← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يحلقوا أو يقصروا إذا حلوا محل حجهم ما نهوا عنه في حجهم) (١). ٢/ ومن أدلتهم: أن عبد الله بن عمر ﵄: (كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج، لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئاً، حتى يحج) (٢)، و (كان إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه) (٣)، وأنَّ أباهريرة ﵁: (كان يقبض على لحيته، ثم يأخذ ما فضل عن القبضة) (٤). وجه الاستدلال: - أنَّ ابن عمر روى حديث: «أعفوا اللّحى» (٥)، وأبا هريرة روى حديث: «أرخوا اللحى» (٦) ﵃، ومع ذلك صحّ عنهما الأخذ من

стр. 317

اللحية فدلّ على أن ذلك لا ينافي الإعفاء والإرخاء، قال ابن عبدالبر عن فعل ابن عمر: (وهو أعلم بمعنى ما روى) (١)، خاصة وأن المعنى يحتمل ذلك قال الطوفي: (إذا كان الخبر يحتمل وجوهاً، وتتجه له محامل، ففسره الراوي على بعضها; كان ما فسره الراوي عليه مقدماً على باقيها) (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أنه مخالف للأحاديث المرفوعة، وهو اجتهاد من الصحابي، والعبرة بما روى لا بما رأى، (وقد اتفق المسلمون على أنه لا يعارض قول النبي ﷺ بقول أحد من الناس ولا فعله) (٣). - و النبي ﷺ قال: «أعفوا» فعمّم ولم يستثن حالاً من حال (٤)، ويؤيده حال النبي ﷺ حيث لم يثبت (عن النبي ﷺ الأخذ من اللحية لا قولاً … ولا فعلاً) (٥). - ثم إن (ابن عمر لم يكن يفعل هذا دائماً، وإنما يفعله إذا حلّ من الإحرام) (٦)، و (لعلّ ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك … ليدخل في عموم قوله تعالى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾) (٧).

стр. 318

وأجيب عن هذه المناقشة بأمور: - أن نصب الخلاف بين النبي ﷺ وصحابته خطأ (١)؛ فإن معنى الإعفاء هو التكثير (٢)، كما قال الله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٣)، (أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم) (٤)، وهذا مافهمه الصحابة والتابعون وأكثر العلماء، قال ابن حجر: (ذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا وهو الصواب) (٥)، أما قَصْرُ معنى الإعفاء على الترك مطلقاً، فهذا لم يفهمه السلف فيما وقفت عليه، وهم أعلم بالشرع واللغة، وأكثر ديناً وورعاً. - أما كون النبي ﷺ لم يستثن شيئاً في الإعفاء؛ فهذا يعود إلى معنى الإعفاء، وسبق أن معنى الإعفاء هو التكثير فلاحاجة للإستثناء، أما من رأى أن الإعفاء بمعنى الترك مطلقاً؛ ففهم منه كراهة الأخذ في غير النسك (٦)، وفهم بعض المعاصرين التحريم مطلقاً. - والحق أن الإجمال في معنى الإعفاء، وتردد المعنى بين التكثير والترك، مفسّر بفهم السلف له بما يوافق اللغة، فارتفعت دلالة الإعفاء على التكثير من الظن إلى القطع. - أما الاستدلال بعدم أخذ النبي ﷺ ؛ فهذا ممتنع حتى يثبت أن لحية

стр. 319

النبي ﷺ كانت طويلة ثم لم يأخذ منها، وقد صحَّ أنه ﷺ : «كان كثير شعر اللحية» (١)، قال أبو العباس القرطبي: (ولا يفهم من هذا أنه كان طويلها، لما صحَّ أنه كان كثَّ اللحية أي كثير شعرها، غير طويلة) (٢)، ولا يبعُد أن يكون ابن عمر أخذ من لحيته ليشابه لحية النبي ﷺ ؛ لما عُرف عنه من المتابعة للنبي ﷺ حتى في بعض الهيئات والأفعال العادية. - أما تخصيص فعل ابن عمر ﵁ بالنسك، فهذا يُسلّم به في حالة، وهي إن أريد به أن للنسك خصوصية، ومعنى للتعبد في الأخذ؛ لأنه من قضاء التفث (٣)، وبذلك فسّره ابن عباس ﵁ في معنى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٤) قال: (التّفث: الرمي، والذبح، والحلق، والتقصير، والأخذ من الشارب والأظفار واللحية) (٥). - أما إن أريد به أنَّ ابن عمر ﵁ كان لا يأخذ إلا في النسك؛ فلا

стр. 320

يسلّم بذلك، ويردّه أن ابن عمر كان يمسك عن الأخذ للإحرام فقط، فهو يأخذ قبل شوال للعيد، وبعد الحج قضاء للتفث، ودليله ما في الموطأ أن عبدالله بن عمر: (كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج، لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئاً، حتى يحج) (١)، قال الزرقاني: (طلباً لمزيد الشعث المطلوب في الحج) (٢)، قال ابن حجر: (الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية، أو عرضه) (٣). - ومما يدل على أن وصف النسك غير مؤثر، ما أخرجه مالك بلاغاً: (أنَّ سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم دعا بالجلمين فقص شاربه. وأخذ من لحيته. قبل أن يركب. وقبل أن يهل محرماً) (٤). - وعلى فرض التخصيص بالنسك؛ فإنه إذا شرع في النسك فلا يكون محرماً في غيره كحلق الرأس أو تقصيره. - ثم إن سُلّم خصوصية ذلك بالنسك من فعل ابن عمر ﵁، فلا يُسلّم به من فعل أبي هريرة ﵁، ولا من قول الحسن والنخعي

стр. 321

عن الصحابة والتابعين، ولا من فتوى بعض التابعين كما قال الحسن، وابن سيرين: (لا بأس به أن تأخذ من طول لحيتك) (١)، قال ابن عبدالبر: (هذا ابن عمر روى «أعفوا اللحى» وفهم المعنى فكان يفعل ما وصفنا، وقال به جماعة من العلماء في الحج وغير الحج) (٢). - وهذا هو المشهور عند الفقهاء في مختلف الأمصار، فعطاء في مكة، وطاووس في اليمن، والحسن في البصرة، وإبراهيم النخعي في الكوفة (٣)، ثم الأئمة الأربعة من بعدهم. المسألة الثانية: أدلة القائلين بوجوب الأخذ من القبضة: استدل الألباني على الوجوب بقاعدة هي: (أن الفرد من أفراد العموم إذا لم يجر العمل به، دليل على أنه غير مراد منه) (٤)، أي: من العموم، فالأخذ من اللحية كان معروفاً عند السلف، وفيهم من روى الأمر بالإعفاء، فدل على أن عموم الترك، أو الترك المطلق للحية غير مراد شرعاً (٥).

стр. 322

ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن هذه القاعدة: (قاعدة باطلة، ولا نعلم لها أصلاً … ، ودليل بطلانها عدم اطرادها في غالب فروعها بالإجماع، فإن من فروعها أن المتصدق مثلاً، يجب ألا يتعدى مقدار ما أنفقه أحد من السلف، ولا يقول بهذا أحد من المسلمين) (١). - و (باستقراء سير السلف الصالح، وُجد من وصف بعضهم إطلاق لحاهم، ومنها الطويل وما يتجاوز السرة) (٢). - أن التبديع فيما لم يكن فيه تعبد ظاهر محل نظر وتأمل، وإعفاء اللحية عبادة، أما الأخذ من اللحية فالأقرب أنه من باب التحسين وعدم الشهرة (٣)، ومن أطال لحيته فليس ذلك من فعله، فكيف يأثم فيما ليس له فيه فعل. - ثم إن التأثيم ووجوب الأخذ ليس له فيه سلف (٤)، وقد قال عطاء:

стр. 323

(كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة) (١)، وقال الحسن: (كانوا يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها) (٢)، فهم يحبون الإعفاء، و لا يوجبون الأخذ، ولايحرمون الترك بل يحبونه، و (يرخصون) فيما زاد عن القبضة بالأخذ مما يدل على أن ذلك رخصة جائزة لا واجبة، وقد كان طاوس: (يأخذ من لحيته، ولا يوجبه) (٣). - ثم إن المنقول عنهم هي الأفعال، وأفعال النبي ﷺ لا تدل على الوجوب إلا في حالات خاصة، فكيف بمن دونه، ولاشك أن أفعالهم لا تدل على الوجوب. ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - بأن تخصيص النص العام بعمل الصحابة مما هو معروف، وبخاصة إذا انتشر ولم يوجد مخالف أو كان هو الراوي، و (الخلاف فيه بما إذا لم يعلم انتشاره، وإن انتشر وانقرض العصر كان التخصيص به؛ لأنه إما إجماع أو حجة) (٤). - هذا إذا لم نقل بأن جواز الأخذ إجماع من السلف، وليس هذا ببعيد مع قول عدد من التابعين: (كانوا)، وقد قال القرافي عن الإجماع: (وهو مقدم على الكتاب والسنة والقياس) (٥)، وهذا التقديم باعتبار أن النص يقبل النسخ والتأويل بخلاف الإجماع،

стр. 324

ولأن دلالة الإجماع قطعية بخلاف القياس، وإن لم نجزم بالإجماع، لكنه مشهور فيهم قطعاً دون نكير. - أما القول بأنه: (ليس له فيه سلف)، فقد يقال: بأن الطبري، وقول عند الحنفية، لهم مايحتمل موافقة الشيخ فيه، وذلك أن العيني نقل عن الطبري أنه قال: (أن اللحية محظور إعفاؤها، وواجب قصها على اختلاف من السلف في قدر ذلك وحده) (١). - قلت: هذا النص يحتمل أنه منقول بالمعنى، خاصة وأن ابن حجر نقل عن الطبري هذا الكلام، والغالب أن العيني نقل عن ابن حجر كما هو مشهور، ومما قاله ابن حجر في مذهب الطبري: (واختار قول عطاء وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به) (٢)، وقول عطاء نقله العيني وليس فيه الوجوب (٣)، وسبق نقل حكاية عطاء عن الصحابة: (كانوا يحبون). - وأما الحنفية فالقول بوجوب الأخذ عندهم متأخر وغير مشهور وليس هو المعتمد، ولذلك قال ابن عابدين: (ما استدل به صاحب النهاية لا يدل على الوجوب … ولذا حذف الزيلعي لفظ "يجب" وقال: وما زاد يقص) (٤)، وقال في منحة الخالق: (وظاهر قول الهداية: "ولا يفعل لتطويل اللحية إلخ" يفيد الكراهة) (٥).

стр. 325

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بوجوب الأخذ من اللحية إلى الشذوذ صحيحة؛ لأنه ليس له فيه سلف، و لا يعرف في الأقوال المعتبرة المنسوبة إلى الأئمة من يقول به، ولم أقف على من سبق الألباني إليه، ويقابل القول بوجوب الأخذ مما زاد عن القبضة، القول بتحريم الأخذ مطلقاً، وهو غير بعيد عنه في الشذوذ، وأول من وقفت عليه يصرّح بالتحريم هو الشيخ محمد بن إبراهيم (ت ١٣٨٩)، ولا يستقيم القول بالتحريم مع فعل الصحابة والسلف بالأخذ، واشتهار ذلك، وعدم وجود المُنكر، وهو من الأمور الظاهرة غير الخفية. وأعدل الأقوال فيما يظهر، هو القول باستحباب الترك مطلقاً، كما حكاه عطاء عن الصحابة بسند صحيح: (كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة) (١)، واستحباب الأخذ مما زاد عن القبضة في النسك، كما فسّره ابن عباس، حبر الأمة وترجمان القرآن، وأن الأخذ من التفث المأمور به، ويؤيده فعل ابن عمر ﵃، والله أعلم.

стр. 326

قال ابن سعدي ﵀: (من خواص الأقوال الضعيفة: وجود التناقض فيها، وعدم انبنائها على أصل متفق عليه، وصعوبة فهمها، وصعوبة العمل بها أو تعذّره … )، وقال: (من أعظم البراهين على صحة القول انضباطه، ويسر معرفته والعمل به). المناظرات الفقهية ﵀ ص (٤٠)، ص (١١٨)

стр. 327

الفصل الثاني: الآراء في الصلاة ، وفيه سبعة عشر مبحثاً: المبحث الأول: القول ببدعية النقاب المبحث الثاني: جواز التصوير المجسم لما له نفس المبحث الثالث: سنية وضع اليدين على الصدر في الصلاة المبحث الرابع: بدعية وضع الكفين على بعضهما بعد الرفع من الركوع المبحث الخامس: بطلان صلاة من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير المبحث السادس: وجوب متابعة الإمام إذا زاد في صلاته وعلم المأموم بالزيادة المبحث السابع: وجوب التقيد بما محله قبل السلام أو بعده في سجود السهو المبحث الثامن: لا إعادة للصلاة لمتعمد تركها في وقتها المبحث التاسع: بدعية الذكر بالسبحة المبحث العاشر: عدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في التراويح المبحث الحادي عشر: صحة صلاة التطوع من المضطجع القادر على القيام المبحث الثاني عشر: صحة إمامة المرأة للرجال

стр. 328

المبحث الثالث عشر: جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر لعذر المشقة مطلقاً المبحث الرابع عشر: وجوب صلاة الجمعة على المسافر المبحث الخامس عشر: سقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد إذا وافقت يوم الجمعة المبحث السادس عشر: مشروعية الاقتصار على خطبة واحدة في العيد المبحث السابع عشر: جواز الزيادة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة

стр. 329

الفصل الثاني: الآراء في الصلاة وفيه سبعة عشر مبحثاً: المبحث الأول: القول ببدعية النقاب . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 330

(فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولاً به عند الصحابة: ومن بعدهم: أو عند طائفة منهم، فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به). ابن رجب ﵀ بيان فضل علم السلف في مجموع رسائله (٣/ ١٧)

стр. 331

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: النقاب لغة: النّقب في الأصل يدل على فتحٍ في شيء (١)، والنِّقاب: (القناع على مارن الْأنف) (٢)، و (إِذا أدْنت المرأةُ نقابها إلى عينيها فتلك الوصوصة (٣)، فإن أنزلَته دون ذلك إلى المِحْجَر (٤) فهو النِّقاب، فإنْ كان على طَرفِ الأنفِ فهو اللِّفام، فإنْ كان على الفم فهو اللِّثام) (٥)، فالنقاب في اللغة على وجوه (٦). أما الانتقاب في الاصطلاح: فهو تغطية الوجه بالنقاب (٧)، بأن تغطي وجهها بالخمار وتجعل لعينيها خرقين تنظر منهما (٨). والنقاب معروف في الإسلام، وكان المقصود به النظر إلى الطريق (٩)، فلا يبدو من وجه المرأة إلا قدر الحاجة؛ للنظر دون توسّع بإظهار المحجر، أو الوجنة، وهذا وجه قول محمد بن سيرين: (النقاب

стр. 332

محدث) (١)، قال القاسم بن سلام (ت ٢٢٤): (والذي أراد محمد فيما نرى والله أعلم أن يقول إن إبداءهن المحاجر محدث، وإنما كان النقاب لاحقاً بالعين، أو أن يبدوَ إحدى العينين والأخرى مستورة، عرفنا ذلك بحديث يحدثه هو عن عبيدة أنه سأله عن قوله عز وعلا: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٢)، قال: فقنَّع رأسه، وغطى وجهه، وأخرج إحدى عينيه، وقال: هكذا (٣) … وإنما قال هذا محمد؛ لأن الوصاوص، والبراقع كانت لباس النساء، ثم أحدثن النقاب بعد ذلك) (٤). وهذا مروي عن ابن عباس ﵁ أيضاً: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة) (٥)، واستمر عمل المسلمات على ذلك دون نكير حتى قال أبو حيان (ت ٧٤٥): (كذا عادة بلاد الأندلس، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة) (٦).

стр. 333

قال ابن تيمية: (وثبت في الصحيح أن المرأة المحرمة تنهى عن الانتقاب والقفازين، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحْرِمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن، وأيديهن) (١). والمقصود بالنقاب في مسألتنا هو المقابل لكشف الوجه (٢)، وليس هو المقابل لتغطية الوجه، ولا ما قصده محمد بن سيرين من النقاب المُحدث الواسع الذي يبدي المحاجر. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. أجمع العلماء على أن المرأة لا تصلي وهي منتقبة، ولا

стр. 334

متبرقعة (١)، وأنها تكشف وجهها في الصلاة (٢). ٢. وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها فلا تغطيه، وعلى أنّ لها أن تسدل على وجهها شيئاً خفيفاً عن نظر الرجال (٣)، وعلى كراهة النقاب والبرقع للمحرمة (٤). ٣. واتفقوا على أن ستر الوجه والكف واجب على أمهات المؤمنين (٥)، وعلى أن جسد الحرة وشعرها عورة (٦)، واتفقوا على

стр. 335

عدم جواز كشفها لوجهها عند وجود الفتنة، أو فساد الزمان (١)، وجرى الإجماع العملي من المسلمات على الخروج من بيوتهن مغطيات لوجوههن، أو منتقبات و غير سافرات للوجوه (٢)، و خالف بعض المعاصرين في مشروعية النقاب؛ فقال: إنه بدعة، أو قال: بعدم مشروعيته، و هذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 336

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: - د. محمد سيد طنطاوي (ت ١٤٣١) (١)، و د. علي جمعة (٢)،

стр. 337

و د. أحمد الطيب (١).

стр. 338

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة النص الصريح. ٢/ مخالفة الإجماع، وتفصيلهما في المطلب الرابع. ٣/ وصفه بالشذوذ ونحوه، ومن ذلك: - قال محمد إسماعيل المقدّم (١): (فتيا شاذة) (٢)، وقال: (دعوى فاسدة يغني فسادها عن إفسادها، وباطلة يغني بطلانها عن إبطالها) (٣). - قال أبو إسحاق الحويني: (هذه الفتاوى سياسة مالها علاقة

стр. 339

بالدين … الذين يقولون إن النقاب بدعة هم المبتدعة حقاً، وهذا قول باطل) (١). - وقال مصطفى العدوي، عمن يقول إن النقاب ليس من الدين: (بحجة داحضة باطلة مفتراة على الله يقول فيها: إن النقاب ليس من الدين، و كذب وأثم) (٢). - وقال د. علي جمعة: (الذي يدّعي أن النقاب ليس من الشريعة البتة، وأنه عادة عثمانية، هذا خرافة، النقاب موجود في عصر من أيام الصحابيات والنقاب موجود عبر التاريخ) (٣).

стр. 340

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بمشروعية النقاب: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ ماجاء في حديث ابن عمر ﵁: « .. ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين» (١). وجه الاستدلال: - كما قال ابن تيمية: (هذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن) (٢)، قال الألباني: (فإنه يدل على إقرار تنقب المرأة غير

стр. 341

المحرمة، وهذا ما كان عليه كثير من الصحابيات الفاضلات؛ فإنهن كن ينتقبن، ويسترن وجوههن في عهد النبي ﷺ (١)، ولو كان النقاب بدعة، أو غير مشروع لنهيت عنه المرأة مطلقاً. - وليس فيه دلالة على أن النساء إذا لم ينتقبن أن يكشفن الوجوه (٢)، كما أن المحرم لما نهي عن السراويلات والقميص لم يفهم منه أن يكشف عورته، وبذلك يفهم معنى قولهم: إن وجه المرأة في الإحرام كبدن الرجل، وأن إحرامها في وجهها، (ونساؤه ﷺ أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كنّ: (يسدلن على وجوههن إذا حاذاهن الركبان، فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن) (٣)، وروى وكيع، عن شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة: ما تلبس المحرمة؟ فقالت: (لا تنتقب، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها) (٤)، ويؤيد ما ذكره ابن القيم هذا الأثر: - الذي أخرجه مالك بسند صحيح عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن

стр. 342

مع أسماء بنت أبي بكر الصديق) (١)، وأخرجه ابن خزيمة والحاكم من قول أسماء ﵂ قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك) (٢). ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على مشروعية النقاب أو تغطية الوجه، وجريان العمل بهما غير واحد: ١. … القاسم بن سلام (ت ٢٢٤): (الوصاوص والبراقع كانت لباس النساء، ثم أحدثن النقاب بعد ذلك) (٣)، وهذا فيه جريان العمل، وسبق بيان معنى قوله، وأن المُحدث هو إخراج ما زاد على العين، كالمحجر أو الوجنة. ٢. قال الغزالي (ت ٥٠٥): (لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات) (٤). ٣. وقال ابن حجر (ت ٨٥٢): (ولم تزل عادة النساء قديماً وحديثاً يسترن وجوههن عن الأجانب) (٥)، وحكى (استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد، والأسواق، والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال) (٦). ٤. وقال محمد بن عمر الجاوي الشافعي (ت ١٣١٦): (لم يزل الرجال على

стр. 343

ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن متنقبات) (١)، وماسبق كله في جريان العمل. ٥. يؤيد جريان العمل مانقله الجويني (ت ٤٧٨) من: (اتفاق المسلمين على منع النساء من التبرج، والسفور، وترك التنقب) (٢). ٦. ومانقله كذلك ابن رسلان (ت ٨٤٤) من: (اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق) (٣). - ونقل الإجماع كذلك بعض المعاصرين ومن ذلك: ٧. قال د. بكر أبوزيد (ت ١٤٢٩): (جرى الإجماع العملي بالعمل المستمر المتوارث بين نساء المؤمنين على لزومهن البيوت، فلا يخرجن إلا لضرورة أو حاجة، وعلى عدم خروجهن أمام الرجال إلا متحجبات غير سافرات الوجوه، ولا حاسرات عن شيء من الأبدان، ولا متبرجات بزينة) (٤).

стр. 344

٨. وقال عبدالمحسن العبّاد البدر: (وقد استمرت النساء في مختلف العصور على ستر وجوههن عن الرجال الأجانب في الإحرام وفي غير الإحرام، إلى أن بدأ السفور في أوائل القرن الرابع عشر الهجري) (١). ٩. وقال محمد إسماعيل المقدّم: (خلاف العلماء في هذه المسألة يدور بين القول بالوجوب، والقول بالاستحباب، فأصل المشروعية موضع اتفاق بين جميع علماء الأمة) (٢)، وقال عن القول بالتحريم، أو التبديع: (دعوى مخترعة محدثة لم يسبق صاحبها إليها، ولامساعد له من أهل العلم عليها) (٣). ١٠. وقال أبو إسحاق الحويني: (كون النقاب مشروعا هذا إجماع، لم يقل أحد قط إن النقاب بدعة إلا الجهلة) (٤)، وقال: (كل أهل العلم قاطبة لم يختلف أحد أن النقاب مشروع، وأنه من الدين) (٥). ١١. وقال د. خالد المشعان: (والجميع متفقون على أن الأفضل ستر الوجه) (٦).

стр. 345

وأختم هذه النقول بما قاله ابن باز (١٤٢٠): ١٢. … (وقد أجمع علماء السلف على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها وأنه عورة يجب عليها ستره إلا من ذي محرم) (١). - ولعلّ الشيخ أراد بذلك إجماع الصحابيات والتابعيات، ويدل عليه: - قول أسماء ﵂: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال) (٢)، فإذا كان هذا حالهم في الإحرام ففي غيره أولى، يؤيد ذلك قول عائشة ﵂: (تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) (٣)، وعلى ذلك التابعيات بعدهن ومن ذلك: - ما ذكره عاصم الأحول قال: (كنا ندخل على حفصة بنت سيرين [أخت محمد بن سيرين]، وقد جعلت الجلباب هكذا -وتنقّبَ به- فنقول لها: -رحمك الله- قال الله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (٤)

стр. 346

هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فتقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ قال: إثبات الجلباب) (١). - ماحكاه البيهقي عن شيخه أبي عبدالله الحافظ [الحاكم] قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن موسى الرازي يقول: (حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي، وقدمت امرأة زوجها إليه، فادّعت عليه مهرها خمسمائة دينار، فأنكر الرجل، فقال وكيل المرأة: قد أحضرت شهودي، فقال واحد من الشهود: أنظر إلى المرأة. فقام وقامت، فقال الزوج: يفعل ماذا ينظر إلى امرأتي؟! قالوا: نعم. قال: فإني أشهد القاضي أنّ لها علي مهرها خمسمائة دينار كلها ذهباً عيناً مثاقيل، ولا تسفر عن وجهها، قالت المرأة: فإني أشهد القاضي أني قد وهبتها له. قال القاضي: يكتب هذا في مكارم الأخلاق) (٢)، وكان ذلك سنة (٢٨٦). المسألة الثانية: أدلة القائلين ببدعية أو عدم مشروعية النقاب (٣): ١/ أن النبي ﷺ رأى وجوه النساء سافرة في المواسم، والمساجد، والأسواق، ولم يُروَ عنه أنه أمر بتغطيتهن، ولسنا بأَغيَر على النساء من الله ورسوله ﷺ .

стр. 347

ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - أن هذا الاستدلال، كالاستدلال بشرب الصحابة للخمر قبل تحريمها، على جوازه بعده، أو الاستدلال بجواز صيد البحر للمحرم، على جواز صيد البر له، فهو إما استدلال لما كان قبل فرض الحجاب، أو استدلال بمن يجوز لها كشف الوجه، كالأمة والكبيرة، على الحرة والشابة، يوضح ذلك دليلان: - قصة الإفك وقول عائشة عن صفوان بن المعطل ﵁: (فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي) (١)، والشاهد منه قولها: (وكان رآني قبل الحجاب … فخمرت وجهي)، ففيه: أن الحجاب في أول تشريعه لم يكن فيه تغطية الوجه، وفيه أن النساء في آخر الأمر بالحجاب كنّ يغطين وجوههن قال العراقي: (وفيه تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي، سواء كان صالحاً، أو غيره) (٢).

стр. 348

- قصة بنائه ﷺ بصفية بنت حيي، وقول الناس: لا ندري أتزوجها، أم اتخذها أم ولد؟، ثم قالوا: (إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه) (١)، ففيه: التفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب، وأن الحجاب غير خاص بأمهات المؤمنين بل الحرائر مثلهن، قال ابن قدامة: (وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضاً بينهم مشهوراً، وأن الحجب لغيرهن كان معلوماً) (٢). - وهذا الحكم يدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٣)، ودلالتها على عدم الخصوصية بأمهات المؤمنين ظاهرة، ودلالتها على أن هذا هو حكم الحرائر من قوله: (أزواجك، وبناتك، ونساء المؤمنين) (٤)، وقال ابن جرير في تفسير الآية: (لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من

стр. 349

جلابيبهن؛ لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول) (١). - وقد نظم المعاني السابقة ابن رجب في سياق واحد فقال: (وقد فسّر عبيدة السلماني قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٢)، بأنها تدنيه من فوق رأسها، فلا تظهر إلا عينها، وهذا كان بعد نزول الحجاب، وقد كنّ قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها، وكان ذلك ما ظهر منها من الزينة في قوله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٣)، ثم أمرت بستر وجهها وكفيها، وكان الأمر بذلك مختصاً بالحرائر دون الإماء، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٤)، يعني: حتى تعرف الحرة فلا يتعرض لها الفساق، فصارت المرأة الحرة لا تخرج بين الناس إلا بالجلباب، فلهذا سئل النبي ﷺ لما أمر النساء بالخروج في العيدين، وقيل له: المرأة منا ليس لها جلباب؟ فقال: «لتلبسها صاحبتها من جلبابها» يعني: تُعيرها جلباباً تخرج فيه) (٥). ٢/ واستُدل أيضاً: بأن ستر الوجه من خصوصيات أمهات المؤمنين وليس له حكم العموم (٦).

стр. 350

ويمكن الجواب عن هذا الاستدلال: - بأن الأصل عدم الخصوصية، ويمكن رد دعوى الخصوصية بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والقياس. - فأما دلالة الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (١) وهذه الآية: دلت بنصها على عدم الخصوصية بأمهات المؤمنين، ودلت كذلك على أن معنى إدناء الجلباب هو ستر الوجه والكفين؛ لأن ذلك واجب على أمهات المؤمنين بالإجماع (٢). - وأما دلالة السنة؛ فهو ماثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما بَنَى بصفية بنت حيي، قال الصحابة: (إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه) (٣)، ففيه أن الحجاب الذي كانت تعرف به أمهات المؤمنين كان يقابله حجاب الإماء وملك اليمين، فدلّ على أن حجاب الحرائر كان واحداً. - وأما دلالة الإجماع؛ فقد سبق في الدليل الثاني من القول الأول عدد من الإجماعات، وليس فيها تخصيص بأمهات المؤمنين، وأما

стр. 351

قول القاضي عياض: (ولا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفين، الذي اختلف في ندب غيرهن إلى ستره) (١)، فليس فيه نفي المشروعية عن غير أمهات المؤمنين، بل اختلفوا في ندبه، أو وجوبه على غيرهن. - وأما دلالة القياس؛ فيدل عليها قول الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢)، قال الشنقيطي: (فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة … قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم؛ إذ لم يقل أحدٌ من جميع المسلمين: إن غير أزواج النبي ﷺ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعمم معلولها) (٣)، قال بكر أبو زيد: (فيالها من علة جامعة، لم تغادر صغيرة ولا كبيرة من مقاصد فرض الحجاب إلا شملتها) (٤). - وأختم هذه المناقشة بهذا الحديث الذي يدل على مشروعية حجاب المرأة بالقرار في بيتها، أو الجلباب إن هي خرجت، وعلى عموم ذلك، وأنه كلما كانت المرأة أستر فهي أقرب إلى الله، وفي ذلك جاء الحديث: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان،

стр. 352

وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها» (١). ٣/ واستُدل أيضاً: بحديث رواه أبوداود عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه، عن جده، قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ يقال لها أم خلاد وهي منتقبة، تسأل عن ابنها وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي ﷺ : جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أرزأ ابني فلن أرزأ حَيَائِي (٢) … الحديث (٣). وجه الاستدلال: - أن (استغراب الأصحاب لتنقب المرأة دليل على أن النقاب لم يكن عبادة) (٤). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، ففي إسناده: فرج بن فضالة، وعبد الخبير بن ثابت، وقد قال البخاري عنه: (روى عنه فرج بن فضالة، حديثه ليس بالقائم، عنده مناكير، وعند فرج مناكير) (٥). - وعلى فرض صحته، فقد قال الألباني: (فهذا نص صريح في

стр. 353

فضيلة النقاب؛ لأنها عدته من الحياء، وأقرها رسول الله ﷺ (١). سبب الخلاف: - يظهر والله أعلم أن سبب الخلاف في هذه المسألة الغفلة عن النصوص المحكمة في حجاب وجلباب المرأة، ونسيان المقاصد الشرعية في عفة المرأة، وإهمال سد الذرائع الموصلة إلى الحرام، مع إبراز النصوص المنسوخة أو المجملة أو الضعيفة. - وليس في الأدلة جزماً ما يدل على تحريم النقاب أو بدعيته أو عدم مشروعيته، لكن فيها ما قد يفهم منه جواز كشف الوجه، لكن الاستدلال بها لا يتحقق إلا بعد إثبات صحتها، وأنها بعد فرض الحجاب، وأن المرأة شابة، وحرة، والتصريح بكشف الوجه، وأن النظر إليها لم يكن لقصد النكاح، والواقع أنه لا يوجد ما يستدل به هنا إلا ويتطرق إليه هذه الاحتمالات، والله أعلم. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول ببدعية النقاب أو عدم مشروعيته إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته للنص، والإجماع العملي، ولا أعرف من قرَّر القول بعدم المشروعية قبل محمد الغزالي (ت ١٤١٧)؛ ثم تجاسر عليه من بعده وأنه ليس من الدين، حتى وصل الأمر إلى تبديع من تتعبد بلبس النقاب!، وكفى خطأً بقولهم خروجهم عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئهم دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده، والله أعلم.

стр. 354

قال الإمام الشافعي: (ما ناظرت أحداً قطّ على الغَلَبة؛ وبودِّي أن جميع الخلق تعلّمُوا هذا الكتاب - يعني كتبه - ولا يُنسب إليّ شيءٌ منه). أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ١٧٣)

стр. 355

المبحث الثاني: جواز التصوير المجسم لما له نفس وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة
следующие страницы →