← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: المشقة في اللغة: من الشق وهو الصدع، (يقال أصاب فلانا شِقٌّ ومشقَّة، وذلك الأمر الشديد كأنه من شدته يشق الإنسان شقاً. قال الله جل ثناؤه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾) (١)، فالمشقة: الجَهدُ والعناء والشدّة (٢). ولفظة: (مطلقاً) في العنوان تعني: عدم تقييد المشقة بمشقة المطر فقط، بل لو تحققت المشقة في غيره فهو عذر على هذا الرأي المعنون له، ودفع المشقة من الحاجيّات، وبعض العلماء يقيد جواز الجمع في الحضر بوجود الحاجة وهي كالتعبير بالمشقة، فالحاجة هي التي تبلغ بالإنسان حدًّا يكون فيه في جهد ومشقة (٣)، وهذا الرابط بين الحاجة والمشقة، فمن لم يتعاطَ ما يحتاجه لحقته مشقة، والقاعدة الكلية الكبرى أن: (المشقة تجلب التيسير) (٤)، (قال العلماء: يتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته) (٥)، لكنّ جلبها للتيسير مشروط بعدم مصادمتها نصاً، وليست كل مشقة أيضاً بل المشقة المقصودة ما كانت منفكة عن التكليفات الشرعية، أما التي لا تنفك عنها التكليفات الشرعية كمشقة الجهاد فلا أثر لها في جلب تيسير ولا تخفيف (٦).

стр. 702

والمقصود بالجمع بين الصلاتين: (ضم إحدى الصلاتين للأخرى في وقت واحدة منهما) (١)، وبعبارة أدقّ: (ضم الظهرين أو العشائين في وقت إحداهما أداءً لعذر) (٢)، فتجمع صلاة الظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، تقديماً أو تأخيراً في وقت إحداهما، ولا يدخل في التعريف السابق (الجمع الصوري) بفعل الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، وهو المراد بالجمع عند الحنفية في غير يوم عرفة وليلة جمع أي: مزدلفة (٣). فجمع التقديم والتأخير هو في الحقيقة جمع للزمن حتى يكون وقت الصلاتين المجموعتين وقتا واحدا مشتركا، أما الجمع الصوري فهو جمع للفعل دون الزمن (٤). والأصل أن الجمع رخصة عند عذر السفر أو مشقة المطر في الحضر، وهل المشقة مطلقاً عذر في الترخص بالجمع أم هي مقيدة بالمطر؟ هذا هو محل البحث.

стр. 703

ومن أشهر أحاديث المواقيت للفروض الخمسة: حديث عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس … » (١). قال ابن تيمية: (ولم يُروَ عن النبي ﷺ حديث في المواقيت من قوله إلا هذا، وسائر ما روي فعل منه، والأحاديث الصحيحة المتأخرة من فعله توافق هذا الحديث. ولهذا ما في هذا الحديث من المواقيت هو الصحيح عند الفقهاء العارفين بالحديث) (٢). وإخراج الصلاة عن ميقاتها بلا عذر محرم وكبيرة؛ لمخالفة الخبر المتضمن للأمر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣)، وقد روي عن ابن عباس مرفوعاً: «من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» (٤)، وكتب عمر إلى أبي موسى ﵄ كتاباً وفيه: (واعلم أن جمعاً بين الصلاتين من

стр. 704

غير عذر من الكبائر) (١)، وعن أبي قتادة العدوي، أن عمر ﵁ كتب إلى عامل له: (ثلاث من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا في عذر، والفرار من الزحف، والنُّهبى) (٢). قال الترمذي عن حديث ابن عباس: (والعمل على هذا عند أهل العلم: ألا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق) (٣)، وقال الحاكم: (وهذا الحديث قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عذر) (٤)، وقال ابن تيمية عن أثر عمر: (وهذا اللفظ يدل على إباحة الجمع للعذر ولم يخص عمر عذراً من عذر) (٥). وقال: (وأصل هذا الباب أن تعلم أن وقت الصلاة وقتان: وقت الرفاهية والاختيار، ووقت الحاجة والعذر. فالوقت في حال الرفاهية خمسة أوقات … وأما أوقات الحاجة والعذر فهي ثلاثة: من الزوال إلى الغروب، ومن المغرب إلى الفجر، ومن الفجر إلى طلوع الشمس … والقرآن يدل على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ

стр. 705

وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فالطرف الأول صلاة الفجر … وأما الطرف الثاني فمن الزوال إلى الغروب، فجعل الصلاة وأشرك بينهما فيه، ثم قال: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وهي ساعات من الليل. فالوقت هنا ثلاثة، وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ … فالأول يتناول الظهر والعصر تناولاً واحداً، والثاني يتناول المغرب والعشاء تناولاً واحداً، ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وهي صلاة مفردة لا تجمع ولا تقصر) (١). وقال: (الجمع على ثلاث درجات: أما إذا كان سائراً في وقت الأولى فإنما ينزل في وقت الثانية، فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس وابن عمر، وهو نظير جمع مزدلفة، وأما إذا كان وقت الثانية سائراً أو راكباً فجمع في وقت الأولى فهذا نظير الجمع بعرفة … وأما إذا كان نازلاً في وقتهما جميعاً نزولا مستمراً: فهذا ما علمت روي ما يستدل به عليه إلا حديث معاذ … فإن ظاهره أنه كان نازلاً في خيمة في السفر وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً. فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما السائر فلا يقال: دخل وخرج بل نزل وركب. وتبوك هي آخر غزوات النبي ﷺ ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع وما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة ومزدلفة، وأما بمنى فلم ينقل أحد أنه جمع هناك بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك، ولا نقلوا أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ولا يقدم الثانية إلى أول وقتها، وهذا دليل على أنه كان يجمع أحياناً في السفر، وأحياناً لا يجمع وهو الأغلب على

стр. 706

أسفاره: أنه لم يكن يجمع بينهما، وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر؛ بل يفعل للحاجة سواء كان في السفر أو الحضر، فإنه قد جمع أيضاً في الحضر لئلا يحرج أمته) (١). قلت: الجمع في الحضر هي الدرجة الرابعة وهي محل بحثنا. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ٧. أجمع العلماء على تحريم تأخير الصلاة المفروضة عن الوقت الذي يجب أداؤها فيه لغير المعذور (٢)، ف (لا يجوز لغيره بالاتفاق بل هو من الكبائر العظام) (٣). ٨. واتفقوا على تحريم تأخير صلاة النهار إلى الليل أو تأخير صلاة الليل إلى النهار، ولو كان ذلك لعذر يبيح الجمع (٤). ٩. … (وأجمع المسلمون أنه ليس لمسافر ولا مريض ولا في حال المطر يجمع بين الصبح والظهر، ولا بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح) (٥).

стр. 707

١٠. وأجمع العلماء على مشروعية جمع الحاج للظهر والعصر في عرفة، وللمغرب والعشاء في مزدلفة، وخاصة مع الإمام (١)، (واختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين) (٢). ١١. و (اتفق القائلون بجواز الجمع على أن السفر منها) (٣)، و (اتفقوا أن فعل كل صلاة في وقتها في السفر أفضل إذا لم يكن هناك سبب يوجب الجمع) (٤).

стр. 708

١٢. … (واختلفوا في الجمع في الحضر) (١)، لكن (الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحداً من الصحابة والتابعين أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك) (٢). ١٣. وقال ابن عبدالبر: (أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر المطر إلا طائفة شذت) (٣) هكذا قال ﵀، وقد قال بجواز الجمع في الحضر لغير عذر المطر جماعة من المعاصرين، وسبقهم إليه جماعة ممن سلف من العلماء، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 709

المطلب الثاني: القائلون بجواز الجمع في الحضر، للحاجة و وجود المشقة ولو كان في غير المطر من المعاصرين: قال بهذا القول جماعة من المتقدمين ومن أبرز العلماء المعاصرين القائلين به: - أحمد شاكر (ت ١٣٧٧) (١)، ومحمد بن إبراهيم (ت ١٣٨٩) (٢). - وابن باز (ت ١٤٢٠) (٣)، و الألباني (ت ١٤٢٠) (٤)،

стр. 710

و ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (١).

стр. 711

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: أما وجه شذوذ القول: بجواز الجمع في الحضر لغير عذر المطر، فهو: نقل الإجماع على عدم الجواز، وحكم بعض العلماء على القول بجواز الجمع بالشذوذ! و قد نص على شذوذ هذا القول: - ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر المطر إلا طائفة شذت) (١)، وقال: (وقالت طائفة شذت عن الجمهور الجمع بين الصلاتين في الحضر وإن لم يكن مطر مباح إذا كان عذر وضيق على صاحبه ويشق عليه، وممن قال ذلك محمد بن سيرين وأشهب صاحب مالك) (٢)، وقال: (وأما في الحضر فأجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر على حال ألبتة إلا طائفة شذت) (٣). - القاضي عياض (ت ٥٤٤) بقوله: (وذهب كافة العلماء إلى منع الجمع بين الصلاتين فى الحضر لغير عذر إلا شذوذاً. منهم من السلف: ابن سيرين، ومن أصحابنا أشهب، فأجازوا ذلك للحاجة والعذر ما لم تتخذ عادة) (٤)، ونقل أبو العباس القرطبي في المفهم قول القاضي بنصه دون نسبة له (٥).

стр. 712

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر المطر: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ الأدلة التي فيها مواقيت الصلاة ومنها: صلاة جبريل بالنبي ﷺ الصلوات الخمس في يومين وقوله: (الوقتُ ما بين هذين الوقتين) (١)، وقول نبينا ﷺ لما سأله رجل عن مواقيت الصلاة: «صل معنا هذين - يعني اليومين -» فصلى في أول الوقت وآخره ثم قال: «وقت صلاتكم بين ما رأيتم» (٢). وجه الاستدلال: أن (جبريل أقام لرسول الله ﷺ أوقات الصلوات في الحضر ثم سافر رسول الله ﷺ فجمع بين الصلاتين) (٣)، كما جاءت الرخصة

стр. 713

بالجمع في المطر في الحضر فلا يتعدى بالرخصة موضعها، (ولا يجوز أن تُحال أوقات الحضر إلا بيقين) (١). ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأمور: - بأن مواقيت الصلاة الخمسة لازمة ولكن في حق غير المعذور، ومن لم يطّرد في ذلك فيلزمه ما يلزم الحنفية الذين لايرون الجمع إلا في عرفة ومزدلفة لتمسكهم بحديث المواقيت، وتأولوا الجمع في السفر والمطر والمرض بالجمع الصوري، (فمن تمسك بحديث صلاة النبي ﷺ مع جبريل ﵇ وقدَّمه لم يرَ الجمع في ذلك. ومن خصه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه، وقاس المرض عليه فيقول: إذا أبيح للمسافر الجمع لمشقة السفر فأحرى أن يباح للمريض) (٢)، ومثله في المطر، وسائر الأعذار التي يمكن قياسها عليها. - وقد سبق الإشارة إلى أن الأوقات في حق المعذور ثلاثة وأن (الكتاب والسنة وآثار الصحابة تدل على أن الأوقات في حق المعذور ثلاثة، وأن ذلك لم يعارضه دليل شرعي أصلاً) (٣)، و (الآثار المشهورة عن الصحابة تبين أن الوقت المشترك وقت في حال العذر، كقول عمر بن الخطاب: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر. فدل على أن الجمع بينهما للعذر جائز. وقال عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبو هريرة فيمن طهرت في آخر النهار: إنها تصلي الظهر والعصر، وفيمن طهرت في آخر الليل:

стр. 714

إنها تصلي المغرب والعشاء. وهو قول الثلاثة مالك والشافعي وأحمد) (١). - (ومما يبين ذلك أن الجمع لو كان معلقاً بسبب محدود يدور معه وجوداً وعدماً كالقصر والفطر، لكان الشارع يعلقه به، كما علّق الفطر بالمرض والسفر بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وكما علّق القصر بالسفر دون المرض بقوله: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»، وأما الجمع فإنما وقع من النبي ﷺ بأفعال فعلها في أول الوقت، وتارة يؤخره) (٢). - ومما يشهد لذلك جمع النبي ﷺ في عرفة ومزدلفة فإن جمعه (لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضاً، فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق ولجمع بمكة كما كان يقصر بها … ولم يجمع بمنى قبل التعريف ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى … ، ولا جمعه أيضا كان للنسك فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم فإنه من حينئذٍ صار محرماً، فعُلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا) (٣). ٢/ ومما استُدل به: الإجماع. - ولم أقف على حكايته إلا عند ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر

стр. 715

المطر إلا طائفة شذت) (١)، ونقله عنه ابن القطان ونصه: (وأجمعوا أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر بغير عذر المطر إلا من شذ) (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن هذا الإجماع بهذا القيد والسياق فيه إشكال ولم يوافق عليه، بل ابن عبدالبر ذكر بعده بيسير بأن هذا قول الجمهور ولم يحكه إجماعاً فقال: (وقالت طائفة شذت عن الجمهور الجمع بين الصلاتين في الحضر وإن لم يكن مطر مباح إذا كان عذر وضيق على صاحبه ويشق عليه، وممن قال ذلك محمد بن سيرين وأشهب صاحب مالك) (٣). - ولعل الإجماع الأدق هو ما قاله في التمهيد: (وأما في الحضر فأجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر على حال ألبتة إلا طائفة شذت) (٤). - فالجمع بلا عذر يستقيم فيه حكاية الإجماع، أما تخصيص العذر بالمطر فلا معنى له، وبرهان ذلك في الآتي: - أبدأ بالحافظ أبي عمر ابن عبدالبر؛ لأنه من نقل الإجماع فإنه قال: (واختلفوا في عذر المرض والمطر) (٥)، وقال: (واختلفوا أيضاً في جمع المريض بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال مالك: إذا خاف المريض أن يغلب على عقله جمع بين الظهر

стр. 716

والعصر عند الزوال وبين العشاءين عند الغروب … قال مالك: والمريض أولى بالجمع من المسافر وغيره لشدة ذلك عليه … وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: يجمع المريض بين الصلاتين، وكان الشافعي ﵀ لا يرى أن يجمع المريض بين الصلاتين، وقال الليث: يجمع المريض والمبطون) (١)، فها هو ينقل الخلاف في جواز الجمع في الحضر لغير المطر ولم يعده شذوذاً، فأين الإجماع؟ وأين حَصْرُه للعذر في الحضر بالمطر؟ فقد جوّز مالك (٢) وغيره الجمع للمريض كما ذكره. - أما الإمام أحمد -وقد ذكره فيمن يجوّز الجمع للمرض- فإن (أوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد، فإنه نص على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل بحديث روي في ذلك. قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا: يعني إذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز له الجمع … ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة نص عليه أحمد) (٣). - ومن ذلك قول الإمام أحمد: (الجمع في الحضر إذا كان عن ضرورة مثل مرض أو شغل) (٤)، ومن الصور التي ذكرها الحنابلة مما يجوز فيه الجمع في الحضر: المرضع، والمستحاضة ومن في معناها، والمريض الذي يلحقه بترك الجمع مشقة وضعف،

стр. 717

والعاجز عن الطهارة والتيمم لكل صلاة، وعن معرفة الوقت، وفي المطر الذي يبل الثياب، والثلج والوحل والريح الشديدة الباردة، ولمن له شغل أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة، كخوفه على نفسه، أو حرمه، أو ماله، أو غير ذلك (١). - وقد نسب ابن عبدالبر وعياض قول ابن سيرين إلى الشذوذ، فما هو رأي ابن سيرين؟ - قال ابن عبدالبر: (كان ابن سيرين لا يرى بأساً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو عذر ما لم يتخذه عادة) (٢)، وقال ابن المنذر قبله: (وقد روينا عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذه عادة) (٣)، وأسنده إليه ابن أبي شيبة فقال: حدثنا أزهر، عن ابن عون، قال: ذكر لمحمد بن سيرين، أن جابر بن زيد يجمع بين الصلاتين، فقال: (لا أرى أن يجمع بين الصلاتين إلا من أمر) (٤). - فأين الشذوذ في هذا الرأي؟! وظاهره عدم جواز الجمع إلا من عذر، والعجب من قول القاضي عياض: (وذهب كافة العلماء إلى منع الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر إلا شذوذاً. منهم من السلف: ابن سيرين، ومن أصحابنا أشهب، فأجازوا ذلك للحاجة والعذر ما لم تتخذ عادة) (٥)، فكافة العلماء منعوا الجمع إلا لعذر وشذَّ ابن سيرين وأشهب فجوزاه للحاجة و العذر، فأي فرق بينهم؟!

стр. 718

- بل كان ابن سيرين يكره الجمع ولو مع العذر كما قال ابن المنذر: (وكرهت طائفة الجمع بين الصلاتين إلا عشية عرفة وليلة جمع، هذا قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين) (١)، وأسنده ابن أبي شيبة فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن، ومحمد، قالا: (ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر ولا سفر، إلا بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع) (٢)، فالجمع الجائز مراتب: منه ما هو سنة ومنه ما هو رخصة، والرخصة قد يترجح الأخذ بها وقد يترجح تركها. - وقول ابن اسيرين في جواز الجمع للعذر نصره ابن المنذر وقال: (ثبت من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله لما قيل له لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته، ولو كان ثم مطر من أجله جمع بينهما رسول الله ﷺ لذكره ابن عباس عن السبب الذي جمع بينهما … إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين جمع بينهما للمطر والريح والظلمة ولغير ذلك من الأمراض وسائر العلل) (٣). - ولم ينفرد ابن سيرين بذلك، قال الخطابي: (وكان ابن المنذر يقول ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث. وسمعت أبا بكر القفال يحكيه، عَن أبي إسحاق المروزي. قال ابن المنذر: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار؛ لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله أراد ألا تحرج أمته) (٤).

стр. 719

- قال النووي: (ذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس أراد أن لا يحرج أمته فلم يعلله بمرض ولا غيره، والله أعلم) (١)، قال ابن الملقن: ("من غير اتخاذه عادة" كذا قيده النووي في "شرح مسلم" وأشار به إلى ما يفعله طائفة من المبتدعة ببعض البلدان من غير حاجة، فهو خرق إجماع منهم) (٢). - فهذا القول الأخير الذي أشار إليه ابن الملقن عن بعض المبتدعة هو الأشبه بالشذوذ ومخالفة الإجماع، وقد ذكره ابن المنذر ولم يسم قائله فقال: (وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين في الحضر مباح وإن لم تكن علة) (٣)، وقد جاء عن الأوزاعي أنه قال: (يجتنب أو يترك من قول أهل العراق خمس، ومن قول أهل الحجاز خمس، ومن قول أهل العراق) ثم ذكر من أقوال أهل الحجاز التي تجتنب لشذوذها: (الجمع بين الصلاتين من غير عذر) (٤)، وهذا القول هو قول الرافضة (٥)، وأخطأ الشوكاني في نسبة هذا القول لابن سيرين وابن المنذر وغيرهما (٦).

стр. 720

المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز الجمع في الحضر لعذر المشقة: استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة منها: ١/ حديث ابن عباس ﵄ المتفق عليه: «أن رسول الله ﷺ صلى بالمدينة سبعاً، وثمانياً، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» (١)، جاء عند مسلم: (قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذاك) (٢)، وعند البخاري: (فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى) (٣). - وفي رواية لمسلم: من طريق أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير

стр. 721

عن ابن عباس: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً بالمدينة، في غير خوف، ولا سفر» قال أبو الزبير: فسألت سعيداً، لمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: «أراد أن لا يحرج أحداً من أمته» (١)، وله من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد عن ابن عباس: « … في غير خوف، ولا مطر … » (٢). - وعنده أيضاً: عن عبدالله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر، ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: (أتعلمني بالسنة؟ لا أمّ لك) ثم قال: «رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء». قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته فصدّق مقالته (٣). وجه الاستدلال - أن النبي ﷺ جمع وهو مقيم (بالمدينة) كما في الصحيحين، وقد صلى الظهر والعصر (ثمانياً) والمغرب والعشاء (سبعاً) فلم يقصر مما يؤكد أنه ليس في سفر (٤)، (ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار؛ لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله: أراد أن لا تحرج أمته) (٥).

стр. 722

- فالصحابي الراوي وهو من فقهاء الصحابة عبّر عن سبب الجمع بقوله: (أراد ألا يحرج أمته) أي: (لا يضيق عليها في ترك الجمع) (١)، (فلم يعلّله بمرض ولا غيره) (٢) ولو كان ثمّ خوف أو مطر أو مرض لذَكَره، و (كل تأويل أَوَّلوه في هذا الحديث يرده قول ابن عباس: "أراد أن لا يحرج أمته") (٣). - فيؤخذ منه أن كل أمر يُلحق حرجاً ومشقةً بتأدية كل صلاة في وقتها، فهو عذر يجوز معه الجمع بين الصلاتين (٤)، و (ليس لأحد أن يتأول في الحديث ما ليس فيه … لأنه ليس في الحديث ذكر مطر ولا غيره، بل قال من حَمَل الحديث: أراد أن لَا تُحْرَج أمَّتُه) (٥)، والأصل أن (الراوي أعرف بمعنى ما روى) (٦). - ثم إن الراوي ابن عباس كما بيّن العذر بقوله، فقد وضحه بتطبيقه وفعله حين خطب الناس في أمر يهمهم حتى جمع بين الصلاتين لهذه الحاجة (وقال لمن استعجله في صلاة المغرب وقد بدت النجوم: أتعلمني بالسنة لا أمَّ لك؟! … وفعلُ ابن عباس، وتصديقُ أبي هريرة يدلان على أن الحديث معمول به غير منسوخ) (٧). وقد (خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه) (٨).

стр. 723

- (فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر وقد استدل بما رواه على ما فعله … كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته ورأى أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع) (١). - (وقول ابن عباس: "من غير خوف ولا سفر"، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف والسفر) (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - الإجماع على ترك العمل بهذا الحديث كما قال الترمذي: (جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به وقد أخد به بعض أهل العلم ما خلا حديثين: حديث بن عباس أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر … ) (٣)، وذكر حديثاً آخر. - ثم إن الخوف والريح والوحل والمرض ونحوه (كل ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ ولم ينقل عنه ﷺ أنه جمع في شيء غير المطر) (٤)، ف (النبي ﷺ مرض أمراضاً كثيرة ولم ينقل جمعه بالمرض صريحاً) (٥). - وأثر ابن عباس من حيث الدراية (لا يصح الاحتجاج به؛ لأنه غير معين لجمع التقديم والتأخير كما هو ظاهر رواية مسلم، وتعيين

стр. 724

واحد منها تحكم فوجب العدول عنه إلى ما هو واجب من البقاء على العموم في حديث الأوقات للمعذور وغيره، وتخصيص المسافر لثبوت المخصص، وهذا هو الجواب الحاسم) (١). - وعلى فرض التسليم بجواز الجمع في الحضر فإن الجمع المنقول لم يكن إلا مرة واحدة، وهو محمول إما على المطر وإما على الجمع الصوري: - أما المطر فهذا رأي لبعض رواته كأبي الشعثاء فإنه لما قيل له: لعله كان في ليلة مطيرة؟ قال: (عسى)، والإمام مالك حين قال: (أُرى ذلك كان في مطر)، (وهذا هو الذي حمله عليه أيوب السختياني … ومن ذهب إلى هذا المسلك فإنه يطعن في رواية من روى: «من غير خوف ولا مطر» كما قاله البزار وابن عبد البر وغيرهما) (٢). - وأما ا الجمع الصوري أو (الجمع المجازي) (٣) فهذا رأيٌ لبعض رواته كأبي الشعثاء أيضاً وعمرو بن دينار حين قال: (قلت: يا أبا الشعثاء، أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وعجل العشاء، وأخر المغرب، قال: وأنا أظنه)، والرواي أدرى بما روى فهو (على ما ظنه أبو الشعثاء وتأول الحديث عليه هو وعمرو بن دينار، وموضعهما من الفقه الموضع الذي لا فوقه موضع وإذا كان ذلك غير مدفوع إمكانه وكان ذلك الفعل يسمى جمعاً في اللغة العربية بطلت الشبهة التي نزع بها من هذا الحديث من أراد الجمع في

стр. 725

الحضر بين الصلاتين في وقت إحداهما) (١). - و (يتعين هذا التأويل فإنه صرّح به النسائي في أصل حديث ابن عباس ولفظه: «صليت مع رسول الله ﷺ بالمدينة ثمانياً جمعاً وسبعاً جمعاً أخر الظهر وعجل العصر، وأخّر المغرب وعجل العشاء» … والمطلق في رواية يحمل على المقيد إذا كانا في قصة واحدة كما في هذا) (٢)، (فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرّح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري) (٣). - و (يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث) (٤). - وأما وجه رفع الحرج ونفيه في هذا الفعل (فمعناه مكشوف على ما وصفنا، أي: لا يضيق على أمته فتصلي في أول الوقت أبداً وفي وسطه أو آخره أبداً لا تتعدى ذلك، ولكن لتصل في الوقت كيف شاءت في أوله أو وسطه أو آخره لأن ما بين طرفي الوقت وقت كله) (٥). - والجمع الصوري (أيسر من التوقيت إذ يكفي للصلاتين تأهب واحد

стр. 726

وقصد واحد إلى المسجد، ووضوء واحد بحسب الأغلب بخلاف الوقتين فالحرج في هذا الجمع لا شك أخف) (١)، (ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرة أخف من خلافه وأيسر) (٢). وأجيب عن هذه المناقشة بأمور: - أما ما ذكره الترمذي فإن كان مراده تركه مطلقاً فهو مردود؛ لأنهم (لم يجمعوا على ترك العمل به بل لهم أقوال … ومنهم من قال هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا، وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة) (٣). - وإن كان (مراده أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع إلا بعذر شرعي) (٤)، فهذا متجه وهو الظاهر من مراده؛ لأنه أتبع حديث ابن عباس بحديث: «من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» (٥). - وأما ما ذُكر من أن الخوف والمرض والريح ونحوها وقعت في عهد النبي ﷺ فلم يجمع لها، فهذا يمكن قلبه أيضاً عليهم في المطر الذي يجوز الجمع لأجله الجمهور، فقد أصابهم في عصره ﷺ مطرٌ كثير ولم ينقل الجمع بل قال أنس ﵁: (ثم أمطرت،

стр. 727

قال: فلا والله ما رأينا الشّمس سَبتًا) (١)، (مطرنا من الجمعة إلى الجمعة) (٢)، فما يجيب به الجمهور هنا يكون جواباً هناك، والسنة يكفي في ثبوتها الوقوع ولو مرة ولا يشترط التكرار. - أما حمل الجمع على المطر لأنه تأويل الراوي، فيقال: بأن الرواة الذين تأولوا لم يشهدوا الواقعة هذا أولاً، وثانياً: كل ما ذكر عنهم ليس فيه قطع، ولذلك أرفع من ذكر فيهم وهو أبو الشعثاء جابر بن زيد (لم يجزم بذلك بل لم يستمر عليه) (٣)، فمرة جوّز أن يكون من أجل المطر كما في البخاري، ومرة ظنّ أنه جمع صوري كما في الصحيحين، ومثله الإمام مالك فإن قوله لم يقطع به، ولم يشهد الواقعة حتى يجزم. - و (رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق لم يذكر فيها نفي خوف ولا مطر، فهذا يدلك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع بالمدينة في الجملة، ليس مقصوده تعيين سبب واحد، فمن قال: إنما أراد جمع المطر وحده فقد غلط عليه) (٤). - وأحق من يقبل قوله هو الصحابي الذي شهدها و (لما قيل له لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته، ولو كان ثمّ مطر من أجله جمع بينهما رسول الله ﷺ لذكره ابن عباس عن السبب الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته دل على أن جمعه كان في غير حال المطر، وغير جائز دفع يقين ابن عباس مع حضوره بشك مالك) (٥)، ولا رد جزم ابن عباس

стр. 728

بتردد أبي الشعثاء وظنه، ولا رد تصديق أبي هريرة لابن عباس باختلاف من تأوله ممن بعدهم (١). - وأما حمل الجمع على الجمع الصوري أو المجازي ف (ليس الأمر كذلك؛ لأن ابن عباس كان أفقه وأعلم من أن يحتاج -إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة والخاصة جوازه- أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلاً على ذلك. وأن يقول: أراد بذلك ألا يحرج أمته) (٢). - فهذا التأويل (ضعيف أو باطل؛ لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل وفعل ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل) (٣). - (ثم ابن عباس قد ثبت عنه في الصحيح أنه ذكر الجمع في السفر. وأن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر سيره … فعُلم أن لفظ الجمع في عرفه وعادته إنما هو الجمع في وقت إحداهما، وأما الجمع في الوقتين فلم يعرف أنه تكلم به فكيف يعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك) (٤)،

стр. 729

(وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع) (١). - و (قوله: "كي لا يحرج أمته" نص في الجمع الحقيقي؛ لأن رفع الحرج إنما يعني في الاصطلاح الشرعي رفع الإثم والحرام (راجع النهاية) كما في أحاديث أخرى، الأصل فيها المؤاخذة لولا الحرج، كمثل ترك صلاة الجمعة والجماعة من أجل المطر والبرد، كما في حديث ابن عباس لما أمر المؤذن يوم الجمعة أن يقول: " الصلاة في الرحال "، فأنكر ذلك بعضهم، فقال: "كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني- يعني النبي ﷺ إنها عزمة، إني كرهت أن أحرجكم" رواه البخاري) (٢). - ثم إن (اسم الجمع عرفاً لا يقع على من أخّر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها وعجّل العصر فصلاها في أول وقتها؛ لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معاً في وقت إحداهما ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك) (٣). - … (وعلى مثل ذلك حَمَل الجمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة من لا يرى الجمع في السفر) (٤) كالحنفية، وكذلك الجمع في المطر عندهم (ومن حجتهم: أن حديث ابن عباس هذا ليس فيه صفة الجمع ويمكن أن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وجمع بينها وبين العصر في أول وقتها وصنع كذلك بالمغرب

стр. 730

والعشاء، وهذا قد يسمى جمعاً، قالوا: ولسنا نحيل أوقات الحضر إلا بيقين) (١)، فما يكون جواباً على الحنفية هناك فهو الجواب هنا. - (ولو قال قائل: قوله جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين لم يكن بينه وبينهم فرق. فلماذا يكون الإنسان من المطففين لا يحتج لغيره كما يحتج لنفسه؟ ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟) (٢). - أما رواية النسائي لحديث ابن عباس: «ـ صليت مع النبي ﷺ بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء» (٣)، يرويها قتيبة بن سعيد عن ابن عيينة (فأقحم في الحديث قول أبي الشعثاء وعمرو بن دينار … الصحيح في حديث ابن عيينة هذا غير ما قال قتيبة حين جعل التأخير والتعجيل في الحديث، وإنما هو ظن عمرو وأبي الشعثاء) (٤)، (كما بينته رواية الشيخين من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، فذكر هذا الحديث، وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه … وأما الذي ثبت عن ابن عباس ﵄ لما سئل عن سبب الجمع فهو قوله: "لئلا يكون على أمته حرج") (٥). - (وقد علم أن الصلاة في الوقتين قد شرعت بأحاديث المواقيت،

стр. 731

وابن عباس هو ممن روى أحاديث المواقيت، وإمامة جبريل له عند البيت … فإن كان النبي ﷺ إنما جمع على هذا الوجه فأي غرابة في هذا المعنى؟! ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني كلا الصلاتين في آخر الوقت وقال: «الوقت ما بين هذين» فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت أولى بالجواز. وكيف يليق بابن عباس أن يقول: فعل ذلك كيلا يحرج أمته والوقت المشهور هو أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه) (١). - (وأيضاً فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت؟ وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علماً حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه) (٢). - فـ (الجمع بين الصلاتين من الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم، ومعرفة أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة، فضلاً عن العامة وإذا كان كذلك كان في اعتبار الساعات على الوجه الذي ذهبوا إليه ما يبطل أن تكون هذه الرخصة عامة مع ما فيه من المشقة المربية على تفريق الصلاة في أوقاتها الموقتة (٣). - وحتى لمن يعرفها فإن (مراعاة هذا من أصعب الأشياء علماً

стр. 732

وعملاً، وهو يشغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة، والجمع شرع رخصة ودفعا للحرج عن الأمة فكيف لا يشرع إلا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة؟!) (١). - (وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنما يعرف على سبيل التحديد بالظل، والمصلي في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبي ﷺ آلات حسابية يعرف بها الوقت … والمغرب إنما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك. - وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب؛ بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنه معه يسلم قبل خروج الوقت. ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يراعيه؛ بل ولا أصحابه) (٢). - (والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة. وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة وفي بعض أسفاره. وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين وقد يقعان معا في آخر وقت الأولى وقد يقعان معا في أول وقت الثانية

стр. 733

وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا؛ وكل هذا جائز؛ لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة) (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فالذي يظهر أن نسبة القول بجواز الجمع لوجود المشقة إلى الشذوذ غير صحيحة، فهو رأي لم يخالف نصاً ولا إجماعاً، بل استُدل له بدليل قوي وعضده فهم سلفي من التابعي الجليل محمد بن سيرين، فهو رأي دائر بين راجح ومرجوح، وإن كان القول بالجواز أقوى لولا ما يعكّر عليه من أن المشقة وصف غير منضبط، ولذلك لم تعلق رُخص السفر بالمشقة لعدم انضباطها بل علقت بالسفر، وكذلك الجمع في الحضر علّقه أكثر العلماء بأوصاف أكثر انضباطاً واطراداً كالمطر أو المرض، ف (من المشكل ضبط المشقة المقتضية للتخفيف … ومن ضبط ذلك بأقل "مما" ينطلق عليه الاسم، كأهل الظاهر خَلَصَ من هذا الإشكال) (٢). قال القرافي: ("سؤال" ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها فإنا إذا سألنا الفقهاء يقولون ذلك يرجع إلى العرف فيحيلون على غيرهم ويقولون: لا نجد ذلك ولم يبق بعد الفقهاء إلا العوام وهم لا يصح تقليدهم في الدين ثم إن الفقهاء من جملة أهل العرف فلو كان في العرف شيء لوجدوه معلوماً لهم أو معروفاً. "جوابه" هذا السؤال له وقعٌ عند التحقيق وإن كان سهلاً في بادي الرأي وينبغي أن يكون الجواب عنه: إن لم يرد فيه الشرع بتحديد يتعين

стр. 734

تقريبه بقواعد الشرع؛ لأن التقريب خير من التعطيل فيما اعتبره الشرع، فنقول: يجب على الفقيه أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال، ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطاً، وإن كان أدنى منها لم يجعله مسقطاً. مثاله: التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق) (١)، فيقال: مثله في الجمع في الحضر فما دل حديث ابن عباس بفحواه من الجمع لعذر المطر أو المرض أو الخوف اعتبر في الأعذار ماهو مثلها أو أعلى منها دون ما كان أدنى، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الجمع لم يقع في عهده ﷺ إلا على سبيل الندرة في هذه الواقعة الوحيدة مع كثرة مايصيبهم من الأمطار والأمراض ووقائع الخوف. أما الجمع في الحضر بلا عذر معتبر فهو من أقوال الرافضة المبتدعة وهو مخالف للإجماع ولا شك في شذوذه، والله أعلم.

стр. 735

المبحث الرابع عشر: وجوب صلاة الجمعة على المسافر وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 736

قال مجاهد: (ذهب العلماء فما بقي إلا المتعلمون، ما المجتهد فيكم اليوم إلا كاللاعب، فيمن كان قبلكم). أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٨)

стр. 737

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: يوم الجمعة «خير يوم طلعت عليه الشمس» (١)، كما أخبر نبينا ﷺ ، وقال: « … هذا اليوم الذي كتبه الله علينا، هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد» (٢)، قال ابن رجب: (وفي الحديث: دليلٌ على أن الجمعة فرض من الله واجبٌ علينا، كما كان على من قبلنا، فإن الله فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة، واتخاذه عيداً ومجمعاً لذكر الله وعبادته، فبدلوه بغيره من الأيام، وهدانا الله لهُ، فدل ذلكَ على أنه مفروض علينا تعظيمه، واتخاذه عيداً؛ لذكر الله والاجتماع فيه لعبادته، وهذا من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة) (٣)، أي: شهود صلاة الجمعة. (والجمعة فرض باتفاق المسلمين فلا يجوز تركها لغير عذر شرعي) (٤)، وهي فرض الوقت وليست بدلاً عن الظهر عند الجمهور (٥)،

стр. 738

(ولا خلاف في أنه يأثم بتركها وترك السعي إليها، ويلزم من ذلك ألا يخاطب بالظهر … فأما إذا فاتته الجمعة فإنه يصير إلى الظهر؛ لأن الجمعة لا يمكن قضاؤها) (١). ووجوب الجمعة إنما هو على غير المعذور، فهل المسافر منهم؟ هذه هي مسألتنا. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. أجمع العلماء (أن الجمعة واجبة على الأحرار، البالغين، المقيمين، الذي لا عذر لهم) (٢). ٢. ومن كان من أهل الوجوب في البلد أو القرية (إن كان من أهلها المستوطنين بها، فلا خلاف في لزوم السعي إلى الجمعة له، سواء سمع النداء أو لم يسمع) (٣). ٣. … (وأجمعوا على أن لا جمعة على النساء) و (على أنهن إن حضرن الإمام، فصلين معه أن ذلك يجزئ عنهن) (٤). ٤. وهكذا كل (المعذورين كالعبد والمرأة والمسافر وغيرهم فرضهم الظهر، فإن صلوها صحت، وإن تركوا الظهر وصلوا الجمعة أجزأتهم بالإجماع) (٥).

стр. 739

٥. … (وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه) (١) إذا لم ينوِ إقامة تمنع القصر ونحوه (٢)، ونقل الإجماع على ذلك، وقد روي عن بعض السلف وجوبها عليه (٣)، وذُكر عن غيرهم (٤)، و هو قول ابن حزم (٥). وذكره ابن تيمية احتمالاً في المسافر النازل (٦)، ووجهه في الفروع (٧)، ورجحه بعض المعاصرين، و قد حُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 740

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (١)، وابن جبرين (ت ١٤٣٠) (٢)، وعبدالله الفوزان (٣).
следующие страницы →