← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ذكر، سواء كان الذُكر دائماً، كالتارك لها عن علم، أو كان الذكر طارئاً، كالتارك لها عن غفلة، وكل ناس تارك، إلا أنه قد يكون بقصد وبغير قصد، فمتى كان الذكر وجب الفعل دائماً أو منقطعاً) (١). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أن في ذلك تحميلاً للفظ ما لا يحتمل؛ (لأن قوله ﵇: «فليصلها إذا ذكرها» كلام مبني على ما قبله. وهو قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها»، والضمير في قوله: «فليصلها إذا ذكرها» عائد إلى الصلاة المنسية، أو التي يقع النوم عنها. فكيف يحمل ذلك على ضد النوم والنسيان، وهو الذكر واليقظة؟ نعم لو كان كلاماً مبتدأ: مثل أن يقال: من ذكر صلاة فليصلها إذا ذكرها. لكان ما قيل محتملاً، على تمحُّل مجاز) (٢). - ثم إنه (قال: «فليصلها إذا ذكرها» وهذا صريح في أن النسيان في الحديث نسيان سهو لا نسيان عمد، وإلا كان قوله: «إذا ذكرها» كلاماً لا فائدة فيه، فالنسيان إذا قوبل بالذكر لم يكن إلا نسيان سهو كقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، وقوله ﷺ : «إذا نسيت فذكّروني» … -[و] قال: «فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» ومعلوم أن من تركها

стр. 527

عمداً لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت، هذا مما لا خلاف فيه بين الأمة … - الرابع [من أوجه بطلان هذا التأويل]: أن الناسي في كلام الشارع إذا علّق به الأحكام، لم يكن مراده إلا الساهي، وهذا مطرد في جميع كلامه كقوله ﷺ : «من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (١). وأجيب عن المناقشة: - بأن الحديث (خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، حتى لقد بلغني عن بعض علماء المغرب فيما حكاه لي صاحبنا الشيخ الإمام أبو الطيب المغربي أنه تكلم يوماً في ترك الصلاة عمداً، ثم قال: وهذه المسألة مما فرضها العلماء ولم تقع؛ لأن أحداً من المسلمين لا يتعمد ترك الصلاة) (٢). - فخص النائم والناسي لأنهما الغالب كما سبق؛ وليرتفع التوهم والظن بأنه لا قضاء عليهما؛ لرفع القلم والإثم عنهما بالنوم والنسيان، ولم يذكر العامد معهما لأن العلة المتوهمة في النائم والناسي ليست فيه (٣). - (فنص على النائم والناسي في الصلاة لما وصفنا، ونص على المريض والمسافر في الصوم، وأجمعت الأمة ونقلت الكافة فيمن لم يصم رمضان عامداً وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرًا وبطراً

стр. 528

-تعمد ذلك ثم تاب عنه - أن عليه قضاءه (١)، فكذلك من ترك الصلاة عامداً) (٢). - ومفهوم الشرط في قوله: «إذا ذكرها» غير معمول به هنا، ففي الحديث (قيد القضاء بالنائم، والناسي .. ؛ لأنه جعل واجبَهُ الإتيان به إذا ذكر ما نسيه أو نام، ولا كذلك التارك عمداً؛ لأنه لا يتجدد له ذكر بعد النسيان، فصار كقوله تعالى ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فإن مفهوم الشرط ليس معمولاً به) (٣). - (ويحتمل أن يقال في الحديث إنه نبه بالأدنى على الأعلى … فإذا أمر المعذور بالقضاء فأولى أن يؤمر به من تعدى بالتأخير، كمن أخر حقاً عليه عن وقته ودين الله أحق بالقضاء) (٤)؛ (لأن أقل أحوال الناسي سقوط الإثم عنه، وهو مأمور بإعادتها، والعامد لا يسقط عنه الإثم، فكان أولى أن تلزمه إعادتها، ولا يوجد في شيء من مسائل الشريعة مسألة: العامد فيها معذور، بل الأمر بضد ذلك) (٥). وأجيب عن الجواب الأخير الذي فيه قياس: - بـ (أنه قياس خاطئ بل لعله من أفسد قياس على وجه الأرض، لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسد بداهة) (٦)؛ (لأن

стр. 529

القياس عند القائلين به إنما هو قياس الشيء على نظيره، لا على ضده، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل القياس … والعمد ضد النسيان، والمعصية ضد الطاعة) (١)، فلا يصح (قياس المفرط العاصي المستحق للعقوبة، على من عذره الله ولم ينسب إلى تفريط ولا معصية … وأي قياس في الدنيا أفسد من هذا القياس وأبطل؟) (٢). - وبعض من قاس هنا تناقض حيث إنهم (لا يقيسون الحالف عامداً للكذب، على الحالف فيحنث غير عامد للكذب في وجوب الكفارة، بل يسقطون الكفارة عن العامد، ويوجبونها على غير العامد، ولا يقيسون قاتل العمد على قاتل الخطأ في وجوب الكفارة عليه، بل يسقطونها عن قاتل العمد، ولا يرون قضاء الصلاة على المرتد؛ فهذا تناقض لا خفاء به) (٣). - ثم إن (المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له؛ فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق، ولهذا قال الأكثرون: لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يميناً متعمداً فيها الكذب؛ لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا) (٤). - فعدم قضاء العامد (تغليظاً عليه، وليس وجوب القضاء [على النائم والناسي] من باب المعاقبة حتى يقال يجب على غيره بطريق الأولى) (٥). - ثم إن (المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها بل في نفس وقتها الذي وقته الله له، فإن الوقت في حق هذا حين

стр. 530

يستيقظ وذكر) (١). ويمكن الجواب عن هذا الجواب: - بأن الاختلاف في تنقيح المناط، وما ألزمتم به الجمهور من علة= غير لازمة ولا مصرح بها؛ فإنهم لم يقولوا بأن قضاء الناسي والنائم عقوبة فيكون العامد أولى بها، بل قالوا: إذا وجب القضاء على المعذور فغير المعذور أولى؛ لحاجته إلى ما يخفف ذنبه، بجامع فوات الوقت عن الجميع، قال ابن عبدالبر: (إذا كان النائم والناسي للصلاة -وهما معذوران- يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمد لتركها المأثوم في فعله ذلك أولى بألا يسقط عنه فرض الصلاة وأن يحكم عليه بالإتيان بها؛ لأن التوبة من عصيانه في تعمد تركها هي أداؤها وإقامة تركها مع الندم على ما سلف من تركه لها في وقتها) (٢)، وتأمل في العبارات المنقولة سابقاً في القياس عن ابن بطال والعراقي. - والتناقض لا يسلم به ففرق بين أركان الإسلام، وبين الكفارات، فالكفارة دون الواجب في أصل الشرع على كل مكلف فلا تقاس عليه والفارق أقوى من الجامع؛ خاصة وأن النص الوارد في أن حق الله أولى بالقضاء ورد في أركان الإسلام كالصيام والحج، ولما ذكر الله الكفارة في القتل مثلاً ذكرها في الخطأ ولم يذكرها في العمد، أما الردة فهي مبنية على مسألة قضاء المرتد إذا أسلم

стр. 531

هل هو واجب؟ أم غير واجب؛ إلحاقاً له بالكافر الأصلي المتفق على عدم قضائه. - أما القول بأن المعذور قد صلى في الوقت أبداً؛ فهو مبني على حديث ضعيف (١). ٥/ ومن أدلتهم على القضاء: … حديث أبي ذرٍّ ﵁ قال لي رسول الله: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ - أو - يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فصلِّ، فإنها لك نافلة» (٢).

стр. 532

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ (أمر بالصلاة معهم بعد خروج الوقت فلو كانت غير صحيحة لما أمر بالاقتداء بهم) (١)، (وقد كان الصحابة يأمرون بذلك ويفعلونه عند ظهور تأخير بني أمية للصلاة عن أوقاتها، وكذلك أعيان التابعين ومن بعدهم من أئمة العلماء) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن (المراد بتأخيرها عن وقتها أي: عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع) (٣). - و على فرض تأخيرها عن وقتها فإنهم (لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ولا صلاة الليل إلى النهار، بل كانوا يؤخرون صلاة الظهر إلى وقت العصر، وربما كانوا يؤخرون العصر إلى وقت الاصفرار … فهذا التأخير لا يمنع صحة الصلاة) (٤). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - بأن هذا تحكّم وقد جاء في الحديث بأنهم يميتونها عن وقتها كما

стр. 533

في حديث أبي ذر، (أي: يصلونها بعد خروج وقتها فكانت كالميت الذى تخرج روحه) (١)، وجاء بأنهم يخنقونها إلى شرق الموتى كما في حديث ابن مسعود، أي: يؤخرونها إلى آخر وقتها، وكلا الأمرين تفريط وإثم، قال ابن رجب: (وحديث أبي ذر وما في معناه محمول على من أخرها عن الوقت حتى خرج الوقت، أو إلى وقت يكره تأخير الصلاة إليه) (٢). - فحمل الحديث على أحد المعنيين تحكم، وحمله على التأخير إلى الوقت المشترك تحكم كذلك، فلم يستثن في الحديث تأخيرهم صلاة الفجر -وليس لها وقت مشترك-. - وقد سُئل الإمام أحمد عن الأمراء (إذا أخروا الصلاة فصلى رجل في بيته، ثم أدرك الصلاة معهم؟ فقال: إذا صلوا في غير وقت صلى في بيته، ثم أتاهم. قال إسحاق: كما قال) (٣). - أما القول بأن الحديث محمول على الواقع المذكور للولاة، ف (غير مُسلم؛ فإنه نُقل عن كثيرٍ من الخلفاء الفسَقة والسلاطين الظلمة تركُ الصلوات، فضلاً عن تأخير صلاة عن وقتها) (٤)، قال

стр. 534

ابن عبدالبر: (والأحاديث في تأخير الأمراء الصلاة حتى يخرج وقتها كثيرة جداً، وقد كان الأمراء من بني أمية أو أكثرهم يصلون الجمعة عند الغروب) (١). ٥/ ومن أدلتهم: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء (٢): ١. قال محمد بن نصر المروزي (ت ٢٩٤): (فإذا ترك الرجل صلاة متعمداً حتى يذهب وقتها فعليه قضاؤها لا نعلم في ذلك اختلافاً، إلا ما يروى عن الحسن) (٣)، ولما أسند قول الحسن ثم تأوّله قال: (وهذا القول غير مستنكر في النظر لولا أن العلماء قد أجمعت على خلافه) (٤). ٢. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) عن قول ابن حزم (٥): (فما أرى هذا الظاهري إلا قد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف، وخالف جميع فرق الفقهاء، وشذ عنهم) (٦). ٣. وقال أبو محمد ابن قدامة (ت ٦٢٠): (ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها) (٧). ٤. وقال أبو الفرج ابن قدامة (ت ٦٨٢): (ولا نعلم خلافاً بين المسلمين

стр. 535

أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، مع اختلافهم في المرتد) (١). ٥. وقال النووي (ت ٦٧٦): (أجمع العلماء الذين يعتد بهم على أن من ترك صلاة عمداً لزمه قضاؤها، وخالفهم أبو محمد علي ابن حزم فقال: لا يقدر على قضائها أبداً ولا يصح فعلها أبداً، قال: بل يكثر من فعل الخير وصلاة التطوع ليثقل ميزانه يوم القيامة ويستغفر الله تعالى ويتوب، وهذا الذي قاله مع أنه مخالف للإجماع، باطل من جهة الدليل) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بعدم التسليم بالإجماع فقد (قالت طائفة من السلف والخلف: من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر يجوز له التأخير، فهذا لا سبيل له إلى استدراكها، ولا يقدر على قضائها أبدا ولا يقبل منه، ولا نزاع بينهم أن التوبة النصوح تنفعه) (٣). - وقد أقر محمد بن نصر المروزي بخلاف الحسن البصري فقال: (فأما المروي عن الحسن، فإن إسحاق حدثنا قال: حدثنا النضر، عن الأشعث، عن الحسن، قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها) (٤).

стр. 536

- قال ابن رجب: (وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن، مع عظمته وجلالته، وفضله وسعة علمه، وزهده وورعه؟ ولا يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحاً عن التابعين - أيضاً - فيه شيئاً، إلا عن النخعي، وقد وردت آثار كثيرة عن السلف في تارك الصلاة عمداً، أنه لا تقبل منه صلاة) (١). - بل قال ابن حزم: (وصح عن ابن عمر: (لا صلاة لمن [لم] يصلّ الصلاة لوقتها)، وعن أبي بكر الصديق: (إن لله عملاً بالنهار لايقبله بالليل، وعملاً بالليل لايقبله بالنهار)، ولم نجده (٢) إلا الصلاة والصوم، ولا مخالف لهما في ذلك من الصحابة؛ فخالفوهم وقالوا: جائز للمتعمد ترك الصلاة حتى يخرج وقتها أن يقضيها وتجزئه) (٣).

стр. 537

- وقال ابن حزم أيضاً: (ما نعلم لمن ذكرنا من الصحابة ﵃ مخالفاً منهم، وهم يشنعون بخلاف الصاحب إذا وافق أهواءهم) (١)، وكأنه بذلك يعارض ويقابل الإجماع الذي نقله ابن عبدالبر وغيره، ولذلك قال العراقي: (وبالغ ابن حزم في كتاب له سماه الإعراب فادعى فيه الإجماع على أنها لا تقضى، وناقضه ابن عبد البر في الاستذكار فادعى الإجماع على القضاء) (٢). - والحق أن ابن حزم لا يعتبر مثل هذا إجماعاً، و الإجماع عنده هو (ما اتفق جميع العلماء على وجوبه أو على تحريمه أو على أنه مباح … [أو] اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب أو لم يأثم)، وقال: (وصفة الإجماع هو: ما تيقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام)، وقال: (وإنما ندخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا مخالف فيه البتة الذي يعلم كما يعلم أن الصبح في الأمن والخوف ركعتان وأن شهر رمضان هو الذي بين شوال وشعبان) (٣)، ثم صرّح بأن من الأقوال الفاسدة من

стр. 538

جعل في الإجماع: مالا يعرف فيه خلاف دون قطع بأنه لا خلاف فيه، أو قول الصاحب المشهور المنتشر إذا لم يعلم له من الصحابة مخالفاً، وقد رد عليه ابن تيمية في اشتراطه العلم والقطع بعدم الخلاف بكلام نفيس بعد نقضه لأحد إجماعاته فقال: (مع كثرة اطلاعه على أقوال العلماء وتبرزه في ذلك على غيره، واشتراطه ما اشترطه في الإجماع الذي يحكيه، يظهر فيما ذكره في الإجماع نزاعات مشهورة، وقد يكون الراجح في بعضها خلاف ما يذكره في الإجماع، وسبب ذلك: دعوى الإحاطة بما لا يمكن الإحاطة به، ودعوى أنَّ الإجماع الإحاطي هو الحجة لا غيره، فهاتان قضيتان لا بد لمن ادعاهما من التناقض إذا احتج بالإجماع، فمن ادَّعى الإجماع في الأمور الخفية بمعنى أنه يعلم عدم المنازع، فقد قفا ما ليس له به علم، وهؤلاء الذين أنكر عليهم الإمام أحمد، وأما من احتج بالإجماع بمعنى عدم العلم بالمنازع، فقد اتبع سبيل الأئمة، وهذا هو الإجماع الذي كانوا يحتجون به في مثل هذه المسائل) (١). ويمكن الجواب عن المناقشة الأخيرة: - بأن القول بأن الصحابة لا يعلم بينهم اختلاف في عدم قضاء المتعمد غير مسلم به، (ذلك أن عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا ترك الصلاة كفراً، وتأخيرها عن وقتها إثماً ومعصية، وفسروا بذلك قوله تعالى: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ فلو كان فعلها

стр. 539

بعد الوقت لا يصح بحال كالوقوف بعرفة بعد وقته، لكان وجود تلك الصلاة كعدمها وكان المؤخر كافراً كالتارك) (١). - والمرجع عند اختلاف الصحابة هو الدليل أو القرينة المرجّحة لأحد أقاويلهم، فلا يكون قول بعضهم على بعض حجة عليهم ولا على غيرهم. المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم مشروعية قضاء الصلاة لمتعمد ترك أدائها في وقتها: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣). وجه الاستدلال: أنه (قد توعد الله سبحانه من فوت الصلاة عن وقتها بوعيد التارك لها) (٤)، (فلو كان العامد لترك الصلاة مدركا لهاً بعد خروج وقتها لما كان له الويل، ولا لقي الغي) (٥). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن تأثيم المؤخر للصلاة لا خلاف فيه، وعليه تدل الآيات، وليس فيها أنه لا يقضي، ولذلك فرّق الصحابة الذين فسّروا الآية بين

стр. 540

المؤخر لها (١) فلم يكفروه، وبين التارك لها فكفروه (٢)، فأثموا الأول وكفروا الثاني. - وبذلك يُقلب الاستدلال (فلو كان فعلها بعد الوقت لا يصح بحال كالوقوف بعرفة بعد وقته، لكان وجود تلك الصلاة كعدمها وكان المؤخر كافراً كالتارك) (٣). - (ومع القضاء عليه لا تبرأ ذمته من جميع الواجب، ولا يقبلها الله منه بحيث يرتفع عنه العقاب، ويستوجب الثواب؛ بل يخفف عنه العذاب بما فعله من القضاء، ويبقى عليه إثم التفويت، وهو من الذنوب التي تحتاج إلى مسقط آخر، بمنزلة من عليه حقان: فعل أحدهما، وترك الآخر) (٤). - وقد صحّ عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قلت لأبي: أرأيت قول الله : ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أهي تركها؟ قال: (لا، ولكن تأخيرها عن وقتها) (٥). - وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٦) و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٧)؟

стр. 541

فقال ابن مسعود ﵁: (على مواقيتها)، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك؟ قال: (ذاك الكفر) (١). - وقال القاسم بن مخيمرة (٢)، في قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) قال: (أضاعوا المواقيت ولم يتركوها، ولو تركوها صاروا بتركها كفاراً) (٤). - وفي ختام الآية قال ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (ولا تصح لمضيع الصلاة توبة إلا بأدائها، كما لا تصح التوبة من دين الآدمي إلا بأدائه) (٥). ٢/ واستدلوا: بأدلة مواقيت الصلاة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ

стр. 542

عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١)، وقوله ﵁: «الوقت بين هذين» (٢)، وغيرهما. والاستدلال بها من أوجه: - أن الشارع جعل لكل وقت صلاة أولاً وآخراً، و لا خلاف بين أحد من الأمة أن ماقبل الوقت وبعده ليس محلاً للأداء، وإلا كان التحديد لغواً لا معنى له (٣)، (فكما لا تقبل قبل دخول أوقاتها لا تقبل بعد خروج أوقاتها) (٤). - (وقد دل النص والإجماع على أن من أخّر الصلاة عن وقتها عمدا أنها قد فاتته، كما قال النبي ﷺ : «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله»، وما فات فلا سبيل إلى إدراكه البتة ولو أمكن أن يدرك لما سمي فائتاً وهذا مما لا شك فيه لغة وعرفاً … ولو قبلت منه وصحت بعد الوقت لكان تسميتها فائتة لغواً وباطلاً وكيف يفوت ما يدرك) (٥). - و (العبادات التي جعل لها ظرف من الزمان لا تصح إلا فيه، كالعبادات التي جعل لها ظرف من المكان، فلو أراد نقلها إلى أمكنة أخرى غيرها لم تصح إلا في أمكنتها) (٦).

стр. 543

- وأيضاً فإن كل عبادة علقت بوقت، إن فات وقتها (لم تبق تلك العبادة بعينها، ولكن شيء آخر غيرها، فإذا فعلت العصر بعد غروب الشمس لم تكن عصراً) (١). - ولأن (العبادة إذا أمر بها على صفة معينة أو في وقت بعينه لم يكن المأمور ممتثلاً للأمر إلا إذا أوقعها على الوجه المأمور به من وصفها ووقتها وشرطها، فلا يتناولها الأمر بدونه .. وإخراجها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلاً، وكالسجود على الخد بدل الجبهة … قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» … وهذا عمل على خلاف أمره فيكون رداً) (٢). - ف (تأخير العبادات المؤقتة حتى يخرج وقتها بدون عذر شرعي، عمل ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً، وإذا كان مردوداً كان الإلزام به عبثاً لا فائدة منه) (٣). - والوقت آكد شروط الصلاة ففي صلاة الخوف تترك بعض الواجبات له، بل (حتى أنه يترك جميع الواجبات والشروط لأجل الوقت … ولوكان له سبيل إلى استدراك الصلاة بعد خروج وقتها، لكان صلاته بعد الوقت مع كمال الشروط والواجبات خيراً من صلاته في الوقت بدونها وأحب إلى الله، وهذا باطل بالنص والاجماع) (٤).

стр. 544

ويمكن مناقشة هذه الاستدلالات: - أما تقرير أن ما بعد الوقت ليس محلاً للأداء فهذا صحيح، لكنه لا ينفي إمكانية القضاء؛ ولذلك أثبته النبي ﷺ للنائم والناسي، وثبت بالإجماع للسكران. - وأما القياس على ما قبل الوقت فهو قياس مع الفارق لأن الصلاة لا تثبت في الذمة قبل دخول وقتها، ومن يقول بالقضاء فالقضاء لِما ثبت في الذمة بعد دخول الوقت. - وأما القياس على العبادات المؤقتة بمكان فهو قياس مع الفارق أيضاً، لأن بعض العبادات المؤقتة بالزمان أثبت النبي ﷺ قضاءها بعد وقتها، كما قضى ﷺ بعض الصلوات بعد خروج وقتها، وكما شُرع قضاء رمضان في غير شهر رمضان وغيرهما. - وأما القول أن العبادة بعد مضي زمنها لم تبق هي وإنما صورتها فالعصر بعد الغروب ليست بعصر، فالجواب عنه أن الني ﷺ يوم الخندق: «صلى العصر بعدما غربت الشمس» (١)، وصلى مرة صلاة الفجر في وقت الضحى بعدما بزغت الشمس وضربتهم (٢)، فدل على إمكانية القضاء ولو فات الوقت، والفرق بين المعذور والمفرط هو الإثم، (فتأخيرهما إنما يختلف في الإثم وعدمه لا في وجوب التدارك بعد الترك) (٣)، ولم يمنع النبي ﷺ المفرّط من القضاء كما سبق.

стр. 545

- ولما قال رسول الله ﷺ لصحابته: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (١)، فتخوف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ ، وإن فاتنا الوقت، قال: «فما عنف واحداً من الفريقين»، قال ابن عبدالبر: (وقد أخّر بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلاها وقد علم رسول الله ذلك فلم يقل لهم: إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها ولا تقضى بعد خروج وقتها) (٢). - وأما منع القضاء لأن المقضية بلا عذر ليست على الصفة المشروعة فهي رد، فهو مردود، لأن الصلاة مشروعة وليست محدثة وقد تعلقت في ذمته، وقد أخبر النبي ﷺ عن من يفرط حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى، وذكر الأمراء وإماتتهم للوقت ولم يمنعهم كلهم من القضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. - أما تقرير أهمية وقت الصلاة فهذا لا نزاع فيه، ولذلك فإن من أخرها عن وقتها بلا عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر (٣).

стр. 546

٣/ ومن أدلة بعضهم (١): القياس على الكافر الأصلي، فكما أنه لا يقضي ما تركه في كفره، فكذلك المرتد بترك صلاة (٢)، (كما أجمع عليه الصحابة في ترك أمر المرتدين لما رجعوا إلى الإسلام بالقضاء، فقبول توبة تارك الصلاة وعدم توقفها على القضاء أولى) (٣). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - لا يُسلّم بهذا الاستدلال، لأن مسألتنا فيمن أخّر الصلاة وهذا الاستدلال فيمن تركها، وقد فرّق الصحابة بينهما فكفروا الثاني ولم يكفروا الأول، وقد سبق بيان ذلك. - وعلى فرض التسليم فإن القياس مع الفارق، فالكافر الأصلي غير المرتد، فقد (منَّ رسول الله ﷺ على المشركين، وحرّم الله تعالى دماء أهل الكتاب ومنع أموالهم بإعطاء الجزية، ولم يكن المرتد في هذه المعاني، بل أحبط الله تعالى عمله بالردة، وأبان رسول الله ﷺ أن عليه القتل إن لم يتب بما تقدم له من حكم الإيمان، وكان مال الكافر غير المعاهد مغنوماً بحال، ومال المرتد موقوفاً ليغنم إن مات على الردة أو يكون على ملكه إن تاب، ومال

стр. 547

المعاهد له عاش أو مات، فلم يجز إلا أن يقضي الصلاة والصوم والزكاة، [وكل] ما كان يلزم مسلماً لأنه كان عليه أن يفعل فلم تكن معصيته بالردة تخفف عنه فرضاً كان عليه) (١). - ثم إن هذا الاستدلال مبني على كفر تارك الصلاة وفيه خلاف، وإن كان إسحاق بن راهويه يقول: (قد صح عن رسول الله ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر، وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس، والمغرب إلى طلوع الفجر) (٢). - حتى من يرى ردته بالتأخير فإنه لا يمنع من القضاء كما قال محمد بن نصر: (فإذا ترك الرجل صلاة متعمداً حتى يذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك اختلافاً إلا ما يروى عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه وجعل توبته وقضاءه إياها رجوعاً منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية وأوجب عليه قضاءها) (٣). - ولذلك فإن بعض الأئمة لم يُجرِ هذا القياس، مع قولهم بكفر تارك الصلاة كابن المبارك وإسحاق بن راهويه، كما قال محمد بن نصر: (كان إسحاق يكفره بترك الصلاة على ما حكينا عنه ويرى عليه القضاء إذا تاب. وقال - يعني: إسحاق-: أخبرني عبد العزيز يعني ابن أبى رزمة عن ابن المبارك أنه شهده وسأله رجل عن رجل ترك صلاة أيام وقال: فما صنع، قال: ندم على ما كان منه، فقال ابن المبارك: ليقضي ما ترك من الصلاة، ثم أقبل علي فقال: يا

стр. 548

أبا محمد هذا لا يستقيم على الحديث. قال إسحاق: يقول القياس على الأصل أن لا يقضي وربما بنى على الأصل، ثم يوجد في ذلك الشيء نفسه خلاف البناء فمن هاهنا خاف ابن المبارك أن يقيس أمر تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه كفر فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام الكفار، رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميراث المرتد فأخذ بالاحتياط فرأى القضاء على تارك الصلاة عمدا وكان يكفره إذا تركها عمداً حتى يذهب وقتها وإن كان مقرا بها) (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فلاشك أن نسبته إلى الشذوذ غير صحيحة؛ فضلاً عن نسبته إلى البدعة أو الكفر وغيرهما من المجازفات؛ فإن القائل: بعدم مشروعية قضاء الصلاة لمن تعمّد ترك أدائها في وقتها بلا عذر، لم يخالف نصاً صحيحاً صريحاً، ولم يخرم إجماعاً متحققاً، وقد استند قائله إلى أدلة له فيها سلف، فهو رأي دائر بين راجح ومرجوح، وقد قال الشوكاني في مقارنته لأدلة هذه المسألة: (المقام من المضايق) (٢)، وإن كان القول بالقضاء أقوى -فيما يظهر- وأحوط؛ كما قال إسحاق بن راهويه: (وأكثر أهل العلم على إعادة الصلاة إذا تاب من

стр. 549

تركها والاحتياط في ذلك) (١). وأما قوة هذا القول؛ فلاعتماده على ظواهر أحاديث صحيحة هي أخص في المسألة، ولم يأت مخالفها بما يقوى على صرف ظاهرها، وجملة ما استدل به المخالف: الوعيد على مؤخر الصلاة، وأدلة مواقيت الصلاة، وهذان لا يُختلف فيهما لكنهما غير صريحين في نفي القضاء، مع كون تلك الظواهر أخص في إمكانية القضاء. أما تأييد القول بعدم القضاء بأن في ذلك عقوبة وزجراً وردعاً للمتعمد غير المعذور، فإن هذا محل نظر، فتقدير العقوبات توقيفي، والمتعمد غير المعذور معرّض للعقوبة في الآخرة عند الجميع مالم يتب، فهذا شيء ومانحن فيه شيء آخر، والله أعلم.

стр. 550

يقول أبو محمد اليزيدي: (أتيت الخليل بن أحمد في حاجة فقال لي: ههنا يا أبا محمد، فقلت: أضيق عليك، قال: فقال لي: إن الدنيا بحذافيرها تضيق عن متباغضين، وإن شبراً في شبر لا يضيق عن متحابين). أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٧٨)

стр. 551

المبحث التاسع: بدعية الذكر بالسُّبْحَة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 552

قال سليمان التيمي: (لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشرَّ كله)، قال ابن عبدالبر: (هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً). جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٧)

стр. 553

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: السُّبحة في اللغة: (خَرَزات يُسَبَّح بعددها) (١)، قاله الخليل (ت ١٧٠)، ولم يشر إلى عدم عربيّتها (٢)، وبنحوه قال الفارابي والجوهري وابن سيده (٣) وغيرهم، قال الفيومي: (وهو يقتضي كونها عربية) (٤)، وقال الأزهري (ت ٣٧٠): (ويقال لهذه الخَرَزات الّتي يَعُدُّ بها المُسَبِّحُ تَسْبِيحَه: السُّبْحَة، وهي كلمة مولّدة) (٥)، هكذا قال، والخيط الذي يجمع الخرز يسمّى: النِّظَام (٦). و اشتقاق السُّبحة من التسبيح وهو الذكر ب (سبحان الله)، وفي اللفظ تغليب له، (وقد يطلق التسبيح على غيره من أنواع الذكر مجازاً، كالتحميد والتمجيد وغيرهما. وقد يطلق على صلاة التطوع والنافلة. ويقال أيضاً للذكر ولصلاة النافلة: سُبحة. يقال: قضيت سبحتي … وإنما خصت

стр. 554

النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة سبحة، لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة. وقد تكرر ذكر السبحة في الحديث كثيراً) (١). ولا يخرج الاستعمال الفقهي للسبحة عن الاستعمال اللغوي (٢)، إلا أن (المشهور شرعاً إطلاق السُّبحة بالضم على النافلة) (٣). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. اتفق العلماء على تحريم استعمال المسبحة إذا كانت من الذهب أو الفضة (٤). ٢. ولا خلاف أن التسبيح بالأصابع ونحوها أفضل من التسبيح بالسبحة (٥)، وخاصة إن أمن من الغلط في العدّ (٦).

стр. 555

٣. والعلماء كافة على جواز استعمال السُّبحة في عدّ [الذِّكر]، وإن كرهها بعضهم (١)، وذهب بعض المعاصرين إلى بدعية استعمال السُّبحة في الذكر، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 556

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤) (١)، الألباني (ت ١٤٢٠) (٢)، و بكر أبوزيد (ت ١٤٢٩) (٣). ولم أقف على من سبقهم إلى هذا القول، إلا أن هناك ما يشير إلى أن القول بالبدعية موجود عند بعض المتأخرين، كقول علي القاري (ت ١٠٤١): (ولا يعتد بقول من عدها بدعة) (٤) مما يدل على قائل ببدعيتها في زمنه أو قبله، إلا إن حُمل كلامه على البدعة الحسنة لأنه قال في كتاب له آخر: (قيل: السبحة بدعة، لكنها مستحبة) (٥).

стр. 557

ونُقل عن ابن حجر الهيتمي المكي (ت ٩٧٤) نحو ذلك، كما قال ابن علّان (١): (وفي شرح المشكاة لابن حجر: ويستفاد من الأمر بالعقد المذكور في الحديث: ندب اتخاذ السبحة، وزَعْمُ أنها بدعة غير صحيح، إلا أن يحمل على تلك الكيفيات التي اخترعها بعض السفهاء، مما يمحضها للزينة أو الرياء أو اللعب) (٢)، وهو أقدم نقل وقفت عليه يشير إلى قائل ببدعية العد بالسبحة (٣)، ويحتاج النظر إلى تعيين القائل وسياق كلامه؛ لاحتمال أن يكون مراده في اتخاذها مع اعتقاد زائد فيها على مجرد العد، أو جعلها في الأعناق تعبداً، أو أنه أراد البدعة الحسنة، وأيّاً ما كان فإنه يبقى متأخراً لا حجة فيه على من سبقه من القرون المفضلة.

стр. 558

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي على عدم المنع من الذكر بالسبحة، وسيأتي في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذ هذا القول ونحوه من العبارات، ومن ذلك: - قال علي القاري: (و لا يعتد بقول من عدها -يعني: السبحة- بدعة) (١)، والشاذ مما لا يعتد به. - وجاء في رسالة "وصول التهاني" وصف هذا الرأي ب: (المنكر المردود … ) (٢).

стр. 559

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بجواز استعمال السُّبحة في عدِّ الذِّكر: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى - أو حصى - تسبح به، فقال: «أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا - أو أفضل -»، فقال: «سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك» (١)، وحديث صفية ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها، قال: «لقد سبحت

стр. 560

بهذه، ألا أعلمك بأكثر مما سبحت؟» فقلت: بلى علمني. فقال: «قولي: سبحان الله عدد خلقه» (١).

стр. 561

وجه الاستدلال: قال الشوكاني: (الحديثان … يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق [بين المنظومة والمنثورة وهذا] لتقريره ﷺ للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز) (١). ونوقش هذا الاستدلال: - ب (أن الحديث ضعيف، وإن حسنه الترمذي وصححه الحاكم والذهبي، ولم يثبت عدّ التسبيح بالحصى أو النوى مرفوعاً من فعله أو قوله أو تقريره ﷺ (٢). - وعلى فرض صحته ف (إن حديث صفية ﵂ فيه قول النبي ﷺ لها لما رآها تعد التسبيح بالنوى: «ما هذا؟» وهذا استنكار لفعلها، كأنه على غير المعهود في التشريع … وإن حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فيه لما رأى ﷺ المرأة تسبح بنواة، أو حصاة، قال: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل … »، وهذا أسلوب عربي معروف تأتي فيه صيغة أفعل على غير بابها، كما في قول الله تعالى عن نعيم أهل الجنة: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾) (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - أما الحديثان فلا يُسلّم بضعفهما الضعف الذي يُسقط اعتبارهما في

стр. 562

الاستدلال، وقد صحّح الأول ابن حبان والحاكم ولم يتعقبه الذهبي وحسنه ابن حجر، وصحح الآخر الحاكم ولم يتعقبه الذهبي، وصححه السيوطي وحسنه ابن حجر (١). - والحديثان فيهما ضعف لكنه ليس بشديد لا يمكن جبره، وقد شهد الثاني للأول، ولذا قال بكر أبوزيد: (أما حديث صفية، وحديث سعد بن أبي وقاص، فيشهد كل واحد منها للآخر، إذ ليس في إسناد أحدهما من قُدح فيه من جهة عدالته) (٢)، وللثاني متابعة معتبرة أيضاً. - أما تأويل الشيخ بكر للحديثين ففيه تحّكم، وهو تفسير معاصر لم أره لمن سبق، وقد ترجم أبوداود: (باب التسبيح بالحصى)، وترجم لهما المجد ابن تيمية في المنتقى: (باب جواز عقد التسبيح باليد وعده بالنوى ونحوه)، وقال حفيده أبو العباس ابن تيمية: (وقد رأى النبي ﷺ أم المؤمنين تسبح بالحصى وأقرها على ذلك) (٣). - يقول الشاطبي: (يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل) (٤).

стр. 563

- وهذا التأويل مع حداثته فيه تكلّف ظاهر وخروج عن الأصل، أما التكلّف فهو جعل هذا اللفظ: «ماهذا؟» دليلاً على الإنكار، وهو سؤال لا يُصرف إلى الاستنكار إلا إذا وجد ما يدل عليه وهو ﷺ لم ينه المرأة عن ذلك، بل أرشدها إلى ما هو أيسر لها وأفضل، ولو كان غير جائز لبيّن لها ذلك) (١). - وفي الصحيحين جاءت هذه اللفظة في صيام يوم عاشوراء لما رأى من يصومه ثم صامه، وقالها لعبدالرحمن بن عوف لما رأى عليه أثر صفرة فقال: «ما هذا؟» قال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: «بارك الله لك، أولم ولو بشاة» (٢). - وأما الخروج عن الأصل فهو جعله أفعل التفضيل في قوله: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل … » في غير بابها بلا دليل، والأصل إجراء الكلام على سَنَن العرب في أساليبهم، ولا تُصرف عن بابها إلا بدليل، ولا دليل هنا يوجب الصرف، وظاهر الكلام هنا وجود فاضل ومفضول، ويسير وأيسر، لا فاضل و محرم. - ومما يمكن أن يكون أصلاً مرفوعاً يقاس عليه عد الذكر بالسبحة، وهو من لطيف الأقيسة ما ورد من أن رمي الجمار لإقامة ذكر الله (وللرمي أذكار مخصوصة … فتكون الحصيات مع هذه الأذكار كالسبحة في إحصاء الأذكار المأثورة بالعدد المعين) (٣).

стр. 564

٢/ ومن أدلتهم على جواز عدّ الذكر بالسبحة: ما ورد عن الصحابة من العد بالنوى قال الإمام أحمد: (قد فعل ذلك أبو هريرة، وسعد ﵄) و وافقه إسحاق (١)، (والروايات في التسبيح بالنوى والحصى كثيرة عن الصحابة، وبعض أمهات المؤمنين) (٢)، أما الصحابيات فقد سبقن في المرفوع، وهذا بعض المروي عن الصحابة: - فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه: (كان معه كيس فيه حصى أو نوى فيقول: سبحان الله سبحان الله، حتى إذا نفد ما في الكيس ألقاه إلى جارية سوداء فجمعته ثم دفعته إليه) (٣)، وجاء عنه ﵁ أنه: (أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة، فلا ينام حتى يسبح به) (٤).

стр. 565

- وجاء عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه: (كان يُسبّح بالحصى والنوى) (١). - وجاء عن أبي صفية ﵁ أنه: (كان إذا أصبح يسبح بالحصى) (٢). - ووردت في الباب آثار أخر عن علي بن أبي طالب وأبي سعيد وأبي الدرداء ﵃ (٣).
следующие страницы →