← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

سرته هذا هو الصحيح المنصوص) (١)، هذا هو مذهب الشافعية، وعندهم وجه شاذ بالوضع تحت السرة (٢)، أما الوضع على الصدر فلم أقف عليه عندهم. - وهنا تنبيهات على مذهب الشافعية: - الأول: وهو أن بعض الأحناف نسب الوضع على الصدر إلى الشافعي (٣)، وهذا خطأ على الشافعي كما سبق بيانه، ونسب العيني (٤) هذا النقل عن الشافعي إلى الحاوي وهذا خطأ أيضاً، وهذا هو نص الماوردي في الحاوي: (قال الشافعي ﵁: " ويأخذ كوعه الأيسر بكفه اليمنى ويجعلها تحت صدره) (٥)، وقال: (فإذا ثبت وضع اليمنى على اليسرى فمن السنة أن يضعها تحت صدره) (٦). - الثاني: دليل الشافعية على مذهبهم كما قال النووي: (احتج أصحابنا بحديث وائل بن حجر قال «صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه) (٧)، وأول من استدل به من الشافعية فيما

стр. 387

وقفت عليه هو الشيرازي (ت ٤٧٦)، وهو غير متطابق مع الدعوى، ولذلك قال الدميري: (وعبارة الأصحاب: تحت صدره، فكأنهم جعلوا التفاوت بينهما يسيرًا) (١)، وقال زكريا الأنصاري: «على صدره» أي آخره فتكون اليد تحته) (٢). - الثالث: في المطبوع من السنن الكبرى للبيهقي هذه الترجمة: (باب وضع اليدين على الصدر في الصلاة من السنة) (٣)، وهو مُشكل على مذهبه (٤)، وقد يكون فيه إدراج (من السنة)، ويدل لذلك أن ابن التركماني نقل الترجمة هكذا: (باب وضع اليدين على الصدر في الصلوة) (٥)، دون زيادة (من السنة)، و مما يؤيد ذلك أن البيهقي في الخلافيات قال: (والسنة أن يضع اليمنى على اليسرى تحت صدره وفوق سرته) (٦)، أو يقال: إن الترجمة على ظاهر حديث وائل ولا يلزم منه الاختيار. - أما الرواية عن أحمد فأشهرها ثلاث روايات، قال المرداوي: «ويجعلهما تحت سرته) هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب،

стр. 388

وعنه يجعلهما تحت صدره، وعنه يخير) (١)، أما الوضع على الصدر فليس في كتب الحنابلة التي تعنى بذكر الروايات ذكر لهذه الرواية (٢)، التي وصفها محمد حياة السندي بالنادرة (٣) وليته أحال عليها بذكر مصدرها (٤). - بل إن الإمام أحمد نصَّ على كراهة الوضع على الصدر كما في مسائل أبي داود (٥)، ونقلها ابن تيمية (٦)، وابن مفلح (٧)، وابن القيم (٨).

стр. 389

- أما قول ابن رجب: (واختلف القائلون بالوضع: هل يضعهما على صدره، أو تحت سرته، أو يخير بين الأمرين؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد) (١)؛ فإما أن يكون وهماً، بدليل: أن مذاهب الأئمة وأحمد ليس فيها الوضع على الصدر. - وإما أن يكون قصد بقوله: (على صدره) أي: مقارباً لصدره، كما قال ابن تيمية: (وماروى من الآثار عن الوضع على الصدر، فلعله محمول على مقاربته) (٢). - فيكون ابن رجب قد تجوز في العبارة، بدليل أنه قال بعد ذلك: (وعن سعيد بن جبير، أنه يضعهما على صدره، وهو قول الشافعي) (٣)، وقد سبق أن مذهب الشافعي وأصحابه هو: الوضع تحت الصدر، وأما سعيد بن جبير فهذا هو قوله يرويه البيهقي بسنده إلى أبي الزبير قال: أمرني عطاء أن أسأل سعيداً: أين تكون اليدان في الصلاة؟ فوق السرة أو أسفل من السرة؟ فسألته عنه، فقال: (فوق السرة) (٤)، قال ابن عبدالبر: (ثبت عنه أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق السرة) (٥).

стр. 390

- وأما مذهب إسحاق بن راهويه، فهو التخيير مع ترجيح الوضع تحت السرة، قال إسحاق: (تحت السرة أقوى في الحديث، وأقرب إلى التواضع) (١)، والوضع تحت السرة هو مانقله عنه ابن المنذر وابن عبدالبر وغيرهما (٢). - وأما ما نُقل عنه من الوضع على الصدر فلم ينقله عنه إلا الألباني (٣)، ثم د. بكر أبوزيد (٤)، وسياق الكلام في مستوى رفع اليدين في دعاء القنوت، وليس في وضعهما على بعضهما على الصدر، قال الكوسج: (وكان إسحاق يرى قضاء الوتر بعد الصبح ما لم يصل الفجر، ويرفع يديه في القنوت الشهر كله، ويقنت قبل الركوع، ويضع يديه على ثدييه أو تحت الثديين، ويقرأ بالسورتين ويقرأ في كل واحدة بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يدعو ويؤمن من خلفه. يدعو للمؤمنين والمسلمين، ويدعو على الكافرين، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بدعاء الحسن بن علي ﵄ ويقرأ بآخر البقرة ثم يسكت ساعة ثم يركع) (٥) انتهى، وهذا هو ما فهمه ابن

стр. 391

المنذر وابن عبدالبر وابن قدامة (١). - وعلى فرض التسليم بأن فعله دلّ على وضع اليمين على الشمال ثم وضعهما على الصدر، فإن هذا الفعل معارض بالقول، والأصل أن مذاهب العلماء تؤخذ من أقوالهم، أما أفعالهم ففيها خلاف، وهي محتملة للنسيان أو غلبة الطبع ونحوهما (٢). - وأما ما نُسب للقاضي عياض المالكي (ت ٥٤٤)، فهو مع تأخره إلا أنه غير صحيح، وقبل التعليق عليه أسوق كلام الألباني ﵀ في نسبته إليه حيث قال بعد ذكره لمذهب إسحاق: (ومثله قول القاضي عياض المالكي في "مستحبات الصلاة" من كتابه الإعلام … "ووضع اليمنى على ظاهر اليسرى عند النحر")، قوله: (ومثله) يعني إسحاق وقد تبين أن كلام إسحاق ليس له علاقة بمسألتنا، أما قول عياض: - فإن عياض يقرر مذهب المالكية، وساق المسألة بخلافها عند المالكية، ولم يجزم بأحد الرأيين، ولم يأت الشيخ بتمام كلامه، حيث قال القاضي: (ووضع اليمنى على ظاهر اليسرى عند النحر، وقيل: عند السرة في القيام إذا لم يرد الاعتماد) (٣). - ثم إنه فرقٌ بين قوله: (عند النحر) وقول الشيخ: (على الصدر)، فعند تعني القرب وليس الاستعلاء، بدليل أنه قال القاضي: (وقيل: عند السرة) فهو يعني القرب منها فوقها أو تحتها.

стр. 392

- مما يوضح ما سبق قول القاضي في شرح مسلم: (واختلف فى حد وضع اليدين من الجسد، فقيل: على الصدر، وهو المروي عنه ﵇. وقيل: على النحر (١)، وهو قريب من القول الأول، وقيل: حيثما وضعهما جاز له، وقيل: فوق السُرَّة، وهو مذهبنا، وقيل: تحتها) (٢)، والوضع على النحر إن قصد به قول علي ﵁ أو الشافعي فقد سبقا. - أما اختيار ابن القيم فظاهره عدم الوضع على الصدر وليس كما ذكر د. بكر أبوزيد ﵀ أن ظاهر كلامه هو الوضع على الصدر، وهذا هو كلامه في الكتاب الذي أحال عليه، قال ابن القيم: (ترك السنة الصحيحة الصريحة التي رواها الجماعة عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: «صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره». ولم يقل: «على صدره» غير مؤمل بن إسماعيل) (٣)، فهو يعلّ رواية على (صدره) بتفرد مؤمل عن رواية الجماعة الذين لم يذكروها قال البيهقي: (رواه الجماعة عن الثوري لم يذكر واحد منهم على صدره غير مؤمل) (٤)، وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: (فقد روى هذا الحديث عبد الله بن الوليد عن سفيان لم يذكر

стр. 393

ذلك، ورواه شعبة وعبد الواحد لم يذكرا خلاف سفيان) (١)، وأراد بالسنة الصحيحة الصريحة: وضع اليد اليمنى على اليسرى، وبرهان ذلك أنه ذكر بعد حديث وائل أكثر من عشرة أحاديث وآثار كلها في سنية وضع اليمنى على اليسرى دون ذكر فيها للوضع على الصدر. - وفي بدائع الفوائد ذكر الخلاف في موضع الوضع ولم يذكر على الصدر، ثم ذكر أثراً لعلي: «من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة»، ثم قال: (والصحيح حديث علي، قال [يعني: أحمد] في رواية المزني: (أسفل السرة بقليل ويكره أن يجعلهما على الصدر) وذلك لما روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن التكفير وهو وضع اليد على الصدر) (٢) انتهى، ولم يتعقبه ابن القيم بشيء. - وهذان نقلان من كتابين آخرين تبين عدم اختياره للوضع على الصدر، قال في زاد المعاد: (ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى) (٣)، وقال في المدارج: (من الأدب مع الله، في الوقوف بين يديه في الصلاة: وضع اليمنى على اليسرى حال قيام القراءة) (٤)، وليس فيه ذكر للصدر فيهما، بل في جميع النقول عنه ليس للصدر ذكر إلا على سبيل الرد كما في رده لزيادة مؤمل «على صدره» لتفرده، وكما في نقله للكراهة عن أحمد دون تعقب، والله أعلم.

стр. 394

المسألة الثانية: أدلة القائلين بسنية الوضع على الصدر: استدل أصحاب هذا القول، بأدلة منها: ١/ حديث وائل بن حجر ﵁ قال: «صليت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» (١). وجه الاستدلال: قال الشوكاني: (الحديث مصرّح بأن الوضع على الصدر … ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن حديث وائل ﵁ صحيح دون هذه الزيادة، وقد أخرجه مسلم

стр. 395

دونها، وأخرج البخاري حديثاً في معناه دون هذه الزيادة، و الزيادات على متون الصحيحين تستدعي التروي (١)، قال ابن رجب: (فقلَّ حديثٌ تركاه إلا وله علةٌ خفية) (٢). - وقد تبيّن أن هذه الزيادة فيها مخالفة الضعيف للثقات، والخطأ فيها ظاهر لمن تتبع الطرق و (الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه) (٣)، قال البيهقي: (رواه الجماعة عن الثوري لم يذكر واحد منهم على صدره غير مؤمل) (٤)، قال ابن القيم: (ولم يقل: «على صدره» غير مؤمل بن إسماعيل) (٥)، وهو: (صدوق سيء الحفظ) (٦). - وهذا في التفرد عن الثوري أحد الرواة عن عاصم بن كليب، وقد

стр. 396

رواه عن عاصم جماعة من الثقات الأثبات دون هذه الزيادة، فالتفرد فيها شديد، وقد (رواه عن عاصم: سبعة عشر راوياً غير سفيان، ولم يذكر أحد منهم هذا اللفظ) (١)، فهي زيادة منكرة. ٢/ واستدلوا أيضاً: بحديث قبيصة بن هلب عن أبيه ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته، قال، يضع هذه على صدره» (٢)، وبمرسل عطاء قال: «كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بهما على صدره، وهو في الصلاة» (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن حديث هلب الطائي ﵁ ثابت دون هذه الزيادة، فهي زيادة شاذة تبين خطؤها بالاختلاف فيها على يحيى القطان، فذُكرت في

стр. 397

رواية أحمد ولم تُذكر في رواية بندار، ومع الاختلاف فقد جاء الحديث من غير طريق يحيى كعبدالرزاق وعبدالرحمن بن مهدي ووكيع دون هذه الزيادة، وكذلك في الطبقة التي فوقها لم تذكر هذه الزيادة عند أحد، فالحديث محفوظ في الطبقات المتقدمة من الرواة دونها، والزيادة جاءت متأخرة، مع اختلاف يقوي الخطأ. - ومثل هذه الغرابة والتفرد لا تقبل ولو كانت من ثقة؛ كما قال أبوداود: (لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاً) (١). - ومن دلائل خطأ الزيادة في حديث هلب أنها جاءت من طريق فيه الإمام أحمد وسفيان الثوري فقط وهما لا يقولان بالوضع على الصدر، فأحمد خيّر بين الوضع تحت السرة وفوقها (٢)، ووضعها هو فوق سرته (٣)، وكره الوضع على الصدر كما سبق، ولم يعمل بها سفيان الثوري أيضاً، قال ابن المنذر: (وقالت طائفة: يوضع تحت السرة … وبه قال سفيان الثوري، وإسحاق) (٤)، قال ابن عبدالبر: (وقال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق: أسفل السرة) (٥)،

стр. 398

وهذان النقلان مفيدان في حديث وائل بن حجر حيث إنه جاء من طريق سفيان أيضاً، وفي معرفة مذهب إسحاق بن راهويه. - وأما حديث عطاء فهو مرسل، والمرسل قسم من أقسام الحديث الضعيف، قال مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه: (والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة) (١). وأجيب عن هذه المناقشة بأمرين: - أن مرسل عطاء يشهد له حديث وائل بن حجر وحديث هلب ﵄ فهو بهما صحيح، هذا لمن لا يحتج بالمرسل إلا إذا روي موصولاً أو كان له شواهد (٢). - أما من يحتج منهم بالمرسل مطلقاً -وهم الجمهور- فالاحتجاج به وحده ظاهر، فهو حجة عند الجميع (٣). ويمكن الجواب عن هذا الجواب: - بأن زيادة «على صدره» في حديث وائل بن حجر منكرة، وفي حديث هلب الطائي شاذة، والمنكر و الشاذ مما لا يعتبر فيهما بالشواهد (٤)، لأن الشاهد يشهد للضعيف غير شديد الضعف بأنه

стр. 399

حفظ و ضبط، أو للمرسل بأنه مروي عن ثقة ونحوهما، أما ما تبين فيه خطأ الراوي وغلطه، فوجود الخطأ وعدمه سواء في عدم اعتباره، كما قال الإمام أحمد: (الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبدًا منكر) (١). - ومن تقريرات الألباني ﵀ في هذا الباب، قوله: (سبب رد العلماء للشاذ: إنما هو ظهور خطأها بسبب المخالفة المذكورة، وما ثبت خطأه فلا يعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها، فثبت أن الشاذ والمنكر مما لا يعتد به ولا يستشهد به بل إن وجوده وعدمه سواء) (٢). - فبقي مرسل عطاء وهو ضعيف، أما القول بأن الجمهور يحتجون بالمرسل فغير دقيق، وسبق قول الإمام مسلم، يقول ابن حجر في حكم المرسل: (إن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف؛ لبقاء الاحتمال، وهو

стр. 400

أحد قولي أحمد، وثانيهما: - وهو قول المالكيين والكوفيين-: يقبل مطلقاً، وقال الشافعي: يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى، مسنداً أو مرسلاً، ليرجح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر. ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية، وأبو الوليد الباجي من المالكية: أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات وغيرهم لا يقبل مرسله اتفاقاً) (١). - و يكفي في رد الدعوى أنه لم يذهب إلى حكم هذا المرسل أحد من السلف وأئمة المذاهب، قال في فيض الباري عن رواية «على الصدر» في حديث وائل: (وهو معلولٌ عندي قطعًا، لأنه لم يَعْمَلْ به أحدٌ من السلف، ولا ذهب إليه أحدٌ من الأئمة) (٢). - وعلى فرض التسليم بالصحة فليس كل ما صح يكون معمولاً به (وليس الطريق أن يُبْنَى الدين على كل لفظٍ جديدٍ بدون النظر إلى التعامل، ومن يفعل ذلك لا يَثْبُت قدمه في موضعٍ، ويخترعُ كل يوم مسألة، فإن توسُّع الرواة معلومٌ، واختلاف العبارات والتعبيرات غير خفيِّ) (٣).

стр. 401

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فإن نسبته إلى الشذوذ غير بعيدة ولا أجزم بها، وسبب عدم الجزم بنسبته إلى الشذوذ: أنه لم يخالف نصاً صريحاً، ولأن الإجماع المحكي على خلافه فيه تأخر في زمنه وتفرّد في حكايته (١)، ولأن محل الوضع أصلاً ليس عليه دليل صحيح وظاهر السنة واختيار بعض الأئمة هو التوسعة في المحل؛ إذ المقصود هو التعظيم. أما تعيين الصدر محلاً للوضع وأنه هو السنة دون ما سواه، فليس هو من أقاويل أهل العلم المعتبرة، وأول من وقفت عليه ينتصر للوضع على الصدر هو محمد بن عبد الهادي السندي (ت ١١٣٨ هـ) حين قال: (فكما صح أن الوضع هو السنة دون الإرسال، ثبت أن محله الصدر لا غير) (٢)، والله أعلم.

стр. 402

قال عبد الله بن المعتز: (زلة العالم كانكسار السفينة، تغرق ويغرق معها خلق كثير). أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٧)

стр. 403

المبحث الرابع: بدعية وضع الكفين على بعضهما بعد الرفع من الركوع وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 404

قال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (٦/ ٩٣): (الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل مأجور لا يجوز أن يتبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين)، وقال الذهبي في السير (٥/ ٢٧١): (الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه).

стр. 405

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: هذا المبحث له ارتباط بالمبحث السابق، إلا إن هذا المبحث مختص بوضع اليدين على بعضهما بعد الركوع في حال القيام، وما سبق يمكن تخصيصه عند بعضهم بما قبل الركوع، وهو القيام في حال القراءة. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ٥. أجمع العلماء على أنه يسن وضع اليمين على الشمال في الصلاة، إلا رواية عن مالك بالسدل، وأرسل بعض السلف أيديهم في الصلاة (١). ٦. واتفق العلماء على عدم وجوب وضع اليمين على الشمال في الصلاة (٢). ٧. قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم (٣)، يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة) (٤)، ولم يفرق بين ما قبل الركوع ومابعده، ورأى بعض المعاصرين أن وضع اليدين على بعضهما بعد الركوع بدعة ضلالة، و هذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 406

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) ﵀ حين قال: (ولست أشك في أن وضع اليدين على الصدر في هذا القيام بدعة ضلالة) (١)، يعني: القيام بعد الركوع. المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: أما وجه شذوذ القول: بأن وضع اليدين على بعضهما أو قبضهما بعد الركوع بدعة، فهو: نقل الاتفاق على عدم التبديع، وحُكم بعض العلماء عليه بالشذوذ و نحوه من العبارات! - قال ابن باز (ت ١٤٢٠) ﵀: (جزمه بأن وضع اليمنى على اليسرى في القيام بعد الركوع بدعة ضلالة خطأ ظاهر لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم من أهل العلم … ولست أشك في علمه وفضله وسعة اطلاعه وعنايته بالسنة زاده الله علما وتوفيقا ولكنه قد غلط في هذه المسألة غلطاً بيّناً) (٢). - وقال أيضاً: (قول من كتب في صفة صلاة ﷺ : إن وضعهما على الصدر بعد الركوع بدعة قول غلط، وهو قول أخينا في الله الشيخ

стр. 407

ناصر الدين الألباني، قد غلط في هذا، وهو علامة جليل، مفيدة كتبه، لكن كل يغلط وله أغلاط معدودة) (١). - وقال عبدالمحسن العباد تحت عنوان: (موقف أهل السنَّة من العالم إذا أخطأ أنَّه يُعذر فلا يُبدَّع ولا يُهجَر)، فذكر بعض العلماء ثم قال: (ومن المعاصرين الشيخ العلاَّمة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني، لا أعلم له نظيراً في هذا العصر في العناية بالحديث وسعة الاطِّلاع فيه، لَم يسلم من الوقوع في أمور يعتبرها الكثيرون أخطاء منه)، وعدّ أموراً منها: (وكذا قوله في كتاب صفة صلاة النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ وضع اليدين على الصدر بعد الركوع بدعةٌ ضلالة") (٢).

стр. 408

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم بدعية وضع الكفين على بعضهما بعد الرفع من الركوع: استدل أصحاب هذا القول، بأدلة منها: ١/ حديث سهل بن سعد ﵁ قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» (١). وجه الاستدلال: أن الحديث فيه عموم وإطلاق، واستثني منه في السنة الركوع لأن اليدين على الركب، والسجود لأن اليدين على الأرض، والجلوس لأن اليدين على الفخذين، فإذا أخرج حال الركوع، والسجود، والجلوس، تعين أن يكون المقصود هو القيام، وليس في الحديث تفريق بين القيام قبل الركوع وبعده، ومن فرّق فعليه الدليل (٢). ٢/ واستدلوا أيضاً: بما جاء في بعض روايات حديث وائل بن حجر

стр. 409

-﵁: «رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله» (١)، وفي رواية: «كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه» (٢). وجه الاستدلال: أن قوله: «قائماً» يشمل القيامين، وما بعد الركوع يسمى قياماً وفي الصحيحين: «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً» (٣)، ومن فرق بين القيامين فعليه الدليل. ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذه الرواية فيها اختصار، وسياق الحديث في الروايات الأخرى واضح الدلالة في أن المراد به القيام الأول بعد تكبيرة الإحرام ومن ذلك رواية مسلم عن وائل بن حجر: «أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه» (٤)، والمطلق يُحمل على المقيد (٥).

стр. 410

وقد أجيب عن هذه المناقشة بأمور: - أنه ليس فيما ذُكر إنكار للقبض بعد الركوع، وعدم الذكر لا يستلزم عدم الوجود. - ثم إن حمل المقيد على المطلق عند تعذّر الجمع، ولو سلّمنا بالحمل لأمكن قلب الدليل فيقال: هذا القبض في الركعة الأولى فقط كما هو سياق مسلم المفصل، فأي دليل فيه على القبض في الثانية والثالثة؟! فحينئذ صار التقييد تعقيداً. - والمطلوب هنا: إما إثبات أن الاعتدال بعد الركوع لا يسمى قياماً، وإما أن يُثبت عنه ﷺ في هذا الموضع هيئة غير القبض، و لا سبيل إليهما فبقي العموم محفوظاً (١). ٣/ واستدلوا أيضاً: بأن القول بالبدعية لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم ينقل عنه ﷺ أنه أرسل يديه حال قيامه من الركوع ولو فعل ذلك لنقل إلينا كما نقل الصحابة ﵃ ما هو دون ذلك من أقواله وأفعاله، ولم ينقل عن السلف تخصيص الإرسال بهذا القيام (٢). المسألة الثانية: أدلة القائلين ببدعية وضع الكفين على بعضهما بعد الرفع من الركوع: استدل أصحاب هذا القول، بأدلة منها: ١/ حديث وائل بن حجر ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على

стр. 411

اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه» (١). وجه الاستدلال: أن وائلًا ذكر وضع اليمنى على اليسرى قبل الركوع ولم يذكرها بعد الركوع، ولو رآه لذكره كما ذكر رفع اليدين للتكبير في المواضع الثلاثة، فلو كان مشروعاً لما ترك ذكره (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن هذا استدلال بالسكوت، والسكوت ليس ذكراً للعدم، فلا يكون هذا الظاهر الذي مستنده السكوت معارضاً للظاهر الذي مستنده العموم في حديث سهل «كان الناس يؤمرون … » الحديث وقد سبق، ولو صرّح بالإرسال لكان الاستدلال قوياً (٣). - ولو سُلّم للشيخ الألباني بهذا الاستدلال فيلزمه: نفي رفع اليدين للتكبير في غير هذه المواضع الثلاثة، وقد أثبتها في غير المواضع الثلاثة: عند السجود والرفع منه أحياناً، والرفع من الركعة الثالثة والرابعة أحياناً (٤). - ثم إن الشيخ يُعمل العموم أو الإطلاق البعيد في بعض ما قيّد في النصوص الخاصة ومن ذلك: قوله بمشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، قال: (لعموم الأدلة وإطلاقها، فمنها: قوله

стр. 412

تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾) انتهى، مع أن ابن القيم يقول: (ولا يُعرف أن أحداً من الصحابة استحبه) (١). ٢/ واستدل أيضاً: بأن وضع اليدين بعد الركوع (لم يرد مطلقاً في شيء من أحاديث الصلاة ولو كان له أصل لنقل إلينا، ولو عن طريق واحد، ويؤيده أن أحداً من السلف لم يفعله، ولا ذكره أحد من أئمة الحديث فيما أعلم) (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم، فالعمل هنا بالعموم أو الإطلاق الذي لم يدخله التخصيص أو التقييد كما في حديث سهل وحديث وائل ﵄، وهو نظير وضع اليدين بين السجدتين وفي جلسة الاستراحة حيث لم يرد فيهما دليل خاص ولكنه إعمال للعموم الذي لم يدخله التخصيص. - ويمكن هنا قلب الدليل، فيقال: لم يرد مطلقاً في شيء من أحاديث الصلاة ذكر الإرسال، وقد فُصّل في الأحاديث: القيام، والركوع، والسجود، والجلوس، بهيئات خاصة لليدين، وتخصيص الرفع من الركوع بالإرسال تخصيص خامس و تحكّم (٣).

стр. 413

- وأما قوله: (ويؤيده أن أحداً من السلف لم يفعله ولا ذكره أحد من أئمة الحديث)، (فجوابه أن يقال: هذا غريب جداً، وما الذي يدلنا على أن أحداً من السلف لم يفعله، بل الصواب أن ذلك دليل على أنهم كانوا يقبضون في حال القيام بعد الركوع، ولو فعلوا خلاف ذلك لنقل … ) (١). - أما أئمة الحديث فهذه تراجمهم للأحاديث: قال مالك: (باب وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة)، وقال البخاري: (باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة)، وقال ابن ماجه: (باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة)، وقال أبو داود: (باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة)، وقال الترمذي: (باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة)، وقال النسائي: (وضع اليمين على الشمال في الصلاة)، وقال الدارمي: (باب قبض اليمين على الشمال في الصلاة)، وقال ابن خزيمة: (وضع اليمين على الشمال في الصلاة قبل افتتاح القراءة)، وقال البيهقي: (باب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة)، وغيرها من التراجم، ولم أقف على من ترجم للأحاديث بما يدل على تخصيصها بقبل الركوع، أو ترجم لوضع اليدين بعد الركوع، أو من ترجم بذكر السدل أو الإسبال لليدين في أي موضع من مواضع الصلاة، هذه قرائن تدل على مذاهبهم وليست صريحة فيه. - وفي قول البخاري: (باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة)، قال ابن حجر: (أي: في حال القيام) (٢)، وقال العيني: (أي: هذا

стр. 414

باب في بيان وضع المصلي يده اليمنى على اليد اليسرى في حال القيام في الصلاة) (١). - وأما من سبق إلى التصريح بالاستحباب: فقد قال به بعض الحنفية وصححه الكاساني (ت ٥٨٧) (٢)، وقال ابن حزم: (ويستحب أن يضع المصلي يده اليمنى على كوع يده اليسرى في الصلاة، في وقوفه كله فيها) (٣)، وسئل الإمام أحمد: كيف يضع الرجل يده بعد ما يرفع رأسه من الركوع أيضع اليمنى على الشمال أم يسدلها؟ قال: (أرجو أن لا يضيق ذلك إن شاء الله) (٤)، فـ (المنصوص عنه: إن شاء أرسلهما، وإن شاء وضع يمينه على شماله) (٥)، وقطع القاضي أبو يعلى (ت ٤٥٨) باستحباب الوضع (لأنه حالة قيام في الصلاة

стр. 415

فأشبه قبل الركوع) (١)، وقال به زكريا الأنصاري من الشافعية (ت ٩٢٦) (٢)، وجرى عليه تلميذه ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤) (٣) في بعض كتبه، والرملي (ت ١٠٠٤) (٤)، وغيرهما من متأخري الشافعية كالبجيرمي والجاوي. - هذا فيمن استحب أو جوّز وضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع، وهناك أقوال أخرى ذكرها ليس مقصوداً أصالة، وهذه إشارة إليها: فهناك من أوجب الوضع أو القبض بعد الركوع وهو ابن البرهان الظاهري التيمي (ت ٨٠٨) (٥)، وله ("جزء في إمساك اليدين حال القيام في الصلاة" ذهب فيه إلى وجوب إمساك اليدين بعد الرفع من الركوع، وكان يواظب على ذلك) (٦)، وهناك من لم يستحب ذلك

стр. 416

قال ابن تيمية: (ولا يستحب ذلك في قيام الاعتدال عن الركوع؛ لأن السنة لم ترد به، ولأن زمنه يسير يحتاج فيه إلى التهيؤ للسجود) (١)، وهذا هو القول المشهور عن الحنفية، وقال به بعض الحنابلة (٢). - أما الشافعية فقد قال النووي في التحقيق: (ثم يعتدل، وهو ركن، وأقله أن يعود بعد ركوعه إلى هيئته قبله، ويطمئن) (٣)، قال ابن حجر الهيتمي في فتاويه: (الذي دل عليه كلام النووي في شرح المهذب: أنه يضع يديه في الاعتدال كما يضعهما بعد التحريم) (٤)، وجرى عليه ابن حجر في بعض كتبه، لكنه قرر في شرح العباب أن: (المعتمد أنه يرسلهما … لا يجعلهما تحت صدره، وهو ظاهر وإن أوهم إطلاقهم جعلهما تحته في القيام) (٥)، فهذا أحد الشافعية اضطرب قوله فيها؛ ولعله لعدم النص فيها عند المتقدمين منهم، وجعلها بعض المتأخرين على قولين، قال سعيد باعشن: (فإذا انتصب قائماً أرسل يديه، وقيل: يجعلهما تحت صدره كالقيام) (٦). - وأما المالكية فلا تكاد تجد لهم كلاماً خاصاً في المسألة، وخلافهم في أصل القبض.

стр. 417

- هذه هي الأقوال في المسألة: فهي بين الاستحباب أو عدم الاستحباب أو الإباحة، ولم أقف على قائل بالبدعية، أما القول بالوجوب ففيه بعد. سبب الخلاف: الذي يظهر في سبب الخلاف هنا: ١/ الاعتقاد بأن هذا من البدع الإضافية، وهو مبني على تخصيص العموم بعدم جريان العمل، قال الألباني: (العمل بالعمومات التي لم يجر العمل بها على عمومها هو أصل كل بدعة في الدين) (١)، وهو نفس المعنى الذي جعله يقول بوجوب الأخذ مما زاد عن القبضة من اللحية وبدعية تركها، وعدم جريان العمل هنا هو موطن النزاع، فالألباني يثبته وغيره ينفيه، فالخلاف ليس في التأصيل وإنما في التنزيل. ٢/ تحصيل مذهب السلف بالفهم والاستدلال المجرد، وجعل المخالفة لهذا الفهم مخالفة للسلف وابتداعاً في الدين، قال ابن تيمية: (مذهب السلف إن كان يعرف بالنقل عنهم فليرجع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم، وإن كان إنما يعرف بالاستدلال المحض بأن يكون كل من رأى قولا عنده هو الصواب قال: "هذا قول السلف لأن السلف لا يقولون إلا الصواب وهذا هو الصواب" فهذا هو الذي يجرئ المبتدعة على أن يزعم كل منهم: أنه على مذهب السلف فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا نقل عنهم بل بدعواه: أن قوله هو الحق) (٢).

стр. 418

٣/ الاختلاف في الأصل في الهيئات هنا هل هو الإرسال كما هو الطبيعة، أم هو الوضع كما في حديث سهل في البخاري: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة». المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبته إلى الشذوذ صحيحة، لخروجه عن أقوال أهل العلم وعدم وجود سلف له، وهي مسألة اجتهادية والآراء المعتبرة فيها هي: استحباب الوضع أو القبض بعد الركوع، واستحباب الإرسال، وتجويز الأمرين. أما القول: بوجوب إمساك اليدين بعد الركوع كرأي ابن البرهان (ت ٨٠٨)، أو وجوب الإرسال وبدعية الوضع كرأي الألباني (ت ١٤٢٠) (١)، فهما رأيان خارجان عن اختلاف العلماء السائغ، ولم أعرف من قال بهما قبلهما، والله أعلم.

стр. 419

المبحث الخامس: بطلان صلاة من لم يصلِّ على النبي ﷺ في التشهد الأخير وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 420

(الحديث إذا تُلقّي معناه بالقبول كما تُلقي معنى حديث ابن خصيفة به، لا يحتاج إلى تتبع أسانيده فإن التلقي من أرقى صفات القبول). إسماعيل الأنصاري ﵀ "تصحيح حديث صلاة التراويح عشرين ركعة" ص (١١)

стр. 421

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: أصل الصلاة في اللغة: الدعاء (١)، (هذا قول جمهور العلماء من أهل اللغة وغيرهم) (٢)، وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي دعاء خاص وهي: (طلب التعظيم لجانب الرسول ﷺ في الدنيا والآخرة) (٣)، قال أبو العالية الرياحي (ت ٩٣) (٤): (صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة) (٥). لكن قال الترمذي: (وروي عن سفيان الثوري، وغير واحد من أهل العلم، قالوا: صلاة الرب الرحمة) (٦)، وهذا القول هو الأشهر عند أهل اللغة (٧)، قال ابن القيم: (وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين) (٨)، ثم ضعّفه ورده بأمور منها: - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٩)، فعطف الرحمة على الصلاة، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل.

стр. 422

- أن رحمة الله وسعت كل شيء، فليس لها خصوصية بالأنبياء والصالحين كالثناء. - لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء. - أن العرب لا تعرف الصلاة بمعنى الرحمة وإنما هي: الدعاء والتبريك والثناء. - قوله ﷺ : «من صلَّى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً» (١)، وصلاة العبد على النبي ليست هي الرحمة وإنما هو ثناء ودعاء بأن يثني الله على نبيه. هذه خمسة أوجه من خمسة عشر وجهاً ذكرها ابن القيم في الرد على من فسَّر صلاة الله بالرحمة (٢)، ورجّح ابن حجر ماذهب إليه ابن القيم (٣)، وزاد في ترجيحه استدلالاً بفهم الصحابة: (من قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ (٤) حتى سألوا عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وأقرهم النبي ﷺ ، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم: قد علمتم ذلك في السلام)، على أن ابن كثير قال: (وقد يقال: لا منافاة بين القولين، والله أعلم) (٥).

стр. 423

وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. قال ابن عبدالبر: (أجمع العلماء على أن الصلاة على النبي ﵇ فرض واجب على كل مسلم لقول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)، ثم اختلفوا متى تجب ومتى وقتها وموضعها) (٢). ٢. … ويقابله ماحكاه الطبري أن: (الأمر الذي أمر الله به -جل ثناؤه- من الصلاة على النبي ﷺ في كتابه بمعنى الندب، لإجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، على أن ذلك غير لازم فرضاً أحداً) (٣)، ولعلّ محل الإجماع في كلام الطبري: (فيما زاد على مرَّة) (٤). ٣. ونُقل الإجماع على أنها واجبة على الجملة غير محددة بزمن (٥)،

стр. 424

و أقل ما يحصل به الإجزاء مرة (١)، قال القرطبي: (ولا خلاف في أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة) (٢). ٤. ولا خلاف في أنها غير واجبة في التشهد الأول من الصلاة (٣). ٥. ولا خلاف في مشروعيتها في التشهد الأخير وهذا إجماع (٤)، وعامة العلماء على عدم الوجوب وحكي إجماعاً، وخالف في ذلك الشافعي فقال بوجوبه وبطلان الصلاة بتركه (٥)، (وقد شنّع الناس عليه هذه المسألة جداً) (٦)، و (أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ) (٧)، وقد تبعه على ذلك بعض العلماء، وهو قول بعض المعاصرين، و هذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 425

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: أحمد شاكر (١٣٧٧) (١)، وابن باز (ت ١٤٢٠) (٢)، و الألباني (ت ١٤٢٠) (٣)، وهو رأي اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية (٤). وقد سبقهم إلى هذا القول من المتأخرين: الصنعاني (٥) (ت ١١٨٢).
следующие страницы →