← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: أصل الصلاة في اللغة: الدعاء (١)، (هذا قول جمهور العلماء من أهل اللغة وغيرهم) (٢)، وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي دعاء خاص وهي: (طلب التعظيم لجانب الرسول ﷺ في الدنيا والآخرة) (٣)، قال أبو العالية الرياحي (ت ٩٣) (٤): (صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة) (٥). لكن قال الترمذي: (وروي عن سفيان الثوري، وغير واحد من أهل العلم، قالوا: صلاة الرب الرحمة) (٦)، وهذا القول هو الأشهر عند أهل اللغة (٧)، قال ابن القيم: (وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين) (٨)، ثم ضعّفه ورده بأمور منها: - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٩)، فعطف الرحمة على الصلاة، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل.

стр. 422

- أن رحمة الله وسعت كل شيء، فليس لها خصوصية بالأنبياء والصالحين كالثناء. - لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء. - أن العرب لا تعرف الصلاة بمعنى الرحمة وإنما هي: الدعاء والتبريك والثناء. - قوله ﷺ : «من صلَّى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً» (١)، وصلاة العبد على النبي ليست هي الرحمة وإنما هو ثناء ودعاء بأن يثني الله على نبيه. هذه خمسة أوجه من خمسة عشر وجهاً ذكرها ابن القيم في الرد على من فسَّر صلاة الله بالرحمة (٢)، ورجّح ابن حجر ماذهب إليه ابن القيم (٣)، وزاد في ترجيحه استدلالاً بفهم الصحابة: (من قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ (٤) حتى سألوا عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وأقرهم النبي ﷺ ، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم: قد علمتم ذلك في السلام)، على أن ابن كثير قال: (وقد يقال: لا منافاة بين القولين، والله أعلم) (٥).

стр. 423

وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. قال ابن عبدالبر: (أجمع العلماء على أن الصلاة على النبي ﵇ فرض واجب على كل مسلم لقول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)، ثم اختلفوا متى تجب ومتى وقتها وموضعها) (٢). ٢. … ويقابله ماحكاه الطبري أن: (الأمر الذي أمر الله به -جل ثناؤه- من الصلاة على النبي ﷺ في كتابه بمعنى الندب، لإجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، على أن ذلك غير لازم فرضاً أحداً) (٣)، ولعلّ محل الإجماع في كلام الطبري: (فيما زاد على مرَّة) (٤). ٣. ونُقل الإجماع على أنها واجبة على الجملة غير محددة بزمن (٥)،

стр. 424

و أقل ما يحصل به الإجزاء مرة (١)، قال القرطبي: (ولا خلاف في أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة) (٢). ٤. ولا خلاف في أنها غير واجبة في التشهد الأول من الصلاة (٣). ٥. ولا خلاف في مشروعيتها في التشهد الأخير وهذا إجماع (٤)، وعامة العلماء على عدم الوجوب وحكي إجماعاً، وخالف في ذلك الشافعي فقال بوجوبه وبطلان الصلاة بتركه (٥)، (وقد شنّع الناس عليه هذه المسألة جداً) (٦)، و (أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ) (٧)، وقد تبعه على ذلك بعض العلماء، وهو قول بعض المعاصرين، و هذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 425

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: أحمد شاكر (١٣٧٧) (١)، وابن باز (ت ١٤٢٠) (٢)، و الألباني (ت ١٤٢٠) (٣)، وهو رأي اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية (٤). وقد سبقهم إلى هذا القول من المتأخرين: الصنعاني (٥) (ت ١١٨٢).

стр. 426

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وتفصيله في المطلب الرابع. ٢/ وصفه بالشذوذ ونحوه، ومن ذلك: - قال المروذي: قيل لأبي عبد الله [يعني: الإمام أحمد]: إن ابن راهويه يقول: لو أن رجلاً ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، بطلت صلاته. قال: ما أجترئ أن أقول هذا. وقال في موضع: (هذا شذوذ) (١). - وقال ابن بطال (ت ٤٤٩): (وشذّ الشافعي في ذلك فقال: من لم يصلّ على النبي في التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه) (٢). - وقال ابن العربي (ت ٥٤٣): (وشذَّ الشّافعيّ في ذلك فقال: من لم يصلِّ على النبي بعد التشهد الآخر، وقبل السّلام فصلاته فاسدة، وإن صلّى عليه قبل ذلك، لم يجزه. وهذا قول ساقط) (٣). - وقال القاضي عياض (ت ٥٤٤): (وشذّ الشافعي في ذلك فقال من لم

стр. 427

يصلّ على النبي ﷺ من بعد التشهد الآخر قبل السلام فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه، ولا سلف له في هذا القول) (١). - وقال القرطبي (ت ٦٧١): (وشذّ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة) (٢). - وقال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢): (وقد اتفقوا على وجوب الصلاة على النبي ﷺ فقيل: تجب في العمر مرة. وهو الأكثر. وقيل: تجب في كل صلاة في التشهد الأخير. وهو مذهب الشافعي، وقيل: إنه لم يقله أحد قبله) (٣). ولم يتعقبه بشيء. - وقال ابن نجيم (ت ٩٧٠): (وقد نسب قوم من الأعيان الإمام الشافعي في هذا إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع) (٤). - وقال الحصكفي (ت ١٠٨٨): (وفرض الشافعي قول: اللهم صل على محمد، ونسبوه إلى الشذوذ ومخالفة الاجماع) (٥).

стр. 428

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم بطلان صلاة من لم يصلِّ على النبي ﷺ في التشهد الأخير: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث عبدالله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو» (١)، ولفظ مسلم: «ثم يتخير من المسألة ما شاء». وجه الاستدلال: - أن قوله: «ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ما شاء» يدل على أن لا واجب بعد التشهد، إذ لو كان بعد التشهد واجباً لعلمهم ذلك ولم يخيرهم) (٢)،

стр. 429

(ولوكانت واجبة لم يخل مكانها منها ويخيره بين ما شاء من الأذكار والأدعية فلما وكل الأمر في ذلك إلى ما يعجبه منها بطل التعيين) (١)، (وموضع التعليم لا يؤخر وقت بيان الواجب عنه) (٢)، و يتأيد ذلك بأمور: - بفهم راوي الحديث ابن مسعود ﵁، حيث قال بعدما ذكر الحديث السابق: (فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف) (٣). - ويتقوى ذلك: بأن إبراهيم النخعي (و كان بصيراً بعلم ابن مسعود) (٤)، (ولم يكن يخرج عن قول عبدالله وأصحابه) (٥)، قال: (كانوا يقولون: التشهد يكفيهم من الصلاة على النبي ﷺ (٦)، و قال هو: (يُجزيك التشهد من الصلاة على النبي ﷺ (٧). - وبأن (كل من روى التشهد عن النبي ﷺ كأبي هريرة وابن عباس وجابر وابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وعبد

стр. 430

الله بن الزبير لم يذكروا فيه صلاة على النبي ﷺ ، وقد قال ابن عباس وجابر: «كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن» (١)، ونحوه عن أبي سعيد، وقال ابن عمر: كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما يعلمون الصبيان في الكتاب) (٢). - (وقد علّم عمر بن الخطاب الناس على المنبر التشهد (٣) بحضرة المهاجرين والأنصار وليس في شيء من ذلك صلاة على النبي، فلم ينكر ذلك عليه منكر) (٤).

стр. 431

ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أن قوله «ثم ليتخير» تدل على أن هناك شيء بين التشهد والدعاء؛ لأن ثم للتراخي (١). - أن هذا الدليل مقتضاه وجوب التشهد ولا ينفي وجوب غيره، فغايته السكوت عن وجوب الصلاة فلا يكون معارضاً لأحاديث وجوبها (٢). - ولذلك: لم يقل أحد إن هذا التشهد هو جميع الواجب من الذكر في هذه القعدة، فالسلام من الصلاة واجب ولم يعلمهم إياه في أحاديث التشهد. - وعلى فرض التسليم أو التقدير بأن في أحاديث التشهد نفياً صريحاً لوجوب الصلاة، فإن دليل الوجوب مقدم؛ لأنه ناقل عن الأصل، ثم إن تعليمهم التشهد كان متقدماً، وأما تعليمهم الصلاة عليه فإنه كان بعد نزول آية الأحزاب، بعد نكاحه ﷺ زينب بنت جحش، فلو قدّر نفي الوجوب لكان منسوخاً بأدلة الوجوب (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشات: - بأنها تدور على أن هناك دليلٌ يدل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير وهذا هو موضع النزاع، وسيأتي مناقشة أدلة الوجوب في المسألة الثانية. ٢/ واستُدل لعدم الوجوب أيضاً بأن النبي ﷺ لم يعلّم المسيء في

стр. 432

صلاته الصلاة عليه (١)، وقد صلّى عنده رجل لم يصلّ على النبي ﷺ في صلاته (٢)، ولم يأمره بإعادة الصلاة كما أمر المسيء في صلاته، وإنما علّمه أن يقولها فيما بعد (٣). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أنه قد قام الدليل في غير حديث المسيء في صلاته على وجوب التشهد والتسليم عليه ﷺ ، فكذلك الصلاة على النبي ﷺ مأخوذة من غير ذلك الحديث (٤). - ثم إن حديث المسيء في صلاته يحتمل: أنه لم يسيء في ترك الصلاة على النبي ﷺ ، أو أنها وجبت بعد ذلك، أو أنه علمه المهم من الأركان وأحال البقية على رؤية صلاته ﷺ وتعليم

стр. 433

الصحابة له، وعلى كل حال فلا يترك ما هو صريح لهذا المجمل (١). - و أما الذي لم يؤمر بإعادة الصلاة فيحتمل: أن يكون الوجوب وقع عند فراغه (٢)، ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي ﷺ بادر إلى الإعادة من غير أن يؤمر، ويحتمل أن تكون الصلاة نفلاً، ويحتمل غير ذلك فلا يترك الظاهر من الأمر بالصلاة عليه ﷺ وهو دليل محكم لهذا المشتبه المحتمل (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشات: - كما سبق؛ بأنها تدور على قيام الدليل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير وهذا هو موضع النزاع، ولا يصح الاستدلال بمحل النزاع. ٣/ الدليل الثالث هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. قال ابن جرير الطبري (ت ٣١٠) بعد أن ذكر الإجماع على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست بفرض قال مؤكداً ذلك: (فإن قال: وكيف يدعى من الأمة إجماعاً على ما قلت، وقد علمت أن بعض المتأخرين كان يزعم أن ذلك فرض واجب في الصلاة؟) ثم أجاب عن ذلك؛ وأن هذا القائل إما أن يكون قد قال مقالته عن علم بمخالفة السنة (وأن الأمة على تخطئتها ما قال بأجمعها مجمعون)

стр. 434

فهذا لا يخفى سوء اختياره كما ذكر، (أو يكون قال ذلك، وهو غير عالم بما ذكرت من أخبار رسول الله ﷺ وما مضى عليه السلف، وأجمع عليه الخلف، واستفاض به نقل الأمة في ذلك وراثة عن نبيها ﷺ فذلك أعظم عليه في البلية، وأجسم في المصيبة؛ لأن من جهل مثل ذلك من أمر الدين لم تسعه الفتيا فيه) (١). ٢. وقال الطحاوي (ت ٣٢١): (في فرض الصلاة على النبي ﷺ : قال أصحابنا ومالك والثوري والأوزاعي الصلاة جائزة وتاركها مسيء، وكذلك سائر العلماء سواهم، والشافعي يوجب الإعادة إذا لم يصل على النبي ﷺ في آخرها بين التشهد والتسليم وقال إن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه، قال أبو جعفر: ولم يقل به أحد من أهل العلم) (٢). ٣. وقال الجوهري (ت ٣٦٥) (٣): (وأجمعوا أن المصلي إذا ترك الصلاة على النبي ﷺ ناسيًا في التشهد الآخر أنه في النسيان معذور، وفي العمد مذموم، والصلاة مجزئة عنه فيهما جميعًا، إلا الشافعي، فإنه

стр. 435

قال: إذا ترك الصلاة على النبي ﷺ قبل التشهد الآخر لم يجزئه)، ونقله ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (١). ٤. وقال الخطابي (ت ٣٨٨) -وهو من أصحاب الشافعي كما عبَّر القرطبي-: (الصلاة على النبي ﷺ ليست بواجبة في الصلاة … وعلى هذا قول جماعة الفقهاء إلاّ الشافعي فإنه قال الصلاة على النبي في التشهد الأخير واجبة فإن لم يصل عليه بطلت صلاته … ولا أعلم للشافعي في هذا قدوة) (٢). ٥. وقال ابن بطال (ت ٤٤٩): (وشذّ الشافعي في ذلك فقال: من لم يصلّ على النبي في التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة … ولا سلف له في هذا القول ولا سنة يتبعها … وقد علّم عمر بن الخطاب الناس على المنبر التشهد بحضرة المهاجرين والأنصار وليس في شيء من ذلك صلاة على النبي، فلم ينكر ذلك عليه منكر، فمن أوجب ذلك فقد رد الآثار وما مضى عليه السلف، وأجمع عليه الخلف) (٣). ٦. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (لا أعلم أحدا أوجب الصلاة على النبي ﵇ فرضاً في التشهد الآخر إلا الشافعي ومن سلك سبيله) (٤)، ونقله ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (٥). ٧. وقال القاضي عياض (ت ٥٤٤): (وشذ الشافعي في ذلك فقال من لم يصلِّ على النبي ﷺ من [بعد] التشهد الآخر قبل السلام فصلاته فاسدة وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه، ولا سلف له في هذا

стр. 436

القول ولا سنة يتبعها، وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه لمخالفته فيها من تقدمه جماعة وشنعوا عليه … والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه، وقد شنع الناس عليه هذه المسألة جدا) (١). ٨. وقال القرطبي (ت ٦٧١): (والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة: عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه) (٢). ٩. وقال الزيلعي (ت ٧٤٣): (وقال جماعة من أهل العلم إن الشافعي ﵀ خالف الإجماع في هذه المسألة وليس له سلف يقتدى به، منهم: ابن المنذر ومحمد بن جرير الطبري والطحاوي) (٣). ١٠. وقال العيني (٨٥٥): (وقالت جماعة من أهل العلم: إن الشافعي خالف الإجماع في هذه المسألة؛ وليس له سلف يقتدي به؛ منهم: ابن المنذر، وابن جرير الطبري، والطحاوي) (٤). ونوقش الاستدلال بالإجماع (٥): - بـ (أن الشافعي-﵀ لقوله بوجوب الصلاة على النبي ﷺ في

стр. 437

الصلاة سلف وخلف … فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديماً ولا حديثاً) (١). - (فقد قال بقوله جماعة من الصحابة ومن بعدهم) (٢)، فمن الصحابة: ابن مسعود، وأبو مسعود الأنصاري، وجابر بن عبدالله، وابن عمر ﵃ (٣). - (ومن التابعين: الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضاً، وإليه ذهب الإمام أحمد أخيراً) (٤). - وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن المواز المالكي (٥)، (فأين إجماع المسلمين مع خلاف هؤلاء وأين عمل السلف الصالح وهؤلاء من أفاضلهم ﵃ (٦). - وعلى فرض تفرّد الشافعي فـ (يا حبذا ذلك التفرد) (٧)، و (الشافعى قدوة يقتدى به، والمقام مقام اجتهاد، فلا افتقار له فيه إلى غيره) (٨). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما ابن مسعود ﵁ فإن الصحيح عنه عدم وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، وقد سبق بيان ذلك عنه وعن أصحابه، وأما نسبة ذلك إليه فقد قال ابن القيم: (عبد الله بن مسعود فإنه كان

стр. 438

يراها واجبة في الصلاة ويقول لا صلاة لمن لم يصل فيها على النبي ﷺ ذكره ابن عبد البر عنه في التمهيد) (١)، وعند الرجوع إلى التمهيد فهذا نص ابن عبد البر في سياق حجة الشافعي ومن قال بقوله: (واحتجوا من الأثر بحديث أبي مسعود من رواية مالك وفيه: أنه علمهم الصلاة على النبي ﵇، وقال: وفيه والسلام كما قد علمتم نعني التشهد، وبأن أبا مسعود روى الحديث وفهم مخرجه وكان يراه واجباً ويقول إنه لا صلاة لمن لم يصل فيها على النبي ﷺ (٢)، فالحديث كان عن أبي مسعود وليس ابن مسعود وهذا هو المشهور. - وأما أبو مسعود الأنصاري ﵁، فقد روي عنه أنه قال: (لو صليت صلاة لا أصلي فيها على آل محمد ما رأيت أن صلاتي تتم) (٣)، وهذا الأثر قال عنه الطبري: (خبر مرسل؛ وذلك أن أبا جعفر لم يدرك أبا مسعود، ولا رآه، ولو كان قد أدركه، ورآه لم يجز لنا تصحيحه عنه؛ إذ كان راويه جابر الجعفي، وفي نقل جابر الجعفي ما فيه) (٤)، وأعله الدارقطني بضعف جابر والاضطراب (٥)، وأعله البيهقي (٦)، ولو صح فإنه خارج محل النزاع فإنه في الصلاة

стр. 439

على الآل وهذا لا يوجبه الشافعي (١)، ولو كان الجعفي ممن يحتج به لرد الخبر الذي يؤيد بدعته في التشيع والرفض، هذا وقد رُوي أثر أبي مسعود من وجه آخر موضوع (٢). - وأما جابر ﵁، فإن النسبة إليه من اضطراب الجعفي أيضاً، وقد سئل الدارقطني عن: (عن حديث محمد بن علي، عن جابر: (لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي ﷺ لأعدت الصلاة). فقال: يرويه جابر الجعفي، واختلف عنه؛ فرواه عمرو بن شمر، عن جابر، عن محمد بن علي، عن جابر، من قوله. ورواه عبد المؤمن بن القاسم، أخو أبي مريم، عن جابر، عن أبي جعفر، عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي ﷺ . ورواه إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، عن أبي مسعود الأنصاري قوله، والاضطراب من جابر الجعفي، وليس بثقة) (٣). - وأما ابن عمر ﵁، فقد روي عنه أنه قال: (لا تكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد، وصلاة على النبي ﷺ فإن نسيت شيئا من ذلك

стр. 440

فاسجد سجدتين بعد السلام) (١)، وهذه الرواية شاذة، والأصح في الرواية ذكر التسليم بدل الصلاة على النبي ﷺ كما أخرجه ابن أبي شيبة، وعلى كل حال فالأثر بكلا اللفظين لا يصح؛ لأن مداره على عقبة بن نافع وفيه جهالة، وقد سأل عبدالله بن الإمام أحمد والده عن: (عن عقبة بن نافع؟ فقال: لا أذكر معرفته) (٢)، والرواية عن عقبة فيها انقطاع؛ فالراوي عن عقبة في الأثر هو جعفر بن برقان، وبين جعفر بن برقان وعقبة واسطة، يقول البخاري: (عقبة بن نافع، سمع ابن عمر ﵄، روى جعفر بن برقان عن راشد، منقطع) (٣)، أي: أن راشداً الأزرق بينهما، أما جعفر عن عقبة فهو منقطع (٤)، والله أعلم.

стр. 441

- أما المنقول عن الشعبي من التابعين، فقد قال البيهقي: (وروّينا عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، أنه قال: «من لم يصل، على النبي ﷺ في التشهد، فليعد صلاته» أو قال: «لا تجزئ صلاته») (١)، فهذا إسناد صحيح ولذلك قال ابن حجر: (وأخرج البيهقي في الخلافيات بسند قوي عن الشعبي) (٢) فذكره، ولكن بين الثوري (ت ١٦١)، والبيهقي (ت ٤٥٨) مفاوز! ولذلك قال مغلطاي: (ومرسل الشعبي من عند البيهقي أنّه قال: «من لم يصلّ، على النبي ﷺ في التشهد، فليعد صلاته» أو قال: «لا تجزئ صلاته») (٣). - ثم وقفت عليه مسنداً في الخلافيات بعد أن طبع أكثره كاملاً عام (١٤٣٧ هـ) وهذا إسناده، كما قال البيهقي: أخبرنا أبوعبدالله الحافظـ، ثنا أبوبكر بن إسحاق الفقيه، أنا محمد بن أحمد بن سعد، ثنا إبراهيم بن محمد بن نوح، ثنا إسحاق، ثنا وكيع، عن سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي به، قال البيهقي عقبه: (فهذا عن الشعبي يبطل قولهم: إن العلماء لم يقولوا في هذه المسألة بوجوب الصلاة على النبي ﷺ نحو مذهبكم) (٤)، لكن هذا الإسناد فيه محمد بن أحمد بن سعد لم أقف له على ترجمة ولا

стр. 442

يعرف حاله، والظاهر ثبوته عند البيهقي وتقويته من ابن حجر، والإشارة إلى انقطاعه من مغلطاي، وثبوته محل نظر؛ لأني لم أقف عليه عند غير البيهقي (١)، والإسناد فيه مجهول متأخر الطبقة، والبيهقي لم يصرح بصحته، مع جزم أكثر من إمام معروف بنقل الخلاف والتبحر في معرفة الفتيا والمذاهب بعدم سبق الشافعي، وكون هذا الرأي لا يروى بأي مصنف ولا يعرف في كتاب إلا خلافيات البيهقي. - وأما أبو جعفر الباقر، فأول من وقفت عليه ينسبه إليه هو القاضي عياض حيث قال: (قال الدارقطني: الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن الحسين: لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي ﷺ ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم) (٢)، وهذه النسبة فيها وهم وهي ضعيفة على كل حال، فإن الراوي عن الباقر هو الجعفي وسبق بيان ضعفه واضطرابه في الرواية، وهذا هو نص كلام الدراقطني الذي يبين وهم النسبة فقد سئل عن: (حديث أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: «من صلى صلاة، لم يصل فيها علي ولا على أهل بيتي لم تقبل منه». فقال: حدث به عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري أخو أبي مريم، عن جابر، عن أبي جعفر كذلك. وخالفه إسرائيل، وشريك، وقيس، فرووه عن جابر، عن أبي جعفر، عن أبي مسعود: لو صليت صلاة لم يصل فيها عن النبي

стр. 443

- ﷺ ، ولا على أهل بيته، لرأيت أنها لا تتم، موقوفاً، وهو الصواب عن جابر) (١)، يعني: أن الصواب من رواية جابر الجعفي هي الوقف على أبي مسعود وليس الرفع إلى النبي ﷺ ؛ لأنها رواية الأكثر من أصحاب الجعفي، وهذا يخالف مانقله القاضي عنه من تصويب الرواية المقطوعة على التابعي، وعلى كل الأحوال فلايلزم من تصويب الرفع أو الوقف أو القطع صحة الأثر؛ لأن مداره على الجعفي، وهو ضعيف كما سبق بيانه عن الدراقطني والبيهقي. - وأما مقاتل بن حيان، فإن المروي عنه أخرجه ابن أبي حاتم قال: (قرأت على محمد بن الفضل بن موسى، ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، ثنا أبو وهب محمد بن مزاحم، ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وإقامتها المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ ، فهذا إقامتها) (٣)، وإسناده جيد (٤)، ولكنه ليس بصريح في بطلان صلاة من لم يصل على النبي ﷺ ، كما أنه ليس بصريح في بطلان صلاة من لم يسبغ الوضوء إذا أتى بالفرض منه، كما أنه فيه حصر إقامة الصلاة بما ذكر: فاستقبال القبلة، وستر العورة، والنية، والتحريمة، وغيرها مما لم يذكر لاشك أنه من إقامة الصلاة، فهو من التفسير بالمثال والتنبيه، والله أعلم.

стр. 444

- والخلاصة: أنه لا يثبت القول بوجوب الصلاة على النبي ﷺ عن أحد ممن ذكر قبل الشافعي، فمن ذُكر (١) تبيّن بعد بحثه أنه ضعيف وهو الأغلب، أو غير صريح. - وهذه هي المصنفات التي تُعنى بفقه السلف كمصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة لا تجد فيها من قال بقول الشافعي، بل فيها عدم الوجوب كما سبق عن ابن مسعود ثم أصحابه ثم النخعي، وهذا فقه أهل الكوفة، وهذا عطاء في الحجاز يسأله ابن جريج: أليس الصلاة على النبي ﷺ مع التشهد؟ فقال: لا يزاد على التشهد فيما يعلم من التشهد، إلا أن يقول الإنسان بعد التشهد ما شاء) (٢)، وكلها صحيحة صريحة بعدم الوجوب. - أما الإمام الشافعي (ت ٢٠٤)، فهو أول من يعرف عنه هذا القول، وقد قال: (ومن صلى صلاة لم يتشهد فيها ويصل على النبي ﷺ وهو يحسن التشهد فعليه إعادتها، وإن تشهد ولم يصل على النبي ﷺ أو صلى على النبي ﷺ ولم يتشهد فعليه الإعادة، حتى يجمعهما جميعاً) (٣)، وقد صرّح قبل ذلك بفرضيتها، وهذا صريح في مذهبه. - أما الإمام أحمد (ت ٢٤١)، فله قول بعدم الوجوب، وشذوذ قول

стр. 445

من أبطل صلاة من لم يصلّ على النبي ﷺ (١) -وقد سبق-، وله قول بالوجوب قال ابن قدامة: (وظاهر مذهب أحمد ﵀ وجوبه؛ فإن أبا زرعة الدمشقي نقل عن أحمد، أنه قال: كنت أتهيب ذلك، ثم تبينت، فإذا الصلاة واجبة. فظاهر هذا أنه رجع عن قوله الأول إلى هذا) (٢)، والرواية الثالثة أنها ركن (٣). - أما إسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨)، فهي عنده من الواجبات التي تبطل الصلاة بتركها عمداً، وتصح مع النسيان (٤)، وإسحاق (قرين أحمد بن حنبل ويوافقه في المذهب: أصوله وفروعه وقولهما كثيراً ما يُجمع بينه) (٥)، يقول إسحاق: (قال لي أحمد بن حنبل بمكة: تعال حتى أريك رجلا لم ترَ عيناك مثله، فأقامني على الشافعي) (٦)، وبين الثلاثة رابطة فالإمام أحمد (موافقته للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما) (٧)، إلا أن الظاهر أن الإمام أحمد أخف في هذه المسألة من إسحاق وإسحاق أخف من الشافعي، وقد جاء في مسائل

стр. 446

الكوسج (١): (قلت: إذا سلّم الإمام، وقد بقي على الرجل شيء من الدعاء؟ قال [أحمد]: يسلم معه، قال إسحاق: كما قال. إذا كان قد تشهد وصلى على النبي ﷺ ، فإن لم يفعل ذلك وسلم الإمام فليفعله، ثم ليسلم) (٢). - وقد استوقفني في بحثي لمذهب إسحاق هذا النص عنه: (الصلاة كلها من أولها إلى آخرها واجبة، والذين يقولون للناس: في الصلاة سنة وفيها فريضة، خطأ من المتكلم … وفعل النبي ﷺ بعض [ما] وصفنا في الصلاة مثل التشهد في الأوليين وشبهه ناسياً، فلم يعد الصلاة. ولكن لا يجوز لأحد أن يجعل الصلاة أجزاء مجزأة فيقول: فريضته كذا، وسنته كذا، فإن ذلك بدعة) (٣)، وهذا يشبه مانقله ابن رجب بقوله: (وأنكر أحمد أن يسمي شيء من أفعال الصلاة وأقوالها سنة، وجعل تقسيم الصلاة إلى سنة وفرض بدعة، وقال: كل ما في الصلاة واجب، وإن كانت الصلاة لا تعاد بترك بعضها. وكذلك أنكر مالك تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة، وقال: هو كلام الزنادقة … وكذلك … الشافعي يقول: كل أمور الصلاة عندنا فرض) (٤)، والكلام في توجيه الكلام يطول، ولاشك أنه ليس على ظاهره المتبادر؛ ولذلك أحمد في سياق الكلام يقول: (وإن كانت

стр. 447

الصلاة لا تعاد بترك بعضها)، مما يدل على أنه ليس بالواجب الذي يبطل تركه، وكأن الكلام في منهج طرح المسائل، وأن يكون كما طرحها الصحابة: فتوضأ عثمان كما توضأ النبي ﷺ ، وصلى مالك بن الحويرث للناس كما صلى النبي ﷺ ، وساق جابر حجة النبي ﷺ وغيرها، ولم يقولوا للناس هذا واجب وهذا مستحب، فكذلك يُعلّم الناس هكذا، وأما في الفتوى فيمن ترك شيئاً أو زاد شيئاً فهنا التقسيم والترخيص، قال ابن رجب: (وسبب هذا - والله أعلم - أن التعبير بلفظ السنة قد يفضي إلى التهاون بفعل ذلك، وإلى الزهد فيه وتركه، وهذا خلاف مقصود الشارع من الحث عليه، والترغيب فيه بالطرق المؤدية إلى فعله وتحصيله، فإطلاق لفظ الواجب أدعى إلى الإتيان به والرغبة فيه، وقد ورد إطلاق الواجب في كلام الشارع على ما لا يأثم بتركه، ولا يعاقب عليه عند الأكثرين، كغسل الجمعة، وكذلك ليلة الضيف عند كثير من العلماء أو أكثرهم، وإنما المراد به المبالغة في الحث على فعله وتأكيده) (١). والله أعلم. - وأما ابن الموّاز المالكي (ت ٢٦٩) (٢)، فمذهبه وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، كما نقله عنه بعض المالكية، وجعلوه كقول الشافعي (٣)، على أن القاضي عياض قال: (وكلامه محتمل

стр. 448

الوجوب على الجملة، كما قالت الجماعة) (١). - وخلاصة ماتقدم: أن الرأي بدأ من الإمام الشافعي ثم تلقاه الناس عنه، أما من قبله: فليس فيما نقل إلينا ووقفت عليه شيء صحيح صريح، أما الصحابة: فابن مسعود النسبة إليه وهم، وأبو مسعود وجابر المنقول عنهما مداره على الجعفي وهو ضعيف تركه الحفاظ، وأما ابن عمر فما نقل عنه فيه شذوذ وجهالة وانقطاع. - وأما الشعبي فالمروي عنه منقطع، وأما الباقر فالنسبة إليه وهم، وأما مقاتل فكلامه غير صريح، وثبت عن الشافعي بطلان صلاة من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وعن إسحاق مثله في المتعمد دون الناسي، وعن أحمد ثلاث روايات، وابن المواز نقل عنه بعض المالكية القول بالوجوب كقول الشافعي. - وبه يُعلم علو كعب الطبري وابن المنذر والطحاوي وابن عبد البر وغيرهم من أساطين العلم، الذين قطعوا بتفرّد الشافعي أو لم يعرفوا من سبقه، وتقدمهم في معرفة الوفاق و الخلاف، والله أعلم. المسألة الثانية: أدلة القائلين ببطلان صلاة من لم يصلِّ على النبي ﷺ في التشهد الأخير: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).

стр. 449

وجه الاستدلال: - أن الله فرض الصلاة على رسوله ﷺ (فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع، أولى منه في الصلاة) (١)، ويوضح ذلك بعض الشافعية بأن: - … (الآية تقتضي وجوب الصلاة عليه ﷺ ، وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة) (٢) (فتعيّن وجوبها فيها) (٣). وقد نوقش هذا الاستدلال: - (في دعوى الإجماع نظر ففي المسألة أقوال منهم من أوجبها في العمر مرة … ) (٤) وهذا في الوجوب المطلق، وقد يتجدد الوجوب لوجود سببه وهو المطلوب إقامته هنا. - قال ابن دقيق: (وقد كثر الاستدلال على وجوبها في الصلاة بين المتفقهة بأن الصلاة على النبي ﷺ واجبة بالإجماع، ولا تجب في غير الصلاة بالإجماع، فتعين أن تجب في الصلاة، وهو ضعيف جدا؛ لأن قوله: " لا تجب في غير الصلاة بالإجماع " إن أراد به: لا تجب في غير الصلاة عيناً، فهو صحيح. لكنه لا يلزم منه: أن تجب في الصلاة عيناً، لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة (٥). فلا يجب واحد من المعينين - أعني خارج الصلاة

стр. 450

وداخل الصلاة-، وإن أراد ما هو أعم من ذلك، وهو الوجوب المطلق فممنوع) (١). - فالآية فيها أمر مطلق: والامتثال يقيناً يحصل بواحدة (وأما الزيادة على المرة فنحن نسألكم: كم من مرة توجبون ذلك في الدهر، أو في الحول، أو في الشهر، أو في اليوم، أو في الساعة ولا يقبل منكم تحديد عدد دون عدد إلا ببرهان، ولا سبيل إليه؛ فقد امتنع هذا بضرورة العقل. - فإن قالوا: نوجب ذلك في الصلاة خاصة قلنا: ليس هذا موجوداً في الآية، ولا في شيء من الأحاديث فهو دعوى منكم بلا برهان) (٢). - فلم يجيء في القرآن: (صلوا عليه في صلاتكم، إنما قال ذلك قولاً مطلقا يكون إنما نالهم بقولهم إياه في صلواتهم وفي غيرها، كمثل ما قال في غير هذه الآية، وهو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾) (٣). ٢/ واستُدل للوجوب: بالحديث المتفق عليه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «فقولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على

стр. 451

آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (١)، وروي نحوه عن بعض الصحابة، وفي إحدى الروايات: (فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا) (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أخبر أن الصلاة عليه مأمور بها والأصل في الأمر الوجوب (٣)، وفي الرواية الأخرى دلالة على المطلوب وهو تعيين محلها وذلك في الصلاة (٤). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن (صيغة الأمر في قوله «قولوا» ظاهرة في الوجوب … [لكن] ليس

стр. 452

في هذا الحديث تنصيص على أن هذا الأمر، مخصوص بالصلاة) (١)، و (لم يقل: إن هذا القول فرض في الصلاة، ولا يحل لأحد أن يزيد في كلامه ﵇ (٢). - وأما الزيادة المُخصصة أو المقيدة في الرواية الأخرى فلا تصح؛ لتفرد محمد بن إسحاق بها، والحديث أخرجه مسلم ولم يذكرها (٣). - وعلى فرض التسليم بأنها نص في الصلاة والتشهد فإن (الأمر بها … لا يدل على الوجوب؛ فإنه إنما أمرهم عندَ سؤالهم عنه، وهذه قرينة تخرج الأمر عن الوجوب، على ما ذكره طائفة من الأصوليين؛ فإنه لو كان أمره للوجوب لا بتدأهم به، ولم يؤخره إلى سؤالهم، مع حاجتهم إلى بيان ما يجب في صلاتهم؛ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فدل على أنه اكتفى بالسلام عليه عن الصلاة) (٤). - فليس كل أمر يدل على الوجوب كما سبق، وقد روي الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود ولم يذهب الشافعي إلى وجوبه (٥)، قال ابن تيمية: (فكيف يوجب الصلاة على النبي ﷺ ولم يجئ أمر بها في الصلاة خصوصاً، ولا يوجب التسبيح مع الأمر به في الصلاة، ومع كون الصلاة تسمى " تسبيحاً"؟) (٦).

стр. 453

- ثم (الأوامر المذكورة في الأحاديث تعين كيفيته، وهي لا تفيد الوجوب) (١). - وعلى فرض التسليم بوجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، فإن الحديث فيه الأمر بالصلاة على الآل مع الصلاة على النبي ﷺ ، والصلاة على الآل ليست بواجبة عند الشافعي مع أن الحديث فيه الأمر بهما (٢). ٣/ واستُدل للوجوب أيضاً: بحديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ، ولم يصلّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «عَجِلَ هذا» ثم دعاه فقال له ولغيره: «إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي، ثم ليدع بعدُ بما شاء» (٣).

стр. 454

وجه الاستدلال: - أن في الحديث أمر بالصلاة على النبي ﷺ والأصل فيه الوجوب (١)، ويتأيد ذلك: - بما جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: (يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه) (٢)، قال ابن حجر: (وأصح ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين ما أخرجه الحاكم بسند قوي عن ابن مسعود … وهذا أقوى شيء يحتج به للشافعي) (٣)، و (فيه دلالة على وجوبها ومحلها) (٤). - ويقوّي ذلك حديث عائشة في وتره ﷺ وفيه: «فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويحمده ويدعو ربه ويصلي على نبيه» (٥)، مع قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٦).

стр. 455

ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أما حديث فضالة (غايته إيجاب الصلاة في مطلق الصلاة عند إرادة الدعاء، فما الدليل على الوجوب بعد التشهد، على أنه حجة عليهم لا لهم) (١)؛ حيث لم يأمره بالإعادة كما أمر المسيء في صلاته، ولو كانت فرضاً لأمره بالإعادة -وقد سبق ذلك-. - ثم إن الحديث فيه أمر بالدعاء «ثم ليدع بعدُ بما شاء» وليس بواجب عند الشافعي وغيره من العلماء وحكي إجماعاً، فكذا الصلاة على النبي ﷺ ، فيحتاج هذا الأمر إلى ما يقويه كما هو في التشهد. - ويؤيد ذلك ما احتجوا به عن ابن مسعود ﵁ فهو يقول: (يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه) كما في حديث فضالة، ثم صحّ عنه أنه قال بعد روايته للتشهد: (فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف) (٢)، وهو صريح في عدم إبطال من ترك الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، وعلى ذلك أصحابه من بعده (كانوا يقولون: التشهد يكفيهم من الصلاة على النبي ﷺ (٣). - فدلّ عدم أمر الرجل في حديث فضالة بإعادة الصلاة، وتصريح ابن

стр. 456

مسعود ﵁ بأن من فرغ من التشهد فقد فرغ من صلاته، أن الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في المرفوع وفي الموقوف ليس على الوجوب والحتم. - وأما حديث عائشة ﵂ في وتر النبي ﷺ ، فإن ذكر الصلاة على النبي ﷺ في التشهد غير محفوظ فيه وأكثر الرواة على عدم ذكره، ومن ذكره اختلف عليه فيه وأكثر من رواه عنه لايذكره، وقد أخرج الإمام مسلم الحديث دون هذه الزيادة. - وعلى فرض ثبوتها فلا تدل على الوجوب بمجرد الفعل، كما لم يوجبوا رفع اليدين للتكبير، ودعاء الاستفتاح، والقراءة بعد الفاتحة، والدعاء قبل التسليم وغيرها، مع أن أدلتها أصح وأظهر. - وأختم هذا المبحث بما قاله النووي وهو من أكابر الشافعية: (وفي الاستدلال لوجوبها خفاء) (١)، وقال الشوكاني: (والحاصل أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب … فنحن لا ننكر أن الصلاة عليه ﷺ من أجل الطاعات التي يقترب بها الخلق إلى الخالق، وإنما نازعنا في إثبات واجب من واجبات الصلاة بغير دليل يقتضيه؛ مخافة من التقول على الله بما لم يقل، ولكن تخصيص التشهد الأخير مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير) (٢). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فإن نسبته إلى الشذوذ غير بعيدة ولا

стр. 457

أجزم بها، وقد جزم بشذوذه الإمام أحمد في أول الأمر، وابن بطال، وابن العربي، والقاضي عياض، والقرطبي، وأوّل من صرّح ببطلان صلاة من لم يصلّ على النبي ﷺ في التشهد الأخير هو الإمام الشافعي، قال الطحاوي الحنفي: (ولم يقل به أحد من أهل العلم)، وقال ابن بطال المالكي: (ولا سلف له في هذا القول)، وقال الخطابي الشافعي: (ولا أعلم للشافعي في هذا قدوة)، وقد تبيّن بعد البحث صحة ما قالوا، وأن الأمر كما قال ابن عبد البر: (لا أعلم أحداً أوجب الصلاة على النبي ﷺ فرضاً في التشهد الآخر إلا الشافعي ومن سلك سبيله)، وقد سبق مناقشة ما نسب إلى بعض الصحابة وبيان ما فيه من ضعف أو وهم. وقد جاء في صفة صلاة النبي ﷺ : «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» (١)، ولم يأتِ في حديث صحيح أنه ﷺ كان يقولها، (وقد علّم عمر بن الخطاب الناس على المنبر التشهد بحضرة المهاجرين والأنصار وليس في شيء من ذلك صلاة على النبي، فلم ينكر ذلك عليه منكر) (٢). وليس الخلاف في استحبابها؛ فهي مشروعة في التشهد الأخير بلا خلاف، وإنما الخلاف في بطلان صلاة من لم يذكرها، وقد صرّح ابن مسعود ﵁ بعدم بطلانها، وعلى ذلك جرى أصحابه في الكوفة (كانوا يقولون: التشهد يكفيهم من الصلاة على النبي ﷺ ، وصرّح بذلك عطاء بن أبي رباح في مكة، ولم أقف على مخالف لابن مسعود من الصحابة، ولا لأصحاب ابن مسعود وعطاء ومن هو في طبقتهم، والله أعلم.

стр. 458

قال ابن جرير: (لو كان كل من اُدعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك=للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه). هدى الساري ص (٤٢٨)

стр. 459

المبحث السادس: وجوب متابعة الإمام إذا زاد في صلاته وعلم المأموم بالزيادة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 460

(إنما نعتد بخلاف الواحد إذا لم يكن على خلاف النص، فأما إذا كان بخلاف النص فلا يعتد بخلافه ويحكم بانعقاد الإجماع معه). السمعاني ﵀ قواطع الأدلة (٢/ ١٤)
следующие страницы →