← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قول القاضي عياض: (ولا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفين، الذي اختلف في ندب غيرهن إلى ستره) (١)، فليس فيه نفي المشروعية عن غير أمهات المؤمنين، بل اختلفوا في ندبه، أو وجوبه على غيرهن. - وأما دلالة القياس؛ فيدل عليها قول الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢)، قال الشنقيطي: (فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة … قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم؛ إذ لم يقل أحدٌ من جميع المسلمين: إن غير أزواج النبي ﷺ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعمم معلولها) (٣)، قال بكر أبو زيد: (فيالها من علة جامعة، لم تغادر صغيرة ولا كبيرة من مقاصد فرض الحجاب إلا شملتها) (٤). - وأختم هذه المناقشة بهذا الحديث الذي يدل على مشروعية حجاب المرأة بالقرار في بيتها، أو الجلباب إن هي خرجت، وعلى عموم ذلك، وأنه كلما كانت المرأة أستر فهي أقرب إلى الله، وفي ذلك جاء الحديث: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان،

стр. 352

وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها» (١). ٣/ واستُدل أيضاً: بحديث رواه أبوداود عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه، عن جده، قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ يقال لها أم خلاد وهي منتقبة، تسأل عن ابنها وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي ﷺ : جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أرزأ ابني فلن أرزأ حَيَائِي (٢) … الحديث (٣). وجه الاستدلال: - أن (استغراب الأصحاب لتنقب المرأة دليل على أن النقاب لم يكن عبادة) (٤). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، ففي إسناده: فرج بن فضالة، وعبد الخبير بن ثابت، وقد قال البخاري عنه: (روى عنه فرج بن فضالة، حديثه ليس بالقائم، عنده مناكير، وعند فرج مناكير) (٥). - وعلى فرض صحته، فقد قال الألباني: (فهذا نص صريح في

стр. 353

فضيلة النقاب؛ لأنها عدته من الحياء، وأقرها رسول الله ﷺ (١). سبب الخلاف: - يظهر والله أعلم أن سبب الخلاف في هذه المسألة الغفلة عن النصوص المحكمة في حجاب وجلباب المرأة، ونسيان المقاصد الشرعية في عفة المرأة، وإهمال سد الذرائع الموصلة إلى الحرام، مع إبراز النصوص المنسوخة أو المجملة أو الضعيفة. - وليس في الأدلة جزماً ما يدل على تحريم النقاب أو بدعيته أو عدم مشروعيته، لكن فيها ما قد يفهم منه جواز كشف الوجه، لكن الاستدلال بها لا يتحقق إلا بعد إثبات صحتها، وأنها بعد فرض الحجاب، وأن المرأة شابة، وحرة، والتصريح بكشف الوجه، وأن النظر إليها لم يكن لقصد النكاح، والواقع أنه لا يوجد ما يستدل به هنا إلا ويتطرق إليه هذه الاحتمالات، والله أعلم. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول ببدعية النقاب أو عدم مشروعيته إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته للنص، والإجماع العملي، ولا أعرف من قرَّر القول بعدم المشروعية قبل محمد الغزالي (ت ١٤١٧)؛ ثم تجاسر عليه من بعده وأنه ليس من الدين، حتى وصل الأمر إلى تبديع من تتعبد بلبس النقاب!، وكفى خطأً بقولهم خروجهم عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئهم دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده، والله أعلم.

стр. 354

قال الإمام الشافعي: (ما ناظرت أحداً قطّ على الغَلَبة؛ وبودِّي أن جميع الخلق تعلّمُوا هذا الكتاب - يعني كتبه - ولا يُنسب إليّ شيءٌ منه). أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ١٧٣)

стр. 355

المبحث الثاني: جواز التصوير المجسم لما له نفس وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 356

(لا يكاد يجيء الشيء عن التابعين إلا ويوجد فيه عن أصحاب النبي ﷺ الإمام أحمد ﵀ المسائل برواية أبي داود ص (٣٦٩)

стр. 357

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: التصوير: (جعل الشيء على صورة) (١)، والصُّورة في اللغة تطلق على: الشَّكل (٢)، وقد صوَّره فتصوَّر أي: تشكَّل (٣)، وفي القرآن: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (٤)، قال ابن كثير: (أي: فخلَقكم في أحسن الأشكال) (٥)، (وعبّر عن هذا الخلق بفعل (صوّركم)؛ لأن التصوير خلقٌ على صورة مرادة تُشعر بالعناية) (٦)، فالتصوير أخص من الخلق كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ (٧). وكما تطلق الصُّورة في اللغة على الشكل والهيئة فإنها تطلق أيضاً على: الوجه (٨)، والحقيقة، والصفة (٩).

стр. 358

(وأصل الصَوَرة: الميل) (١)، قال الواحدي: (والصورة: هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف. وأصلها مِن: (صارَه، يَصُوره) إذا أَمَاله، فهي صورَةٌ؛ لأنها مائلة إلى بِنْيَةٍ بالشَبَه لها) (٢)، (والتصاوير: التماثيل) (٣)، والتماثيل: الصور المُمثلة؛ كما قال الله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٤)، فالصورة في اللغة تطلق على الشكل والتمثال، وقد تطلق على ما في الذهن منهما، كما قال ابن تيمية: (الصورة: هي الصورة الموجودة في الخارج، ولفظ (ص و ر) يدل على ذلك، وما من موجود من الموجودات إلا له صورة في الخارج، وما يكون من الوقائع يشتمل على أمور كثيرة لها صورة موجودة … ثم تكون الصورة الموجودة ترتسم في النفس وقد تسمى صورة ذهنية، فقوله: شرحت له صورة الواقعة، وأخبرني بصورة المسألة، إما أن يكون المراد به الصورة الخارجية أو الصورة الذهنية) (٥). وأما الصورة في الاصطلاح فهي لفظ: (عامٌّ في كل ما يصوّر مشبهاً بخلق الله تعالى من ذوات الروح وغيره) (٦)، وقال الخطابي: (هي كل صورة من ذوات الأرواح كانت لها أشخاص منتصبة، أو كانت منقوشة في سقف أوجدار، أومصنوعة في نمط، أومنسوجة في ثوب) (٧)، ويُلحظ على هذا التعريف تكراره للفظ المُعرَّف، وقيل في تعريف التصوير -وهو

стр. 359

أجود-: (نقل شكل الشيء وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال) (١). والممنوع من الصور هو: ما كان شبيهاً بذي الروح، ولا يُمنع من الصورة إذا كانت غير مشابهة لذي الروح، أو كانت ممحوة الرأس، أو كانت ممتهنة (٢). وأما المجسم في اللغة: فإن الجسم يدل على تجمّع الشيء (٣)، والمجسم من الصور ما فيه بروز وظهور عن السطح، و له طول وعرض وسمك (٤)، ويُعبر عن ذلك بما له ظلّ؛ فكل ماله ظل فهو مُجسَّم، (والمراد بالصورة المجسمة أو ذات الظل ما كانت ذات ثلاثة أبعاد، أي لها حجم، بحيث تكون أعضاؤها نافرة يمكن أن تتميز باللمس، بالإضافة إلى تميزها بالنظر، وأما غير المجسمة، أو التي ليس لها ظل، فهي المسطحة، أو ذات البعدين، وتتميز أعضاؤها بالنظر فقط) (٥). وأمّا النَفْس في اللغة فهي: (الرّوح الذي به حياة الجسد) (٦)، والمقصود بما له نفس هنا: الحيوان وهو في اللغة يطلق على كل ذي

стр. 360

روح (١)، وفي الاصطلاح يطلق الحيوان على: (الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة) (٢)، والحيوان مبالغة في الحياة، و قد فرّق العسكري بين الحياة والنماء، ثم قال: (فالنبات ينمي ويزيد وليس بحي) (٣). ولهذا التفريق بين الحيوان وغيره في حكم التصوير أصل في الشريعة، ومن ذلك مارواه الشيخان عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من صوّر صورة، فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً»، ثم قال ابن عباس: (إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «كل مصور في النار، يجعل له، بكل صورة صورها، نفسا فتعذبه في جهنم» وقال: (إن كنت لا بد فاعلاً، فاصنع الشجر وما لا نفس له) (٤)، وفي قوله: «حتى ينفخ فيها الروح»: (دليل على أن هذا الوعيد فى المصور لما له روح) (٥). قال النفراوي عن التماثيل: (المحرم منها ما كان على صورة حيوان كاملة ولها ظل قائم … والمباح ما كان على صورة غير حيوان، كصورة

стр. 361

الأشجار والفواكه والسحاب مما هو مصنوع لله وليس حيواناً) (١)، فهذه تقاسيم الصور: صورة لحيوان مجسمة، وصورة لحيوان غير مجسمة، وصورة لغير حيوان مجسمة، وصورة لغير حيوان غير مجسمة. وبعد هذا التوضيح المختصر فهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. أجمع العلماء على جواز تصوير ما لا روح له كالشجر أو الجماد (٢)، وخالف بعض العلماء في بعض الصور لغير الحيوان (٣). ٢. وذهب جمهور العلماء إلى تحريم تصوير ماله نفس، وإن كان التصوير مسطحاً لا ظل له (٤)، خلافاً للمالكية فكرهوا ولم يحرّموا ما لا ظل

стр. 362

له (١)، قال النووي: (وقال بعض السلف إنما ينهى عما كان له ظل، ولابأس بالصور التي ليس لها ظل وهذا مذهب باطل) (٢). ٣. ونُقل الإجماع على تحريم ماله ظل من صور الحيوان، وحُكي عن الإصطخري (٣) من الشافعية عدم التحريم (٤)، وقال بعض المعاصرين بجواز هذا النوع من الصور والتماثيل، و هذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 363

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: قال بهذا الرأي من المعاصرين: محمد عبده (١) (ت ١٣٢٣) (٢)، و د. علي جمعة (٣)، و د. أحمد الطيب (٤).

стр. 364

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة النص الصريح. ٢/ مخالفة الإجماع، وتفصيلهما في المطلب الرابع. ٣/ وصفه بالشذوذ ونحوه، ومن ذلك: - قال الماوردي (ت ٤٥٠) عن قول الإصطخري: (وهذا الذي قاله خطأ؛ لأن النص يدفعه) (١). - قال ابن عطية (ت ٥٤٢): (وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه) (٢). - قال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢): (وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور. ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة … وهذا القول عندنا باطل قطعاً) (٣). - قال ابن الملقن (ت ٨٠٤): (ولقد غلط من حمل التحريم على المسجد القائم بذاته (٤) حيث إنه شبهت الأصنام، وأبعد من ذلك

стр. 365

حمل الأحاديث على كراهة التنزيه … وكل من القولين باطل) (١). - قال أحمد شاكر (ت ١٣٧٧): (وفي عصرنا هذا، كنا نسمع عن أناس كبار ينسبون إلى العلم، ممن لم ندرك أن نسمع منهم، أنهم يذهبون إلى جواز التصوير كله، بما فيه التماثيل الملعونة … وكنا نعجب لهم من هذا التفكير العقيم، والاجتهاد الملتوي!. وكنا نظنهم اخترعوا معنى لم يُسبقوا إليه، وإن كان باطلاً، ظاهرالبطلان. حتى كشفنا بعد ذلك أنهم كانوا في باطلهم مقلدين، وفي اجتهادهم واستنباطهم سارقين!!) (٢).

стр. 366

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بتحريم الصور المجسمة لذي النفس: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله ﷺ : «كل مصوّر في النار … » (١)، وقوله ﷺ : «إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون» (٢)، وقوله ﷺ : «إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم» (٣)، وقوله ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» (٤)، وقول علي ﵁ لأبي الهياج الأسدي: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ «أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» (٥)، وغيرها من الأحاديث. وجه الاستدلال: - في هذه الأحاديث وعيد صريح عام لكل مصوّر، وخُص بالنصوص

стр. 367

وفهم الصحابي بصور الحيوان، وفي قوله: «أحيوا ما خلقتم» دلالة على عموم تحريم تصوير كل حيوان؛ لأنه هو الذي فيه الحياة، وفي قوله: «الذين يضاهون بخلق الله» (١) (علة عامة مستقلة مناسبة، لا تخص زماناً دون زمان) (٢). ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. ١. قال ابن العربي (ت ٥٤٣): (حاصل ما في اتخاذ الصور: أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقماً فأربعة أقوال … ) (٣). ٢. وقال النووي (ت ٦٧٦): (وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره، قال القاضي: إلا ماورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك) (٤). ٣. وقال ابن رشد الجد (ت ٥٢٠): (والمحرم من ذلك بإجماع ما كان مخلوقاً له ظل قائم على صفة الإنسان، أو ما يحيى من الحيوان) (٥). ٤. وقال خليل بن إسحاق (ت ٧٧٦): (التماثيل إن كان بغير حيوان كالشجر جاز، وإن كان بحيوان مما له ظل قائم فهو حرام بإجماع) (٦). ٥. وقال الزرقاني (ت ١٠٩٩): (تصوير صورة حيوان عاقل أم لا، كامل

стр. 368

الأعضاء الظاهرة، ولها ظل يدوم، حرام إجماعًا) (١). ٦. وقال النفراوي (ت ١١٢٦): (يستثنى مما له ظل قائم المجمع على حرمته، صور لعب البنات فإنه لا تحرم) (٢). ٧. وقال العدوي (ت ١١٨٩): (والحاصل أن التمثال إن كان لغير حيوان كالشجر جاز، وإن كان لحيوان فما له ظل ويقيم فهو حرام بإجماع) (٣). ٨. وقال الدردير (ت ١٢٠١): (والحاصل أنه يحرم تصوير حيوان عاقل أو غيره، إذا كان كامل الأعضاء، إذا كان يدوم إجماعاً) (٤). ٩. وقال عليش (١٢٩٩): «صور) مجسدة لحيوان عاقل أو غيره، كامل الأعضاء الظاهر التي لا يعيش بدونها ولها ظل … ويحرم تصوير ما استوفى الشروط المتقدمة إن كان يدوم كخشب وطين وسكر وعجين إجماعاً) (٥). ١٠. وقال عبدالله البسام (ت ١٤٢٣): (أجمع العلماء على تحريم الصور المجسّمة، لذوات الأرواح؛ للنصوص الصحيحة الصريحة في ذلك) (٦).

стр. 369

المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز الصور المجسمة لذي النفس: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى عن سليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ (١)، وقوله عن عيسى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢). وجه الاستدلال: - أن الله أخبر أن الجن يعملون التماثيل لسليمان ﵇، و أخبر عن صنع عيسى ﵇ لتمثال الطير، في سياق الامتنان وعدم الإنكار مما يدل على الجواز (٣). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم، بأنه كان من التصوير المحرم، فيقال في تماثيل سليمان: (إن التماثيل كانت على صورة النقوش لغير ذوات الأرواح، وإذا كان اللفظ محتملاً لم يتعين الحمل على المعنى المشكل) (٤). - وأما عيسى ﵇ فإن الذي أجراه الله على يده ليس تصويراً فحسب بل هو خلق حقيقي (٥)، وهو من المعجزات التي لا يمكن القيام بمثلها فلا يتعلق بها تكليف. - وعلى فرض التسليم، بأنها من الصور المحرمة فإن ما ذكر من

стр. 370

شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا إذا جاء في شرعنا ما ينسخه بلا خلاف (١)، قال الألوسي: (وأنت تعلم أنه ورد في شرعنا من تشديد الوعيد على المصورين ما ورد، فلا يلتفت إلى هذا القول ولا يصح الاحتجاج بالآية) (٢). ٢/ واستدلوا أيضاً: بأن تحريم الصور على عهد النبي ﷺ إنما كان لقرب عهدهم بالأصنام، فحرّمت التماثيل ليستقر في نفوسهم بطلان عبادتها ويزول تعظيمها، وقد زال هذا المعنى في زماننا ومحي من الأذهان فزال حكم التحريم (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بعدم التسليم في تفرد هذه العلة، فإن التحريم علّق بعلة أخرى أقوى منها؛ لأنها منصوصة كما يُفهم من الوعيد للمصور في الآخرة وأنه يقال لهم: «أحيوا ما خلقتم» (٤)، وهي علة مصرح بها في الحديث المتفق عليه: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» (٥)، وفي لفظ لمسلم: «الذين يُشبِّهون بخلق الله»، قال ابن دقيق: (وهذه علة عامة مستقلة مناسبة، لا تخص زماناً دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة

стр. 371

بمعنى خيالي، يمكن أن يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبه بخلق الله) (١)، والحكم المعلل بأكثر من علة لا ينتفي الحكم بانتفاء بعض العلل. - ثم إن هذه العلة المستنبطة إذا عادت على النص بالإبطال فهي مردودة عند أهل الأصول (٢)، والنبي ﷺ يقول: «كل مصور في النار» (٣). - وعلى فرض التسليم بتفرد التعليل الذي ذكروه في التحريم، فإن الواقع يكذّب ذلك بمظاهر الوثنيةفي بعض بلاد المسلمين، والتقرب إلى القبور وأصحابها، مما يدل على تغلغل الوثنية في بعض القلوب -عياذاً بالله- (٤).

стр. 372

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبته إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع المحفوظ، والنص الصحيح الصريح، ولا يعرف من قرّر هذا القول قبل الإصطخري من الشافعية بعلة مخالفة للنص، وقد رد عليه الشافعية كالماوردي وابن دقيق، ووصفوا قوله بأنه خطأ وباطل، و (هذا القول يُغفل ذكره الفقهاء في كتبهم المطولة والمختصرة) (١)، مما يدل على هجره وعدم اعتباره، وبقي مهجوراً حتى أظهره بعض المعاصرين، والله أعلم.

стр. 373

المبحث الثالث: سنية وضع اليدين على الصدر في الصلاة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 374

[قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي (ت ٣٨٦)] (إنه ليس لأحد أن يحدث قولاً أو تأويلاً لم يسبقه به سلف، وإنه إذا ثبت عن صاحب قول لا يحفظ عن غيره من الصحابة خلاف له ولا وفاق، أنه لا يسع خلافه. وقال ذلك معنا الشافعي، وأهل العراق). النوادر والزيادات (١/ ٥)

стр. 375

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: المراد باليدين هنا: الكفان، فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١)، قال ابن كثير: (لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة) (٢)، قلت: وكما في آية التيمم. وأما الصَّدْر فهو في اللغة: (أعلى مقدَّم كل شيء وأوَّله) (٣)، وهو ما بين الكتفين من الإنسان، وجمعه صُدُور (٤)، قال الله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٥)، فالصدر مسكن القلب (٦). وأصل الباب وأصحه ماجاء في صحيح البخاري عن سهل بن سعد ﵁: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» (٧)، وماجاء في صحيح مسلم عن وائل بن حُجْر في صفة صلاة النبي ﷺ وفيه: «ثم وضع يده اليمنى على اليسرى» (٨). قال ابن رجب: (وليس في "صحيح البخاري" في هذا الباب غير

стр. 376

هذا الحديث، ولا في "صحيح مسلم" فيه غير حديث … وائل بن حجر … وفي الباب أحاديث كثيرة، لا تخلو أسانيدها من مقال) (١). قال ابن حجر: (قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع، وكأن البخاري لحظ ذلك فعقبه بباب الخشوع، ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه) (٢). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. أجمع العلماء على أنه يسن وضع اليمين على الشمال في الصلاة، إلا رواية عن مالك بالسدل، وأرسل بعض السلف أيديهم في الصلاة (٣).

стр. 377

٢. واتفق العلماء على عدم وجوب وضع اليمين على الشمال (١).

стр. 378

٣. و لا يثبت قول معتبر في وضع اليدين تحت الذقن على النحر (١). ٤. واختلفوا في موضع اليدين، قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم (٢)، يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة، ورأى بعضهم: أن يضعهما تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم) (٣)، أما الوضع على الصدر فقد نُقل الإجماع على خلافه، وأنه لم يعمل به أحد من السلف، وكرهه أحمد، وروي مشروعيته عن علي بن طالب ﵁ ولا يصح- (٤)، وانتصر لسنية الوضع على الصدر بعض المتأخرين والمعاصرين، و هذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 379

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: ابن باز (ت ١٤٢٠) (١)، و الألباني (ت ١٤٢٠) (٢)، و ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (٣)، ود. بكر أبوزيد (ت ١٤٢٩) (٤)، وهو رأي اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية (٥). وقد سبقهم إلى ذلك محمد بن عبد الهادي السندي (٦) (ت ١١٣٨ هـ) (٧)،

стр. 380

وتلميذه محمد حياة السندي (١) (ت ١١٦٣) (٢)، والصنعاني (ت ١١٨٢) (٣)، والشوكاني (ت ١٢٥٠) (٤). تنبيه: د. بكر أبوزيد يرى سنية الوضع على الصدر، ولكنه يرى أن الوضع على النحر -مع أنه من الصدر- مُحدث؛ لعدم العمل به، والشيخان السنديان يريان بأن السنة الوضع على الصدر، ونُقل عمن رآهما بأنهما يضعونها فوق الثديين - على النحر- (٥).

стр. 381

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وتفصيله في المطلب الرابع. ٢/ وصفه بالشذوذ ونحوه، ومن ذلك: - قال أنور شاه الكشميري (١) (ت ١٣٥٣): (لمَّا فقدنا العمل به علِمنا أنه من توسع الرواة، فهو بدعةٌ عندي) (٢)، (فهو ساقطٌ قطعًا، فلا يجمد عليها مع فقدان العمل به. ثم إن الشيءَ قد يكون مسمَّى، ولا يكون مدارًا للعمل) (٣). - وقال د. بكر أبوزيد (ت ١٤٢٩) عن الوضع في أعلى الصدر: (وضع اليدين على النحر تحت اللحية هيئة جديدة لم ترد بها سنة، ولا أَثر، ولا قول معتبر، وإِنما تَوَلَّدَت من «الإِيغال» في تطبيق السنن) (٤).

стр. 382

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم سنية الوضع على الصدر: استدل أصحاب هذا القول، بأدلة منها: ١/ أنه لم يصح حديث عن النبي ﷺ في موضع وضع اليدين (١)، وتحديده بالصدر تحكُّم، قال ابن المنذر: (قال قائل: ليس في المكان الذي يضع عليه اليد خبر يثبت عن النبي ﷺ ، فإن شاء وضعهما تحت السرة، وإن شاء فوقها) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بالأدلة التي فيها الوضع على الصدر، وسيأتي ذكرها ومناقشتها في المسألة الثانية.

стр. 383

٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. ولم أقف على من نقل الإجماع صريحاً في هذه المسألة إلا بعض المتأخرين، ومن ذلك: - قال السهارنفوري (١) (ت ١٣٤٦): (انحصر الوضع في هيئتين: تحت الصدر، وتحت السرة، ولم يوجد على ما قال الشوكاني مذهب من مذاهب المسلمين أن يكون الوضع على الصدر، فقول الوضع على الصدر قول خارج من مذاهب المسلمين، وخارق لإجماعهم المركب) (٢). - وقال أنور شاه (ت ١٣٥٣) عن الوضع على الصدر: (لم يعمل به أحدٌ من السلف، ولا ذهب إليه أحد من الأئمة) (٣). - وقال د. ماهر الفحل: (لم أجد نقلاً قوياً عن أحد من السلف يقول بوضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر؛ فهي زيادة أيضاً مخالفة بعدم عمل أهل العِلْم بِهَا) (٤). وقد نوقش هذا الاستدلال: - بما ورد عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٥) قال: (وضع يده اليمنى على وسط ساعده

стр. 384

اليسرى، ثم وضعهما على صدره) (١). - وبأن الوضع على الصدر قول عند الشافعية، ورواية نادرة عن أحمد (٢)، وهو مذهب إسحاق بن راهويه (٣)، والقاضي عياض (٤)، وظاهر اختيار ابن القيم (٥). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - أما ما ورد عن علي ﵁ فقد قال ابن كثير: (يروى هذا عن علي، ولا يصح) (٦)، قال ابن التركماني: (وفي سنده ومتنه اضطراب) (٧). - ثم إن مدلول لفظة: ﴿وَانْحَرْ﴾ هو طلب النحر، وهو غير طلب وضع اليدين عند النحر (٨)، قال ابن كثير -بعد أن ذكر ما

стр. 385

روي عن علي وغيره من الأقوال-: (كل هذه الأقوال غريبة جداً، والصحيح القول الأول، أن المراد بالنحر ذبح المناسك) (١). - ومعنى الآية كما قال ابن جرير: (وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصاً دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكراً له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له، وخصك به، من إعطائه إياك الكوثر) (٢)، قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله في غاية الحسن) (٣). - وعلى فرض التسليم بالمروي عن علي ﵁ فإن (حقيقة النحر لا توضع اليدان عليها في قول أحد من الفريقين، وإنما توضع على غيرها مما هو دونهما) (٤)، كما قال الطحاوي. - أما مذهب الشافعية فهو: الوضع فوق السرة وتحت الصدر وهو منصوص الشافعي وما نص عليه الشيخان-الرافعي والنووي- قال الشافعي: (ويأخذ كوعه الأيسر بكفه اليمنى ويجعلها تحت صدره) (٥)، وقال الرافعي: (ثم يضع يديه كما ذكرنا تحت صدره وفوق سرته) (٦)، وقال النووي: (ويجعلهما تحت صدره وفوق

стр. 386

سرته هذا هو الصحيح المنصوص) (١)، هذا هو مذهب الشافعية، وعندهم وجه شاذ بالوضع تحت السرة (٢)، أما الوضع على الصدر فلم أقف عليه عندهم. - وهنا تنبيهات على مذهب الشافعية: - الأول: وهو أن بعض الأحناف نسب الوضع على الصدر إلى الشافعي (٣)، وهذا خطأ على الشافعي كما سبق بيانه، ونسب العيني (٤) هذا النقل عن الشافعي إلى الحاوي وهذا خطأ أيضاً، وهذا هو نص الماوردي في الحاوي: (قال الشافعي ﵁: " ويأخذ كوعه الأيسر بكفه اليمنى ويجعلها تحت صدره) (٥)، وقال: (فإذا ثبت وضع اليمنى على اليسرى فمن السنة أن يضعها تحت صدره) (٦). - الثاني: دليل الشافعية على مذهبهم كما قال النووي: (احتج أصحابنا بحديث وائل بن حجر قال «صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه) (٧)، وأول من استدل به من الشافعية فيما

стр. 387

وقفت عليه هو الشيرازي (ت ٤٧٦)، وهو غير متطابق مع الدعوى، ولذلك قال الدميري: (وعبارة الأصحاب: تحت صدره، فكأنهم جعلوا التفاوت بينهما يسيرًا) (١)، وقال زكريا الأنصاري: «على صدره» أي آخره فتكون اليد تحته) (٢). - الثالث: في المطبوع من السنن الكبرى للبيهقي هذه الترجمة: (باب وضع اليدين على الصدر في الصلاة من السنة) (٣)، وهو مُشكل على مذهبه (٤)، وقد يكون فيه إدراج (من السنة)، ويدل لذلك أن ابن التركماني نقل الترجمة هكذا: (باب وضع اليدين على الصدر في الصلوة) (٥)، دون زيادة (من السنة)، و مما يؤيد ذلك أن البيهقي في الخلافيات قال: (والسنة أن يضع اليمنى على اليسرى تحت صدره وفوق سرته) (٦)، أو يقال: إن الترجمة على ظاهر حديث وائل ولا يلزم منه الاختيار. - أما الرواية عن أحمد فأشهرها ثلاث روايات، قال المرداوي: «ويجعلهما تحت سرته) هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب،

стр. 388

وعنه يجعلهما تحت صدره، وعنه يخير) (١)، أما الوضع على الصدر فليس في كتب الحنابلة التي تعنى بذكر الروايات ذكر لهذه الرواية (٢)، التي وصفها محمد حياة السندي بالنادرة (٣) وليته أحال عليها بذكر مصدرها (٤). - بل إن الإمام أحمد نصَّ على كراهة الوضع على الصدر كما في مسائل أبي داود (٥)، ونقلها ابن تيمية (٦)، وابن مفلح (٧)، وابن القيم (٨).

стр. 389

- أما قول ابن رجب: (واختلف القائلون بالوضع: هل يضعهما على صدره، أو تحت سرته، أو يخير بين الأمرين؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد) (١)؛ فإما أن يكون وهماً، بدليل: أن مذاهب الأئمة وأحمد ليس فيها الوضع على الصدر. - وإما أن يكون قصد بقوله: (على صدره) أي: مقارباً لصدره، كما قال ابن تيمية: (وماروى من الآثار عن الوضع على الصدر، فلعله محمول على مقاربته) (٢). - فيكون ابن رجب قد تجوز في العبارة، بدليل أنه قال بعد ذلك: (وعن سعيد بن جبير، أنه يضعهما على صدره، وهو قول الشافعي) (٣)، وقد سبق أن مذهب الشافعي وأصحابه هو: الوضع تحت الصدر، وأما سعيد بن جبير فهذا هو قوله يرويه البيهقي بسنده إلى أبي الزبير قال: أمرني عطاء أن أسأل سعيداً: أين تكون اليدان في الصلاة؟ فوق السرة أو أسفل من السرة؟ فسألته عنه، فقال: (فوق السرة) (٤)، قال ابن عبدالبر: (ثبت عنه أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق السرة) (٥).

стр. 390

- وأما مذهب إسحاق بن راهويه، فهو التخيير مع ترجيح الوضع تحت السرة، قال إسحاق: (تحت السرة أقوى في الحديث، وأقرب إلى التواضع) (١)، والوضع تحت السرة هو مانقله عنه ابن المنذر وابن عبدالبر وغيرهما (٢). - وأما ما نُقل عنه من الوضع على الصدر فلم ينقله عنه إلا الألباني (٣)، ثم د. بكر أبوزيد (٤)، وسياق الكلام في مستوى رفع اليدين في دعاء القنوت، وليس في وضعهما على بعضهما على الصدر، قال الكوسج: (وكان إسحاق يرى قضاء الوتر بعد الصبح ما لم يصل الفجر، ويرفع يديه في القنوت الشهر كله، ويقنت قبل الركوع، ويضع يديه على ثدييه أو تحت الثديين، ويقرأ بالسورتين ويقرأ في كل واحدة بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يدعو ويؤمن من خلفه. يدعو للمؤمنين والمسلمين، ويدعو على الكافرين، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بدعاء الحسن بن علي ﵄ ويقرأ بآخر البقرة ثم يسكت ساعة ثم يركع) (٥) انتهى، وهذا هو ما فهمه ابن
следующие страницы →