← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وجه الاستدلال: قال الشوكاني: (الحديثان … يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق [بين المنظومة والمنثورة وهذا] لتقريره ﷺ للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز) (١). ونوقش هذا الاستدلال: - ب (أن الحديث ضعيف، وإن حسنه الترمذي وصححه الحاكم والذهبي، ولم يثبت عدّ التسبيح بالحصى أو النوى مرفوعاً من فعله أو قوله أو تقريره ﷺ (٢). - وعلى فرض صحته ف (إن حديث صفية ﵂ فيه قول النبي ﷺ لها لما رآها تعد التسبيح بالنوى: «ما هذا؟» وهذا استنكار لفعلها، كأنه على غير المعهود في التشريع … وإن حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فيه لما رأى ﷺ المرأة تسبح بنواة، أو حصاة، قال: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل … »، وهذا أسلوب عربي معروف تأتي فيه صيغة أفعل على غير بابها، كما في قول الله تعالى عن نعيم أهل الجنة: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾) (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - أما الحديثان فلا يُسلّم بضعفهما الضعف الذي يُسقط اعتبارهما في

стр. 562

الاستدلال، وقد صحّح الأول ابن حبان والحاكم ولم يتعقبه الذهبي وحسنه ابن حجر، وصحح الآخر الحاكم ولم يتعقبه الذهبي، وصححه السيوطي وحسنه ابن حجر (١). - والحديثان فيهما ضعف لكنه ليس بشديد لا يمكن جبره، وقد شهد الثاني للأول، ولذا قال بكر أبوزيد: (أما حديث صفية، وحديث سعد بن أبي وقاص، فيشهد كل واحد منها للآخر، إذ ليس في إسناد أحدهما من قُدح فيه من جهة عدالته) (٢)، وللثاني متابعة معتبرة أيضاً. - أما تأويل الشيخ بكر للحديثين ففيه تحّكم، وهو تفسير معاصر لم أره لمن سبق، وقد ترجم أبوداود: (باب التسبيح بالحصى)، وترجم لهما المجد ابن تيمية في المنتقى: (باب جواز عقد التسبيح باليد وعده بالنوى ونحوه)، وقال حفيده أبو العباس ابن تيمية: (وقد رأى النبي ﷺ أم المؤمنين تسبح بالحصى وأقرها على ذلك) (٣). - يقول الشاطبي: (يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل) (٤).

стр. 563

- وهذا التأويل مع حداثته فيه تكلّف ظاهر وخروج عن الأصل، أما التكلّف فهو جعل هذا اللفظ: «ماهذا؟» دليلاً على الإنكار، وهو سؤال لا يُصرف إلى الاستنكار إلا إذا وجد ما يدل عليه وهو ﷺ لم ينه المرأة عن ذلك، بل أرشدها إلى ما هو أيسر لها وأفضل، ولو كان غير جائز لبيّن لها ذلك) (١). - وفي الصحيحين جاءت هذه اللفظة في صيام يوم عاشوراء لما رأى من يصومه ثم صامه، وقالها لعبدالرحمن بن عوف لما رأى عليه أثر صفرة فقال: «ما هذا؟» قال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: «بارك الله لك، أولم ولو بشاة» (٢). - وأما الخروج عن الأصل فهو جعله أفعل التفضيل في قوله: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل … » في غير بابها بلا دليل، والأصل إجراء الكلام على سَنَن العرب في أساليبهم، ولا تُصرف عن بابها إلا بدليل، ولا دليل هنا يوجب الصرف، وظاهر الكلام هنا وجود فاضل ومفضول، ويسير وأيسر، لا فاضل و محرم. - ومما يمكن أن يكون أصلاً مرفوعاً يقاس عليه عد الذكر بالسبحة، وهو من لطيف الأقيسة ما ورد من أن رمي الجمار لإقامة ذكر الله (وللرمي أذكار مخصوصة … فتكون الحصيات مع هذه الأذكار كالسبحة في إحصاء الأذكار المأثورة بالعدد المعين) (٣).

стр. 564

٢/ ومن أدلتهم على جواز عدّ الذكر بالسبحة: ما ورد عن الصحابة من العد بالنوى قال الإمام أحمد: (قد فعل ذلك أبو هريرة، وسعد ﵄) و وافقه إسحاق (١)، (والروايات في التسبيح بالنوى والحصى كثيرة عن الصحابة، وبعض أمهات المؤمنين) (٢)، أما الصحابيات فقد سبقن في المرفوع، وهذا بعض المروي عن الصحابة: - فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه: (كان معه كيس فيه حصى أو نوى فيقول: سبحان الله سبحان الله، حتى إذا نفد ما في الكيس ألقاه إلى جارية سوداء فجمعته ثم دفعته إليه) (٣)، وجاء عنه ﵁ أنه: (أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة، فلا ينام حتى يسبح به) (٤).

стр. 565

- وجاء عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه: (كان يُسبّح بالحصى والنوى) (١). - وجاء عن أبي صفية ﵁ أنه: (كان إذا أصبح يسبح بالحصى) (٢). - ووردت في الباب آثار أخر عن علي بن أبي طالب وأبي سعيد وأبي الدرداء ﵃ (٣).

стр. 566

ونوقش هذا الاستدلال: بأن (آثار التسبيح بالحصى المذكورة لا تخلو أسانيدها من مقال … ولا يؤثر عن أَحَدٍ منهم حرف واحد يصح عنه بأنه خالف هدي النبي ﷺ فَعَدَّ التسبيح والذكر بالحصى، أو النوى، فضلاً عن اتخاذه في خيط معقود) (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - بأن الآثار الواردة فيها قوة على انفرادها وقد سبق بيانه في تخريجها، و مجموعها يُثبت الأصل، وبما هو دونها في القوة يثبت المرفوع عند اجتماعه فكيف بالموقوف. - وجميع الضعف الذي فيها ليس بسبب كذب الراوي أو نكارة المتن، بل هو عائد إلى جهالة التابعي (كالطفاوي، ومولاة سعد، و أم يونس بن عبيد)، فالجهالة الموجودة فيه ليست ضعيفة؛ لأنها في طبقة التابعين، وقد قال ابن كثير عن جهالة مولى لأبي بكر: (جهالة مثله لا تضر؛ لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر الصديق، فهو حديث حسن) (٢)، وقد قعّد لذلك الذهبي مع إضافة قيود حين قال: (وأما المجهولون من الرواة، فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم، احتُمِلَ حديثُه، وتُلُقِّيَ بحُسْن الظَّنِّ، إذا سَلِمَ من مخالفةِ الأُصول، وركاكة الألفاظ) (٣). - وأختم الجواب بما بدأ الاستدلال، فإن إمامي أهل الحديث والأثر: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قد أثبتا ذلك عن أبي

стр. 567

هريرة وسعد، ولا منازع لهما من قبل ولا من بعد، ولا أعرف أن أحداً نفى ذلك عن الصحابة جملة قبل الشيخ بكر ﵀. ٣/ ومن أدلتهم: الإجماع. وممن نقل الإجماع في هذه المسألة بعض المتأخرين ومنهم: ١. السيوطي (ت ٩١١) بقوله: (ولم يُنقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة، بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروهاً) (١)، وقد نقله عن السيوطي الشوكاني، و المباركفوري في تحفة الأحوذي دون تعقّب (٢). ٢. وقال المناوي (ت ١٠٣١): (ولم ينقل عن أحد من السلف ولا الخلف كراهتها … أما ما ألفه الغفلة البطلة من إمساك سبحة يغلب على حباتها الزينة وغلو الثمن، ويمسكها من غير حضور في ذلك ولا فكر، ويتحدث ويسمع الأخبار و يحكيها وهو يحرك حباتها بيده، مع اشتغال قلبه ولسانه بالأمور الدنيوية، فهو مذموم مكروه من أقبح القبائح) (٣). ٣. وقال الصنعاني (ت ١١٨٢): (ولم ينقل عن أحد من السلف ولا الخلف كراهتها) (٤). ٤. وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: (أجاز الفقهاء التسبيح باليد والحصى والمسابح خارج الصلاة، كعده بقلبه أو بغمزه أنامله) (٥)، ولم يذكروا فيه خلافاً.

стр. 568

ونوقش هذا الاستدلال: - بعدم التسليم فإنه (لمّا بَدَت في التابعين ظاهرة العد للأذكار بالحصى، أو النوى، منثوراً، أو منظوماً في خيط، ابتدرها الهداة من الصحابة والتابعين بالاستنكار، والإِنكار، فهذا ابن مسعود ﵁ يقول لإِخوانه من التابعين: (لقد أحدثتم بدعة ظلما، أَوْ قَدْ فَضَلْتُم أصحاب محمد ﷺ عِلْماً)، وابن مسعود ﵁ يقطع خيط آخر، وابن مسعود ﵁ يضرب آخر برجله لما رآه يَعُدُّ التسبيح بالحصى، ويعلن في الناس كراهيته للعد بالحصى أو النوى، ويقول: (أَيُمَنُّ على الله حسناته؟) … - وهذا سيد التابعين في زمانه: إبراهيم بن يزيد النخعي المتوفى سنة ٩٦ - رحمه الله تعالى- ينهى بناته عن فتْلِ الخيوط للتسابيح؛ لأَنها وسيلة إلى غير المشروع، وهذا نظير النهي عن بيع العنب لمن يتخذه خمراً) (١). وأجيب عن هذه المناقشة بأمور: - أما أثر ابن مسعود ﵁ فالثابت عنه هو ما أخرجه ابن أبي شيبة قال: (كان عبد الله يكره العدد ويقول: أيمنّ على الله حسناته؟!) (٢)، فهو في كراهة عدّ الذكر مطلقاً.

стр. 569

- وهو كالمروي عن ابن عمر ﵄، عن عقبة قال: سألت ابن عمر عن الرجل يذكر الله ويعقد؟ فقال: (تحاسبون الله؟!) (١)، وليس فيهما حصى و لا نوى و لا سبحة، فهو في كراهة العدّ وبذلك ترجم لهما ابن أبي شيبة: (من كره عقد التسبيح). - قال الطحاوي: (وقد كان قوم يكرهون عقد التسبيح منهم أبو حنيفة وأصحابه (٢) … وقد تقدمهم فيما قالوه من ذلك عبد الله بن عمر)، ثم وّفق بين الأحاديث التي فيها ذكر مقيد بعدد، وما روى عن ابن

стр. 570

عمر بقوله: (إن كل أمرٍ أَمَرَ به رسول الله ﷺ مما له عدد مما لا يضبط إلا بعقد التسبيح، فالعقد في ذلك داخل في أمره ومحضوض على فعله، ليعلم فاعله أنه قد استحق وعد الله الذي وعده فاعلي ذلك عليه، وكل أمرٍ أمرَ به بلا عدد ذكره فيه، فاستعمال العقد فيه لا معنى له، بل استعماله عظيم كما استعظمه عبد الله بن عمر) (١)، هكذا وجّهه. - وكأن الإمام أحمد يردّ هذا الاجتهاد حين قال: (النبي ﷺ قد عدّ) (٢)، خاصة وأن ابن مسعود وابن عمر، خالفهما أبو هريرة وسعد وغيرهما ﵃، فرجّح أحمد بفعل النبي ﷺ . - أما الطرق الأخرى لأثر ابن مسعود (فقد ورد من سبع طرق ولا يخلو طريق منها من علة قادحة، إلا أن مجموعها يدل على أن له أصلاً) (٣)، ولعل أصلها الطريق السابق. - وقد أورد الشيخ بكر ستة طرق لأثر ابن مسعود (٤) أولها الأثر الذي سبق أنه (كان يكره العدد) وحكم عليه بقوله: (رواه ابن أبي شيبة … بسند صحيح) (٥)، ثم أورد خمسة طرق أعل الأول والثاني بالانقطاع، والثالث بأن في سنده كذاب، و الرابع والخامس

стр. 571

طريقهما واحد، ووهم الشيخ فظن أنهما إسنادين، وقوى الشيخ إسناده ولم يصرح بصحته (١)، وسأكتفي بإيراده؛ والتعليق على دلالته و مطابقتها لمراد الشيخ: - قال عمرو بن سَلَمَةَ: (كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁، قبل صلاة الغداة، فإذا خرج، مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا، بعد. فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج، قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته ولم أر - والحمد لله - إلا خيراً. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصاً، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك.

стр. 572

قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصاً نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا: «أن قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم»، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج) (١).

стр. 573

- وهذا الأثر هو أشهرها، وقد بالغ بعضهم فقال: (إسناده ضعيف جداً) (١)، وقابله من قال: (وهذا إسناد صحيح) (٢)، والظاهر أنه بينهما كما بينته في التخريج.

стр. 574

- ولكن ثبوته لا يلزم منه المنع من التسبيح بالحصى أو النوى، وذلك من وجوه: - أولها: أن ابن مسعود أنكر عليهم العد، ويدل عليه قوله في هذه الرواية لأبي موسى: (أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم)، وقوله لهم: (فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء)، فهو متسق مع مذهبه الذي سبق تقريره عن إبراهيم النخعي -وهو من أبصر الناس بعلم ابن مسعود وفقهه- وقد قال بعبارة مختصرة: (كان عبد الله يكره العدد ويقول: أيمنّ على الله حسناته؟!) ولم يزد عليها شيئاً. - وثانيها: أن ذكر الحصى ليس في كل الروايات عن ابن مسعود، حتى المتابعة لهذه الرواية -كما في التخريج- ليس فيها ذكرٌ للحصى، وفيها قول ابن مسعود: (أحصوا سيئاتكم، فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم)، وهي ظاهرة في استنكار العد. - وثالثها: -وهو من براهين أولها و ثانيها- أنه لم يستدل به أحد قبل المعاصرين -فيما أعلم-، على منع التسبيح بالحصى والنوى والسبحة، فهذا الدارمي أخرج الأثر وترجم له بقوله: (باب في كراهية أخذ الرأي)، و (قد نص أهل العلم على أن المنكر في الأذكار هو الاجتماع لها مع الجهر مستدلين بأثر ابن مسعود هذا) (١)، وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: (فهذا أبو موسى الأشعري وابن مسعود ﵄ أنكرا على أولئك النفر تلك الكيفية والهيئة الجماعية للذكر) (٢).

стр. 575

- ورابعها: أن في القصة عدة أمور منكرة على أولئك النفر (أخرجت الذكر المشروع عن وصفه المعتبر شرعاً إلى وصف آخر، فلذلك جعله بدعة) (١)، (فمن تلك الأمور التي أنكرها ابن مسعود عليهم: القصص، وقد اشتهر عن ابن مسعود كراهته للقصص، ومنها: الهيئة التي كانوا عليها من الاجتماع للذكر، ومنها: المكان الذي اجتمعوا فيه، ومنها: عدّ التسبيح، ومنها رؤيته لصفات كثيرة كان النبي ﷺ قد أخبر عنها وحذّر من أصحابها، فتوسم عبد الله ﵁ ذلك فيهم) (٢). - خامسها: على فرض التسليم بأنه أنكر عليهم التسبيح بالحصى، فإن الواقعة فيها وصف مهم للمنع، وهو إظهار ذلك، والآثار التي فيها فعل ذلك من بعض الصحابة ليس فيها إظهار، فقد (صدر ذلك عن بعض منهم بوجه الخفاء) (٣)، و (شرط من أجازه من [متأخري] العلماء: بأن يتخذه الإنسان في محل ورده ومصلاه، الذي يخلو العبد فيه بربه حيث لا يراه أحد ولا ينظرون إليه، وأما ما يفعله الناس اليوم -فحاشا وكلّا- بل هو إلى الرياء والسمعة أقرب منه إلى السنة، وكونه بهذا الوجه بدعة محدثة أوضح من الشمس في رابعة النهار، وإذا كان ذلك كذلك فما وجه الاعتراض والتشنيع على من نهي عنه، وسماه بدعة، بل الذي أجازه مطلقاً قد فتح للناس باباً من الريا والسمعة) (٤)، هكذا قال الشيخ سليمان بن

стр. 576

سحمان (ت ١٣٤٩)، وفي كلامه وجاهة، وقد كان الحافظ يحيى القطان (ت ٢٠٠): (يجيء معه بمسباح، فيدخل يده في ثيابه، فيسبح) (١)، وكان الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢): (إذا جلس مع الجماعة بعد العشاء وغيرها للمذاكرة، تكون السّبحة داخل كمِّه بحيث لا يراها أحد، ويستمرُّ يديرُها وهو يسبح أو يذكر غالب جلوسه، وربما تسقُطُ مِنْ كمِّه، فيتأثر لذلك، رغبة في إخفائه) (٢). ويمكن الجواب عن ذلك: - بأنه ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (التسبيح بالحصى بدعة) (٣)، وهو صريح. - (وقد تلقى هذا الإنكار منه بعض من تخرج من مدرسته ألا وهو

стр. 577

إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه الكوفي، فكان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يسبح بها! رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" … بسند جيد) (١). ويناقش هذا الجواب: - بأن الأثر الأول ضعيف لضعف عبد الأعلى بن عامر ووهمه، وقد تفرد بهذا اللفظ. - وأما أثر إبراهيم النخعي ففي إسناده إبراهيم بن مهاجر، قال عنه أبو حاتم: (ليس بقوي هو وحصين بن عبد الرحمن وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، محلهم عندنا محل الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم) (٢)، وقد لخّص الحافظ حاله في التقريب بقوله: (صدوق ليّن الحفظ)، فحديثه لا يجوّد إلا بمتابعة، وقد قال الألباني عن إسناد فيه إبراهيم بن مهاجر في موضع آخر: (وهذا إسناد ضعيف؛ إبراهيم بن مهاجر -وهو البجلي- ضعيف؛ لسوء حفظه، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق لين الحفظ) (٣). - وعلى فرض صحته فإنه يمكن أن يقلب به الاستدلال: فإنه دليل على شيوع السبح في عصر التابعين والتسبيح بها ولم ينقل عن أحد منهم إنكارها. -[أما] إنكار النخعي على بناته فليس على التسبيح بالسبح، بل على فتل خيوطها وصناعتها، وهذا يحتمل ماذكر، أو أنه لا يريد لهن

стр. 578

الصناعة لانشغالهن بالعلم، أو أنه لا يريد من يتردد على بناته من النساء، أو أنه على مذهب ابن مسعود في كراهة العد، أو غير ذلك من الاحتمالات، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال (١). - وأما قول الشيخ بكر: (ينهى بناته عن فتْلِ الخيوط للتسابيح؛ لأَنها وسيلة إلى غير المشروع، وهذا نظير النهي عن بيع العنب لمن يتخذه خمراً، ونظائره كثيرة في تحريم الوسائل المفضية إلى محرم كالبدعة) (٢)، فهذا فيه قطع في محتمل، وقياس مع الفارق. المسألة الثانية: أدلة القائلين ببدعية الذكر بالسبحة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ أن (السبحة من البدع الداخلة في العبادة) (٣)، وهي (وسيلة محدثة، وبدعة محرمة) (٤)، (لم تكن في عهد النبي ﷺ إنما حدثت بعده) (٥). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور: - بأنه إذا ثبت التسبيح بالنوى أو الحصى بمرأى النبي ﷺ (٦)، وإحصاء تكبير الجمرات بسبع حصيات، فما الفرق بينها وبين

стр. 579

السبحة إلا إن هذه منثورة والسبحة منظومة، وهذا فرق غير مؤثر لأن المقصود هو العد، بل إن ثبوت استعمال اليد لضبط العد كاف (١)، وإلى ذلك أشار الإمام أحمد حين سئل فقيل: يسبح الرجل بالنوى؟ فقال: (قد فعل ذلك أبو هريرة و سعد- ﵄، وما بأس بذلك؛ النبي ﷺ قد عدّ) (٢). - ثم إن هذا مما فعله السلف فلا ينطبق عليه معنى البدعة كما قال ابن تيمية عن بدعة المولد: (فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضاً، أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منا) (٣). - والضبط السابق لمعنى البدعة بالمقتضي والمانع (٤)، اشتهر عن الشاطبي و ابن تيمية في غير سياق ضابط البدعة (وقد كان اعتقادها ضابطاً صحيحاً للبدعة من أسباب التنازع والبغي والعدوان بين المختلفين) (٥). - (أما تطبيقاتهما في مسائل البدعة فهي تدل على أنهما لا يريان إجراءها في غير العبادات المحضة؛ فلم يوجد -فيما وقفت عليه في كلامهما- أنهما حكما بالبدعة في وسيلة عبادة، أو في أمر

стр. 580

عادي مجاور لعبادة؛ كالذي تنازع فيه الناس اليوم؛ بل قال ابن تيمية: بجواز التسبيح بالسبحة، وقال الشاطبي: بشرعية كل وسيلة لتبليغ الدين) (١). - و (الأمة بعملها لا زالت تخترع وتجدد في وسائل العبادات دون نكير، فمن ذلك: نقط المصحف، وضبطه بالشكل، ثم تحزيبه وترقيمه، ومن ذلك ما أحدثوه من تصنيف العلم على طرق ووسائل متعددة؛ فهناك السنن والآثار والمستدركات والمسانيد على الصحابة أو التابعين أو من بعدهم من الرواة، والتبويب على أبواب الفقه، ومن ذلك جعل والٍ لتدبير شؤون العبادة والمساجد والأئمة، وإدارة هذه الولاية بالأنظمة الحديثة، وأكثر هذه الأشياء

стр. 581

وُجد المقتضي لفعلها، وانتفى المانع من ذلك فلم تُعدَّ بدعة، ولم يحكم عليها أحد بحدث) (١). - و (السبحة لا تدخل في تغيير بنية العبادة بشيء، وإنما هي وسيلة إلى تحقيق المشروع في عد التسبيح، وهي معقولة المعنى على التفصيل … ومن المعلوم أن لها بعض المفاسد؛ كغيرها من الوسائل فيجب على مستعملها اجتناب المفسدة، ولا علاقة لهذه المفسدة ببدعة ولا سنة؛ فمن ذلك جعلها شعاراً للصلاح، ومجالاً للرياء … ويُحاذر من هذه المفاسد حتى في حمل السواك وإظهاره في الجيب، وفي حمل المصحف؛ فلا زال المخلصون المخبتون يخشون إظهار ما يدل على عبادتهم) (٢). ٢/ ومن أدلتهم: (أنه مخالف لهديه ﷺ ، قال عبد الله بن عمرو: «رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه» (٣) … ثم هو مخالف

стр. 582

لأمره ﷺ حيث قال لبعض النسوة: «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين (التوحيد) وفي رواية: (الرحمة)، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات» (١) (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - أن دلالة الحديثين خارج محل النزاع، فالأول يؤخذ منه سنية عقد التسبيح باليد و (العدد بالأصابع على وجه تفضيله، كما أشير إليه بتعليله) (٣)، والثاني ليس فيه نهي عن التسبيح بغير اليد، (والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز) (٤). - والنزاع هو في جواز التسبيح بالمسابح و (لم يقل أحد: أن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها) (٥). ٣/ واستدلوا أيضاً: على تحريم عد الذكر بالسبحة (لما فيها من التشبه بالكفرة) (٦)، (والظاهر أن المسلمين أخذوها أولاً عن النصارى) (٧).

стр. 583

ونوقش هذا الاستدلال: - بأن كون أصلها من الكفار لا يؤثر في حكم الجواز؛ (لأن القاعدة في التشبه: أن الشيء إذا تحول وصار عادة عند المسلمين، ولم يكن من خصائص الكفار فلا يُعد استعماله تشبهاً) (١)، فالذي لم يعد (شعاراً للكفار جاز فعله، مالم يكن محرماً لعينه) (٢). - ولما ذكر ابن حجر لبس الطيلسان وأنه من لباس اليهود قال: (وإنما يصلح الاستدلال بقصة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة فصار داخلاً في عموم المباح) (٣). - ومع أن محمد رشيد رضا يقرر هذا المعنى كما قال: (وما ورد من تعليل كراهة السواد؛ لكونه كان من عادة الكفار، يفيد زوال الكراهية بانتفاء اختصاصهم بذلك) (٤)، إلا أنه أول من قرر معنى التشبه هنا كما قال د. بكر أبوزيد: (لم أر من تعرض له من المتقدمين سوى الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله تعالى - فمن بعده من أصحاب دوائر المعارف فمن بعدهم، ولو تبين لهم هذا الوجه لما قرر أحد منهم الجواز، كما هو الجاري في تقريراتهم في

стр. 584

الأحكام، التي تحقق مناط المنع فيها: التشبه) (١). - ويقال أيضاً: هل هذا التشبه كان معلوماً للعلماء من قبل أو مجهولاً؟ فإن كان مجهولاً فكيف يقال: إنه مأخوذ من الكفار بلا برهان واضح، وإن كان معلوماً فلم لم يفتِ العلماء بتحريمه؟! فاتفاقهم على جوازه كاف في بيان عدم تحريم هذا التشبه. سبب الخلاف: الذي يظهر في سبب الخلاف هنا: - توسيع معنى البدعة، فعندما أُخذ من الشاطبي وابن تيمية قاعدة المقتضي والمانع في البدعة، وأنها ما وجد سبب ومقتضاه في عهد النبي ﷺ وصحابته ثم لم يفعلوه مع عدم وجود المانع من فعله، أغفل بعضهم بعض القيود في تطبيقاتهما ومن ذلك: عدم إجرائها في الوسائل وإجرائها في التعبدات المحضة، كقول الشاطبي عن وسائل التبليغ والدعوة: (والتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة، لأنه من قبيل المعقول المعنى، فيصح بأي شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها، كذلك لا يتقيد حفظه عن التحريف والزيغ بكيفية دون أخرى إذا لم يعد على الأصل بالإبطال، كمسألة المصحف، ولذلك أجمع عليه السلف الصالح) (٢)، كما أن ابن تيمية يجوّز استخدام السبحة بل يستحسنها حين قال: (وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه) (٣)، وإذا طبقت قاعدة المقتضي والمانع هنا بحرفيتها دون نظر لسياقها وتطبيقها، فإن السبحة تدخل فيها.

стр. 585

- ومن الأسباب كذلك: كون السبحة اشتهرت عند بعض المبتدعة، (حتى أصبحت شعاراً للطُّرقيَّة، والروافض) (١)، وقد قال ابن تيمية: (فإنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحباً، ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم، فإنه لم يترك واجبا بذلك، لكن قال: في إظهار ذلك مشابهة لهم، فلا يتميز السني من الرافضي، ومصلحة التميز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم، أعظم من مصلحة هذا المستحب. وهذا الذي ذهب إليه يحتاج إليه في بعض المواضع إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب، لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائماً، بل هذا مثل لباس شعار الكفار وإن كان مباحا إذا لم يكن شعاراً لهم، كلبس العمامة الصفراء، فإنه جائز إذا لم يكن شعاراً لليهود، فإذا صار شعاراً لهم نهي عن ذلك) (٢)، وهو كلام متين لكن فيه قيود من أهمها أن: (هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائماً). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فإن نسبة القول ببدعية الذكر بالسبحة إلى الشذوذ غير بعيدة، وسبب عدم الجزم بنسبته إلى الشذوذ: أنه لم يخالف نصاً صريحاً، ولأن الإجماع المحكي على خلافه غير صريح في الإجماع، كما في اللفظة التي نقلها أول ما نقلها السيوطي (ت ٩١١) بقوله: (ولم يُنقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة) ثم نقلت عنه ومِن بعده، وهو متأخر أيضاً،

стр. 586

ويقابله القول بالبدعية فإنه متأخر أيضاً ولم أقف على قائل معين له إلا في عصرنا، ويظهر أنه قول موجود قبل ذلك ولكنه متأخر، كما أشار إليه ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤) حين قال: (وزَعْمُ أنها بدعة غير صحيح) ولم يعين قائله، والمهم هنا: أنه في المائة العاشرة وجد القول بالبدعية، ووجد من ينفي ذلك وأنه لا يوجد من منع من جواز عد الذكر بالسبحة عمن سبق من السلف والخلف كما نقله السيوطي؛ وكأنه فيه رد على من بدّعها ومنعها، وبعد البحث تبين صحّة ما نقله السيوطي، وأن القول بالبدعية قول حادث متأخر. وكل ما ذُكر إنما هو في الجواز، وإلا فلا خلاف أن التسبيح بالأصابع ونحوها أفضل من التسبيح بالسبحة، وقد يقترن بالسبحة أمر زائد يجعلها أقرب إلى البدعة، مثل: تعليقها في الأعناق، أو جعلها كالأساور تعبّداً، وفاعلهما إن سلم من البدعة في الذكر فإنه قد فتح على نفسه باب رياء وشهرة (١)، كما قال ابن تيمية: (إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد أو نحو ذلك، فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة: الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة) (٢). كما أن إظهارها للذكر مع الاجتماع على ذلك من شعار أهل

стр. 587

البدع، والآثار في جواز العد بالحصى والنوى كلها ليس فيها إظهار لذلك واجتماع، و قد يقترن بالسبحة ما يجعل العد بها أولى، وذلك في نحو من لا يأمن من الغلط في العد؛ لأن ضبط العدد الوارد فضيلة تتعلق بذات العبادة (١)، والعد بالأصابع وسيلة لتحقيق ذلك وفضيلتها خارجة عن ذات العبادة، والله أعلم.

стр. 588

قال رجل لأبي هريرة ﵁: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال أبو هريرة: (كفى بتركك له تضييعاً). جامع بيان العلم وفضله (١/ ٤٣٠)

стр. 589

المبحث العاشر: عدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في التراويح وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 590

قال ابن وهب: (كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، ولولا أن الله أنقذنا بمالك والليث لضللنا). الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص (١١٩)

стр. 591

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: التراويح لغة: (جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، تفعيلة منها، مثل تسليمة من السلام) (١)؛ سميت بذلك لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات (٢)، و (سميت نفس الأربع [ركعات] بها لاستلزامها شرعاً ترويحة، أي: استراحة، فلذا قال: ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحة) (٣)، ويقال: من يروّح بالناس، وروحت بالناس ترويحاً، أي: صليت بهم التراويح (٤). والتراويح اصطلاحاً: قيام الليل جماعة في ليالي رمضان (٥)، هكذا اصطُلح على تسميتها، وإلا فهي في الشرع اسمها: القيام، كما قال النبي ﷺ : «من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٦)، قال النووي: (والمراد بقيام رمضان صلاة التراويح) (٧)، بل قال الكرماني: (اتفقوا على أن المراد بقيامه صلاة التراويح) (٨)، وعلّق عليهما ابن حجر بقوله: (وذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح،

стр. 592

يعني: أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح) (١). وروي عن رسول الله ﷺ أنه: «كان يصلي أربع ركعات في الليل، ثم يَتروَّح … » الحديث (٢)، قال البيهقي: (قوله: «ثم يَتروَّح» إن ثبت فهو أصل في تروح الإمام في صلاة التراويح) (٣)، وهذا المعنى له إشارة في المتفق عليه عن عائشة ﵂: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً» (٤)، (وثم في اللغة العربية تفيد التراخي، وعلى هذا فيكون المعنى: أنه يسلم من ركعتين، ثم من ركعتين، ثم يستريح، ثم يأتي بركعتين، ثم ركعتين، ثم يستريح، ثم يأتي بالثلاث) (٥). و (التراويح، وقيام رمضان، وصلاة الليل، وصلاة التهجد في رمضان، عبارة عن شيء واحد واسم لصلاة واحدة، وليس التهجد في رمضان غير التراويح) (٦)، (بل كانت تلك صلاة واحدة، إذا تقدمت سميت باسم التراويح، وإذا تأخرت سميت باسم التهجد، ولا بدع في تسميتها

стр. 593

باسمين عند تغاير الوصفين، فإنه لا حجر في التغاير الاسمي إذا اجتمعت عليه الأمة … وإن اختلفت صفتاهما، كعدم المواظبة على التراويح، وأدائها بالجماعة، وأدائها في أول الليل تارة وإيصالها إلى السحر أخرى، بخلاف التهجد فإنه كان في آخر الليل ولم تكن فيه الجماعة، وجعل اختلاف الصفات دليلاً على اختلاف نوعيهما ليس بجيد) (١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. أجمعت الأمة على مشروعية صلاة التراويح (٢)، وأنها سنة (٣).

стр. 594

٢. وأجمعوا على ليس لعدد ركعات التراويح حد واجب لا يزاد عليه (١)، وذهب بعض المعاصرين إلى عدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، ويصل إلى التبديع وترك الائتمام بالزيادة (٢)، وهذا هو الرأي المراد بحثه وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمها.

стр. 595

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين هو: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) (١) ﵀. المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وتفصيله في المطلب الرابع. ٢/ وصفه بالشذوذ ونحوه، ومن ذلك: - ابن تيمية (ت ٧٢٨) بقوله: (من ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ) (٢). - إسماعيل الأنصاري (٣) (ت ١٤١٧) بقوله: (وأتى الألباني بدعوى باطلة

стр. 596

لا يُقضى منها العجب، تستلزم تضليل السلف الصالح، الذين كانوا يصلونها أكثر من إحدى عشرة ركعة) (١)، ثم ذكر كلاماً له وقال: (وفساده لا يخفى على عاقل) (٢). - وابن باز (ت ١٤٢٠) بقوله: (ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة، وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطأ مخالف للأدلة) (٣). - وابن عثيمين (ت ١٤٢١) بقوله: (بعض الناس يغلو من حيث التزام السنة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنة، وينكر أشد النكير على من زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصي. وهذا لا شك أنه خطأ) (٤). - مصطفى العدوي بقوله: (وإن كان بعض أهل العلم قد أفتى بعدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، وهذا قول غريب في منتهى الغرابة) (٥). - د. إبراهيم الصبيحي بقوله: (الشيخ بنى دعواه على غير قواعد أصولية (٦)، فصار قوله فاسد الاعتبار لا يجوز الأخذ به) (٧) ولفظ

стр. 597

الفساد والبطلان والخطأ مما يوصف به الرأي الشاذ، وقد يوصف بالغريب، وكل ذلك معتبر بسياقه. - وقول د. عبدالرحيم الهاشم بعد أن ذكر الاتفاق على جواز التراويح بأي عدد ذكر أن: (القول بتحريم الزيادة فيها على إحدى عشرة ركعة قول جديد في آخر القرن الرابع عشر الهجري، مخالف لذلك وللاعتبارات الشرعية المرعية) (١).

стр. 598

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بجواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في صلاة التراويح: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣)، وغيرها من الآيات. وجه الاستدلال: - أن هذه الآيات فيها الحث على طول القيام، وأن التفاوت بين القائمين بحسب طول صلاتهم، لا بعدد الركعات فقط ولو قصر زمانها (٤). - يؤيد ذلك قوله ﷺ : «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه» (٥)، فقوله: «يقوم ثلث الليل» يدل على أن العبرة بالزمن (٦).

стр. 599

- ويؤيده كذلك قوله ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» (١)، (يعني: طول القيام لا خلاف نعلمه عند أحد في ذلك) قاله ابن عبدالبر (٢)، وهذا يلزم منه طول الركوع والسجود حتى تكون على السنة معتدلة وقريبة من السواء؛ ولذلك قال ابن تيمية: (فينبغي أنه إذا طول القيام أن يطيل الركوع والسجود وهذا هو طول القنوت … فإن القنوت هو إدامة العبادة سواء كان في حال القيام أو الركوع أو السجود، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٣) فسماه قانتاً في حال سجوده، كما سماه قانتاً في حال قيامه) (٤). ٢/ ومن أدلتهم: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» (٥). وجه الاستدلال: - أن النبي ﷺ لم يحد له صلاة الليل بعدد، والليل يسع كثير الركعات وقليلها، والذي يجهل كيفية صلاة الليل فجهله بعددها أولى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٦).

стр. 600

- ومما يؤيد هذا المعنى: الحث على كثرة السجود، وعلى قيام رمضان دون تقييد بعدد (١)، وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢)، (يقول: فاقرءوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم) (٣) ولم يقيدها بعدد، (وعبَّر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٤)، أي: بقراءتك) (٥). - ومن الإشارة المؤيدة لهذا المعنى أنه لما قام النبي ﷺ بأصحابه حتى ذهب نحو شطر الليل فقالوا له: (لو نفّلتنا بقية ليلتنا هذه؟) فقال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة» (٦)، (فلم ينكر عليهم طلب الزيادة، ولكنه أرشدهم إلى ما يعوضهم عنها … وهذا مثل قصة جويرية) (٧). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أن (العمل بالمطلقات على إطلاقها إنما يسوغ فيما لم يقيده الشارع من المطلقات، أما إذا قيد الشارع حكماً مطلقاً بقيد فإنما يجب التقيد به وعدم الاكتفاء بالمطلق) (٨). - و (مسألتنا -صلاة التراويح- ليست من النوافل المطلقة؛ لأنها
следующие страницы →