفقوا أن حلق جميع اللحيَة مُثلَة لَا تجوز، وكذلك الْخَلِيفَة والفاضل والعالم) (١)، ولم يتعقب ابن تيمية هذا الإجماع بشيء. ٢. ونقله أبو الحسن ابن القطان في الإقناع بقوله: (واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز) (٢). ٣. و قال ابن الهمام (ت ٨٦١) في فتح القدير: (صحَّ عن ابن عمر … أنه كان يأخذ الفاضل عن القبضة … وأما الأخذ منها وهي دون

стр. 285

ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال؛ فلم يبحه أحد) (١). ٤. وقال الملا خسرو (ت ٨٨٥) في درر الحكام: (وأما الأخذ من اللحية، وهي دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال؛ فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل مجوس الأعاجم واليهود والهنود وبعض أجناس الإفرنج كما في الفتح) (٢). ٥. ونقله عن الفتح أيضاً: ابن نجيم (ت ٩٧٠) في البحر الرائق، والحصكفي في الدر المختار، وابن عابدين في رد المحتار، والطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح، والشِّلبي في حاشيته على تبيين الحقائق (٣). ٦. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (يحرم حلق اللحية)، قال ابن قاسم (ت ١٣٩٢): (للأحاديث الصحيحة ولم يبحه أحد) (٤)، وقال: (ولم يبحه أحد من أهل العلم) (٥).

стр. 286

٧. وقال النفراوي (ت ١١٢٦): (فما عليه الجند في زماننا من أمر الخدم بحلق لحاهم دون شواربهم لا شك في حرمته عند جميع الأئمة؛ لمخالفته لسنة المصطفى ﷺ ولموافقته لفعل الأعاجم والمجوس) (١). ٨. وقال الشيخ علي محفوظ (٢) (ت ١٣٦١): (اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها، والأخذ القريب منه) (٣). ٩. وقال ابن باز (ت ١٤٢٠): (أما الحلق؛ فلا أعلم أحداً من أهل العلم قال: بجوازه) (٤). ١٠. وقال د. القرضاوي: (لم ينقل عن أحد من السلف حلق اللحية)، وقال الجديع: (لم ينقل في شيء من الأثر أن أحداً من أصحاب النبي ﷺ كان يحلق لحيته … فهؤلاء ستة عشر صحابياً كانوا يعفون لحاهم لايعرف لهم مخالف) (٥)، (ولا يعرف أنَّ أحداً من الصحابة حلق لحيته، ومثلهم التابعون بعدهم) (٦)، و (السلف لايعرفون حلق اللحية) (٧)، (ولا يعرف في المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام) (٨).

стр. 287

- تنبيه: د. القرضاوي والجديع ممن لا يحرمون حلق اللحية، و أوردت استقراءهما استئناساً به، وكلامهما السابق ليس في سياق الاستدلال بالإجماع؛ فإنهما يقللان من شأن الإجماع (١). - فالقرضاوي يقول: (حجية الإجماع ذاته ليست موضع إجماع! فلا يجوز أن نشهر هذا السيف؛ سيف الإجماع المزعوم في وجه كل مجتهد في قضية) (٢)، ولا مانع عنده من إحداث فهم جديد للنص، أو قول جديد في مسألة خلافية لم يسبق إليه المجتهد ولو كانت المسألة قديمة (٣). - وأما الجديع؛ فالإجماع عنده ليس بحجة إلا تبعاً لدليل ثابت، فيقول في تعريف الإجماع: (ما اتفق عليه المسلمون من الأحكام الثابتة في الكتاب والسنة) (٤)، ثم أنكر الإجماع السكوتي بعد ذلك، مع أنه لا يكاد يوجد في الواقع إلا السكوتي. - ويحسن في هذا المقام إيراد قول الجويني: (قد علمنا قطعاً انتشار احتجاج السّلف، في الحَث على موافقة الأمة واتباعها والزجر على مخالفتها … فإن تجويز خُلف الإجماع، وترك اتباع الأمة مما يعظم خطره؛ إذ على الإجماع ابتنى معظم أصول الشريعة) (٥)،

стр. 288

و (إذا تعرفنا حال الأمة وجدناهم متفقين على تضليل من يخالف الإجماع وتخطئته، ولم تزل الأمة ينسبون المخالفين للإجماع إلى المروق وشق العصا ومحادة المسلمين ومشاقتهم، ولا يعدون ذلك من الأمور الهينة، بل [يعدون] ذلك من عظام الأمور، وقبيح الارتكابات) (١). ونوقش الاستدلال بالإجماع على تحريم حلق اللحية بأمور: - أن دعوى ابن حزم للإجماع من قبيل عدم العلم بالمخالف (الإجماع السكوتي)، (فحيث لم يجد ابن حزم من قال بإباحة حلق اللحية من السلف ومتقدمي العلماء جعل ذلك منهم بمنزلة الاتفاق على المنع)، وعلى التسليم بدعواه فهي صحيحة في تحريم المُثلة، وغير مسلّم بها في كون حلق اللحية مثلة (٢). - وقول ابن الهمام: (لم يبحه أحد) صحيح في كونه لم يبحه أحد لكن عدم الإباحة لا تعني تعيّن التحريم (٣). - أما كون السلف لم يحلقوا لحاهم؛ فلعدم حاجتهم لحلقها؛ ولكون التوفير عادتهم. - ثم إنّ في المسألة خلافاً: فالمالكية عندهم وجه بكراهة الحلق، والشافعية عندهم القول بالكراهة هو المعتمد عند محققي المذهب، و الحنابلة المذهب عندهم قبل ابن تيمية هو استحباب الإعفاء، وغاية ما يقابل الاستحباب الكراهة (٤).

стр. 289

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - وبين يدي الجواب على مناقشة الجديع وغيره لدليل الإجماع، فإن تحريم حلق اللحية ثبت بدليل من السنة، وإجماع بُني عليه، وهذا هو الإجماع الصحيح عند الجديع، ثم نجده لا يقول بتحريم حلق اللحية إلا بقصد التشبه فقط؛ وذلك بإضعافه لدلالة الأمر؛ لأنه معلل بالمخالفة؛ وبإضعافه لدلالة الإجماع بتخصيصه، وكونه إجماعاً سكوتياً، فأقول: مع هذا التعسف الذي لم يسبق إليه، لا أدري مالذي سيبقى له من الأدلة، لو سلك نفس المسلك في قبولها؟! وهذه مناقشة تفصيلية لاعتراضاته: - أما القول بأن ابن حزم إنما حكى الإجماع لمجرد عدم علمه بالمخالف؛ فأترك ابن حزم يجيب عن ذلك بقوله في مقدمة كتابه: (وإنما ندخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا مخالف فيه البتة، الذي يُعلم كما يعلم أن الصبح في الأمن والخوف ركعتان، وأن شهر رمضان هو الذي بين شوال وشعبان … الخ) (١)، وقد أقرّ المعترض على ابن حزم بذلك في هذه المسألة حيث قال: (فحيث لم يجد ابن حزم من قال بإباحة حلق اللحية من السلف ومتقدمي العلماء جعل ذلك منهم بمنزلة الاتفاق على المنع) (٢)، ألا يكفي ذلك، أَمر النبي ﷺ بالإعفاء، ونُقل الإجماع على التحريم، ولم يوجد من قال بالإباحة من السلف-بإقرار المعترض-؛ ألا يكفي

стр. 290

واحدٌ منها؟! فكيف بها وقد اجتمعت؟! والاعتراض الصحيح: أن يأتي بمن خالف من السلف قبل حكاية ابن حزم للاتفاق، وينقض الإجماع بالخلاف المحفوظ قبله، ولو بفعل واحد. - و أما قصر دلالته على تحريم المُثلة فقط؛ فهذا لا يحتمله اللفظ: (اتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز … )، فهذا اعتراض مجرّد وتحكّم (١)، وكأن ابن حزم يرد عليه حين قال: (وكذلك الخليفة والفاضل والعالم) أي: لو تزينوا وتجملوا بحلق لحاهم فهي مُثلة محرمة، ومع تأويله البعيد للإجماع، مع امتناع التأويل والنسخ على الإجماع، فلو سلمنا بمراده فلن يُسلّم بالإجماع دليلاً، فالمناقشة معه في الأصل. - ثم إن ابن حزم لم ينفرد بالإجماع، ولم ينفرد بذكره من المثلة؛ فالنبي ﷺ روي عنه الاستنكار على المجوسي؛ حالق اللحية «من أمرك بهذا»؟!، وروي عنه أن إعفاءها من الفطرة، ومخالف الفطرة لا يسلم من المثلة ونحوها، ونصَّ على أنها من المثلة غير واحد، فهي عندهم؛ كجبِّ الذكر (٢)؛ وكحلق المرأة لرأسها، كما

стр. 291

قال ابن تيمية: (فأما حلقها؛ فمثل حلق المرأة رأسها وأشد؛ لأنه من المثلة المنهي عنها، وهي محرمة) (١)، وقد روي في الحديث: «من مَثَّل بالشَّعر، فليس له عند اللهِ خلاقٌ» (٢)، قال ابن الأثير: (مُثْلَة الشَّعَر: حَلْقُه منَ الخدُود، وقيلَ: نتفُه أو تغييره بالسَّواد) (٣)، وقال القرطبي: (وأما حلق اللحية فتشويه ومثلة، لا ينبغي لعاقل أن يفعلها بنفسه) (٤). - أما قول ابن الهمام: (لم يبحه أحد)؛ فإن المشهور المتبادر من هذه العبارة هو التحريم، وبذلك تتابع نقل الحنفية عن ابن الهمام، ولم يفهم الحنفية إلا تحريم الحلق، ولئن سُلّم أن ذلك فيه احتمال بأنه أراد الكراهة التنزيهية، فماذا سيقول بقول النفرواي: (لاشك في حرمته عند جميع الأئمة)؟! - أما القول بأن إطباق السلف على إعفاء اللحية وعدم حلقها؛ لأنهم لم يحتاجوا إلى الحلق، وأن الإعفاء من عادتهم!؛ فأين أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية؟! فامتثال الأمر هو الظن بالسلف، وهذا فيه حسن ظنٍّ بهم، ولضعف هذه المناقشة قال د. صالح الفوزان: (تعليل ساقط، يكفي سقوطه عن رده) (٥). - أما الخلاف في حلق اللحية؛ فلا يُسلّم به عند غير متأخري

стр. 292

الشافعية، وأحسبه مخالفاً لمنصوص إمامهم، ومسبوقاً بالإجماع، وهذا البيان المختصر لذلك: - أما المالكية؛ فلم يثبت هذا الوجه في شيء من كتبهم، بل المعتمد عندهم هو تحريم حلق اللحية (١)، بل قال النفراوي المالكي: (لاشك في حرمته عند جميع الأئمة) (٢). - وقد اعتمد المعترض (٣) في إثبات الخلاف عند المالكية على قول القاضي عياض (ت ٥٤٤): (وكُرِه قَصُّها وحلقُها وتحريقُها، وقد جاء الحديث بذم فاعل ذلك) (٤)، وهذا فيه قرينة تدل على التحريم، وهو قوله: (يذم فاعل ذلك) والمكروه لا يذم فاعله، والكراهة تطلق ويراد بها التحريم خاصة عند المتقدمين، و القاضي عياض يستعملها بما هو مجمع على تحريمه، مثل قوله عن نظر النساء للرجال: (إنما يكره لهنَّ من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر؛ لتأمل المحاسن، والالْتِذَاذِ بذلك) (٥)، والإجماع على تحريم نظر المرأة للرجل بشهوة (٦).

стр. 293

- وأما مذهب الشافعية؛ فمنصوص الشافعي هو التحريم (١)، وقد اعترض ابن الرفعة (ت ٧١٠) (٢) على من يقول بالكراهة، بأن ذلك مخالف لمنصوص الشافعي في الأم (٣). - وصرَّح بالتحريم جماعة من متقدمي الشافعية، ومنهم: القفال الشاشي (ت ٣٦٥) (٤)، والحليمي (ت ٤٠٣) (٥)، والماوردي (ت ٤٥٠) (٦)، حتى قال الغزالي (ت ٥٠٥): (وفي اللحية عشر خصال مكروهة وبعضها أشد كراهة من بعض … الخامس: نتفها أو نتف بعضها … أما نتفها في أول النبات تشبها بالمرد فمن المنكرات الكبار؛ فإن اللحية زينة الرجال) (٧)، وفي النص قيود مهمة فقوله: (بعضها أشد من بعض) يدل على أنها ليست في درجة واحدة؛ فقد تكون كراهتها للتنزيه،

стр. 294

أو للتحريم، فلما قال في نتف اللحية: (من المنكرات الكبار) علم أن كراهتها تحريمية، ولعله من هذا النص وبعده حصل الخُلف في مذهب الشافعي، وبيان ذلك باختصار: - أن النووي (ت ٦٧٦) ذكر في روضة الطالبين كلام الغزالي مختصراً، فقال: (ذكر الغزالي وغيره، في اللحية عشر خصال مكروهة … ) (١)، فلم يذكر أن بعضها أشد من بعض، ولا أن نتف اللحية من المنكرات الكبار، وقد ذكر ذلك أيضاً في المجموع و اختصره، لكنه لما ذكر نتف اللحية وتخفيفها بالموسى، قال: (وهذه الخصلة من أقبحها) (٢)، ومن نصوص النووي التي أطلق فيها الكراهة، قوله: (ويكره تنقية شيب، وأخذ من حاجب ولحية … وحلقها ونتفها لاسيما أول طلوعها، وحفها، وحلق رأس المرأة) (٣). - ونقل الإسنوي عن الرافعي: (ذكر الرافعي في اللحية عشر خصال مكروهة … ونتفها أول طلوعها إيثاراً للمردة وحسن الصورة) (٤)، والظاهر أن النص المنقول واحد يختصره بعضهم، ولعل لفظ الكراهة فيه هي سبب الإشكال. - ثم أنتقل بعد ذلك إلى مانقله ابن حجر الهيتمي، بقوله: (قال

стр. 295

الشيخان: يكره حلق اللحية، واعترضه ابن الرفعة في حاشية الكافية؛ بأن الشافعي -رضي الله تعالى عنه- نص في الأم على التحريم) (١)، والمقصود بالشيخين: الرافعي (ت ٦٢٣)، والنووي (ت ٦٧٦) والمعتمد عند متأخري الشافعية هو ما اتفق عليه الشيخان (٢)، ولكن ذلك مخالف لمنصوص الشافعي كما ذكر ابن الرفعة وهو (ثالث الشيخين، وأعجوبة في معرفة نصوص الشافعي) كما قال السيوطي (٣)، إضافة إلى أن الكراهة التنزيهية غير صريحة في كلامهما، وخاصة النووي؛ حيث يقول عن تخفيف اللحية بالموسى: (وهذه الخصلة من أقبحها) وفي الأصل الذي نقل عنه النووي قال الغزالي: (من المنكرات الكبار)، فلا نستطيع أن ننسب للنووي مخالفة الإجماع أو مخالفة نص الشافعي، وكذلك الرافعي، ومع عدم صراحة المنقول عنهما على التحريم فإنه مخالف للمنصوص عن الشافعي والمتقدمين من أصحابه قبل الشيخين. - ثم اشتهر القول بالكراهة بعد ذلك عند الشافعية، حتى قال ابن الملقن (ت ٨٠٤) عندما حكى قول الحليمي الشافعي وتحريمه لحلق اللحية: (وماذكره في حق اللحية حسن، وإن كان المعروف في المذهب الكراهة) (٤)، إلى أن صرّح الرملي الكبير (ت ٩٥٧) بضعف

стр. 296

القول بالتحريم، وصرّح ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤) بأن التحريم خلاف المعتمد (١). - لكنه لم يزل جماعة من متأخري الشافعية على التصريح بالتحريم (٢)، وصوّب الأذرعي (ت ٧٨٣) التحريم بقوله: (الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها كما يفعله القلندرية) (٣)، ورد الإسنوي القول بالكراهة حين قال: (ما ذكره من الكراهة مردود بنص الشافعي) (٤)، وصرّح الشيخان: (بأن نص الإمام في حق المقلد كالدليل القاطع) (٥). - والخلاصة: أن مذهب الشافعي هو التحريم، واشتهر عند متأخري الشافعية الكراهة، وأول من نُقل عنه القول بالكراهة الرافعي (ت ٦٢٣)، وهو غير صريح في التحريم، خاصة وأن فيه اختصاراً، وعلى أبعد التقادير وأنه صرّح بعدم التحريم، فإن هذا اجتهاد مذهبي بين مقلدة الشافعي في منصوصه ومفهومه وقواعد المذهب، وليس اجتهاداً في نصوص الشريعة، أو عن دليل شرعي (وإنما يعد في الخلاف: الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة) (٦)، وعلى فرض أنه مجتهد اجتهاداً مطلقاً فإن بينه وبين الإجماع

стр. 297

المنقول بالتحريم مفاوز تقارب القرنين من الزمان، فهو محجوج بالإجماع قبله. - وأما مذهب الحنابلة؛ فهو تحريم حلق اللحية بلا شك، قال السفّاريني: (والمعتمد في المذهب حرمة حلق اللحية) (١)؛ ولم يأتِ المعترض بنصٍّ واحد عن الحنابلة فيه تجويز الحلق، وقد ذكر المُعترض قول ابن مفلح: (وأطلق أصحابنا وغيرهم الاستحباب) (٢)، بما يوهم القارئ أن مراد ابن مفلح في اللحية وعدم تحريم حلقها غفلة أو تدليساً (٣)، وابن مفلح إنما قال ذلك في الشارب وسياق الكلام في الشارب (٤)، وقد ذكر حكم اللحية وتحريم حلقها قبل ذلك، وفي عبارة ابن مفلح مايرد وهمه حين قال: (وأطلق أصحابنا وغيرهم الاستحباب) فالذي استحبّه الحنابلة وغيرهم ولم يوجبوه وحكي إجماعاً هو الأخذ من الشارب، وقد سبق في تحرير محل الشذوذ. - أما قول ابن مفلح في الآداب: (ويسن أن يعفي لحيته) (٥)؛ فليس مراده تجويز الحلق؛ لأن معنى الإعفاء الترك أو التكثير ولذلك قال

стр. 298

بعدها: (وقيل: قدر قبضة، وله أخذ ما زاد عنها وتركه، نص عليه. وقيل: تركه أولى)؛ فلا تعارض بين سنية الإعفاء، وتحريم الحلق، وهم يجمعون بينهما، كقوله في الإقناع: (ويُسن … إعفاء اللحية ويحرم حلقها) (١)، وقال في دليل الطالب: (يُسن … إعفاء اللحية، وحرم حلقها ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها) (٢). - فإذا قالوا: يسن الإعفاء فهو في الإعفاء المطلق، أما مطلق الإعفاء؛ فهو واجب؛ بدليل تحريمهم للحلق في ذات السياق، وأختم بهذا السياق الحنبلي الذي يجمع الشتات: (وسن إعفاء اللِّحية بألا يأخذ منها شْيئاً، قال في المذهب: ما لم يستهجن طولها. ويحرم حلقها، ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة مِنْهَا) (٣). - والخلاصة: أن حلق اللحية ليس فيه خلاف عند الحنابلة وأنه محرم، وهو الموافق للإجماع، ولم يأت المعترض إلا بمُجملات تردها المحكمات من نصوصهم، وعندما يقولون: إن التحريم ذكره ابن تيمية، فلا يراد أنهم يختلفون في ذلك، ولذلك لم يَحْكِ ابن مفلح في "الفروع" ولا المرداوي في "تصحيح الفروع" و"الإنصاف" قولاً ولا روايةً ولا وجهاً يخالف التحريم عند ذكره عن الشيخ، بل لم يتعقبه أحد من الحنابلة. المسألة الثانية: أدلة (٤) القائلين بجواز حلق اللحية: استدل أصحاب هذا القول: - بـ (أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها: حلق اللحية من

стр. 299

العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها إلى استحسان البيئة) (١). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن جعل اللحية من العادات من المُحدثات، و لم أقف على ذلك عند الفقهاء، (وقد اتفقت الأمة على أنها من الملة) (٢). - وعلى فرض التسليم بأنها من العادات، وترجع إلى العرف، فإن ذلك (يحتاج إلى قيد، وهو: بشرط أن يكون عُرفاً غير مخالف للمأمور به في الشرع؛ فإن الأعراف في اللباس والهيئات الشخصية حين تأتي مخالفة للأمر الشرعي تكون فاسدة يجب تغييرها) (٣).

стр. 300

- وإعفاء اللحية من الفطرة التي لا تتغير، وإن تغيرت البلاد والأعراف، و (إعفاء اللحية مطلوب شرعاً؛ اتفاقاً للأحاديث الواردة بذلك) (١)، و لا يصح معارضة الشرع بالعادة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٢). - والقول بأن اللحية من العادات أو أنها من المظاهر التي لا توجبها الشريعة، هذا منقوض بنصوص الوعيد للمسبل ولابس الحرير، واللعن للنامصة والواصلة، وتحريم استعمال آنية الذهب والفضة، ويلزم منه ما هو فاسد؛ كما لو اعتاد الناس ما خالف الفطرة من المظاهر؛ كالعري، وإطالة الأظفار، ونحوهما، فهل حسنهما متروك للناس، (بدعوى أن العصر الذي هم فيه يستذوقها ويستحسنها وأنها من المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام بل يتركها لأذواقهم) (٣)؟! هذا لازم لهم. - لا شك أن مثل هذه الدعاوي العصرانية، والمسالك العلمانية، تأباها نصوص الشريعة، التي جاءت لتحكم على الظاهر والباطن، والدقيق والجليل، حتى قيل لسلمان الفارسي ﵁: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة قال سلمان: أجل «لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط، أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» (٤)، وهذا مثالٌ فيه اهتمام الشريعة بأمرٍ معتاد ظاهري متناهٍ في الخصوصية، فأمرت فيه ونهت، وما فوقه من باب أولى.

стр. 301

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، الذي يظهر أن نسبة القول بجواز حلق اللحية إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته النصَّ والإجماع الصحيح على التحريم، ولم يثبت بعد البحث مخالف يصح أن يُخرم به الإجماع الذي حكاه ابن حزم (ت ٤٥٦) وتتابع العلماء على حكايته، وأول من حُكي عنه القول بالكراهة الرافعي الشافعي (ت ٦٢٣)، ومع عدم صراحته عنه، فهو مسبوق بالإجماع، و مخالف لمنصوص الشافعي، وللمتقدمين من أصحابه، وهو اجتهاد في المذهب، وليس في الأدلة، وهذا التقليد ولو تقدم لا يُخرم بمثله الإجماع الذي هو اتفاق المجتهدين، أما القول بأن اللحية من العادات؛ فهو قول معاصر مُحدث لم أقف عليه عند أحد من العلماء قبل عصرنا، والله أعلم.

стр. 302

يقول ابن المبارك: (ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة)، قال الذهبي: (ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به الله). سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٧)

стр. 303

المبحث العاشر: وجوب قص ما زاد عن القبضة من اللحية وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 304

(يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل). الشاطبي ﵀ الموافقات (٢/ ٢٨٩)

стр. 305

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: القبضة لغة: مصدر قبض يقبض قبضاً، والقبض ضد البسط (١)، ومنه قول الله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (٣)، ويدل القبض: على التجمع في الشيء، وعلى شيء مأخوذ، و على جمع الكف على الشيء (٤)، (والقبضة: ما أخذت بجمع كفك كله، فإذا كان بأصابعك فهي القبصة) (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (٦)، أي: (أخذت ملء كفي من تُرَاب موطئ فرس جِبْرِيل ﵇ (٧). والقبضة في الاصطلاح لا تختلف عن القبضة في اللغة وقرّبها بعضهم بأنها: (أربع أصابع مضمومة) (٨)، والقبضة من المقادير التي يُقدّر بها في مواضع يسيرة في الفقه منها: الأخذ من اللحية، وفي بعض مواضع الإطعام كما روي عن عمر، وابنه عبدالله ﵃ في صيد المحرم للجراد بأن فيه: (قبضة من طعام) (٩).

стр. 306

والمقصود بقدر القبضة في اللحية: (هو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد على قبضته قطعه) (١). ومما هو مهمٌ في فهم المسألة: معرفة مذاهب العلماء، وتحرير قول الأئمة الأربعة خاصة، في اللحية والسنة فيها، وحكم الأخذ منها، وهذا هو البيان المختصر لها: - السنة في اللحية عند الحنفية: ألا تجاوز القبضة فما زاد عن قبضته سُنّ له جزه، قال ابن عابدين: (قال أصحابنا: الإعفاء تركها حتى تكث وتكثر والقص سنة فيها، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد منها على قبضة قطعها، كذلك ذكر محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة قال: وبه نأخذ) (٢)، وعند الحنفية قول غير مشهور بوجوب الأخذ تأوله بعضهم؛ لإشكاله على المذهب، قال ابن نجيم: (وقد صرح في النهاية [شرح الهداية] بوجوب قطع ما زاد على القُبضة بالضم، ومقتضاه الإثم بتركه) (٣)، فقال بعضهم: أن المقصود (يحب) وليس (يجب)، ورُد ذلك بأنه خلاف الظاهر والمعهود في مثله استمعال (يستحب)، وقال الحصكفي: (إلا أن يُحمل الوجوب على الثبوت) (٤)، قال ابن عابدين: (يؤيده أن ما استدل به صاحب

стр. 307

النهاية لا يدل على الوجوب … ولذا حذف الزيلعي لفظ يجب وقال وما زاد يقص) (١)، وقال في منحة الخالق: (وظاهر قول الهداية: (ولا يفعل لتطويل اللحية إلخ) يفيد الكراهة) (٢). - وعند المالكية: لابأس بالأخذ من اللحية إذا طالت، بحيث خرجت عن المعتاد لغالب الناس، فيقتصر على ما تحسن به الهيئة، قال ابن عبدالبر: (روى أصبغ عن بن القاسم قال سمعت مالكاً يقول: لا بأس أن يأخذ ما تطاير من اللحية وشذ، وقال: فقيل لمالك: فإذا طالت جداً فإن من اللحى ما تطول؟ قال: أرى أن يؤخذ منها وتقصر) (٣)، قال النفراوي: (وحكم الأخذ الندب ف (لا بأس) هنا لما هو خير من غيره، والمعروف لا حد للمأخوذ) (٤)، هذا هو المعروف عند المالكية، قال العدوي: (ومقابل المعروف ما قاله الباجي: إنه يقص ما زاد على القبضة) (٥). - وعند الشافعية: أن الأخذ المستحب إنما هو في النسك لمن لم يكن له شعر، قال الشافعي: (وإن كان الرجل أصلع، ولا شعر على رأسه، أو محلوقاً، أمرّ الموسى على رأسه، وأحب إليّ لو أخذ من لحيته، وشاربيه حتى يضع من شعره شيئاً لله) (٦)، قال النووي: (ونقله الأصحاب واتفقوا عليه) (٧)، واعترض على ذلك بعضهم (٨).

стр. 308

- وأما في غير النسك؛ فلم أقف على نص فيه للشافعي، ونقل عنه العراقي بأنه خلاف الأولى (١)، وصرّح النووي ومن بعده من الشافعية بالكراهة، قال النووي: (الصحيح كراهة الأخذ منها مطلقاً بل يتركها على حالها كيف كانت) (٢)، قال الهيتمي: (ظاهر كلام أئمتنا كراهة الأخذ منها مطلقاً) (٣). - وأما الحنابلة: فيجوز عندهم الأخذ مما زاد عن القبضة قال المرداوي: (ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة. ونصه: لا بأس بأخذ ذلك. وأخذ ما تحت حلقه. وقال في المستوعب: وتركه أولى. وقيل: يكره) (٤)، والكراهة وجه في المذهب. - أما نص أحمد فكما نقله المرداوي وغيره، و كما قال الخلال: (أخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق [بن هانئ] حدثهم قال: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة. قلت: فحديث النبي: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى»؟ قال: يأخذ من طولها، ومن تحت حلقه. ورأيت أبا عبد الله يأخذ من طولها ومن تحت حلقه) (٥)، وروى نحو ذلك

стр. 309

حرب عن الإمام أحمد (١). - وخالفهما حنبل بن إسحاق فأغرب، حيث روى الخلال قال: (أخبرني عبد الله بن حنبل قال حدثني أبي قال: قال أبو عبد الله: ويأخذ من عارضيه، ولا يأخذ من الطول. وكان ابن عمر يأخذ من عارضيه إذا حلق رأسه في حج أو عمرة، لا بأس بذلك) (٢)، وهذا مخالف للثابت عن ابن عمر- وعن أحمد، وحنبل بن إسحاق

стр. 310

قال عنه الذهبي: (له مسائل كثيرة عن أحمد، ويتفرد، ويغرب) (١)، ولذلك قال الألباني عن هذه الرواية: (هذه الرواية شاذة؛ إن لم أقل: منكرة عن الإمام أحمد) (٢). - ويمكن تلخيص المذاهب السابقة بما قاله القاضي عياض: (وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، ويكره الشهرةُ في تعظيمها وتحليتها؛ كما تُكره في قصِّها وجزّها، وقد اختلف السلف هل لذلك حَدٌّ؟ فمنهم: من لم يُحدِّد إلا أنه لم يتركها لحدِّ الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًا، ومنهم: من حدَّد، فما زاد على القبضةِ فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا فى حج أو عُمرة) (٣). وبعد: فهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. نُقل الإجماع على تحريم حلق اللحية (٤). ٢. وقيل عن الأخذ من اللحية بما دون القبضة: (لم يبحه أحد) (٥). ٣. واتفقوا على عدم تحريم أخذ ما زاد عن القبضة من اللحية وخاصة

стр. 311

في النسك (١)، وذهب بعض المعاصرين إلى تحريم الأخذ من اللحية مطلقاً (٢)، وذهب بعض المعاصرين في مقابله إلى وجوب أخذ ما زاد عن القبضة من اللحية، وعدّ تركها من البدع، وهذا هو الرأي المراد بحثه وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 312

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: القائل بهذا الرأي من المعاصرين هو: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) (١) ﵀. المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: - هو ما قاله تلميذه أبو إسحاق الحويني (٢): (فتوى وجوب الأخذ

стр. 313

من اللحية مما يجب تركه من فتاوى الشيخ … وهذه الفتيا بوجوب الأخذ ليس له فيها سلف يقيناً، إنما الاقتصار على القول بأن ابن عمر كان يأخذ وهذا فعل لا قول … وأنا -وهذا مبلغ علمي- أرى أن هذه الفتوى شاذة) (١).

стр. 314

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بمشروعية الأخذ مطلقاً أو في النسك خاصة ولم يروا وجوب الأخذ: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قول جابر بن عبدالله ﵁: «كنا نُعفي السِّبالَ إلا في حجٍّ أو عمرة» (١)، وقال عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤) (٢): (كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة) (٣)، وقال إبراهيم النخعي

стр. 315

(ت ١٩٦) (١): (كانوا يطيبون لحاهم، ويأخذون من عوارضها) (٢)، وروي عن الحسن البصري (ت ١١٠) قوله: (كانوا يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها) (٣). وجه الاستدلال: - أن قول جابر ﵁: (كنا) يحتمل الرفع إن أضيف لزمن النبوة، أو الإجماع لإضافته للصحابة، يؤكد ذلك حكاية عطاء والحسن عنهم أيضاً بقولهما: (كانوا)، ثم حكاية النخعي عن التابعين بقوله (كانوا)، وقد قال النخعي: (ماقلت لكم: كانوا يستحبون، فهو الذي أجمعوا عليه) (٤)، ولعله يريد أصحاب ابن مسعود (٥)، والأخذ (في الحج دليل على جواز الأخذ من اللحية في غير الحج؛ لأنه لو كان غير جائز ما جاز في الحج؛ لأنهم أمروا أن

стр. 316

يحلقوا أو يقصروا إذا حلوا محل حجهم ما نهوا عنه في حجهم) (١). ٢/ ومن أدلتهم: أن عبد الله بن عمر ﵄: (كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج، لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئاً، حتى يحج) (٢)، و (كان إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه) (٣)، وأنَّ أباهريرة ﵁: (كان يقبض على لحيته، ثم يأخذ ما فضل عن القبضة) (٤). وجه الاستدلال: - أنَّ ابن عمر روى حديث: «أعفوا اللّحى» (٥)، وأبا هريرة روى حديث: «أرخوا اللحى» (٦) ﵃، ومع ذلك صحّ عنهما الأخذ من

стр. 317

اللحية فدلّ على أن ذلك لا ينافي الإعفاء والإرخاء، قال ابن عبدالبر عن فعل ابن عمر: (وهو أعلم بمعنى ما روى) (١)، خاصة وأن المعنى يحتمل ذلك قال الطوفي: (إذا كان الخبر يحتمل وجوهاً، وتتجه له محامل، ففسره الراوي على بعضها; كان ما فسره الراوي عليه مقدماً على باقيها) (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أنه مخالف للأحاديث المرفوعة، وهو اجتهاد من الصحابي، والعبرة بما روى لا بما رأى، (وقد اتفق المسلمون على أنه لا يعارض قول النبي ﷺ بقول أحد من الناس ولا فعله) (٣). - و النبي ﷺ قال: «أعفوا» فعمّم ولم يستثن حالاً من حال (٤)، ويؤيده حال النبي ﷺ حيث لم يثبت (عن النبي ﷺ الأخذ من اللحية لا قولاً … ولا فعلاً) (٥). - ثم إن (ابن عمر لم يكن يفعل هذا دائماً، وإنما يفعله إذا حلّ من الإحرام) (٦)، و (لعلّ ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك … ليدخل في عموم قوله تعالى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾) (٧).

стр. 318

وأجيب عن هذه المناقشة بأمور: - أن نصب الخلاف بين النبي ﷺ وصحابته خطأ (١)؛ فإن معنى الإعفاء هو التكثير (٢)، كما قال الله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٣)، (أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم) (٤)، وهذا مافهمه الصحابة والتابعون وأكثر العلماء، قال ابن حجر: (ذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا وهو الصواب) (٥)، أما قَصْرُ معنى الإعفاء على الترك مطلقاً، فهذا لم يفهمه السلف فيما وقفت عليه، وهم أعلم بالشرع واللغة، وأكثر ديناً وورعاً. - أما كون النبي ﷺ لم يستثن شيئاً في الإعفاء؛ فهذا يعود إلى معنى الإعفاء، وسبق أن معنى الإعفاء هو التكثير فلاحاجة للإستثناء، أما من رأى أن الإعفاء بمعنى الترك مطلقاً؛ ففهم منه كراهة الأخذ في غير النسك (٦)، وفهم بعض المعاصرين التحريم مطلقاً. - والحق أن الإجمال في معنى الإعفاء، وتردد المعنى بين التكثير والترك، مفسّر بفهم السلف له بما يوافق اللغة، فارتفعت دلالة الإعفاء على التكثير من الظن إلى القطع. - أما الاستدلال بعدم أخذ النبي ﷺ ؛ فهذا ممتنع حتى يثبت أن لحية

стр. 319

النبي ﷺ كانت طويلة ثم لم يأخذ منها، وقد صحَّ أنه ﷺ : «كان كثير شعر اللحية» (١)، قال أبو العباس القرطبي: (ولا يفهم من هذا أنه كان طويلها، لما صحَّ أنه كان كثَّ اللحية أي كثير شعرها، غير طويلة) (٢)، ولا يبعُد أن يكون ابن عمر أخذ من لحيته ليشابه لحية النبي ﷺ ؛ لما عُرف عنه من المتابعة للنبي ﷺ حتى في بعض الهيئات والأفعال العادية. - أما تخصيص فعل ابن عمر ﵁ بالنسك، فهذا يُسلّم به في حالة، وهي إن أريد به أن للنسك خصوصية، ومعنى للتعبد في الأخذ؛ لأنه من قضاء التفث (٣)، وبذلك فسّره ابن عباس ﵁ في معنى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٤) قال: (التّفث: الرمي، والذبح، والحلق، والتقصير، والأخذ من الشارب والأظفار واللحية) (٥). - أما إن أريد به أنَّ ابن عمر ﵁ كان لا يأخذ إلا في النسك؛ فلا

стр. 320

يسلّم بذلك، ويردّه أن ابن عمر كان يمسك عن الأخذ للإحرام فقط، فهو يأخذ قبل شوال للعيد، وبعد الحج قضاء للتفث، ودليله ما في الموطأ أن عبدالله بن عمر: (كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج، لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئاً، حتى يحج) (١)، قال الزرقاني: (طلباً لمزيد الشعث المطلوب في الحج) (٢)، قال ابن حجر: (الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية، أو عرضه) (٣). - ومما يدل على أن وصف النسك غير مؤثر، ما أخرجه مالك بلاغاً: (أنَّ سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم دعا بالجلمين فقص شاربه. وأخذ من لحيته. قبل أن يركب. وقبل أن يهل محرماً) (٤). - وعلى فرض التخصيص بالنسك؛ فإنه إذا شرع في النسك فلا يكون محرماً في غيره كحلق الرأس أو تقصيره. - ثم إن سُلّم خصوصية ذلك بالنسك من فعل ابن عمر ﵁، فلا يُسلّم به من فعل أبي هريرة ﵁، ولا من قول الحسن والنخعي
следующие страницы →