← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لا يُقضى منها العجب، تستلزم تضليل السلف الصالح، الذين كانوا يصلونها أكثر من إحدى عشرة ركعة) (١)، ثم ذكر كلاماً له وقال: (وفساده لا يخفى على عاقل) (٢). - وابن باز (ت ١٤٢٠) بقوله: (ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة، وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطأ مخالف للأدلة) (٣). - وابن عثيمين (ت ١٤٢١) بقوله: (بعض الناس يغلو من حيث التزام السنة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنة، وينكر أشد النكير على من زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصي. وهذا لا شك أنه خطأ) (٤). - مصطفى العدوي بقوله: (وإن كان بعض أهل العلم قد أفتى بعدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، وهذا قول غريب في منتهى الغرابة) (٥). - د. إبراهيم الصبيحي بقوله: (الشيخ بنى دعواه على غير قواعد أصولية (٦)، فصار قوله فاسد الاعتبار لا يجوز الأخذ به) (٧) ولفظ

стр. 597

الفساد والبطلان والخطأ مما يوصف به الرأي الشاذ، وقد يوصف بالغريب، وكل ذلك معتبر بسياقه. - وقول د. عبدالرحيم الهاشم بعد أن ذكر الاتفاق على جواز التراويح بأي عدد ذكر أن: (القول بتحريم الزيادة فيها على إحدى عشرة ركعة قول جديد في آخر القرن الرابع عشر الهجري، مخالف لذلك وللاعتبارات الشرعية المرعية) (١).

стр. 598

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بجواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في صلاة التراويح: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣)، وغيرها من الآيات. وجه الاستدلال: - أن هذه الآيات فيها الحث على طول القيام، وأن التفاوت بين القائمين بحسب طول صلاتهم، لا بعدد الركعات فقط ولو قصر زمانها (٤). - يؤيد ذلك قوله ﷺ : «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه» (٥)، فقوله: «يقوم ثلث الليل» يدل على أن العبرة بالزمن (٦).

стр. 599

- ويؤيده كذلك قوله ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» (١)، (يعني: طول القيام لا خلاف نعلمه عند أحد في ذلك) قاله ابن عبدالبر (٢)، وهذا يلزم منه طول الركوع والسجود حتى تكون على السنة معتدلة وقريبة من السواء؛ ولذلك قال ابن تيمية: (فينبغي أنه إذا طول القيام أن يطيل الركوع والسجود وهذا هو طول القنوت … فإن القنوت هو إدامة العبادة سواء كان في حال القيام أو الركوع أو السجود، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٣) فسماه قانتاً في حال سجوده، كما سماه قانتاً في حال قيامه) (٤). ٢/ ومن أدلتهم: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» (٥). وجه الاستدلال: - أن النبي ﷺ لم يحد له صلاة الليل بعدد، والليل يسع كثير الركعات وقليلها، والذي يجهل كيفية صلاة الليل فجهله بعددها أولى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٦).

стр. 600

- ومما يؤيد هذا المعنى: الحث على كثرة السجود، وعلى قيام رمضان دون تقييد بعدد (١)، وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢)، (يقول: فاقرءوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم) (٣) ولم يقيدها بعدد، (وعبَّر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٤)، أي: بقراءتك) (٥). - ومن الإشارة المؤيدة لهذا المعنى أنه لما قام النبي ﷺ بأصحابه حتى ذهب نحو شطر الليل فقالوا له: (لو نفّلتنا بقية ليلتنا هذه؟) فقال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة» (٦)، (فلم ينكر عليهم طلب الزيادة، ولكنه أرشدهم إلى ما يعوضهم عنها … وهذا مثل قصة جويرية) (٧). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - أن (العمل بالمطلقات على إطلاقها إنما يسوغ فيما لم يقيده الشارع من المطلقات، أما إذا قيد الشارع حكماً مطلقاً بقيد فإنما يجب التقيد به وعدم الاكتفاء بالمطلق) (٨). - و (مسألتنا -صلاة التراويح- ليست من النوافل المطلقة؛ لأنها

стр. 601

صلاة مقيدة بنص عن رسول الله ﷺ … [وأنه ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة] فلا يجوز تعطيل هذا القيد تمسكاً بالمطلقات) (١). - (وما مثل من يفعل ذلك إلا كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النبي ﷺ المنقولة عنه بالأسانيد الصحيحة يخالفها كما وكيفاً، متناسياً قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» محتجاً بمثل تلك المطلقات، كمن يصلي مثلاً الظهر خمساً وسنة الفجر أربعاً، وكمن يصلي بركوعين أو سجدات، وفساد هذا لا يخفى على عاقل) (٢). وأجيب عن هذه المناقشة بأمور: - بعدم التسليم بأن في الأدلة مطلق ومقيد، وعلى فرض وجوده ففيه إشكال من جهتين: في تقييد المطلق من الأقوال بالأفعال وهذا لا يكون، و في تقديم مفهوم الفعل على منطوق القول وهذا ضعيف (٣)، وتفصيل ذلك في الآتي: - أما عدم التسليم فإن المطلق (النكرة في سياق الإثبات) (٤)، وغايته الدلالة على واحد غير معين، والأحاديث الدالة على أن صلاة الليل مثنى مثنى، والحث على كثرة السجود، وعلى قيام رمضان، كلها معرفة بالإضافة وليس فيها إطلاق حتى يقيد. - وعلى فرض التسليم بأنها مطلقة، فتقييدها بصلاة النبي ﷺ إحدى

стр. 602

عشرة ركعة لا يكون؛ لأن صلاته امتثال للأمر المطلق وليس تقييداً له (١)، ولذلك جاء عنه أنه صلى بأقل وأكثر من الإحدى عشرة ركعة كما سيأتي -بإذن الله-، ولو فرض أنه لم يصل إلا إحدى عشرة ركعة ولم ينقل غير ذلك ف (غاية ما يدل عليه الأمر حينئذ أن يكون فعل ذلك هو الأولى والأفضل، ولكن لا يوجب تقييد المطلق) (٢). - وعلى فرض التسليم أيضاً بوجود المطلق والمقيد: فإن الأقوال يقيدها الأقوال؛ لأنها في قوتها ولا تقيدها الأفعال، (فالأصل في التقييد أنه من خصائص الأقوال، وليس من أوصاف الأفعال، لأن المقيد أقوى من المطلق فهو يلغي إطلاق المطلق، ويوجب العمل بالوصف الوارد في سياقه … ولم يختلف السلف فيما أعلم على عدم جواز حمل مطلق الأقوال على الأفعال) (٣). - ثم إن المنع من الزيادة على إحدى عشرة ركعة أُخذ من مفهوم فعله ﷺ وأنه لم يزد على إحدى عشرة ركعة، وقُدّم هذا المفهوم على منطوق الأقوال، وهذا المفهوم ضعيف، ويدل على ضعفه أنه لم يمنع أحد من العلماء قبل الألباني الزيادة على إحدى عشرة ركعة -كما سيأتي في دليل الإجماع- ولم يفهموا أن فعله يدل على عدم جواز الزيادة. - ومهما يكن فإن إعمال الأدلة كلها ممكن بحمل فعله على الأولى

стр. 603

والأفضل دون المنع من الزيادة؛ لضعف دلالتي الفعل والمفهوم عن معارضة المنطوق من الأقوال الكثيرة التي فيها بيان للأمة جميعاً، خاصة وأن الفعل ورد بصفات مختلفة صحيحة. - أما قوله ﷺ «صلوا كما رأيتموني أصلّي» (١)، فدلالته على عدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة مبني على مقدمة: وهي أنه لم يزد على إحدى عشرة ركعة، ويلزم منه وجوب المتابعة في الصفة والطول «فلا تسأل عن حسنهن وطولهن» كالمتابعة في العدد ولم يقل به أحد، ثم إن منع الزيادة أخذت من المفهوم وهو منع الزيادة على الركعات التي صلاها ﷺ في الليل وفي النهار، وهو معارض بالمنطوق «عليك بكثرة السجود لله» (٢) «أعني على نفسك بكثرة السجود» (٣) والمنطوق أقوى. - والحديث (ليس على عمومه حتى عند هؤلاء، ولهذا لا يوجبون على الإنسان أن يوتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع، ولو أخذنا بالعموم لقلنا: يجب أن توتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع سردا، وإنما المراد: «صلوا كلما رأيتموني أصلي» في الكيفية، أما في العدد فلا، إلا ما ثبت النص بتحديده) (٤). - أما القياس على منع الزيادة في الصلوات المفروضة وسنة الفجر

стр. 604

ونحوهما، فهو قياس ممنوع في الأصل لأنه في العبادات، وعلى فرض التسليم به فهو قياس مع الفارق؛ فكيف يقاس ما أجمعت الأمة على عدم جواز الزيادة فيه، بقيام الليل الذي أجمع العلماء أنه لاحد لعدد ركعاته؟! فهو قياس بعيد، والفارق فيه أقوى من الجامع. - ويمكن الإلزام بهذا القياس بالمنع من صيام يوم وإفطار يوم مثلاً؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، مع أنه أحب الصيام إلى الله، وهو نفس الحديث الذي فيه: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه»، والله أعلم. ٣/ الدليل الثالث هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء: ١. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (أجمع العلماء على أن لا حد ولا شيء مقدراً في صلاة الليل، وأنها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلّت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود) (١)، وقال: (لا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حد محدود وأنها نافلة وفعل خير وعمل بر فمن شاء استقل ومن شاء استكثر) (٢). ٢. ونقل أبو الحسن بن القطان من الاستذكار قوله: (وأجمعوا أنه لا حد في صلاة الليل، وأنها نافلة، فمن شاء صلى كيف شاء، استقل أو استكثر) (٣).

стр. 605

٣. وقال القاضي عياض (ت ٥٤٤): (ولا خلاف أنه ليس في ذلك حدٌّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الفضائل والرغائب التي كلما زيد فيها زيد في الأجر والفضل، وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه) (١)، ونقله عنه غير واحد كالنووي، وابن العطار، وابن الملقن، والعراقي، وغيرهم (٢). ٤. وقال أبوزرعة العراقي (ت ٨٢٦): (مشروعية الصلاة بالليل، وقد اتفق العلماء على أنه ليس له حد محصور) (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بأنه (لو ثبتت الزيادة على الإحدى عشرة ركعة في صلاة القيام عن أحد من الخلفاء الراشدين أو غيرهم من فقهاء الصحابة لما وسعنا إلا القول بجوازها .. ولكن لما لم يثبت ذلك عنهم على ما سلف ببيانه لم نستجز القول بالزيادة وسلفنا في ذلك أئمة فحول في مقدمتهم الإمام مالك في أحد القولين عنه. - فقال السيوطي … : (وقال الجوري - من أصحابنا - عن مالك أنه قال: الذي جمع عليه الناس عمر بن الخطاب أحب إلي وهو إحدى عشرة ركعة وهي صلاة رسول الله ﷺ قيل له إحدى عشرة ركعة بالوتر؟ قال: نعم وثلاث عشرة قريب، قال: ولا أدري من أين أحدث هذا الركوع الكثير؟)

стр. 606

- وقال الإمام ابن العربي في "شرح الترمذي" بعد أن أشار إلى الروايات المتعارضة عن عمر، وإلى القول أنه ليس في قدر ركعات التراويح حد محدود: (والصحيح: أن يصلي إحدى عشرة ركعة: صلاة النبي ﵇ وقيامه، فأما غير ذلك من الأعداد فلا أصل له ولا حد فيه، فإذا لم يكن بد من الحدّ فما كان النبي ﵇ يصلي، ما زاد النبي ﵇ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، وهذه الصلاة هي قيام الليل فوجب أن يقتدى فيها بالنبي ﵇ - ولهذا صرح الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" أن عدد العشرين في التراويح بدعة) (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأمور: - أما ما ذكره عن الإمام مالك وابن العربي والصنعاني وأنهم سلفه في المسألة، فهذا خطأ يبينه الآتي: - أما الإمام مالك فإن ابن القاسم ينقل عنه مباشرة كما في المدونة: (قال مالك: بعث إلي الأمير وأراد أن ينقص من قيام رمضان الذي كان يقومه الناس بالمدينة، قال ابن القاسم: وهو تسعة وثلاثون ركعة بالوتر ست وثلاثون ركعة والوتر ثلاث، قال مالك: فنهيته أن ينقص من ذلك شيئا، وقلت له: هذا ما أدركت الناس عليه وهذا الأمر القديم الذي لم تزل الناس عليه) (٢). - وهذه التسعة والثلاثون ركعة نقلها عن مالك أيضاً ابن عبد البر،

стр. 607

وابن رشد الجد والحفيد وغيرهم، وهو الذي اعتمده خليل في مختصره حين قال: (تجزئ ثلاث وعشرون، ثم جعلت ستاً وثلاثين) (١) بغير الشفع والوتر كما قال الدردير (٢). - هذا هو المشهور عن الإمام مالك الذي ينقله عنه أصحابه، فأين هذا من نقل ينقله عنه الجُوْري الشافعي (٣)، ثم لا نجد هذا النقل عند المالكية، بل يخالف المشهور عن مالك، والجوري لم يلق مالكاً بل بينهما مفاوز. - وعلى التسليم به فليس فيه الإلزام بالإحدى عشرة ركعة، ولذلك قال مالك عن الإحدى عشرة ركعة: (أحب إلي … وثلاث عشرة قريب) فلم يمنع الزيادة، فالفهم بأن الإمام مالك سلف لمن يقول: لا تجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، فيه تمسك بالمتشابه ورد للمحكم، وأخذ للضعيف و ترك للصحيح عن الأئمة. - فليس عن مالك إلزام بعدد، ولذلك لم يفهم المالكية الإلزام بالتسع

стр. 608

والثلاثين، فتجد خليل يقول: (استمر العمل شرقاً وغرباً في زماننا على الثلاثة والعشرين) (١)، وتجد الخرشي يقول: (الذي صار عليه عمل الناس واستمر إلى زماننا في سائر الأمصار هو ما جمع عمر بن الخطاب عليه الناس، وهو ثلاث وعشرون بالشفع والوتر) (٢). - وأما ابن العربي المالكي، فكلامه المنقول فيه تصريح بأنها ليس لها حد: (ولا حد فيه، فإذا لم يكن بد من الحد … )، وكلامه الباقي يُحمل على الأفضل، وفيما لم ينقله الشيخ ماهو أصرح حيث قال ابن العربي: (وليس في قدر ركعتها حد محدود) (٣)،، فكيف يكون ابن العربي سلف لمن لا يجوّز الزيادة على إحدى عشرة ركعة؟! - فإن كان في كلامه السابق إشكال و احتمال، فله كلام في غير هذا الكتاب يؤيد أنه لايمنع من الزيادة على إحدى عشرة ركعة، ومن ذلك قوله في تفسيره: (ولا في قيام الليل ركعات مقدرة) (٤)، وقال في شرح الموطأ: (ليس لصلاة رمضان ولا لغيرها تقدير، إنما التقدير للفرائض، وإنما هو قيام الليل كله إلى طلوع الفجر لمن استطاع، أو بعضه، على قدر ما تنتهي إليه قدرته) (٥).

стр. 609

- أما الصنعاني، فهو متأخر وكلامه لا يفيد شيئاً في تقوية الكلام المخالف للإجماع، ومع ذلك فإنه غير موافق لرأي الألباني، ولا يلزم من تبديعه للعشرين ركعة تحريمه للزيادة على إحدى عشرة ركعة، وعلى كلامه بعض الإشارات التي فيها تعقب: - فإنه ذكر الروايات التي فيها الصلاة بما يزيد عن عشرين ركعة المرفوعة فضعّفها، وذكر الموقوفة فلم يضعّفها، ولكنه قال: (إذا عرفت هذا علمت أنه ليس في العشرين رواية مرفوعة … فعرفت من هذا كله أن صلاة التراويح على هذا الأسلوب الذي اتفق عليه الأكثر بدعة) (١)، فهو أصلاً يبدع الكيفية التي جمع عمر عليها الناس، فإن استُغرب ذلك فهذه نصوصه: - قال: (صلاة التراويح على هذا الأسلوب الذي اتفق عليه الأكثر بدعة، نعم قيام رمضان سنة بلا خلاف، والجماعة في نافلته لا تنكر وقد ائتم ابن عباس ﵁ وغيره به ﷺ في صلاة الليل لكن جعل هذه الكيفية، والكمية سنة، والمحافظة عليها هو الذي نقول إنه بدعة، وهذا عمر ﵁ خرج أولاً والناس أوزاع متفرقون منهم

стр. 610

من يصلي منفرداً، ومنهم من يصلي جماعة على ما كانوا في عصره ﷺ وخير الأمور ما كان على عهده) (١)، وقال: (وأما حديث «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» … ومثله حديث: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» … فإنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها فإن الحديث عام لكل خليفة راشد لا يخص الشيخين، ومعلوم من قواعد الشريعة أن ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي ﷺ ، ثم عمر ﵁ نفسه الخليفة الراشد سمى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة ولم يقل إنها سنة فتأمل، على أن الصحابة ﵁ خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل فدل إنهم لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حجة) (٢)، وقال: (فأما الجماعة فإن عمر أول من جمعهم على إمام معين وقال: "إنها بدعة " … واعلم أنه يتعين حمل قوله بدعة على جمعه لهم على معين، وإلزامهم بذلك لا أنه أراد أن الجماعة بدعة فإنه ﷺ قد جمع بهم كما عرفت، إذا عرفت هذا عرفت أن عمر هو الذي جعلها جماعة على معين وسماها بدعة وأما قوله: "نعم البدعة" فليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة) (٣)!!، وقال: (وأما التراويح على ما اعتيد الآن فلم تقع في عصره ﷺ إنما كان ابتدعها عمر في خلافته، وأمر أبياً أن يجمع الناس) (٤).

стр. 611

- فظاهر كلامه هو تبديع فعل عمر ﵁، وأن فعله بدعة ضلالة؛ لأنه ليس في البدع ما يُمدح، وهذه جرأة لا يوافق عليها بل ترد عليه (١)، ولا يقول بها الألباني قطعاً. - ومن مجموع كلام الصنعاني فإنه يبدع مجموع أمور: الكيفية وهي جمعهم على إمام واحد، والكمية بجعلها عشرين ركعة أو أقل أو أكثر، والمحافظة عليهما، أما لو صلوا جماعة دون محافظة، أو صلى بعشرين ركعة دون محافظة فليست بدعة عنده؛ وهذا ظاهر كلامه حين قال: (جعل هذه الكيفية، والكمية سنة، والمحافظة عليها هو الذي نقول إنه بدعة) (٢)، وقد اقتصر الألباني من كلامه على الكمية فقط، فلو زاد عن إحدى عشرة ركعة ولو مرة واحدة فقد خالف الواجب وعرض نفسه للبدعة!. - ثم إن الصنعاني يصرّح بجواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، حين قال: (فهذا مجموع الثلاث عشرة وهذا أحد أعداد وتره، وقد ذكرت له أعداد أخر وهذا أكثر الأعداد في الوتر) (٣)، وقال عن اختلاف الروايات في صلاته ﷺ وإخبار عائشة باقتصاره على إحدى عشرة ركعة: (الروايات محمولة على أوقات متعددة وأوقات

стр. 612

مختلفة … والأحسن أن يقال: إنها أخبرت عن الأغلب من فعله ﷺ فلا ينافيه ما خالفه؛ لأنه إخبار عن النادر) (١). - والحق أن الصنعاني يرى أن أكثر ما ورد هو ثلاث عشرة ركعة فقال: (وهكذا كان فعله ﷺ فإنه كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة) (٢)، ولايرى الزيادة عنها إلا إن قام إجماع على الجواز، فقال: (لا يجوز الزيادة على ما انتهى إليه العدد الذي أتى به -؛ لأنه لم يعارضه فعل يدل على خلافه، وحينئذ فلا تجوز الزيادة إلا أن يقوم إجماع على جوازها) (٣)، وقد قام الإجماع على جواز الزيادة، فصار قوله كقول جميع العلماء. - وبعد أن تبين أنه لا سلف له ولا مخالف للإجماع قبله وهذا الأهم، أختم هذا الجواب بما ابتدأه الألباني حين قال: (لو ثبتت الزيادة على الإحدى عشرة ركعة في صلاة القيام عن أحد من الخلفاء الراشدين، أو غيرهم من فقهاء الصحابة لما وسعنا إلا القول بجوازها) وهذه مناقشة له على وجه الاختصار، والاقتصار على ما صحّ: - عن ابن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: (كانوا يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرين ركعة، وإن كانوا ليقرؤون بالمئين من القرآن) (٤) إسناده صحيح، وقد ضعّفه الألباني (ولا نعلم أن أحداً

стр. 613

من أئمة أهل العلم من المتقدمين قد ضعّفه) (١). - قال ابن تيمية: (ثبت أن أبيّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره منكر) (٢)، قال الترمذي: (وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر، وعلي، وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ عشرين ركعة … وقال الشافعي: وهكذا أدركت ببلدنا بمكة يصلون عشرين ركعة) (٣)، وقال ابن عبدالبر: (وهو قول جمهور العلماء … وأكثر الفقهاء وهو الصحيح عن أبي بن كعب من غير خلاف من الصحابة) (٤)، و (الحديث إذا تُلقّي معناه بالقبول كما تُلقي معنى حديث ابن خصيفة به، لا يحتاج إلى تتبع أسانيده فإن التلقي من أرقى صفات القبول) (٥). - وقال عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤): (أدركت الناس وهم يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة بالوتر) (٦)، وهو تابعي جليل لقي وروى عن جمع

стр. 614

كبير من الصحابة، وقد قال: (أدركت مائتين من أصحاب النبي ﷺ في هذا المسجد) (١)، يعني: المسجد الحرام. - وقال تلميذه يونس بن عبيد (ت ١٣٩): (شهدت الناس قبل وقعة ابن الأشعث وهم في شهر رمضان، فكان يؤمهم عبد الرحمن بن أبي بكر صاحب رسول الله ﷺ ، وسعيد بن أبي الحسن، ومروان العبدي، فكانوا يصلون بهم عشرين ركعة) (٢)، وفتنة ابن الأشعث سنة (٨١) (٣). - وقال أبو الخصيب نفاعة بن مسلم: (كان سويد بن غفلة يؤمنا في رمضان عشرين ركعة) (٤)، وسويد بن غفلة من كبار التابعين توفي سنة (٨٠). - وقال سعيد بن عبيد: (أن علي بن ربيعة كان يصلي بهم في رمضان خمس ترويحات، ويوتر بثلاث) (٥)، وعلي بن ربيعة من التابعين مات (في حدود المائة للهجرة) (٦).

стр. 615

- وقال نافع بن عمر: (كان ابن أبي مليكة يصلي بنا في رمضان عشرين ركعة) (١)، وابن أبي مليكة من التابعين توفي سنة (١١٧). - وقال داود بن قيس: (أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان يصلون ستاً وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث) (٢)، وكانت ولاية أبان على المدينة سنة (٧٥) ثم عُزل سنة (٨٢) (٣)، وولاية عمر بن عبدالعزيز على المدينة كانت سنة (٨٧) ثم عُزل سنة (٩٣) (٤)، ثم بويع له بالخلافة سنة (٩٩) (٥). - ومن الكلمات الجامعة للمرويات هنا ما قاله ابن بطال: (عمر جعل الناس يقومون في أول أمره بإحدى عشرة ركعة، كما فعل النبي ﵇ وكانوا يقرؤون بالمئين ويطولون القراءة، ثم زاد عمر بعد ذلك فجعلها ثلاثًا وعشرين ركعة … وبهذا قال الثوري، والكوفيون، والشافعي (٦)، وأحمد، فكان الأمر على ذلك إلى زمن معاوية، فشق على الناس طول القيام لطول القراءة، فخففوا القراءة وكثروا من الركوع، وكانوا يصلون تسعًا وثلاثين ركعة، فالوتر منها ثلاث ركعات، فاستقر الأمر على ذلك وتواطأ عليه الناس، وبهذا قال مالك، فليس ما جاء من اختلاف أحاديث قيام رمضان يتناقض، وإنما ذلك في زمان بعد زمان، والله الموفق) (٧).

стр. 616

- قال ابن تيمية: (اضطرب قوم في هذا الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين، والصواب أن ذلك جميعه حسن كما قد نص على ذلك الإمام أحمد ﵁، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي ﷺ لم يوقت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره). - و بعد: فهذا بعض الوارد عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وفيه إطباق على الجواز، ولم يرد عن أحد منهم إنكار للزيادة على إحدى عشرة ركعة، والله أعلم. المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في صلاة التراويح: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ ماجاء في الصحيحين عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً» (١). وجه الاستدلال: - أن (اقتصاره ﷺ على الإحدى عشرة ركعة دليل على عدم جواز الزيادة عليها … بالنص الصحيح من فعل رسول الله ﷺ (٢).

стр. 617

- فهي (صلاة مقيدة بنص عن رسول الله ﷺ … فلا يجوز تعطيل هذا القيد تمسكاً بالمطلقات) (١). - والمخرج من الخلاف هو: (التمسك بسنته ﷺ وليست هي هنا إلا الإحدى عشرة ركعة فوجب الأخذ بها، وترك ما يخالفها ولا سيما أن سنة الخلفاء الراشدين قد وافقتها، ونحن نرى أن الزيادة عليها مخالفة لها؛ لأن الأمر في العبادات على التوقيف والاتباع لا على التحسين العقلي والابتداع) (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى أكثر من إحدى عشرة ركعة من ذلك: - حديث عائشة -راوية الحديث المستدل به على المنع-: «كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين» (٣). - فيُتأول خبرها بالأغلب و نحوها من التأويلات ولا يُبعد بها إلى المنع من الزيادة، فإن تُكلف بتأويل هذا الخبر بأن من الثلاث عشرة ركعة سنة العشاء، فما يُقال في: - حديث ابن عباس ﵄: «كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة» يعني: بالليل (٤)، وفي قصته في صلاته مع النبي ﷺ ما يبعد أن تكون منها سنة العشاء أو سنة الفجر حيث كانت بعد قيام وقبل

стр. 618

الأذان للفجر، يقول: - «بتُّ ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ من الليل، فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام فأتى القربة، فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءاً بين الوضوءين، ولم يكثر، وقد أبلغ، ثم قام فصلى، فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له، فتوضأت، فقام فصلى، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاة رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى، ولم يتوضأ» (١). - وحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: لأرمقنّ صلاة رسول الله ﷺ الليلة، «فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة» (٢). - وعلى فرض التسليم؛ فإنه يمكن حمل هذه الإحدى عشرة ركعة على الوتر فقط، ويدل لذلك: أن سعد بن هشام بن عامر أتى ابن عباس، فسأله عن وتر رسول الله ﷺ ، فقال ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: من؟ قال: عائشة، فأتها، فاسألها، ثم ائتني فأخبرني بردها عليك، فانطلقت إليها … قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل

стр. 619

«فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصل التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن نبي الله ﷺ ، وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني، وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم، أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة» … قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال: صدقت … ) (١). - و مما يؤيد المعنى: ما جاء عن عائشة ﵂ أيضاً، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (٢)، وقال ﷺ : «إذا قام أحدكم من الليل، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (٣)، وفيهما زيادة على الإحدى عشرة ركعة من فعله وقوله ﷺ (٤)، وتأويل هاتين الركعتين بسنة العشاء فيه بُعد (٥). - أما جعل فعل النبي ﷺ الذي نقلته عائشة نصّاً في المسألة فهو خطأ، وقد تكرر من الشيخ ذلك حين قال: (عدم جواز الزيادة عليها … بالنص الصحيح من فعل رسول الله ﷺ (٦)، (صلاة مقيدة

стр. 620

بنص عن رسول الله) (١)، (إفادة هذا النص أنه لا يجوز الزيادة عليه) (٢)، (فلا يجوز أن يرد النص بسبب الخلاف، بل الواجب أن يزال الخلاف بالرجوع إلى النص) (٣)، وقال عن السبب الأقوى عنده في اختلاف العلماء في عدد ركعات قيام الليل: (عدم الاطلاع على النص الوارد في العدد) (٤)!، والنص من أوصاف الأقوال وليس من أوصاف الأفعال، وقد جعل الشيخ فعل النبي ﷺ نصّاً (٥). - والنص يحتمل معانٍ منها: ما يقابل المعقول، وحكاية اللفظ على صورته، وما يقابل الظاهر والمجمل وهذا هو مقصود الأصوليين (٦)، قال ابن قدامة: (الكلام المفيد ينقسم ثلاثة أقسام: نص، وظاهر، ومجمل … النص: وهو: ما يفيد بنفسه من غير احتمال) (٧)، فالصريح الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً هو النص، ويظهر من تصرف الشيخ بتأويله لكل ما خالف عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة، يظهر أنه يريد هذا المعنى للنص وقد ظهر ضعفه؛ لأن النصية صفة للكلام وليس للأفعال، ولأن المعنى يحتمل أنها أرادت به غالب الحال فلم يكن صريحاً في المنع، بدليل ورود الزيادة عن إحدى عشرة ركعة عنها وعن غيرها. - وعدم العلم منها بالزيادة التي نقلها غيرها-لو افترض أنها لم تنقلها أيضاً- ليس علماً بالعدم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ،

стр. 621

وفعل النبي ﷺ التي نقلته هنا غاية ما يدل عليه هو أفضلية هذا العدد لا لزومه، وهذه الأفضلية لمن وافقه ﷺ في الصفة والطول والحسن كما وافقه في العدد. - أما المنع من الزيادة فهو مأخوذ من مفهوم الفعل هنا، و هو معارض بالمنطوق الذي فيه الحث على قيام الليل وقيام رمضان دون تقييد، ويمكن الجمع بينهما، أما جعل الفعل هنا مقيد للقول فهو ممتنع كما سبق بيانه ومناقشته في أدلة القول الأول. - وبمثل هذا التقييد الضعيف يمكن أن يقال أيضاً: بتقييد الحج بمرة واحدة، وتقييد العمرة بأربع عُمَر، وتقييد الاستغفار بسبعين أو مائة مرة … الخ، لفعله ﷺ ولأن العبادات توقيفية فلا يزاد عليها! (١). - وقد جاء عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : «لم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة» (٢)، وهذا الحديث قال عنه الألباني: (إسناده صحيح على شرط مسلم) (٣)، وهو يجوّز النقص عن السبع في الوتر جمعاً بينه وبين الأحاديث الأخرى، فلتكن الزيادة مثلها خاصة وأن هذا الحديث أيضاً فيه الزيادة عن الإحدى عشرة. - وكما تأول الشيخ أيضاً حديث عائشة أن النبي ﷺ «كان لا يدع

стр. 622

أربعاً قبل الظهر» (١)، وصح عنه ﷺ أنه صلى ركعتين قبل الظهر، قال الشيخ: (والجمع بينهما يقتضي أن النبي ﷺ لم يكن يواظب على الأربع فهي مستحبة، وركعتان منهما هما السنة) (٢)، فقولها: (لا يدع) في قوة قولها: (لا يزيد)، وأمكن تأويلها. - وقد قالت عائشة ﵂: «ما سبّح رسول الله ﷺ سبحة الضحى قط» (٣)، فتأمل في قوّة هذا النفي ومع ذلك، فسبحة الضحى سنة ومشروعة عند الشيخ وغيره اعتماداً على حثه بلفظه على سنة الضحى، ولم يُعارض ذلك بفعله ﷺ . - ثم إن الركعات الإحدى عشرة التي تحكيها عائشة كانت في بيته، أما صلاته بالناس فـ (لم ينقل كم صلى رسول الله ﷺ تلك الليالي) (٤)، و (الثابت في الصحيح الصلاة من غير ذكر العدد) (٥)، قال ابن حجر: (ولم أر في شيء من طرقه (٦) بيان عدد صلاته في تلك الليالي) (٧).

стр. 623

٢/ واستدل أيضاً بالقياس: على السنن الرواتب والاستسقاء والكسوف وغيرها من الصلوات، التي التزم فيها النبي ﷺ عدداً معيناً من الركعات و (كان هذا الالتزام دليلاً مسلماً عند العلماء على أنه لا يجوز الزيادة عليها، فكذلك صلاة التراويح لا يجوز الزيادة فيها على العدد المسنون لاشتراكها مع الصلوات المذكورات في التزامه ﷺ عدداً معيناً فيها، لا يزيد عليه فمن ادعى الفرق فعليه الدليل ودون ذلك خرط القتاد) (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور: - بعدم التسليم بالتزام النبي ﷺ عدداً معيناً في قيام الليل، وقد ذكر الشيخ ست كيفيات لصلاة الليل والوتر ثم قال: (يتلخّص من كل ما سبق أن الإيتار بأي نوع من هذه الأنواع المتقدمة جائز حسن) (٢)، فأين الالتزام وقد تنوّعت الكيفيات؟! - وعلى فرض التسليم بالالتزام، فالفرق بين المذكورات وقيام الليل ظاهر، والفرق الأول أذكره بنص الشيخ حين قال: (جواز القيام بأقل من ال (١١) … جاء عنه ﷺ جواز أقل من هذا العدد من فعله ﷺ وقوله) (٣)، و لا يجوز في صلاة الاستسقاء أو الكسوف الصلاة بأقل مما ورد. - وكيف يقاس ما أجمعت الأمة على عدم جواز الزيادة فيه، بقيام الليل الذي أجمع العلماء أنه لاحد لعدد ركعاته؟!، وكيف يقاس

стр. 624

ما شرع في كل ليلة على ما شرع لسبب؟! وكيف يقاس ما شرع على صفات عديدة بما ليس له إلا صفة واحدة؟! فهو قياس بعيد -كما سبق-، الفارق فيه أقوى من الجامع. - وبهذه الفروق يُعلم أن إيجاد الفرق بينهما أيسر من خرطك للقتاد بمراحل (١)، وسبيل ذلك: عدم الإحداث في فهم النص، و (مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به) (٢). - (ثم من أين له الدليل على تحديد العلة المعتبرة في القياس، ولا يجوز أن يعتبر التوقيف في العبادات هو العلة؛ لاشتراكهما فيه بلا مزية، وكذا لا يجوز أن يجعل التزام النبي ﷺ هو العلة؛ لأنه ليس من صفات الصلاة، ولم تشرع الصلاة من أجله، بل هو عدم فعل، والعدم ليس بشيء فلا يجوز أن يعتبر علة يدور الحكم عليه) (٣). - ثم إن (نطاق القيَاس في العبادَات ضيق) (٤)، لأن العلة فيها غير معقولة في الغالب، و (لا قياس في العبادات غير معقولة المعنى) (٥)، (إذ العبادات لا مجال للعقول في أصلها فضلاً عن كيفياتها) (٦).

стр. 625

- هذا كله تنزلاً للاستدلال، وإلا فالقياس هنا فاسد الاعتبار مخالف للكتاب وللسنة وللإجماع -وقد سبقت في أدلة القول الأول-؛ (لأن اعتبار القياس مع النص أو الإجماع; اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد وظلم؛ لأنه وضع له في غير موضعه) (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بعدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في التراويح إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، ولم يثبت بعد البحث قول معتبر يصح أن تُخرم به الإجماعات المنقولة عن علماء الأمة، و لايُعرف من قرَّر هذا القول قبل الألباني؛ (وكفى خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده) (٢). (وأكثر الآثار على أن صلاته كانت إحدى عشرة ركعة وقد روي ثلاث عشرة ركعة، وأجمع العلماء على أن صلاة الليل ليس فيها حد محدود والصلاة خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر) (٣)، والله أعلم.

стр. 626

قيل لحذيفة ﵁: ما ميت الأحياء؟ قال: (من لم يعرف المعروف بقلبه، وينكر المنكر بقلبه). أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٥٧٧)

стр. 627

المبحث الحادي عشر: صحة صلاة التطوّع من المضطجع القادر على القيام وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 628

يقول الإمام الشافعي: (من تعلّم علماً فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم). أخرجه البيهقي في المدخل (٤١٦)

стр. 629

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: التطوّع في اللغة: (ما تبرّعت به ممّا لا يلزمك فريضته) (١)، كما قال الله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وكقوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ (٣)، والتطوع في الاصطلاح: (اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجبات) (٤). أما الاضطجاع في اللغة: فهو افتعال من الضجوع (٥)، وأصل تركيب الكلمة من الضاد والجيم والعين وهو (يدل على لصوق بالأرض على جنب) (٦)، (واضطجع: نام وقيل: استلقى ووضع جنبه بالأرض) (٧)، (وكل شيء خفضته فقد أضجعته) (٨). والاضطجاع في الاصطلاح: (أن ينام واضعاً جنبه على الأرض) (٩)، والاضطجاع في السجود: ألا يتجافى فيه؛ بحيث يتضامّ ويلصق صدره بالأرض (١٠).

стр. 630

(وإذا قالوا: صلى مضطجعاً فمعناه: أن يضطجع على أحد شقيه مستقبلاً القبلة) (١) بوجهه وهذا عند الشافعية والحنابلة (٢)، (وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: إذا صلى مضطجعاً تكون رجلاه ما يلي القبلة مستقبل القبلة) (٣)، (وقوم قالوا: يصلي كيفما تيسر له) (٤)، قال أبو داود: (قلت لأبي عبد الله: كيف يصلي المريض على جنبه أو رجليه إلى القبلة؟ قال: كلٌّ أرجو أن يجزئه) (٥)، قال ابن خزيمة: (باب صفة صلاة المضطجع خلاف ما يتوهمه العامة، إذ العامة إنما تأمر المصلي مضطجعاً أن يصلي مستلقياً على قفاه، والنبي ﷺ أمر المصلي مضطجعاً أن يصلي على جنب) (٦). والمراد بما سبق نقله عن الفقهاء بيان معنى الاضطجاع عندهم، وإن كان سياق بعضها في المريض، وبعد أن تبين معناه فأنتقل إلى مسألتنا وهي: (صحة صلاة التطوّع من المضطجع القادر على القيام)، فخرج من ذلك الفريضة، و غير القادر على القيام. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (أجمع العلماء على أن القيام في الصلاة المكتوبة فرض

стр. 631

واجب) (١)، و (وأجمعوا على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي جالساً) (٢)، و (صلاة الفرض قاعداً أو مضطجعاً للعجز فإن ثوابها ثواب القائم بلا خلاف) (٣). ٢. و (يجوز فعل النافلة قاعداً مع القدرة على القيام بالإجماع … لكن ثوابها يكون نصف ثواب القائم … ولو صلى النافلة قاعداً أو مضطجعاً للعجز عن القيام والقعود فثوابه ثواب القيام بلا خلاف) (٤). ٣. … (وجمهور أهل العلم لا يجيزون النافلة مضطجعاً) (٥)، و (لا يعرف أن أحداً قط صلى في الإسلام على جنبه وهو صحيح) (٦)، ونُسب للحسن البصري جواز التنفل للمضطجع القادر على القيام (٧)، وهو الوجه الأصح عند الشافعية (٨)، ووجه غير مشهور ومقابل للأصح أو الصحيح عند الحنفية (٩)،

стр. 632

والمالكية (١)، الحنابلة (٢)، و هو قول ابن حزم (٣)، قال ابن القيم: (وهو خلاف قول الأئمة الأربعة مع كونه وجهاً في مذهب أحمد والشافعي) (٤)، ورجح الجواز بعض المعاصرين، و قد حُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 633

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (١)، والمباركفوري (٢) (ت ١٤١٤) (٣)، ومحمد بن علي الإثيوبي (٤)،

стр. 634

ونسبته إلى الألباني (ت ١٤٢٠) (١) غير بعيدة.

стр. 635

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، و قد نص على شذوذ هذا القول: - أبو العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨) بقوله: (التطوع مضطجعاً لغير عذر لم يجوزه إلا طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو قول شاذ لا أعرف له أصلاً في السلف) (١)، وقال: (وهو غلط مخالفٌ لما عليه سلفُ الأمة وأئمتُها) (٢)، وقال: (أكثر العلماء أنكروا ذلك وعدوه بدعة وحدثاً في الإسلام) (٣)، وقال: (ومعلوم أن التطوع بالصلاة مضطجعاً بدعة) (٤)، وقال: (وهو قول محدث بدعة) (٥).
следующие страницы →