مسعود ﵁ بأن من فرغ من التشهد فقد فرغ من صلاته، أن الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في المرفوع وفي الموقوف ليس على الوجوب والحتم.
- وأما حديث عائشة ﵂ في وتر النبي ﷺ ، فإن ذكر الصلاة على النبي ﷺ في التشهد غير محفوظ فيه وأكثر الرواة على عدم ذكره، ومن ذكره اختلف عليه فيه وأكثر من رواه عنه لايذكره، وقد أخرج الإمام مسلم الحديث دون هذه الزيادة.
- وعلى فرض ثبوتها فلا تدل على الوجوب بمجرد الفعل، كما لم يوجبوا رفع اليدين للتكبير، ودعاء الاستفتاح، والقراءة بعد الفاتحة، والدعاء قبل التسليم وغيرها، مع أن أدلتها أصح وأظهر.
- وأختم هذا المبحث بما قاله النووي وهو من أكابر الشافعية: (وفي الاستدلال لوجوبها خفاء) (١)، وقال الشوكاني: (والحاصل أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب … فنحن لا ننكر أن الصلاة عليه ﷺ من أجل الطاعات التي يقترب بها الخلق إلى الخالق، وإنما نازعنا في إثبات واجب من واجبات الصلاة بغير دليل يقتضيه؛ مخافة من التقول على الله بما لم يقل، ولكن تخصيص التشهد الأخير مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير) (٢).
المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ:
بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فإن نسبته إلى الشذوذ غير بعيدة ولا
стр. 457
أجزم بها، وقد جزم بشذوذه الإمام أحمد في أول الأمر، وابن بطال، وابن العربي، والقاضي عياض، والقرطبي، وأوّل من صرّح ببطلان صلاة من لم يصلّ على النبي ﷺ في التشهد الأخير هو الإمام الشافعي، قال الطحاوي الحنفي: (ولم يقل به أحد من أهل العلم)، وقال ابن بطال المالكي: (ولا سلف له في هذا القول)، وقال الخطابي الشافعي: (ولا أعلم للشافعي في هذا قدوة)، وقد تبيّن بعد البحث صحة ما قالوا، وأن الأمر كما قال ابن عبد البر: (لا أعلم أحداً أوجب الصلاة على النبي ﷺ فرضاً في التشهد الآخر إلا الشافعي ومن سلك سبيله)، وقد سبق مناقشة ما نسب إلى بعض الصحابة وبيان ما فيه من ضعف أو وهم.
وقد جاء في صفة صلاة النبي ﷺ : «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» (١)، ولم يأتِ في حديث صحيح أنه ﷺ كان يقولها، (وقد علّم عمر بن الخطاب الناس على المنبر التشهد بحضرة المهاجرين والأنصار وليس في شيء من ذلك صلاة على النبي، فلم ينكر ذلك عليه منكر) (٢).
وليس الخلاف في استحبابها؛ فهي مشروعة في التشهد الأخير بلا خلاف، وإنما الخلاف في بطلان صلاة من لم يذكرها، وقد صرّح ابن مسعود ﵁ بعدم بطلانها، وعلى ذلك جرى أصحابه في الكوفة (كانوا يقولون: التشهد يكفيهم من الصلاة على النبي ﷺ ، وصرّح بذلك عطاء بن أبي رباح في مكة، ولم أقف على مخالف لابن مسعود من الصحابة، ولا لأصحاب ابن مسعود وعطاء ومن هو في طبقتهم، والله أعلم.
стр. 458
قال ابن جرير: (لو كان كل من اُدعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك=للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه).
هدى الساري ص (٤٢٨)
стр. 459
المبحث السادس: وجوب متابعة الإمام إذا زاد في صلاته وعلم المأموم بالزيادة
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ
المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين
المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول
المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة
стр. 460
(إنما نعتد بخلاف الواحد إذا لم يكن على خلاف النص، فأما إذا كان بخلاف النص فلا يعتد بخلافه ويحكم بانعقاد الإجماع معه).
السمعاني ﵀ قواطع الأدلة (٢/ ١٤)
стр. 461
المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ:
صورة هذه المسألة: في إمام زاد في صلاته ركعة ثالثةً في ثنائيةٍ كالفجر، أو زاد ركعة رابعة في ثلاثية كالمغرب، أو زاد ركعة خامسة في رباعية كالظهر، فما حكم متابعة المأموم للإمام في هذه الزيادة؟ تمهيداً للجواب:
فمن يأتم بالإمام إما أن يكون قد أدرك الصلاة من أول ركعة وهذه مدار بحثنا، أو يكون مسبوقاً وهو: (الذي أدرك الإمام بعد ركعة أو أكثر) (١)، وسأذكر حكمه مختصراً.
ومن يتابع الإمام في زيادته إما أن يكون: عالماً بالزيادة وعالماً بحكم المتابعة وهذه مدار بحثنا، وإما أن يكون عالماً بالزيادة جاهلاً بحكم المتابعة هنا، وإما أن يكون ناسياً شارد الذهن غير عالم بالحال.
وهذه الزيادة: إما أن يكون المأموم غير موقن بموجبها وهذه مدار بحثنا، وإما أن يكون موقناً بموجبها، فالموقن بموجب الزيادة وأن الإمام قد أخل بركن ظاهر فإنه يتابعه (٢).
стр. 462
فالمقصود ببحث هذه المسألة هو: من أدرك الصلاة مع الإمام من أول ركعة، فزاد الإمام في صلاته ركعة، فتابعه وهو عالم بالحال وبالحكم، وموقن بانتفاء موجب الزيادة.
وقبل تحرير محل النزاع، فهذا تلخيص لمذاهب العلماء في حكم اعتداد المسبوق بالركعة الزائدة؛ لأنه قد يحصل الخلط بينهما فوجب التمييز:
- أما الحنفية فالزائدة عندهم غير معتبرة بل تفسد صلاة المسبوق فرضاً؛ لانقلاب فرض الإمام إلى نفل وعدم صحة ائتمام المفترض بالمتنفل (١)، وأما المالكية فلا يعتد المسبوق بالزائدة إن علم بها (٢)، وأما الشافعية فلا يعتد المسبوق إن لم يدرك إلا ركوع الزائدة، ويعتد إن أدرك القراءة ولم يكن عالماً بالزيادة (٣).
стр. 463
- وأما الحنابلة فإن المسبوق تنعقد صلاته مع الإمام في الزائدة، ولا يعتد بهذه الركعة، على الصحيح من المذهب، وقيل: يعتد، ويحتمل أن يعتد بها المسبوق إن صح اقتداء المفترض بالمتنفل (١)، واختار اعتداد المسبوق بها ابن قدامة (٢)، وابن سعدي (٣) وابن
стр. 464
عثيمين (١).
- واعتداد المسبوق بالزائدة مع سجوده للسهو هو قول الأوزاعي (٢)، وهو قول إسحاق ابن راهويه -دون سجود السهو- إن نوى بهذه الركعة فرضه (٣)؛ فقد سأله حرب الكرماني قال: قلت: رجلٌ فاتته من صلاة الظهر ركعة مع الإمام فسها الإمام فزاد في صلاته ركعةً ساهيًا هل تجزيء هذه الركعة التي زادها الإمام عن هذا بدلًا من الركعة التي فاتته؟ قال: (إذا نوى هذه الركعة عن فرضه أجزأه)، قلت: فإن لم ينو؟ قال: (إن لم ينو عن فرضه لم يُجْزِه ويقوم فيأتي بفرضه) (٤).
وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها:
стр. 465
١. أجمع العلماء على أن العمل الكثير المتعمد لغير عذر يبطل الصلاة (١).
٢. وأجمعوا على أن من زاد فعلاً من جنس أفعال الصلاة لغير عذر أن صلاته باطلة (٢).
٣. وأجمعوا على أن الإمام إذا صلى رباعية فنسي وقام إلى خامسة فإن ذكر قبل السجود عاد إلى الجلوس وتشهد وسجد للسهو وسلّم (٣).
٤. و (أجمع العلماء على أن الائتمام واجب على كل مأموم بإمامه في ظاهر أفعاله الجائزة، وأنه لا يجوز خلافه لغير عذر) (٤).
٥. واتفقوا على أن ما زاده الإمام خطأ لا يلزم منه بطلان صلاة المأموم إذا لم يتابعه (٥).
٦. ولا خلاف في أن غير المسبوق العالم بالزيادة وبالحكم، مع تيقنه
стр. 466
بعدم موجب الزيادة أنه يجلس ولا يتابع الإمام في زيادته (١)، وخالف في ذلك الألباني ﵀، وقال بوجوب متابعة الإمام في الزائدة إن سبحوا به فلم يرجع، فيتابعونه مطلقاً وإن زاد ركعة خامسة أو سادسة، و هذا الرأي هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.
стр. 467
المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين:
أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين:
محمد ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) (١) ﵀.
стр. 468
المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول:
١/ مخالفة الإجماع، وتفصيله في المطلب الرابع.
٢/ وصفه بالشذوذ ونحوه، ومن ذلك قول ابن عثيمين:
(ولقد ساءني وأدهشني ما نقله لي ثقةٌ عن شخص كان يجادله في إمامٍ صلى الظهر خمساً والمأمومُ يعلم أنه قد زاد في صلاته، فقال هذا المجادل: إنه يجب على المأموم أن يتابع الإمام في الزيادة، ولو كان المأموم يعلم أنه قام إلى خامسة، يقول: أنه يجب على المأموم أن يتابع الإمام في الزيادة لأن النبي ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» وعلى هذه القاعدة الباطلة الفاسدة: لو أن الإمام صلى عشر ركعات الظهر لوجب على المأموم أن يصلى عشر ركعات؛ بناءاً على قول هذا المجادل الذي يجادل بغير علم، فتأمل يا أخي تأمل خطأ هذا المجادل في الحكم والفهم، وتأمل أنه كذب على الرسول ﵊ في فهم كلامه على غير ما أراده النبي ﷺ ، والله إن هذا لهو الجهل المركب، بل مركب المركب (١)، جهل في الحكم وجهل في الفهم وجهل بأدلة الشريعة الأخرى) (٢).
стр. 469
المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم متابعة المأموم لإمامه في الركعة الزائدة:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١/ حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).
وجه الاستدلال:
أنّ من صلى الرباعية خمساً أو الثلاثية أربعاً أو الثنائية ثلاثاً، فقد زاد في صلاته وعمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله ﷺ ، فتكون الزيادة للعالم بها باطلة مردودة (٢).
ونوقش هذا الاستدلال:
- (بأنه يجب متابعة الإمام مهما كان سهوه أو خطؤه) (٣)؛ لعموم الأمر بمتابعة الإمام.
- ولأنه إذا لم يرجع الإمام بتسبيح المأمومين فيحتمل أنه ترك ركناً
стр. 470
قبل ذلك، فلا يترك يقين المتابعة بالشك (١).
وأجيب عن هذه المناقشة:
- بأن قوله ﷺ : «إنما جُعل الإمام ليُؤتمّ به» (٢)، ليس على عمومه قطعاً، وسيأتي مناقشة الاستدلال به مفصّلاً في أول دليل للقول الآخر.
- أما احتمال ترك الركن فإن هذا غير معتبر والأصل عدمه، والمأموم أتم صلاته يقيناً، فلا يترك هذا اليقين للاحتمال والشك، والحكم هو على ظاهر فعل الإمام، و (لو تحقق الحال هناك لم تجز متابعته) (٣).
٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع.
١. قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (ومن علم أن إمامه قد زاد ركعة أو سجدة فلا يجوز له أن يتبعه عليها، بل يبقى على الحالة الجائزة، ويسبح بالإمام، وهذا لا خلاف فيه) (٤).
٢. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (وقد اتفقوا كلّهم على أن الإمام … لو صلى خمساً لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه) (٥).
стр. 471
٣. وقال ابن باز (ت ١٤٢٠): (تقرر بالنص والإجماع أن الصلوات معروفة العدد ليس فيها زيادة ولا نقص … فإذا زاد الإمام ركعة … أما من لم يعرف أنها زائدة فإنه يتابعه … أما الذي عرف أنها زيادة فقد عرف أنها خطأ، فلا يتابعه في الخطأ، بل يجلس ولا يتابعه في الخطأ، ولا أعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم) (١).
و يلزم على القول بوجوب متابعة الإمام في الزيادة مخالفة هذه الإجماعات:
- الإجماع على أن صلاة الفجر ركعتان، وعلى أن صلاة المغرب ثلاث ركعات، وعلى أن صلاة الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات (٢).
- والإجماع على أن العمل الكثير المتعمد لغير عذر يبطل الصلاة، والإجماع على أن من زاد فعلاً من جنس أفعال الصلاة لغير عذر أن صلاته باطلة (٣).
- والإجماع على وجوب متابعة الإمام في أفعاله الظاهرة الجائزة (٤)،
стр. 472
(ولا يتابعه في شيء يوجب بطلان صلاته … ولا خلاف في ذلك) (١).
- فمن أوجب المتابعة في الركعة الزائدة فقد خالف كل ذلك، وعرّض صلاة المأموم للبطلان (والقول الذي يلزم منه خرق الإجماع، ومخالفة الأدلة الشرعية غير صحيح) (٢).
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال:
- بأن القول بوجوب المتابعة هو رواية عند الحنابلة (٣)، وعليه فلا يصح الإجماع.
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة:
- بأن هذه الرواية ليست هي المذهب المعتمد الذي اعتمده الأصحاب، جاء في المقنع مع الإنصاف في الإمام الذي زاد في صلاته: «وإن سبح به اثنان لزمه الرجوع … فإن لم يرجع بطلت صلاته وصلاة من اتبعه عالماً) على الصحيح من المذهب: أن صلاة من اتبعه عالماً تبطل، وعليه الأصحاب، وعنه لا تبطل، وعنه تجب متابعته في الركعة، لاحتمال ترك ركن قبل ذلك فلا يترك بتعين المتابعة بالشك، وعنه يخير في متابعته، وعنه يستحب متابعته) (٤).
стр. 473
- هذه مجمل الروايات، وما عليه المذهب من إبطال صلاة المأموم الذي اتبع إمامه بالزيادة عالماً قال عنه الخلال: (لا يليق بمذهبه غير هذا؛ لأن المأموم قام إلى خامسة مع العلم والإمام كان يلزمه الرجوع إلى قول المأمومين) (١)، وهذه إشارة مهمة.
- وهي أن هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى عند الحنابلة وهي: حكم صلاة الإمام إن سبّح به ثقتان فلم يرجع، قال أبوداود: (سمعت أحمد سئل عمن وهم في صلاته، وهو إمام؟ قال: يسبحون به من خلفه حتى ييقنوه، قيل: سبحوا به، فلم يقبل وصلى؟ قال: يعيد ويعيدون) (٢)، يعني: إن تابعوه (٣)، وهذا هو المذهب جاء في المقنع مع الإنصاف: «وإن سبح به اثنان لزمه الرجوع) يعني إذا كانا ثقتين، هذا المذهب، وعليه الأصحاب، سواء قلنا: يعمل بغلبة ظنه أو لا، وعنه يستحب الرجوع فيعمل بيقينه أو بالتحري … فإن تيقن صواب نفسه لم يرجع إلى قولهم، ولو كثروا. هذا جادة المذهب، وعليه جماهير الأصحاب) (٤).
- هذا هو مذهب الحنابلة في المسألتين وما عليه الأصحاب فيهما: أن الإمام يلزمه الرجوع إن سبّح به ثقتان ولم يتيقن من صواب نفسه، فإن اتبعوه بطلت صلاتهم إن كانوا عالمين، أما الرواية التي فيها وجوب متابعته في الزيادة فعلى ضعفها في المذهب، فيمكن حملها على حالة وهي: إن لم يسبحوا به، وعدم تسبيحهم قرينة
стр. 474
على شكهم؛ لأن التنبيه لازم عند العلم (١)، وبرهان ذلك:
- أن أقرب النصوص عن أحمد التي تدل على متابعة الإمام في زيادته ليس فيها ذكر لتسبيح المأموم: فقد نقل القاضي أبو يعلى قال: (قال في رواية أبي طالب: إذا صلى أربع ركعات ثم قام إلى خامسة وهو يظن أنها رابعة ومن خلفه لا يشك أنه قد صلى أربعاً معه حتى صلى الخامسة، فقد أحسن الذين قاموا معه، وقد صلى النبي ﷺ خمساً) (٢).
- قارن بين هذه الرواية التي ليس فيها تسبيح المأموم، ومتابعته للإمام إما جهلاً بالحكم أو تأويلاً، بما نقله أبوداود وقد مرّ قريباً: (قال: يسبحون به من خلفه حتى ييقنوه، قيل: سبحوا به، فلم يقبل وصلى؟ قال: يعيد ويعيدون) (٣)، فهنا أبطل صلاة الإمام والمأموم، وفي رواية أبي طالب استحسن متابعته والفرق بينهما كبير لابد فيه من فارق، ويؤيد ذلك هذه الرواية:
- التي نقلها القاضي أبويعلى من نص أحمد فقال: (قال في رواية المروذي: فيمن صلى بقوم فقام إلى خامسة فسبحوا به فلم يلتفت إلى قولهم؟ يقعدون ولا يتبعونه حتى يقعد فيسلم بهم. وكذلك نقل أبو الحارث ﵀).
- وهذا عبدالله بن أحمد يقول: (سألت أبي عن رجل صلى فقام في
стр. 475
الخامسة فسبحوا به فلم يرجع به فيتبعوه أم لا؟ قال أبي: يجلسونه فإن لم يجلس لا يتبعونه) (١).
- يؤيد جميع ماسبق أن ابن تيمية وهو العارف بمذهب أحمد وغيره يقول: (وقد اتفقوا كلّهم على أن الإمام … لو صلى خمساً لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه) (٢)، فهنا ينقل الاتفاق على أن من لم يتابع الإمام في الزائدة فصلاته صحيحة، والقول بوجوب المتابعة ينافي ذلك، أضف إلى ذلك ما قاله الخلال عن إبطال صلاة المأموم الذي تابع الإمام في الزائدة وهو عالم بعد تنبيه الإمام: (لا يليق بمذهبه غير هذا) يعني: أحمد.
- إذا تقرر مذهب الإمام أحمد، فإن خلاصة رأي الشيخ الألباني ﵀ هو: (وجوب متابعة الإمام متابعةً تامةً كاملةً، ولو قام إلى خامسة أو سادسة، إذا سبحوا به فلم يرجع، ولا علينا بعد ذلك أصاب أم أخطأ) (٣)، فهل يصح أن يقال: إن هذا الرأي هو رأي لأحمد ورواية عنه؟!
- بقي الإشارة إلى قول المالكية وعلاقته برأي الألباني، فقد قال خليل: (وإن قام إمام لخامسة فمتيقن لانتفاء موجبها: يجلس، وإلا اتبعه، فإن خالف عمداً بطلت فيهما لا سهواً) (٤) فالمأموم هنا (على خمسة أقسام: متيقن انتفاء تلك الركعة، ومتيقن موجبها لعلمه بطلان إحدى الأربع بوجه من وجوه البطلان، وظان الموجب، وظان عدمه، وشاك في الموجب.
стр. 476
- فمتيقن انتفاء الموجب بالاعتقاد الجازم لكمال صلاته وصلاة إمامه يجلس وجوباً، ويسبح فإن لم يفقه كلمه بعضهم، وأما من تيقن ثبوت الموجب أو ظنه أو توهمه أو شك فيه فإنه يجب عليه في هذه الأحوال الأربعة أن يتبعه في قيامه وجوباً؛ لأن الشخص إنما يعتد من صلاته بما تيقن أداءه) (١).
- وعند التأمل فإن هذا القول ليس كقول الألباني؛ وذلك أن تيقن ثبوت الموجب من عدمه هو في الأفعال الظاهرة أما الباطن فلا تكليف به، وقد مثّل خليل في شرحه لمختصر ابن الحاجب على تيقن الموجب: (كمن علم أن الإمام إنما قام لكونه نسي سجدة مِن الأولى، فإنه يلزمه إتباعُ الإمام) (٢)، قال الدسوقي: (فمتيقن انتفاء الموجب إن فعل ما أمر به من الجلوس صحت صلاته بقيدين: إن سبح ولم يتبين له وجوب الموجب وإلا بطلت) (٣)، والأفعال التي تتبين هي الظاهرة.
- ثم إن المالكية يبطلون صلاة الإمام والمأموم إذا سبح بالإمام جمع كثير ولم يرجع، قال الخرشي: (فإن تيقن خلاف خبرهم فلا يجب عليه الرجوع، إلا أن يكثروا جدا بحيث يفيد خبرهم العلم الضروري فيجب رجوعه؛ لأن تيقنه حينئذ بمنزلة الشك، فإن لم يرجع بطلت عليه وعليهم) (٤).
- ووجه عدم موافقته لرأي الألباني، أن الألباني ليس في رأيه تقييد
стр. 477
لحال المأموم من تيقنه بوجود الموجب أو عدمه، وليس فيه تقييد للتسبيح بل يتابعونه بعد التسبيح كما قال: (فقد سقط الواجب عن المقتدين وانقلب الواجب عليهم إلى متابعته) (١).
المسألة الثانية: أدلة من قال بوجوب متابعة الإمام إذا زاد في صلاته وعلم المأموم بالزيادة:
استدل من قال بهذا القول بأدلة منها:
١/ قوله ﷺ «إنما جُعل الإمام ليُؤتمّ به فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدا، فصلوا قعوداً أجمعون» (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أمر بمتابعة الإمام متابعة تامة كاملة ولا علينا بعد ذلك أصاب أم أخطأ، وجعل من تمام الإئتمام بالإمام أن يدع المؤتم ما يجب عليه من القيام، تحقيقاً لتمام القدوة منه بإمامه وعدم التظاهر عليه بمخالفته (٣).
ونوقش هذا الاستدلال (٤):
- بأن الحديث ليس على عمومه قطعاً، وقد نبّه على ذلك الإمام
стр. 478
البخاري حين قال: (باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. وصلّى النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس)، قال ابن حجر: (أي: والناس خلفه قياماً ولم يأمرهم بالجلوس … فدلَّ على دخول التخصيص في عموم قوله «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (١).
- وقد (أجمع العلماء على أن الائتمام واجب على كل إمام بإمامه في ظاهر أفعاله الجائزة وأنه لا يجوز خلافه لغير عذر) (٢)، والزيادة من الأفعال الظاهرة غير الجائزة فلا يتابع عليها، وإذا كانت مفارقة الإمام لتطويله جائزة، فمفارقته لزيادته في صلاته واجبة.
- ثم إن الحديث مفسّر بما بعده: « … فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدا، فصلوا قعوداً أجمعون» والفاء في قوله: «فإذا كبر فكبروا» للتفريع، فما بعدها تفريع على ما قبلها وتفسير له و (المراد اتباع أفعاله في الصلاة، حتى توقع أفعاله بعد أفعاله) (٣) فلايُسابِق ولايَتأخّر ولايُوافق بل يتابع في أفعاله المشروعة هذا هو المراد (٤).
- وذلك لأن عموم المتابعة والطاعة غير مرادة؛ إنما الطاعة في المعروف، فيُتابع الإمام وجوباً في أفعاله المشروعة، و (ينبغي
стр. 479
للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد) (١)، ولا تكون الطاعة مطلقة حتى في المعصية و الخطأ (٢).
- وإلا فيلزم (على هذه القاعدة الباطلة الفاسدة: لو أن الإمام صلى عشر ركعات الظهر لوجب على المأموم أن يصلى عشر ركعات) (٣)، وقد التزم ببعض ذلك الشيخ الألباني حين أوجب القيام للركعة السادسة (٤)، وقد صرح بعموم ذلك في قوله: (يجب متابعة الإمام مهما كان سهوه أو خطؤه) (٥).
٢/ واستدل أيضاً: بحديث ابن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً»، فلما سلَّم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت خمساً، «فسجد سجدتين» (٦).
وجه الاستدلال:
أن الصحابة ﵃ تابعوا النبي ﷺ في الركعة الزائدة وأقرهم على ذلك، وهذا الحكم لهم ولمن بعدهم من الأمة؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وكما أمرهم بترك ركن القيام متابعة للإمام فكذلك هنا والزيادة كالنقصان (٧).
стр. 480
ونوقش هذا الاستدلال:
- بأنه في غير محل النزاع، فإن الصحابة ﵃ لم يسبحوا بالنبي ﷺ لينبهوه على الزيادة، والمسألة محلّ النزاع فيما إذا سبحوا به فلم يرجع، وقد قال لهم ﷺ : «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» (١)، مما يدل على اعتقادهم زيادة في التشريع؛ ولذلك لم ينبهوه.
- ثم إن متابعة (أصحابه في مثل هذه الصورة، لتجويزهم التغيير في عصر النبوة) (٢)، وعدم تحققهم من الزيادة كما سبق؛ لأن الزمن كان زمن الوحي وإمكان الزيادة والنقصان (٣)؛ ولهذا قالوا: «أزيد في الصلاة؟».
- ولذلك لم يسبحوا به؛ مع علمهم بأنه صلى خمساً؛ لاعتقادهم جواز ذلك (٤)، والجاهل أو المتأول أو الناسي معذور بذلك، والكلام في العالم بالزيادة وبالحكم.
- أما القعود وترك ركن القيام متابعة للإمام فإنه معهود منصوص عليه -على اختلاف في نسخه أو بقاء حكمه- وأما الزيادة على ركعات الصلاة بعد استقرار الشريعة فهي غير معهودة ولا منصوصة، فافترقا ولم يصح القياس (٥).
стр. 481
المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ:
بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بوجوب متابعة المأمومين للإمام إذا سبحوا به فلم يرجع، ولو قام إلى خامسة أو سادسة إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الخاص في المسألة، و لم أقف في الأقوال المعتبرة من يقول به، كما أنه يلزم منه خرق لإجماعات سبق بيانها؛ كالاتفاق على عدم بطلان صلاة المأموم الذي لم يتابع إمامه في الخامسة، والإجماع على عدد ركعات الفروض الخمسة، والإجماع على أن من زاد فعلاً من جنس أفعال الصلاة لغير عذر أن صلاته باطلة، والإجماع على وجوب متابعة الإمام في أفعاله الظاهرة الجائزة وعدم متابعته فيما يبطل صلاته، (والقول الذي يلزم منه خرق الإجماع، ومخالفة الأدلة الشرعية غير صحيح) (١)، والله أعلم.
стр. 482
قال سعيد بن المسيب: (ليس من عالم ولا شريف ولا ذو فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبه، ومن كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله).
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١١/ ١٧٠)
стр. 483
المبحث السابع: وجوب التقيد بما محله قبل السلام أو بعده في سجود السهو
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ
المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين
المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول
المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة
стр. 484
(أمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك؛ فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ؛ فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كافٍ).
الشاطبي ﵀ الموافقات (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١)
стр. 485
المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ:
السهو في اللغة: (نسيان الشيء والغفلة عنه وذهاب القلب عنه إلى غيره) (١).
والمقصود بسجود السهو في الاصطلاح: سجدتان كسجود الصلاة، تؤديان في آخرها أو بعدها، جبراً للخلل الحادث فيها بسهو أو شك (٢).
وأسباب سجود السهو: (إما عند الزيادة أو النقصان اللذين يقعان في أفعال الصلاة وأقوالها من قبل النسيان لا من قبل العمد، وإما عند الشك في أفعال الصلاة) (٣).
وسجود السهو مطلوب لجبر الخلل بالإجماع (٤)، واختُلف في وجوبه:
فهو واجب في الجملة لترك الواجب عند الحنفية (٥)، وواجب عند المالكية على قول، وخاصة في السجود عن نقص، الذي يكون قبل
стр. 486
السلام (١)، وهو المذهب عند الحنابلة لما يبطل بعمده الصلاة (٢)، أما الشافعية فيسن عندهم سجود السهو ولا يجب (٣).
ومحل سجود السهو: بعد السلام عند الحنفية (٤)، وقبل السلام عند الشافعي (٥)، وفرّق مالك بين النقص فسجوده قبل السلام وبين الزيادة فسجودها بعد السلام (٦)، وقال الإمام أحمد: (كل سهو يعجبنا أن يؤتى به قبل السلام، إلا في ثلاثة مواضع: إذا سلم من ثنتين، أو سلم من ثلاث، أو كان ممن يرجع إلى التحري) (٧).
стр. 487
قال ابن المنذر: (وأصح هذه المذاهب: أحمد بن حنبل؛ أنه قال بالأخبار كلها في مواضعها، وقد كان اللازم لمن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلاً أن يقول بمثل ما قال أحمد، وذلك كقول من قال: إن خبر أيوب في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في الصحارى، والقول بإباحة ذلك في المنازل استدلالاً بخبر ابن عمر، وإمضاء الأخبار التي رويت في صلاة الخوف على وجهها، والقول بها في مواضعها، وغير ذلك مما يطول الكتاب بذكره) (١).
ومن المفيد في فهم المسألة ذكر الأحاديث التي عليها الاعتماد في سجود السهو:
- حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس» (٢). وليس فيه موضع السجود.
- حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليَطْرَح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان» (٣).
- حديث عبدالله بن بحينة ﵁ قال: «صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام، فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما
стр. 488
قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم» (١). والحديثان في السجود قبل السلام.
- حديث ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً»، فلما سلَّم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت خمساً، «فسجد سجدتين» (٢)، وفي رواية أنه قال: « … وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين» (٣).
- حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال محمد: وأكثر ظني العصر - ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر، وعمر ﵄، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس فقالوا: أَقَصُرَتِ الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ ذو اليدين، فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: «لم أنس ولم تقصر»، قال: بلى قد نسيت، «فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، فكبر، ثم وضع رأسه، فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر» (٤).
- وعن عمران بن حصين ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق،
стр. 489
وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم، «فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم» (١). وهذه الأحاديث الثلاثة في السجود بعد السلام.
قال الخطابي: (الصحيح منها والمعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة (٢) … فأما حديث أبي هريرة فهو حديث مجمل ليس فيه أكثر من أن النبي ﷺ أمر بسجدتين عند الشك في الصلاة وليس فيه بيان ما يصنعه من شيء سوى ذلك ولا فيه بيان موضع السجدتين من الصلاة، وحاصل الأمر على حديث ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، وحديث ذي اليدين وابن بحينة وعنها تشعبت مذاهب الفقهاء وعليها بنيت) (٣)، (فأبو حنيفة والشافعي -رحمهما الله- سلكا مسلك الترجيح بينها ورد بعضها إلى بعض، ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، سلكوا مسلك الجمع بين جميع الأحاديث والعمل بكلها) (٤).
стр. 490
وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها:
١. أجمع العلماء على أن محل سجود السهو هو آخر الصلاة؛ لتجمع السجدتان كل سهو في صلاته (١).
٢. وأجمعوا على أن المأموم غير المسبوق يتابع إمامه في سجود السهو، سواء كان قبل السلام أو بعده (٢).
٣. واتفق العلماء على أن من لم يعلم بالسهو إلا بعد السلام فإنه يسجد له بعد سلامه لتعذره قبل ذلك؛ لعدم علمه (٣).
٤. ومن كان إماماً أو منفرداً فإن تفضيل سجوده قبل أو بعد السلام على سبيل الاستحباب لا الوجوب وحكي الإجماع على ذلك، وخالف في ذلك ابن تيمية فرأى (أن ما شرعه قبل السلام يجب فعله قبله وما شرعه بعده لا يفعل إلا بعده) (٤)، ورجحه بعض المعاصرين، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.
стр. 491
المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين:
أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين:
محمد بن صالح العثيمين (ت ١٤٢١) (١) ﵀، حيث قال: (فما كان قبل السّلام فهو قبل السّلام وجوباً، وما كان بعده فهو بعد السلام وجوباً. وعليه؛ فيجب على كُلِّ أحد أن يعرف السُّجود الذي قبل السَّلام، والسُّجود الذي بعد السَّلام) (٢)، وإيجابه تعلم السجود القبلي والبعدي وجوباً عينياً على كل أحد لم أقف عليه عند غير الشيخ، حتى ابن تيمية - وقد تابعه الشيخ في إيجاب التقيد بما محله قبل السلام أو بعده في سجود السهو- يقول: (من سجد قبل السلام مطلقاً أو بعد السلام مطلقا متأولاً فلا شيء عليه، وإن تبين له فيما بعد السنة استأنف العمل فيما تبين له ولا إعادة عليه)، ولم يوجب تعلم ذلك على الأعيان، فهي مما يسع العامة جهله، واختلف فيها الأئمة، ويحتاج الخاصة إلى اجتهاد في التوصل إلى ما توصل إليه الشيخان في محل سجود السهو.
стр. 492
المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول:
١/ مخالفة الإجماع، وتفصيله في المطلب الرابع.
المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أدلة القائلين بالتوسعة في محل سجود السهو:
١/ (أن الأحاديث الواردة في ذلك قولاً وفعلاً فيها نوع تعارض، وتقدم وتأخر البعض غير ثابت برواية صحيحة موصولة … فالأولى الحمل على التوسع في جواز الأمرين) (١)، و (النبي ﷺ صح عنه السجود قبل السلام وبعده، فكان الكل سنة) (٢).
ونوقش هذا الاستدلال:
بأنه لم يأت في دليل واحد أن النبي ﷺ سجد للنقص بعد السلام، أو أنه سجد للزيادة قبل السلام؛ فدلَّ ذلك على التفريق بينهما (٣).
وأجيب عن هذه المناقشة:
- بالنقض؛ فإن الشك شيء زائد في الصلاة ومع ذلك أمر النبي ﷺ بالسجود له قبل السلام (٤)، كما في حديث أبي سعيد ﵁، وقال
стр. 493
- ﷺ : «فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته» وهذه زيادة أخرى محتملة، ومع ذلك أمر بالسجود لهما قبل السلام.
- وقد سأل صالحُ بن أحمد بن حنبل والدَه فقال: (إن مالك بن أنس يقول ما كان من نقصان فهو قبل وما كان من زيادة فهو بعد؟ فقال الإمام أحمد: ما أدري ما هذا حديث أبي سعيد مخالف لقول مالك … إن كانت خامسة شفعتا صلاته وإن كانت رابعة كانتا ترغيما للشيطان وقد أمرنا بالسجود قبل التسليم) (١).
- وفي مناقشة أدلة القول الآخر أحاديث صريحة في السجود للنقص بعد السلام أو العكس.
٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع.
وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء:
١. قال الماوردي (ت ٤٥٠): (لا خلاف بين الفقهاء (٢) أن سجود السهو جائز قبل السلام، وبعده وإنما اختلفوا في المسنون والأولى) (٣)، ونقله النووي في المجموع (٤).
٢. وقال ابن رجب (ت ٧٩٥) بعد أن نقل كلام الماوردي السابق: (كذلك صرح بهذا طوائف من الحنفية والمالكية والشافعية، ومن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب في "خلافيهما" وغيرهما من بعد) (٥).
стр. 494
٣. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بعد أن حكى خلاف العلماء في محل سجود السهو (١): (وكل هؤلاء يقول: إن المصلي لو سجد بعد السلام لم يضره، وكذلك لو سجد بعد السلام فيما قالوا: فيه السجود قبل السلام، لم يضره ولم يكن عليه شيء) (٢).
٤. وقال الجويني (ت ٤٧٨): (وقال بعض أئمتنا: لا خلاف أنه يُجزئ التقديمُ والتأخير، وإنما التردد في بيان الأوْلى والأفضل) (٣).
٥. وقال القاضي عياض (ت ٥٤٤): (لا خلاف بين هذه الطوائف كلها المختلفة في سجود السهو، وأنه إن سَجَد بعد لما يراه قبل، أو سجد قبلُ لما يراه بعد، أن ذلك يجزيه ولا يفسد صلاته) (٤).
٦. وقال النووي (ت ٦٧٦): (قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى- وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده، للزيادة أو النقص، أنه يجزئه ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل) (٥).
стр. 495
٧. وقال ابن مفلح (ت ٧٦٣): (محل سجود السهو ندباً … وذكره بعض المالكية وبعض الشافعية "ع"، وكذا قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، وإنما الكلام في الأولى والأفضل) (١)، ونقل قول القاضي في "المبدع" و"كشاف القناع" و "نيل المآرب".
٨. وقال المرداوي (ت ٨٨٥): (محل الخلاف في سجود السهو … على سبيل الاستحباب والأفضلية … وهذا هو الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب … قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، وإنما الكلام في الأولى والأفضل، وذكره بعض المالكية والشافعية إجماعاً) (٢).
٩. وقال الشوكاني (ت ١٢٥٠): (ومحل الخلاف في الأفضل كما عرفت، وإن كانت الهادوية تقول بفساد صلاة من سجد لسهوه قبل التسليم مطلقاً، لكن قولهم [مع] كونه مخالفاً لما صرحت به الأدلة مخالف للإجماع الذي حكاه عياض وغيره) (٣).
١٠. وقال السعدي (ت ١٣٧٦): (لا خلاف في أن سجود السهو يجوز قبل السلام وبعده، وأما الأفضل فإنه قبل السلام إلا في مسألتين … ) (٤).
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بالإجماع:
- بأن الخلاف منقول في كل مذهب من المذاهب الأربعة، وهذا بيانها:
- أما الحنفية فإن سجود السهو عندهم كله بعد السلام، وقال في