← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: محمد بن صالح العثيمين (ت ١٤٢١) (١) ﵀، حيث قال: (فما كان قبل السّلام فهو قبل السّلام وجوباً، وما كان بعده فهو بعد السلام وجوباً. وعليه؛ فيجب على كُلِّ أحد أن يعرف السُّجود الذي قبل السَّلام، والسُّجود الذي بعد السَّلام) (٢)، وإيجابه تعلم السجود القبلي والبعدي وجوباً عينياً على كل أحد لم أقف عليه عند غير الشيخ، حتى ابن تيمية - وقد تابعه الشيخ في إيجاب التقيد بما محله قبل السلام أو بعده في سجود السهو- يقول: (من سجد قبل السلام مطلقاً أو بعد السلام مطلقا متأولاً فلا شيء عليه، وإن تبين له فيما بعد السنة استأنف العمل فيما تبين له ولا إعادة عليه)، ولم يوجب تعلم ذلك على الأعيان، فهي مما يسع العامة جهله، واختلف فيها الأئمة، ويحتاج الخاصة إلى اجتهاد في التوصل إلى ما توصل إليه الشيخان في محل سجود السهو.

стр. 492

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وتفصيله في المطلب الرابع. المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بالتوسعة في محل سجود السهو: ١/ (أن الأحاديث الواردة في ذلك قولاً وفعلاً فيها نوع تعارض، وتقدم وتأخر البعض غير ثابت برواية صحيحة موصولة … فالأولى الحمل على التوسع في جواز الأمرين) (١)، و (النبي ﷺ صح عنه السجود قبل السلام وبعده، فكان الكل سنة) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لم يأت في دليل واحد أن النبي ﷺ سجد للنقص بعد السلام، أو أنه سجد للزيادة قبل السلام؛ فدلَّ ذلك على التفريق بينهما (٣). وأجيب عن هذه المناقشة: - بالنقض؛ فإن الشك شيء زائد في الصلاة ومع ذلك أمر النبي ﷺ بالسجود له قبل السلام (٤)، كما في حديث أبي سعيد ﵁، وقال

стр. 493

- ﷺ : «فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته» وهذه زيادة أخرى محتملة، ومع ذلك أمر بالسجود لهما قبل السلام. - وقد سأل صالحُ بن أحمد بن حنبل والدَه فقال: (إن مالك بن أنس يقول ما كان من نقصان فهو قبل وما كان من زيادة فهو بعد؟ فقال الإمام أحمد: ما أدري ما هذا حديث أبي سعيد مخالف لقول مالك … إن كانت خامسة شفعتا صلاته وإن كانت رابعة كانتا ترغيما للشيطان وقد أمرنا بالسجود قبل التسليم) (١). - وفي مناقشة أدلة القول الآخر أحاديث صريحة في السجود للنقص بعد السلام أو العكس. ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء: ١. قال الماوردي (ت ٤٥٠): (لا خلاف بين الفقهاء (٢) أن سجود السهو جائز قبل السلام، وبعده وإنما اختلفوا في المسنون والأولى) (٣)، ونقله النووي في المجموع (٤). ٢. وقال ابن رجب (ت ٧٩٥) بعد أن نقل كلام الماوردي السابق: (كذلك صرح بهذا طوائف من الحنفية والمالكية والشافعية، ومن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب في "خلافيهما" وغيرهما من بعد) (٥).

стр. 494

٣. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بعد أن حكى خلاف العلماء في محل سجود السهو (١): (وكل هؤلاء يقول: إن المصلي لو سجد بعد السلام لم يضره، وكذلك لو سجد بعد السلام فيما قالوا: فيه السجود قبل السلام، لم يضره ولم يكن عليه شيء) (٢). ٤. وقال الجويني (ت ٤٧٨): (وقال بعض أئمتنا: لا خلاف أنه يُجزئ التقديمُ والتأخير، وإنما التردد في بيان الأوْلى والأفضل) (٣). ٥. وقال القاضي عياض (ت ٥٤٤): (لا خلاف بين هذه الطوائف كلها المختلفة في سجود السهو، وأنه إن سَجَد بعد لما يراه قبل، أو سجد قبلُ لما يراه بعد، أن ذلك يجزيه ولا يفسد صلاته) (٤). ٦. وقال النووي (ت ٦٧٦): (قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى- وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده، للزيادة أو النقص، أنه يجزئه ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل) (٥).

стр. 495

٧. وقال ابن مفلح (ت ٧٦٣): (محل سجود السهو ندباً … وذكره بعض المالكية وبعض الشافعية "ع"، وكذا قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، وإنما الكلام في الأولى والأفضل) (١)، ونقل قول القاضي في "المبدع" و"كشاف القناع" و "نيل المآرب". ٨. وقال المرداوي (ت ٨٨٥): (محل الخلاف في سجود السهو … على سبيل الاستحباب والأفضلية … وهذا هو الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب … قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، وإنما الكلام في الأولى والأفضل، وذكره بعض المالكية والشافعية إجماعاً) (٢). ٩. وقال الشوكاني (ت ١٢٥٠): (ومحل الخلاف في الأفضل كما عرفت، وإن كانت الهادوية تقول بفساد صلاة من سجد لسهوه قبل التسليم مطلقاً، لكن قولهم [مع] كونه مخالفاً لما صرحت به الأدلة مخالف للإجماع الذي حكاه عياض وغيره) (٣). ١٠. وقال السعدي (ت ١٣٧٦): (لا خلاف في أن سجود السهو يجوز قبل السلام وبعده، وأما الأفضل فإنه قبل السلام إلا في مسألتين … ) (٤). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بالإجماع: - بأن الخلاف منقول في كل مذهب من المذاهب الأربعة، وهذا بيانها: - أما الحنفية فإن سجود السهو عندهم كله بعد السلام، وقال في

стр. 496

العناية: (لو أتى بها قبل السلام جاز عندنا أيضا في رواية الأصول. وروي أنه لا يجزئه؛ لأنه أداه قبل وقته) (١). - وأما المالكية فقال أبو العباس القرطبي: (ورأى مالك: أن ما فيه النقص السجود فيه قبل السلام، وأن ما فيه الزيادة يكون فيه السجود بعد، وهل هذا الترتيب هو الواجب أو هو الأولى؟ قولان للأصحاب) (٢). - وأما الشافعية فمع أن سجود السهو عندهم غير واجب، إلا أن الجويني (٣) قال عن تجويز السجود قبل السلام أو بعده: (التخير بينهما بعيد، فرأى الشافعي في ظاهر المذهب، التمسك بآخر أفعال النبي ﷺ ونحن نعتمد في التفريع هذه الطريقة الأخيرة، ونبني الأمرين على التردد في الإجزاء، لا في الفضيلة، فإن فرعنا على المشهور، وهو أن السجود قبل السلام، فإن وقع ذلك، فلا كلام، وإن سلم الساهي، ولم يسجد، لم يخل: إما أن يسلم ساهياً ناسياً لسجود السهو، وإما أن يسلم عامداً ذاكراً لسجود السهو، فإن تعمّد وسلم، فقد فوت سجدتي السهو على نفسه، وتركهما عمداً، فالصلاة صحيحة، وقد فاتت السجدتان، وليس سجود السهو واجباً عندنا، بل هو سنة كسجود التلاوة) (٤). - وأما الحنابلة فقال ابن تيمية: (ذهب كثير من أتباع الأئمة الأربعة

стр. 497

إلى أن النزاع إنما هو في الاستحباب وأنه لو سجد للجميع قبل السلام أو بعده: جاز. والقول الثاني: أن ما شرعه قبل السلام يجب فعله قبله وما شرعه بعده لا يفعل إلا بعده وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره من الأئمة وهو الصحيح) (١)، قال المرداوي: (وقيل: محله وجوباً اختاره الشيخ تقي الدين. وقال: عليه يدل كلام الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام صاحب المستوعب، والتلخيص، والمصنف، وغيرهم قال الزركشي: وظاهر كلام أبي محمد، وأكثر الأصحاب: أنه على سبيل الوجوب وقدمه في الرعاية) (٢). - قلت: وما ذكره ابن تيمية من أن الوجوب يدل عليه كلام الإمام أحمد ظاهر لمن تتبعه في الروايات المنقولة عنه في المسائل وغيرها (٣)، إلا أنه غير صريح في ذلك، ومما يؤيد الوجوب قول أحمد: (هكذا يعطى كل حديث منهما وجهه لا يعدى، والذي نختار بعد هذه الخمسة مواضع أن يأتي بسجدتي السهو قبل التسليم) (٤) قال ابن رجب عن القول بالوجوب: (وهذا ظاهر على قواعد أحمد وأصحابه) (٥)، ويؤيد عدم الوجوب قول الإمام أحمد: (كل سهو يعجبنا أن يؤتى به قبل السلام، إلا في ثلاثة مواضع) (٦).

стр. 498

وأجيب عن هذه المناقشة: بما ذكره ابن حجر بأنه (يمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماوردي وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة) (١). ويمكن الجواب عن هذا الجواب: - بأن ما ذكره ابن حجر أحد الاحتمالات الواردة لكنه يحتاج إلى برهان وإثبات، خاصة وأن الإجماعات المنقولة ليست قوية في ألفاظها، وفيها احتمال عدم العموم، ولم ينقلها الأكابر من أهل الاختصاص في نقل الإجماع والوفاق، وبيان ذلك في الآتي: - فأقوى الإجماعات المنقولة في المسألة والتي حاولت جمعها هي مانقله الماوردي و ابن عبد البر والقاضي عياض وكلها بصيغة: "نفي الخلاف"، وهي صيغة فيها تأخر عن صيغة الإجماع الصريح، وخاصة إن ثبت الخلاف، أما إن لم يثبت خلاف فهي قوية. - ثم إن ما نقله ابن عبدالبر الظاهر أنه لا يدخل فيه رأي الإمام أحمد ولا رأي داود؛ لأنه بعد ما ذكر مذاهب بعض العلماء قال: (وكل هؤلاء يقول: إن المصلي لو سجد بعد السلام لم يضره، وكذلك لو سجد بعد السلام فيما قالوا: فيه السجود قبل السلام، لم يضره ولم يكن عليه شيء)، ثم قال: (وأما ابن حنبل … وقال داود … ) (٢)، فذكر قولهما، وهو يدل على عدم دخول أحمد وداود في الخلاف المنفي، وحتى الشافعية يحتمل عدم دخولهم في كلامه، فقد قال العراقي: (وينبغي أن يحمل كلامه على اتفاق المالكية فإن الخلاف عند أصحابنا مشهور، والمذهب أنه في

стр. 499

الإجزاء لا في الأولوية) (١)، وقد خص ابن عبد البر هذا الكلام مالكاً في موضع آخر فقال: (ولو سجد عنده أحد بخلاف ذلك فجعل السجود كله بعد السلام، أو كله قبل السلام لم يكن عليه شيء لأنه عنده من باب قضاء القاضي بالاجتهاد) (٢). المسألة الثانية: أدلة القائلين بوجوب التقيد بما محله قبل السلام أو بعده في سجود السهو: استدل أصحاب هذا القول بقوله ﷺ وبفعله: ١/ أما قوله: فكما في حديث أبي سعيد: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليَطْرَح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (٣)، وحديث ابن مسعود: «وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين» (٤). وجه الاستدلال: أنه أمر بالسجود قبل السلام في حالة الشك، وأمر بالسجود بعد السلام في حالة التحري، والأصل في الأوامر الوجوب (٥)، و (كلاهما أمر منه يقتضي الإيجاب) (٦). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور: - بأن التحري في حديث ابن مسعود محمول على قصد اليقين في

стр. 500

حديث أبي سعيد، وعلى ذلك جماهير العلماء، قال القاضي عياض: (فهذا التحري عندنا وعند كافة العلماء هو البناء على اليقين المفسر في الأحاديث الأخر وقصد اليقين، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (١)، وذهب أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم: أن التحري هنا البناء على غلبة الظن ثم اختلفوا) (٢). - (فمعنى الحديث: فليقصد الصواب فليعمل به، وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد … [و] تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين، وأما في اللغة: فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكاً سواء المستوي والراجح والمرجوح والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح) (٣). - ومما يؤيد ذلك ماصحّ عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخّ حتى يعلم أنه قد أتم، ثم يسجد سجدتين وهو جالس»، قال ابن حزم: (ففسّر ابن عمر التحري كما قلناه) (٤). - ويدل على صحة هذا المعنى قوله ﷺ : «لاغرار في صلاة ولا

стр. 501

تسليم» (١)، قال الإمام أحمد: (ومعنى غرار، يقول: لا يخرج منها، وهو يظن أنه قد بقي عليه منها شيء حتى يكون على اليقين والكمال) (٢)، وقال الخطابي: (وأما الغرار في الصلاة فهو على وجهين: أحدهما: أن لا يتم ركوعه وسجوده، والآخر: أن يشك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً فيأخذ بالأكثر ويترك اليقين وينصرف بالشك، وقد جاءت السنة في رواية أبي سعيد الخدري أنه يطرح الشك ويبني على اليقين، ويصلي ركعة رابعة حتى يعلم أنه قد أكملها أربعاً) (٣). - وبذلك يُقلب الاستدلال: ويكون في الحديثين حجة للسجود قبل السلام أو بعد السلام على سبيل التوسعة و التخيير (٤)، كما قال الجمهور وإن اختلفوا في التفضيل؛ لأنه أمر به مرة قبل السلام، ومرة بعد السلام. ٢/ ومن أدلتهم من فعله: ﷺ أنه سجد للزِّيادة بعد السلام كما في حديث ذي اليدين، وسجد للنَّقص قبله كما في حديث ابن بحينة، وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلي» (٥).

стр. 502

وجه الاستدلال: أن الحديث يشمل متابعته ﷺ في صُلب الصّلاة، وفي جَبْر الصَّلاة عند السهو، وعلى هذا فما كان قبل السَّلام فهو قبل السَّلام وجوباً، وما كان بعده فهو بعد السلام وجوباً (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن قوله ﷺ : «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، لايدل على وجوب كل فعل فعله النبي ﷺ في صلاته، فرفع اليدين للتكبير، ووضع اليمين على الشمال في القيام، والتورك، والالتفات في السلام كلها غير واجبة وقد فعلها ﷺ . - ولابد أن يفهم هذا الحديث في سياقه، فقد قال ابن دقيق عمن يجعل هذا الحديث للدلالة على الأفعال الواجبة (٢): (هذا إذا أخذ مفرداً عن ذكر سببه وسياقه (٣): أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما صلى ﷺ … وإنما هذا الكلام قطعة من حديث مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله رحيماً رفيقاً، فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا؟ فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم» زاد البخاري «وصلوا كما

стр. 503

رأيتموني أصلي»، فهذا خطاب لمالك وأصحابه بأن يوقعوا الصلاة على ذلك الوجه الذي رأوا النبي ﷺ يصلي عليه، ويشاركهم في هذا الخطاب كل الأمة في أن يوقعوا الصلاة على ذلك الوجه، فما ثبت استمرار فعل النبي ﷺ عليه دائماً: دخل تحت الأمر، وكان واجباً (١)، وبعض ذلك مقطوع به، أي مقطوع باستمرار فعله له، وما لم يدل دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفتها، لا يجزم بتناول الأمر له) (٢). - هذا في الأفعال التي لم ترد على هيئات مختلفة، وقد ورد سجود السهو بهيئات مختلفة، تدل على عدم تعين أحدها، بل الحالة الواحدة قد يرد فيها هيئات مختلفة، ومن ذلك حديث عبدالله بن بحينة ﵁ لما قام ﷺ عن التشهد وسجد للسهو قبل السلام، فقد ورد من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أنه سجد بعد السلام في نفس الحالة. - وحديث ابن بحينة مضى في أول البحث، وهذا حديث المغيرة يرويه عنه زياد بن علاقة قال: زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس، فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم، وقال: «هكذا صنع رسول الله ﷺ ) (٣).

стр. 504

- ومثل ما فعل المغيرة صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ موقوفاً عليه، كما قال قيس ابن أبي حازم: (صلى بنا سعد بن مالك، فقام في الركعتين الأوليين، فقالوا: سبحان الله فقال: سبحان الله فمضى، فلما سلّم، سجد سجدتي السهو) (١). - وفعله أيضاً غير المغيرة وسعد، كما قال أبوداود في سننه: (وفعلَ سعدُ بن أبي وقاص مثل ما فعلَ المغيرةُ بن شعبة، وعمرانُ بن حصين، والضحاكُ ابن قيس، ومعاويةُ بن أبي سفيانَ، وابن عباس أفتى بذلك، وعمرُ بن عبد العزيز. قال أبو داود: وهذا فيمن قام من ثنتين ثم سجدوا بعد ما سَلَّموا) (٢). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فالذي يظهر أنه ليس من الآراء

стр. 505

الشاذة؛ فإنه لم يخالف نصاً صحيحاً صريحاً، ولم يخرم إجماعاً متحققاً، وقد استند قائله إلى أدلة من السنة محتملة، وقد قيل به في كل مذهب، ونصوص الشافعي وأحمد تحتمله، وإن كان مخالفاً للمشهور المعتمد في المذاهب الأربعة، فهو رأي دائر بين راجح ومرجوح، والأقوى من الأقوال -والله أعلم- هو ما حرّره العلائي في ختمه لهذه المسألة بأن الأصوب: (ردّ الأمر إلى التخيير، واستواء الأمرين، لثبوت الأحاديث فيها من كل جهة، وبُعْد الجمع بينها على وجه يعم جميعها، وبُعْد المناسبة الفارقة بين الزيادة والنقصان، ولا ينافي القولُ بهذا= القول بالأولوية في بعض الصور، إما قبل السلام أو بعده حسب ما ثبت في الأحاديث) (١)، والله أعلم.

стр. 506

قال عبدالله بن المعتز: (إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال، ولكن اذكر من فوقك من العلماء). الوافي بالوفيات (١٧/ ٢٤١)

стр. 507

المبحث الثامن: لا إعادة للصلاة لمتعمد ترك أدائها في وقتها وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 508

(ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنَّه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنَّه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم؛ لكثرة بيانه ومقاله، ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين). ابن رجب ﵀ بيان فضل علم السلف في مجموع رسائله (٣/ ٢٢)

стр. 509

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: أداء الصلاة المفروضة في وقتها من آكد شروط صحة الصلاة، فلا تؤدى قبله ولا بعده؛ قال الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١)، وهذا المبحث في حكم قضاء الصلاة المفروضة بعد خروج وقتها، لمن فاتته بغير عذر، بحيث يدخل عليه وقت الصلاة المفروضة ثم يتركها حتى يخرج وقتها، وهو غير معذور في هذا التأخير، بالنوم أو النسيان أو الجهل، أو إرادة الجمع أو المسايفة ونحوها (٢). ولمَّا قال ابن حزم: (اتفقوا أن الصلاة لا تسقط، ولا يحل تأخيرها عمداً عن وقتها، عن العاقل البالغ بعذر أصلاً، وأنها تؤدَّى على قدر طاقة المرء من جلوس واضطجاع بإيماء، وكيف أمكنه) (٣)، تعقَّبه أبو العباس ابن تيمية بقوله: (قلت: النزاع معروف في صور: منها: حال المسايفة: فأبو حنيفة يوجب التأخير، وأحمد في إحدى الروايتين يجوزه. ومنها: المحبوس في مصر (٤).

стр. 510

ومنها: عادم الماء والتراب: فمذهب أبي حنيفة، وأحدُ القولين في مذهب مالك أنه لا يصلي، رواه مَعنٌ عن مالك، وهو قول أصبغ، وحكي ذلك قولا للشافعي، ورواية عن أحمد. وهؤلاء في الإعادة لهم قولان، هما روايتان في مذهب مالك وأحمد، والقضاء قول أبي حنيفة) (١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها: ١. أجمع العلماء على أن الكافر الأصلي لا يقضي بعد إسلامه ما ترك من صلاة في كفره (٢). ٢. أجمع العلماء على تحريم تأخير الصلاة المفروضة عن الوقت الذي يجب أداؤها فيه لغير المعذور (٣)، (ولا يجوز لغيره بالاتفاق بل هو من الكبائر العظام) (٤). ٣. واتفقوا على تحريم تأخير صلاة النهار إلى الليل أو تأخير صلاة الليل إلى النهار، ولو كان ذلك لعذر يبيح الجمع (٥)، و (لاخلاف

стр. 511

بين الأمة أنه لا يحل له تأخيرها إلى أن يضيق وقتها عن كمال فعلها) (١). ٤. … (واتفقوا على أن من نام عن صلاة أو نسيها أو سكر من خمر حتى خرج وقتها فعليه قضاؤها أبداً) (٢). ٥. و (الذي اتفق عليه العلماء أنه يمكن إعادة الصلاة في الوقت الخاص والمشترك، كما يصلي الظهر بعد دخول العصر، ويؤخر العصر إلى الاصفرار; فهذا تصح صلاته وعليه إثم التأخير، وهو من المذمومين) (٣). ٦. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن من ترك الصلاة حتى خرج كل

стр. 512

وقتها فعليه قضاؤها، وحكي إجماعاً، ولو كان ذلك بغير عذر (١)، وخالف في ذلك بعض السلف وقالوا: لا يعيد المتعمد، وهو قول ابن حزم (٢)، وأحد قولي ابن تيمية (٣)،

стр. 513

وهو رأي ابن القيم (١)، ورجحه بعض المعاصرين ونُسب قولهم إلى الشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 514

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: ابن باز (ت ١٤٢٠) (١)، والألباني (ت ١٤٢٠) (٢)، و ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (٣).

стр. 515

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وتفصيله في المطلب الرابع. ٢/ وصفه بالشذوذ ونحوه، وقد نص على شذوذ هذا القول: - ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) فقال: (شذَّ بعض أهل الظاهر وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين وسبيل المؤمنين فقال: ليس على المتعمد لترك الصلاة في وقتها أن يأتي بها في غير وقتها … وظن أنه يستتر في ذلك برواية جاءت عن بعض التابعين شذ فيها عن جماعة المسلمين … والعجب من هذا الظاهري في نقضه أصله وأصل أصحابه: فيما وجب من الفرائض بإجماع أنه لا يسقط إلا بإجماع مثله أو سنة ثابتة لا تنازع في قبولها، والصلوات المكتوبات واجبات بإجماع، ثم جاء من الاختلاف بشذوذ خارج عن أقوال علماء الأمصار وأتبعه دون سند روي في ذلك، وأسقط به الفريضة المجتمع على وجوبها ونقض أصله ونسي نفسه … فما أرى هذا الظاهري إلا قد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف، وخالف جميع فرق الفقهاء وشذ عنهم، ولا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم) (١).

стр. 516

- والمازري (ت ٥٣٦) بقوله: (من ترك الصلاة متعمداً حتى خرجت أوقاتها فالمعروف من مذاهب الفقهاء أنه يقضي وشذ بعض الناس وقال: لا يقضي) (١). - والقاضي عياض (ت ٥٤٤) بقوله: (سمعت بعض شيوخنا يحكي أنه بلغه عن مالك قولةٌ شاذةٌ في المفرط كقول داود، ولا يصح عنه

стр. 517

ولا عن أحد من الأئمة ولا من يعتزى إلى علم سوى داود وأبي عبد الرحمن الشافعي) (١). - والنووي (ت ٦٧٦) بقوله: (وشذَّ بعض أهل الظاهر فقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر، وزعم أنها أعظم من أن يخرج من وبال معصيتها بالقضاء، وهذا خطأ من قائله وجهالة، والله أعلم) (٢). - وأبو الفضل العراقي (ت ٨٠٦) بقوله: (وأغرب من هذا أن ابن حزم ادعى في كتاب الإعراب: الاتفاق على أنها لا تقضى … وابن حزم موافق في الصوم أنه يقضي ولكنه لا يحتج بالقياس، وما ذهب إليه ابن حزم شاذ مخالف لأئمة أهل العلم) (٣). - وبالغ ابن العربي (ت ٥٤٣) فوصفهم بالمبتدعة حين قال: (فافهموا هذه النكتة تريحوا أنفسكم من شغب المبتدعة، فما زالوا يزهدون الناس في الصلاة، حتى قالوا: إن من تركها متعمداً لا يلزمه قضاؤها) (٤).

стр. 518

- وأبعد من تلك المبالغة: تكفير عبد القاهر البغدادي (١) لمن قال بهذا القول، فقال وهو في سياق ذكره لفضائح النظّام: (ومنها: أنه زعم أن من ترك صلاة مفروضة عمداً لم يصح قضاؤه لها ولم يجب عليه قضاؤها، وهذا عند سائر الأمة كفر ككفر من زعم أن الصلوات الخمس غير مفروضة … وخلاف النظام للأمة في وجوب قضاء المتروكة من فرائض الصلاة بمنزلة خلاف الزنادقة في وجوب الصلاة ولا اعتبار بالخلافين) (٢)، ولا شك في خطأ هذه المجازفات وعدم دقتها. - وأيّاً ما كانت المبالغة في التشنيع، على تفاوت في مراتبها من شذوذ وتبديع وتكفير، فإن من دلالاته: استقرار رأيهم، وضعف الخلاف الذي شُنع عليه، وهذا لا يُسلّم به إلا بعد استفراغ الوسع وبذل الجهد في التحقق من صحة هذه الأوصاف أو نفيها.

стр. 519

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بقضاء الصلاة لمتعمد ترك أدائها في وقتها: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث أبي قتادة ﵁ وفيه: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها» (١). وجه الاستدلال: أنه (سمّى من فعل هذا مفرطاً والمفرط ليس بمعذور … وقد أجاز رسول الله ﷺ صلاته على ما كان من تفريطه) (٢)، وهذا في فوات كل الوقت.

стр. 520

ونوقش الاستدلال: بأن قوله: «ذلك» يرجع إلى حالة النوم وهي التي لا تفريط فيها، بدليل قوله: «فليصلها حين ينتبه لها»، والمتعمد لم يغفل عنها حين تركها حتى يقال: حين ينتبه لها. ٢/ حديث أبي هريرة ﵁ قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» (١). وجه الاستدلال: بأنه (لم يخص متعمداً من ناسٍ، ونقلت الكافة عنه ﵇ أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل الغروب صلى تمام صلاته بعد الغروب وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع، ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلها لمن تعمد أو نسي أو فرط، وبين عمل بعضها في نظر ولا اعتبار) (٢)، وهذا في فوات بعض الوقت. ونوقش الاستدلال: بأن الصلاة (لو كانت تصح بعد خروج وقتها وتقبل منه لم يتعلق إدراكها بركعة) (٣)، وهذا الإدراك للركعة لايرفع الإثم بالاتفاق (فعلم أن هذا الإدراك لا يرفع الإثم بل هو مدرك آثم، فلو كانت تصح بعد الغروب لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت أولا يدرك منه شيئاً) (٤).

стр. 521

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - بأن الإدراك فائدته غير منحصرة في الصحة؛ حتى يقال: إذا تركها متعمداً حتى خرج وقتها بالكلية لم تصح منه؛ فللإدراك فوائد أخرى كوصف فعله بالأداء لا القضاء، وتفاوت الأجر وغير ذلك (١). - وتفويت كل الوقت أعظم إثماً بلا شك (٢)، لكن ليس في الحديث نفي القضاء بعد الوقت، بل فيه أن من أدرك ركعة قبل خروج الوقت فقد أدرك، ولا يسمى عند الجميع من صلى بعد الوقت مدركاً، بل هو يقضي ما فاته وتعلق بذمته، ولو فُرض أن في مفهوم الحديث نفي القضاء، فإن منطوق حديث: «ليس في النوم تفريط» أقوى. ٣/ ومن أدلتهم: أن الصلاة المفروضة إذا دخل وقتها فقد ثبتت في ذمة المكلف وصارت ديناً عليه، (ومن لزمه حق لله أو لعباده لزمه الخروج منه، وقد شبّه ﵇ حق الله تعالى بحقوق الآدميين وقال «دَيْنُ الله أحق أن يقضى» (٣).

стр. 522

وجه الاستدلال: - أن (قوله: «دَيْنُ الله» اسم جنس مضاف إلى معرفة فهو عام في كل دين … ولا شك أن الصلاة المتروكة عمداً دين الله في ذمة تاركها، فدل عموم الحديث على أنها حقيقة جديرة بأن تقضى، ولا معارض لهذا العموم) (١)، وما وجب من الفرائض بإجماع لا يسقط إلا بإجماع مثله أو سنة ثابتة لا تنازع في قبولها، وهذا الحديث من أقوى الأدلة لهذا الرأي (٢). - و (وجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول؛ لأنه قد خوطب بالصلاة وترتبت في ذمته فصارت ديناً عليه والدين لا يسقط إلا بأدائه فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها ويسقط عنه الطلب بأدائها) (٣). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن إطلاق الوجوب في الصلوات المفروضة مقيد بالوقت

стр. 523

كقوله ﷺ : «الوقت بين هذين» (١)، (ولم يوجبها ﵇ لا قبل ذلك الوقت، ولا بعده) (٢)، فمن أخذ بعموم وإطلاق النصوص، دون مخصصها ومقيدها لزمه إقامة الصلاة قبل الوقت وبعده. - وكون الصلاة ديناً ثابتاً في الذمة هذه هي المقدمة الأولى و (لا نزاع فيها ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم قال بسقوطها من ذمته بالتأخير) (٣)، والمقدمة الثانية: أن هذا الدين قابل للأداء بعد خروج وقته= فيجب أداؤه، وهذه المقدمة (فيها وقع النزاع وأنتم لم تقيموا عليها دليلاً، فادعاؤكم لها هو دعوى محل النزاع بعينه جعلتموه مقدمة من مقدمات الدليل وأثبتم الحكم بنفسه) (٤). - وأما قوله ﷺ : «دَيْنُ الله أحق أن يقضى» (فهذا إنما قاله في حق المعذور لا المفرط، ونحن نقول في مثل هذا الدين يقبل القضاء، وأيضاً فهذا إنما قاله رسول الله ﷺ في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطرفين) (٥). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - بأن وجوب الصلاة لا خلاف في أنه مقيد بوقتها، ولا خلاف في عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر، ولا يلزم من القول بقضائها بعد الوقت مع الإثم، صحة أدائها قبل الوقت؛ لأنها لا تثبت في الذمة وتكون ديناً لله إلا بعد دخول الوقت. - وأما الدليل على القضاء الذي هو محل النزاع فما نحن بصدده من

стр. 524

كونه ديناً لله وأنه أحق بالوفاء من غيره هذا دليل، وما سبق وما سيأتي كلها أدلة يمكن مناقشة بعضها، لكن بعضها سالم من المناقشة ومجموعها دلالته قوية. - وأما القول بأن قوله ﷺ : «دَيْنُ الله أحق أن يقضى» محمول على المعذور، فهذا لم يُذكر في حديث ابن عباس وعائشة في الصحيحين (١)، وأما حمله على النذر قال به أحمد وإسحاق وغيرهما (حملاً للعموم الذي في حديث عائشة (٢)، على المقيد في حديث ابن عباس وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا) (٣). - حيث إن النبي ﷺ لما قال: «دَيْنُ الله أحق أن يقضى» (ذكر هذا الحكم غير مقيد، بعد سؤال السائل مطلقاً عن واقعة يحتمل أن يكون وجوب الصوم فيها عن نذر، ويحتمل أن يكون عن غيره، فخرج ذلك على القاعدة المعروفة في أصول الفقه، وهو أن الرسول ﵇ إذا أجاب بلفظ غير مقيد عن سؤال وقع عن صورة محتملة أن يكون الحكم فيها مختلفاً: أنه يكون الحكم شاملاً للصور كلها، وهو الذي يقال فيه: ترك الاستفصال عن قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال: مُنزّل منزلة العموم في المقال) (٤).

стр. 525

- يضاف إلى ذلك: العموم في حديث عائشة: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، (فيكون التنصيص على مسألة صوم النذر، مع ذلك العموم راجعاً إلى مسألة أصولية. وهو أن التنصيص على بعض صور العام لا يقتضي التخصيص) (١). - وعلى فرض التسليم بأن الأحاديث في النذر فإن (النبي ﷺ علّل قضاء الصوم بعلة عامة للنذر وغيره، وهو كونه عليها، وقاسه على الدين، وهذه العلة لا تختص بالنذر - أعني كونها حقاً واجباً - والحكم يعم بعموم علته … لا سيما وقوله ﵇ «أرأيت» إرشاد وتنبيه على العلة التي هي كشيء مستقر في نفس المخاطب) (٢). ٤/ ومن أدلة الجمهور أيضاً: ما جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾» (٣)، وفي لفظ لمسلم: «من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٤). وجه الاستدلال: - أن (النسيان في لسان العرب يكون [بـ] الترك عمداً ويكون ضد الذكر) (٥)، والحديث (يقتضي وجوب الصلاة على كل ذاكر إذا

стр. 526

ذكر، سواء كان الذُكر دائماً، كالتارك لها عن علم، أو كان الذكر طارئاً، كالتارك لها عن غفلة، وكل ناس تارك، إلا أنه قد يكون بقصد وبغير قصد، فمتى كان الذكر وجب الفعل دائماً أو منقطعاً) (١). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أن في ذلك تحميلاً للفظ ما لا يحتمل؛ (لأن قوله ﵇: «فليصلها إذا ذكرها» كلام مبني على ما قبله. وهو قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها»، والضمير في قوله: «فليصلها إذا ذكرها» عائد إلى الصلاة المنسية، أو التي يقع النوم عنها. فكيف يحمل ذلك على ضد النوم والنسيان، وهو الذكر واليقظة؟ نعم لو كان كلاماً مبتدأ: مثل أن يقال: من ذكر صلاة فليصلها إذا ذكرها. لكان ما قيل محتملاً، على تمحُّل مجاز) (٢). - ثم إنه (قال: «فليصلها إذا ذكرها» وهذا صريح في أن النسيان في الحديث نسيان سهو لا نسيان عمد، وإلا كان قوله: «إذا ذكرها» كلاماً لا فائدة فيه، فالنسيان إذا قوبل بالذكر لم يكن إلا نسيان سهو كقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، وقوله ﷺ : «إذا نسيت فذكّروني» … -[و] قال: «فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» ومعلوم أن من تركها

стр. 527

عمداً لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت، هذا مما لا خلاف فيه بين الأمة … - الرابع [من أوجه بطلان هذا التأويل]: أن الناسي في كلام الشارع إذا علّق به الأحكام، لم يكن مراده إلا الساهي، وهذا مطرد في جميع كلامه كقوله ﷺ : «من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (١). وأجيب عن المناقشة: - بأن الحديث (خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، حتى لقد بلغني عن بعض علماء المغرب فيما حكاه لي صاحبنا الشيخ الإمام أبو الطيب المغربي أنه تكلم يوماً في ترك الصلاة عمداً، ثم قال: وهذه المسألة مما فرضها العلماء ولم تقع؛ لأن أحداً من المسلمين لا يتعمد ترك الصلاة) (٢). - فخص النائم والناسي لأنهما الغالب كما سبق؛ وليرتفع التوهم والظن بأنه لا قضاء عليهما؛ لرفع القلم والإثم عنهما بالنوم والنسيان، ولم يذكر العامد معهما لأن العلة المتوهمة في النائم والناسي ليست فيه (٣). - (فنص على النائم والناسي في الصلاة لما وصفنا، ونص على المريض والمسافر في الصوم، وأجمعت الأمة ونقلت الكافة فيمن لم يصم رمضان عامداً وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرًا وبطراً

стр. 528

-تعمد ذلك ثم تاب عنه - أن عليه قضاءه (١)، فكذلك من ترك الصلاة عامداً) (٢). - ومفهوم الشرط في قوله: «إذا ذكرها» غير معمول به هنا، ففي الحديث (قيد القضاء بالنائم، والناسي .. ؛ لأنه جعل واجبَهُ الإتيان به إذا ذكر ما نسيه أو نام، ولا كذلك التارك عمداً؛ لأنه لا يتجدد له ذكر بعد النسيان، فصار كقوله تعالى ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فإن مفهوم الشرط ليس معمولاً به) (٣). - (ويحتمل أن يقال في الحديث إنه نبه بالأدنى على الأعلى … فإذا أمر المعذور بالقضاء فأولى أن يؤمر به من تعدى بالتأخير، كمن أخر حقاً عليه عن وقته ودين الله أحق بالقضاء) (٤)؛ (لأن أقل أحوال الناسي سقوط الإثم عنه، وهو مأمور بإعادتها، والعامد لا يسقط عنه الإثم، فكان أولى أن تلزمه إعادتها، ولا يوجد في شيء من مسائل الشريعة مسألة: العامد فيها معذور، بل الأمر بضد ذلك) (٥). وأجيب عن الجواب الأخير الذي فيه قياس: - بـ (أنه قياس خاطئ بل لعله من أفسد قياس على وجه الأرض، لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسد بداهة) (٦)؛ (لأن

стр. 529

القياس عند القائلين به إنما هو قياس الشيء على نظيره، لا على ضده، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل القياس … والعمد ضد النسيان، والمعصية ضد الطاعة) (١)، فلا يصح (قياس المفرط العاصي المستحق للعقوبة، على من عذره الله ولم ينسب إلى تفريط ولا معصية … وأي قياس في الدنيا أفسد من هذا القياس وأبطل؟) (٢). - وبعض من قاس هنا تناقض حيث إنهم (لا يقيسون الحالف عامداً للكذب، على الحالف فيحنث غير عامد للكذب في وجوب الكفارة، بل يسقطون الكفارة عن العامد، ويوجبونها على غير العامد، ولا يقيسون قاتل العمد على قاتل الخطأ في وجوب الكفارة عليه، بل يسقطونها عن قاتل العمد، ولا يرون قضاء الصلاة على المرتد؛ فهذا تناقض لا خفاء به) (٣). - ثم إن (المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له؛ فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق، ولهذا قال الأكثرون: لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يميناً متعمداً فيها الكذب؛ لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا) (٤). - فعدم قضاء العامد (تغليظاً عليه، وليس وجوب القضاء [على النائم والناسي] من باب المعاقبة حتى يقال يجب على غيره بطريق الأولى) (٥). - ثم إن (المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها بل في نفس وقتها الذي وقته الله له، فإن الوقت في حق هذا حين

стр. 530

يستيقظ وذكر) (١). ويمكن الجواب عن هذا الجواب: - بأن الاختلاف في تنقيح المناط، وما ألزمتم به الجمهور من علة= غير لازمة ولا مصرح بها؛ فإنهم لم يقولوا بأن قضاء الناسي والنائم عقوبة فيكون العامد أولى بها، بل قالوا: إذا وجب القضاء على المعذور فغير المعذور أولى؛ لحاجته إلى ما يخفف ذنبه، بجامع فوات الوقت عن الجميع، قال ابن عبدالبر: (إذا كان النائم والناسي للصلاة -وهما معذوران- يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمد لتركها المأثوم في فعله ذلك أولى بألا يسقط عنه فرض الصلاة وأن يحكم عليه بالإتيان بها؛ لأن التوبة من عصيانه في تعمد تركها هي أداؤها وإقامة تركها مع الندم على ما سلف من تركه لها في وقتها) (٢)، وتأمل في العبارات المنقولة سابقاً في القياس عن ابن بطال والعراقي. - والتناقض لا يسلم به ففرق بين أركان الإسلام، وبين الكفارات، فالكفارة دون الواجب في أصل الشرع على كل مكلف فلا تقاس عليه والفارق أقوى من الجامع؛ خاصة وأن النص الوارد في أن حق الله أولى بالقضاء ورد في أركان الإسلام كالصيام والحج، ولما ذكر الله الكفارة في القتل مثلاً ذكرها في الخطأ ولم يذكرها في العمد، أما الردة فهي مبنية على مسألة قضاء المرتد إذا أسلم
следующие страницы →