← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قال مجاهد: (ذهب العلماء فما بقي إلا المتعلمون، ما المجتهد فيكم اليوم إلا كاللاعب، فيمن كان قبلكم). أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٨)

стр. 737

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: يوم الجمعة «خير يوم طلعت عليه الشمس» (١)، كما أخبر نبينا ﷺ ، وقال: « … هذا اليوم الذي كتبه الله علينا، هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد» (٢)، قال ابن رجب: (وفي الحديث: دليلٌ على أن الجمعة فرض من الله واجبٌ علينا، كما كان على من قبلنا، فإن الله فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة، واتخاذه عيداً ومجمعاً لذكر الله وعبادته، فبدلوه بغيره من الأيام، وهدانا الله لهُ، فدل ذلكَ على أنه مفروض علينا تعظيمه، واتخاذه عيداً؛ لذكر الله والاجتماع فيه لعبادته، وهذا من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة) (٣)، أي: شهود صلاة الجمعة. (والجمعة فرض باتفاق المسلمين فلا يجوز تركها لغير عذر شرعي) (٤)، وهي فرض الوقت وليست بدلاً عن الظهر عند الجمهور (٥)،

стр. 738

(ولا خلاف في أنه يأثم بتركها وترك السعي إليها، ويلزم من ذلك ألا يخاطب بالظهر … فأما إذا فاتته الجمعة فإنه يصير إلى الظهر؛ لأن الجمعة لا يمكن قضاؤها) (١). ووجوب الجمعة إنما هو على غير المعذور، فهل المسافر منهم؟ هذه هي مسألتنا. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. أجمع العلماء (أن الجمعة واجبة على الأحرار، البالغين، المقيمين، الذي لا عذر لهم) (٢). ٢. ومن كان من أهل الوجوب في البلد أو القرية (إن كان من أهلها المستوطنين بها، فلا خلاف في لزوم السعي إلى الجمعة له، سواء سمع النداء أو لم يسمع) (٣). ٣. … (وأجمعوا على أن لا جمعة على النساء) و (على أنهن إن حضرن الإمام، فصلين معه أن ذلك يجزئ عنهن) (٤). ٤. وهكذا كل (المعذورين كالعبد والمرأة والمسافر وغيرهم فرضهم الظهر، فإن صلوها صحت، وإن تركوا الظهر وصلوا الجمعة أجزأتهم بالإجماع) (٥).

стр. 739

٥. … (وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه) (١) إذا لم ينوِ إقامة تمنع القصر ونحوه (٢)، ونقل الإجماع على ذلك، وقد روي عن بعض السلف وجوبها عليه (٣)، وذُكر عن غيرهم (٤)، و هو قول ابن حزم (٥). وذكره ابن تيمية احتمالاً في المسافر النازل (٦)، ووجهه في الفروع (٧)، ورجحه بعض المعاصرين، و قد حُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 740

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (١)، وابن جبرين (ت ١٤٣٠) (٢)، وعبدالله الفوزان (٣).

стр. 741

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذ هذا القول: - أبوبكر ابن المنذر (ت ٣١٩) بقوله: (عن الزهري أنه قال: لا جمعة على المسافر، وإن سمع المسافر أذان الجمعة وهو في بلد جمعة فليحضر معهم، قال أبو بكر: وقوله: فليحضر معهم يحتمل أن يكون أراد استحباباً، ولو أراد غير ذلك كان قولاً شاذاً خلاف قول أهل العلم، وخلاف ما دلت عليه السنة) (١). - وابن التين (ت ٦١١) (٢) بقوله -لما ذكر قول الزهري-: (إن أراد وجوبها فهو قول شاذ) (٣). - وابن تيمية (ت ٧٢٨) بقوله: (عامة العلماء على أن الجمعة لا تصلى في السفر، وليس في ذلك إلا نزاع شاذ) (٤).

стр. 742

- وابن باز (ت ١٤٢٠) بقوله: (المسافر وسكان البادية يصلون ظهراً كما دلت على ذلك السنة، وهو قول عامة أهل العلم ولا عبرة بمن شذ عنهم) (١)، وقال في رد له على أحد الشيوخ: (ومن المسائل المنسوبة إليكم: القول بإيجاب صلاة الجمعة والعيد على البادية والمسافرين والنساء، مع أن الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم واضحان في إسقاطها عنهم، سوى ابن حزم في المحلى فقد ذكر وجوبها على المسافرين، وقوله هذا شاذ مخالف للأدلة الشرعية، ولجمهور أهل العلم فلا يلتفت إليه) (٢)، وقال: (ولا أعلم خلافاً من علماء الإسلام في هذه المسألة بحمد الله، إلا خلافا شاذاً من بعض التابعين لا ينبغي أن يعول عليه) (٣). - والنقل الأول والثاني يتوجهان إلى القول بوجوب إجابة المسافر للجمعة القائمة، وبقية النقول تحتمل ذلك أيضاً، والأظهر توجهها إلى إقامة المسافر للجمعة، يعني: تجميعه، وهو أبعد من الأول بل قيل ببدعية تجميع المسافر.

стр. 743

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم وجوب الجمعة على المسافر: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك» (١)، وحديث تميم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الجمعة واجبة إلا على صبي، أو مملوك، أو مسافر» (٢)، وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خمسة لا جمعة عليهم: المرأة، والمسافر، والعبد، والصبي، وأهل البادية» (٣)، وحديث

стр. 744

ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «ليس على مسافر جمعة» (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن كل حديث من الأحاديث السابقة منكر، وكما قال الإمام أحمد: (المنكر أبداً مُنكر) (٢)، يعني لا يتقوى ولو تعدد، و وجودها كعدمها في الشواهد والمتابعات. - وعلى فرض التسليم (فالمسافر لا جمعة عليه … لكن إن أقامها مستوطنون في البلد لزمته بغيره لا بنفسه) (٣). ويمكن الجواب عن المناقشة: - بأن أحاديث الترخيص عن الجمعة للمسافر وإن لم تثبت بالنص المرفوع، فهي ثابتة بفعل النبي ﷺ ، وبقول الصحابة وفعلهم، وبالقياس، وبالإجماع: - أما فعل النبي ﷺ : فقد كان (النبي ﷺ ، وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه مع اجتماع الخلق الكثير) (٤)، ومع مرورهم بالبلاد التي تقيم الجمعة كمكة في حجة الوداع.

стр. 745

- وأما الصحابة: فقد ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (لا جمعة على مسافر) (١)، ويؤيده فعل علي بن أبي طالب ﵁ فقد: (أقام بنيسابور سنة أو سنتين، فكان يصلي ركعتين ثم يسلم، ولا يجمع) (٢)، وفعل عبدالرحمن بن سمرة ﵁ كذلك، كما قال الحسن البصري: (كنا معه في بعض بلاد فارس سنتين، وكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين) (٣) وفي لفظ: (ولا نُجمّع)، قال البيهقي: (هكذا وجدته في كتابي: ولا نُجمّع، بالتشديد ورفع النون)، وترجم لهما ابن أبي شيبة: (من قال: ليس على المسافر جمعة)، وترجم للأخير البيهقي: (باب من لا تلزمه الجمعة). - وحكاه إبراهيم النخعي عن أصحاب ابن مسعود ولايبعد أن يكون هو رأي ابن مسعود أيضاً (٤)، قال إبراهيم: (كانوا لا يُجمّعون في

стр. 746

سفر، ولا يصلون إلا ركعتين) (١)، ترجم عليه عبدالرزاق: (باب من تجب عليه الجمعة)، ويؤيده قول علي بن الأقمر، قال: خرج مسروق، وعروة بن المغيرة، ونفر من أصحاب عبد الله: فحضرت الجمعة، فلم يجمعوا، وحضر الفطر، فلم يفطروا) (٢) وترجم عليهما عبدالرزاق: (باب من تجب عليه الجمعة)، وابن أبي شيبة: (باب من قال: ليس على المسافر جمعة). - أما القياس: فالمسافر أُسقط عنه شطر الصلاة وهي أركان منها عند الجميع، فسقوط ما ليس منها وما ليس بركن أولى، (ولأن الله أسقط على المسافر بعض الصلاة مع كون الساقط عنه منها واجبًا في حق كل أحد، فالجمعة أولى بالسقوط؛ لأن السعي وانتظار الجمعة أشق من فعل أربع، وما كان أشق كان أولى بالسقوط) (٣). - وأما الإجماع فهو الآتي: ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع.

стр. 747

وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. قال الشافعي (ت ٢٠٤): (لم نعلم خلافاً في أن لا جمعة عليه [أي: المصلي] إلا في دار مقام) (١). ٢. وقال القاضي عبدالوهاب (ت ٤٢٢): (عند جميع الفقهاء أن المسافر لا جمعة عليه، وقال داود: هي واجبة عليه) (٢). ٣. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (وأما قوله: ليس على مسافر جمعة= فإجماع لا خلاف فيه) (٣). ٤. وقال المازري (ت ٥٣٦): (أجمع الفقهاء على سقوط الجمعة على المسافر إلا داود، فإنه يوجبها عليه. وقال الزهري والنخعي: تجب عليه إذا سمع النداء) (٤). ٥. وقال ابن هبيرة (ت ٥٦٠): (اتفقوا على أن الجمعة لا تجب على … مسافر) (٥). ٦. وقال ابن رشد (ت ٥٩٥): (فإن فقهاء الأمصار اتفقوا عليه [أي: شرط الاستيطان] لاتفاقهم على أن الجمعة لا تجب على المسافر، وخالف في ذلك أهل الظاهر لإيجابهم الجمعة على المسافر) (٦). ٧. وقال ابن قدامة (ت ٦٢٠) بعد أن ذكر قول النخعي وأثر أنس وأثر عبدالرحمن بن سمرة: (وهذا إجماع، مع السنة الثابتة فيه، فلا يسوغ مخالفته) (٧).

стр. 748

٨. وقال قاضي صفد محمد بن عبدالرحمن الدمشقي (ت بعد ٧٨٠ هـ): (إنما يجب على المقيم، ولا تلزم مسافراً بالاتفاق … ومن لا جمعة عليه كالمسافر المار ببلد فيها جمعة مخيّر بين فعل الجمعة والظهر بالاتفاق) (١). ٩. وقال أحمد الكوراني (ت ٨٩٣) عن قول الزهري: (لم يأخذ به أحد من الأئمة، ونُقل عن الزهري مثل قول الأئمة، والتزم بعضهم التوفيق بأن يفيد وجوب الجمعة على المسافر إذا حضر الجامع ولا عذر له) (٢). ١٠. وقال علي بن محمد المالكي (ت ٩٣٩) (٣): (ولا تجب على مسافر. اتفاقاً) (٤)، وبنحو قوله قال صالح الأزهري (ت ١٣٣٥): (ولا تجب على مسافر. اتفاقاً) (٥). ١١. وقال علي القاري (ت ١٠١٤): (ولا تلزم مسافراً بالاتفاق، وحكي عن الزهري والنخعي وجوبها على المسافر إذا سمع النداء) (٦). ١٢. وقال الزرقاني (ت ١١٢٢): (ولا جمعة على مسافر. إجماعاً) (٧). ١٣. وقال حسين المحَلِّي (ت ١١٧٠) (٨): (من لا تجب عليه الجمعة

стр. 749

كالمسافر المار ببلد فيها جمعة تَخيّر بين فعل الجمعة والظهر بالاتفاق) (١). ١٤. وقال سليمان بن عبدالله بن عبدالوهاب (ت ١٢٣٣) بعد أن ذكر فعل النبي ﷺ وصحابته ومن بعدهم في عدم التجميع في السفر: (وهذا إجماع لا يجوز مخالفته) (٢). ١٥. وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: (اتفق الفقهاء على أن الإقامة من شروط وجوب الجمعة، وعلى هذا فلا تجب الجمعة على المسافر) (٣). ونوقش الاستدلال بالإجماع: - بفعل النبي ﷺ في حجته، و (لا خلاف في أنه ﵇ خطب وصلى ركعتين وهذه صلاة الجمعة. - وحتى لو صح لهم أنه ﵇ لم يجهر لما كان لهم في ذلك حجة أصلاً؛ لأن الجهر ليس فرضاً، ومن أسر في صلاة جهر، أو جهر في صلاة سر، فصلاته تامة) (٤). - ولا إجماع في المسألة، فقد جاء: (عن أبي هريرة: أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن الجمعة وهم بالبحرين؟ فكتب إليهم:

стр. 750

أن جمعوا حيثما كنتم) (١) فـ (هذا عمر بن الخطاب يرى الجمعة عموماً) (٢). - وسئل سعيد بن المسيب على من تجب الجمعة؟ فقال: (على من سمع النداء) (٣)، ونحوه عن عمرو بن شعيب (٤)، (فعمم سعيد، وعمرو: كل من سمع النداء، ولم يخصا عبداً، ولا مسافراً، من غيرهما) (٥). - قال ابن حزم: (وعن عبد الرزاق عن سعيد بن السائب بن يسار ثنا صالح بن سعد المكي أنه كان مع عمر بن عبد العزيز وهو متبد بالسويداء في إمارته على الحجاز، فحضَرَت الجمعة، فهيئوا له مجلساً من البطحاء، ثم أذن المؤذن بالصلاة، فخرج إليهم عمر بن عبد العزيز، فجلس على ذلك المجلس، ثم أذنوا أذاناً آخر، ثم خطبهم، ثم أقيمت الصلاة، فصلى بهم ركعتين وأعلن فيهما بالقراءة، ثم قال لهم: "إن الإمام يجمع حيثما كان". - وعن الزهري مثل ذلك، وقال، إذا سئل عن المسافر يدخل قرية

стр. 751

يوم الجمعة فينزل فيها؟ قال: إذا سمع الأذان فليشهد الجمعة) (١). - (وروي عن عطاءٍ - أيضاً -، أنه يلزمه، وكذا قال الأوزاعي: إن أدركه الأذان قبل أن يرتحل فليجب) (٢). ويمكن الجواب عن المناقشة: - أما المرفوع فـ (لم ينقل أنه ﷺ صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع؛ لأنه كان مسافراً … وقد وهم ابن حزم فقال: إنه صلاها في حجته وغلّطه العلماء) (٣)، وقد خالف ابن حزم نفسه أيضاً، ففي حجة الوداع ذكر أنه صلاها ظهراً، فقال: (فلما أتم الخطبة المذكورة أمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً) (٤). - قال ابن عبدالبر: (أجمع العلماء على أن الإمام لا يجهر بالقراءة في الظهر والعصر بعرفة لا في يوم الجمعة ولا غيرها، وأجمعوا أن رسول الله ﷺ كذلك فعل لم يجهر، وأجمعوا على أن الرسول ﷺ صلى الظهر والعصر يوم عرفة، إذ جمع بينهما ركعتين، وأجمعوا على أن الرسول ﷺ كان يومئذ مسافراً) (٥)، قال

стр. 752

ابن تيمية: (يوم عرفة خطب بهم ثم نزل فصلى بهم ركعتين، ولم ينقل أحد أنه جهر، ولم تكن تلك الخطبة للجمعة فإنها لو كانت للجمعة لخطب في غير ذلك اليوم من أيام الجُمَع وإنما كانت لأجل النسك. ولهذا كان علماء المسلمين قاطبة على أنه يخطب بعرفة وإن لم يكن يوم جمعة؛ فثبت بهذا النقل المتواتر أنها خطبة لأجل يوم عرفة وإن لم يكن يوم جمعة) (١). - وأما المروي عن عمر ﵁، ففيه إشكال حيث إن إسلام أهل البحرين وإقامتهم للجمعة كان متقدماً، يدل لذلك ماجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: (إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ ، في مسجد عبد القيس بجواثا من البحرين) (٢)، وقد كان أبوهريرة في البحرين في عهد النبي ﷺ ثم في عهد عمر ﵁ (٣)، فإن النبي ﷺ «صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي» (٤)، بل كان أبو هريرة (مؤذناً للعلاء

стр. 753

بن الحضرمي بالبحرين، فاشترط عليه بأن لا يسبقه بآمين) (١). - ولذلك قال الإمام الشافعي: (إن كان هذا حديثاً، يعني: ثابتاً، ولا أدري كيف هو! فمعناه: في أي قرية كنتم؛ لأن مقامهم في البحرين إنما يكون في القرى) (٢)، فالبحرين قرى وليست قرية واحدة كجواثا وهجر ودارين وغيرها (٣)، وعلى هذا يكون سؤال أبي هريرة عن إقامة الجمعة في قرية غير جواثا التي جُمّع فيها في عهد النبي ﷺ ، فقال عمر: (جمعوا حيثما كنتم) أي: في أي قرية كنتم، وبقول عمر استدل العلماء على جواز إقامة الجمعة في القرى، ويقابله رأي من يشترط المصر الجامع لإقامة الجمعة، وليس في الأثر ذكر للسفر، ولم يفهم العلماء قبل ابن حزم ولا بعده أن مراد عمر إقامتها في السفر، وقد ترجم للأثر ابن أبي شيبة بقوله: (من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها) (٤)، وقال ابن تيمية: (فهذا عمر يأمر أهل البحرين بالتجميع حيث استوطنوا، مع العلم بأن بعض البيوت تكون من جريد ولم يشترط بناء مخصوصاً) (٥).

стр. 754

- أما قول سعيد بن المسيب و عمرو بن شعيب بأن: (الجمعة على من سمع النداء)، وأنها تؤتى: (من مد الصوت)، فهناك ما هو أرفع من هذين المقطوعين، ففي الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١)، وفي الحديث المرفوع: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال: «فأجب» (٢)، (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له) (٣)، وقال عبدالله بن عمرو-﵄: (إنما تجب الجمعة على من سمع النداء، فمن سمعه فلم يأته فقد عصى ربه) (٤)، لكن كل هذه الآثار ليس فيها ذكر للمسافر المعذور، وإنما هي لغيره، ويمكن على طريقة ابن حزم أيضاً، ذكر ما هو أشد من سماع الأذان ومن ذلك: - قول ابن عمر ﵄: (الجمعة على من آواه المراح) (٥)، وقول نافع والحسن: (الجمعة على كل من آواه الليل إلى أهله) (٦)، ولكنها كلها محمولة على غير المعذور وبذلك ترجم من أخرج أثر ابن عمر ونافع والحسن، وقول ابن المسيب وعمرو بن شعيب، فقال عبدالرزاق: (باب من يجب عليه شهود الجمعة)، وقال ابن

стр. 755

أبي شيبة: (من كم تؤتى الجمعة)، يؤيد هذا الفهم أنك تجد ابن عمر القائل هنا: (الجمعة على من آواه المراح)، هو القائل فيما سبق: (لاجمعة على مسافر)، ثم إنك تجد أن هناك من يقول بقول ابن المسيب وعمرو بن شعيب لم يذكرهم، كما قال الترمذي: (قال بعضهم: لا تجب الجمعة إلا على من سمع النداء، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق) (١)، لكن الجميع يجعلون ذلك في غير المعذور بالسفر، والله أعلم. - وأما ماجاء عن عمر بن عبدالعزيز فليس فيه دلالة على وجوب الجمعة على المسافر، بل فيه أن للإمام خصوصية في إقامته للجمعة وإن كان مسافراً، ويفهم منه أن غير الإمام ليس له ذلك عنده (٢)، على أن الأثر ليس بقوي (٣)، وأقوى منه ما قال أبو عبيد، مولى سليمان بن عبد الملك قال: خرج عمر بن عبد العزيز من دابق، وهو يومئذ أمير المؤمنين، فمرّ بحلب يوم الجمعة، فقال لأميرها: (اجمع، فإنا سفْرٌ) (٤)، على أنه لا تعارض بينهما. - وأما ما جاء عن الزهري (ت ١٢٥) ومن عنده يبدأ الخلاف عند أكثر العلماء الذين وقفت على كلامهم في المسألة، وهذا بيان مذهبه: - فقد أخرج عبدالرزاق عن معمر عن الزهري قال: سألته عن المسافر، يمر بقرية فينزل فيها يوم الجمعة؟ قال: (إذا سمع الأذان

стр. 756

فليشهد الجمعة) (١). - وقول الزهري: (فليشهد الجمعة) أو (ليحضر معهم)، قد نوقش بأمرين: - (أن الزهري مختلف عنه في هذا الباب) (٢). - وعلى التسليم به فكلامه محتمل، ف (يحتمل أن يكون أراد استحباباً) (٣)، أي: يشهدها ويحضرها المسافر استحباباً، حملاً للكلام المحتمل على ما وافق الإجماع. - أو يُـ (ـحمل كلام الزهري على حالين: فحيث قال: "لا جمعة على مسافر" أراد على طريق الوجوب، وحيث قال: "فعليه أن يشهد" أراد على طريق الاستحباب) (٤). - … (ولو أراد غير ذلك كان قولاً شاذاً خلاف قول أهل العلم، وخلاف ما دلت عليه السنة) (٥)، فهو بذلك محجوج بمن سبق من الصحابة الذين لا يعرف لهم مخالف.

стр. 757

- وأما المروي عن النخعي (ت ١٩٦)، فأول من وقفت عليه ينسبه إليه الخطابي (ت ٣٨٨) بقوله: (وقد روي عن الزهري أنه قال: إذا سمع المسافر الأذان فليحضر الجمعة، وعن إبراهيم النخعي نحو من ذلك) (١)، هو قال: (نحو من ذلك)، ثم جاء من بعده فجعل قول النخعي كقول الزهري، فقال الروياني (ت ٥٠٢): (وقال الزهري والنخعي -رحمهما الله-: إذا سمع النداء وجبت عليهم الجمعة) (٢)، وأبوبكر الشاشي (ت ٥٠٧) بقوله: (وقال الزهري والنخعي تجب الجمعة على المسافر إذا سمع النداء) (٣)، والبغوي (ت ٥١٦) بقوله: (وقال النخعي والزهري: تجب على المسافر إذا سمع النداء) (٤)، ثم تتابعت النسبة إليه (٥)، فخرجت النسبة أولاً من الشافعية، والذي يظهر أن هذه النسبة وهم، وسببه: - أن ابن المنذر قال بعد أن ذكر قول الزهري: (وكان النخعي يقول: ليس لمن ترك الجمعة والجماعة عذر، إلا خائف أو مريض) (٦) ولم يسنده، ولم يعرج عليه أيضاً، بل جعل قول الزهري يحتمل المخالفة ولم يجعل قول النخعي مخالفة، لأنه عرّج بعد ذلك على قول الزهري فقط وتوجيهه ومخالفته للإجماع. - مما يؤكد ذلك: أنه في كتاب الإشراف لم يذكر إلا مخالفة الزهري

стр. 758

ولم يذكر النخعي إطلاقاً فقال: (وقال الزهري: إذا سمع الأذان فليشهد الجمعة، وقد اختلف فيه عنه) (١). - ثم جاء من بعده من الشافعية واعتمد فيما يظهر على نقله من الأوسط في ذاك السياق وظن أنه اعتد بمخالفته، خاصة وأن ابن المنذر (عداده في الفقهاء الشّافعية) (٢)، بل (هو المرجوع إليه في نقل المذاهب باتفاق الفرق) (٣). - ثم إن أثر النخعي لم أقف عليه مسنداً، والذي وقفت عليه بنحوه هو قول شيوخه أصحاب ابن مسعود وقول شيخهم ابن مسعود، أما قول ابن مسعود ﵁: (ما رُخّص في ترك الجماعة إلا لخائف أو مريض) (٤) وهو ضعيف جداً، وأقوى منه مع ضعفه قول إبراهيم: (ما كانوا يرخصون في ترك الجماعة إلا لخائف أو مريض) (٥)، أما قول إبراهيم فلا أصل له، ولعل ذلك جعل ابن المنذر لا يعده قولاً. - يدلك على ذلك: أن عدم الوجوب هو المروي عن أصحاب ابن مسعود وإبراهيم ممن رواه عنهم: (كانوا لا يُجمّعون في سفر)، والأصل أنه لا يخالف فقههم وفقه ابن مسعود، ثم إنك لا تجد في مصنفي عبدالرزاق وابن أبي شيبة قوله بالوجوب وهي مظنة لمثل ذلك.

стр. 759

- … أما المروي عن عطاء والأوزاعي فأول من وقفت عليه ينسبه إليهما ابن رجب بقوله: (فإن كان مسافراً يباح له القصر، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية … وحكي عن الزهري والنخعي، أنه يلزمه تبعاً لأهل القرية، وروي عن عطاءٍ -أيضاً-، أنه يلزمه. وكذا قال الأوزاعي: إن أدركه الأذان قبل أن يرتحل فليجب) (١)، وقال: (وعن النخعي والأوزاعي وعن عطاء: أن عليه شهودها، سمع الأذان أو لم يسمعه، وأن الجمهور على خلاف ذلك) (٢). - أما النسبة إلى عطاء (ت ١١٤)، فلم أقف على من تابع ابن رجب عليها، بل خالفه ابن المنذر فنقل عنه العكس فقال: (قال كثير من أهل العلم: ليس على المسافر جمعة، كذلك قال ابن عمر وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس) (٣)، وكذلك ابن قدامة بقوله: (وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه كذلك. قاله مالك في أهل المدينة، والثوري في أهل العراق، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور وروي ذلك عن عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والشعبي) (٤). - ثم وقفت على أثر يرجح قول ابن رجب ويصحح النسبة إلى عطاء: فقد أخرج عبدالرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الخليفة في السفر معه مثل الحاج كم يؤذن له؟ قال: (أذان وإقامة لكل صلاة)، قلت: أفرأيت من سمع الإقامة في السفر أحق عليه أن

стр. 760

يأتي الصلاة كما حق على من سمع النداء بالحضر أن يأتي الصلاة؟ قال: (نعم، إلا أن يكون على رحله)، قلت: فلم يكن إلا النصب والفترة؟ قال: فضحك وقال: (أي لعمري إنه لحق عليه أن يحضرها) (١)، وإسناده صحيح. - وأثر عطاء ليس فيه ذكر للجمعة، لكن إجابة نداء الجمعة دليله في القرآن أصح وأظهر من إجابة سائر الصلوات، فيكون قياس قول عطاء في المسافر (٢) هو نحو قول الزهري، وأن المسافر إن سمع النداء فعليه أن يجيب، فتجب عليه بغيره، ولا تجب عليه ابتداء، ولذلك جاء عن عطاء أنه سُئل: على أهل منى جمعة؟ قال: (إنما هم سفْرٌ) (٣)، وجاء نحوه عن الزهري (٤). - فالمسافر عنده لا تجب عليه بنفسه ولا تجب عليه إن كان نازلاً إلا إن سمع النداء، أما غير المسافر فقد سأله ابن جريج: من أين تؤتى الجمعة؟ فقال: (عشرة أميال إلى بريد) (٥). - وأما النسبة إلى الأوزاعي (ت ١٥٧)، فكما سبق في عطاء، لم أقف على من تابع ابن رجب عليها، وهناك ما هو معارض له وهو أشهر، كما قال ابن المنذر: (سئل الأوزاعي، عن مسافر سمع

стр. 761

أذان الجمعة وقد أسرج دابته وحمل ثقله قال: فليمض) (١)، ونحوه في المغني لابن قدامة، وأما حمل الأثر على من خاف فوات الرفقة فلا دليل عليه (٢). - وخلاصة ماسبق: أن القول بوجوب الجمعة على المسافر بنفسه لم يقل به أحد -فيما وقفت عليه- إلا ابن حزم (٣)، والقول بوجوبها على المسافر السائر لم أقف على قائل به من السلف، والقول بوجوبها على المسافر النازل إذا سمع النداء يحتمل أنه قياس قول عطاء، وهو قول الزهري، ولايصح ذلك عن عمر ﵁، ولا عن سعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب، ولا عن الأوزاعي والنخعي. المسألة الثانية: أدلة القائلين بوجوب صلاة الجمعة على المسافر: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)

стр. 762

وجه الاستدلال: - (فوجه الله تعالى الأمر بالسعي إلى الجمعة إلى المؤمنين عموماً، ولم يستثن أحداً) (١)، و (هذا خطاب لا يجوز أن يخرج منه مسافر) (٢)؛ (فإنه من الذين آمنوا) (٣). - (والآية نزلت في المدينة، والمدينة فيها مسافرون ومقيمون، ولم يستثن الله المسافرين) (٤)، (ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون على رسول الله ﷺ ويبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي ﷺ (٥). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن هذا العموم مخصوص، (ومما يحتج به في إسقاط الجمعة عن المسافر أن النبي ﷺ قد مر به في أسفاره جُمَع لا محالة، فلم يبلغنا أنه جمع وهو مسافر … فدل ذلك من فعله على أن لا جمعة على المسافر؛ لأنه المبين عن الله معنى ما أراد بكتابه) (٦). - وهذا هو فهم الصحابة من قولهم وفعلهم، فـ (الخلفاء الراشدون ﵃ كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم) (٧)، كما صحّ عن ابن عمر أنه قال: (لا جمعة على مسافر) (٨)، فما سبق هو المخصص مع الإجماع و (ما عضده من

стр. 763

القياس) (١)، فمن أُسقط عنه شطر الصلاة وهي أركان منه، كان سقوط ما ليس منها أولى، وسبق ذلك. - وقد أخرج جميع العلماء المرأة من عموم الآية (٢)، مع أنها من الذين آمنوا؛ لوجود المخصص، فليخرج المسافر أيضاً لوجود المخصص من وجوب إجابته (٣). - أما عدم ترك الصحابة ﵃ للجمعة مع النبي ﷺ ، فحضورها معه شرف لا يُفرّط فيه، وهل قطعهم للفيافي والقفار إلا من أجل رؤيته وسماعه، وهذا لا ينافي عدم الوجوب، فهي (إنما سقطت عنهم رفقاً بهم، فأشبه ما لو تكلف المريض القيام) (٤). - فالمسافر قام به مانع الوجوب و الحتم أما أصل المشروعية فهو باق، كما قال الشاطبي: (أسباب الرخص، هي موانع من الانحتام، بمعنى أنه لا حرج على من ترك العزيمة ميلاً إلى جهة الرخصة؛ كقصر المسافر، وفطره، وتركه للجمعة) (٥). - ومن فرّق بين المسافر السائر والنازل فعليه الدليل (٦)؛ لأن الرخصة

стр. 764

متعلقة بمسمى السفر وهو موجود، ولذلك لا فرق في رخص السفر بين السائر والنازل في القصر والفطر والمسح على الخف (١). وأجيب عن المناقشة: - بالفرق بين المسافر السائر والنازل فـ (المسافر في المصر لا يصلي على الراحلة وإن كان يقصر الصلاة فكذلك الجمعة) (٢). - (ولأنه قد يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً) (٣)، (كما لو صلوا خلف من يتم فإن عليهم الإتمام تبعاً للإمام، كذلك تجب عليهم الجمعة تبعاً للمقيمين … [فـ] إذا عقدها أهل المصر صلوا معهم، وهذا أولى من إتمام الصلاة خلف الإمام المقيم) (٤). وأجيب عن الجواب: - بأن المسافر النازل لا حاجة له غالباً إلى ركوب دابته، ولذلك جاءت مشروعية الصلاة على الدابة في غير المسافر النازل (٥)، (فإنه لا يشرع إلا في حال السير) (٦). - ثم إن الصلاة على الراحلة ليس فيه إلا الفعل، والفعل لا عموم

стр. 765

له، بخلاف القصر والفطر والمسح فإنها معلقة على مسمى السفر (١)، و تخلف المسافر عن الجمعة الذي جاء فيه أقوى من الفعل المجرد فإلحاقه بالفطر والقصر والمسح أشبه. - وأما القول بأن الوجوب ثبت تبعاً، فإن قاعدة: (التابع) الأصل أنها في التخفيف وليس في التشديد، ولذلك عبر عنها بعضهم بقوله: (يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها، وقريب منها: يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصداً) (٢). - وعلى التسليم فمحل هذه القاعدة ما لم يستقل التابع بحكم آخر يمنع تبعيته، وأحكام المسافر مستقلة تناسب حاله و لا يخرج عنها إلا بدليل، فلا تتبع أحكام المقيم (٣). - أما الإتمام خلف المقيم فمأخذه عدم الاختلاف على الإمام، وهو كإتمام حج النافلة لمن شرع فيه، وقد حكي الإجماع على إتمام المسافر خلف المقيم إذا أدرك ركعة (٤)، وحكي الإجماع على عدم وجوب الجمعة على المسافر، وهذا فرق بينهما. المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فإن هذه المسألة لها أحوال:

стр. 766

- أما تجميع المسافر، أو إيجاب إقامته للجمعة بنفسه فهذا قول شاذ مخالف للإجماع، ولا يُعرف من سبق ابن حزم إلى هذا الرأي إلا ما يُذكر عن داود، وهو إلى البدعة أقرب (١)، (فإن رسول الله ﷺ كان يسافر أسفاراً كثيرة. قد اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته، وحج حجة الوداع ومعه ألوف مؤلفة، وغزا أكثر من عشرين غزاة ولم ينقل عنه أحد قط أنه صلى في السفر لا جمعة ولا عيدا، بل كان يصلي ركعتين ركعتين في جميع أسفاره ويوم الجمعة يصلي ركعتين كسائر الأيام، ولم ينقل عنه أحد قط أنه خطب يوم الجمعة وهو مسافر قبل الصلاة) (٢). - وأما وجوب إجابة المسافر السائر للجمعة فهذا أيضاً مخالف للإجماع، وهو شذوذ. - وأما وجوب إجابة المسافر النازل للجمعة مطلقاً وإن لم يسمع النداء، كما مال إليه ابن تيمية ووجهه ابن مفلح، ورجحه ابن عثيمين، فهذا أقرب إلى الشذوذ ولا أجزم به. - وأما وجوب إجابة المسافر النازل للجمعة إذا سمع النداء، فهذا قيل: بشذوذه، وبعد البحث تبين أنه ليس بشاذ، وقد قال به من السلف: الزهري، ويحتمل أنه قياس قول عطاء في إيجابه على المسافر إجابة نداء الصلاة إذا سمعه، ويحتمل أن بين الجمعة وسائر الفرائض الخمس فرقاً عنده.

стр. 767

فهو رأي دائر بين راجح ومرجوح، وإن كان الأقوى فيما يظهر -والله أعلم- عدم الوجوب، لقول ابن عمر: (لا جمعة على مسافر)، ولفعل أنس وعبدالرحمن بن سمرة ﵃ ولا يعرف لهم مخالف منهم، ولا تفرق الشريعة في رخص السفر بين نازل وسائر، ولم يفرّق العلماء في عدم وجوب الجمعة بينهما، والرخصة متعلقة بالسفر، فمن تحقق به فله الرخصة، وإن كان (يستحب له الجمعة للخروج من الخلاف؛ ولأنها أكمل) (١) لكن هذا شيء، ومانحن فيه من الإلزام بالحضور، والتأثيم بعدمه، وتعريض المتخلف بالوعيد، شيء آخر لا يصار إليه إلا ببينة واضحة، والله أعلم.

стр. 768

(ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن رسول الله ﷺ ثم يرده دون ادعاء نسخ ذلك بأثر مثله أو بإجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلاً عن أن يتخذ إماماً، ولزمه اسم الفسق). ابن عبدالبر ﵀ جامع بيان العلم (١/ ١٠٨٠)

стр. 769

المبحث الخامس عشر: سقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد إذا وافقت يوم الجمعة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 770

(أهل العلم النافع … يسيؤون الظن بأنفسهم ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها). ابن رجب ﵀ بيان فضل علم السلف في مجموع رسائله (٣/ ٣٢)

стр. 771

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: المقصود بهذا المبحث: إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة، فمن صلّى العيد مع المسلمين هل تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر معاً؟ بمعنى: هل للمكلف إذا شهد صلاة العيد ألا يصلي بعدها إلا صلاة العصر؟ هذا هو المراد بحثه. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد … ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف) (١). ٦. والمعذورون عن شهود الجمعة إن (تركوا الظهر وصلوا الجمعة أجزأتهم بالإجماع) (٢) يعني: أجزأتهم عن الظهر. ٢. أما من لم يحضر الجمعة فعليه أن يصلي الظهر عند العلماء عامة وحُكي إجماعاً، ونُسب لبعض السلف سقوط الجمعة والظهر عمن صلى العيد (٣)، ورجحه بعض المعاصرين، و قد حُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 772

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) (١)، و سيد سابق (ت ١٤٢٠) (٢). وقد سبقهما إلى هذا القول من المتأخرين: المغربي (ت ١١١٩) (٣)، والشوكاني (ت ١٢٥٠) (٤).

стр. 773

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه ونحوه من الألفاظ، ومن ذلك: - ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (وعطاء وابن الزبير موافقان للجماعة في غير يوم عيد، فكذلك يوم العيد في القياس والنظر الصحيح، هذا لو كان قولهما اختلافاً يوجب النظر، فكيف وهو قول شاذ وتأويله بعيد، والله المستعان وبه التوفيق) (١)، وقال: (وإن كان لم يصل مع صلاة العيد غيرها حتى العصر فإن الأصول كلها تشهد بفساد هذا القول؛ لأن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يسقط أحدهما بالآخر فكيف أن يسقط فرض لسنة حضرت في يومه هذا ما لا يشك في فساده ذو فهم) (٢)، وقال: (أما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة= فقول بيّن الفساد وظاهر الخطأ، متروك مهجور لا يعرج عليه)، وقال: (وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير وعطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار ولم يقل به أحد منهم … لا وجه فيه عند جماعة الفقهاء وهو عندهم خطأ إن كان على ظاهره … وعلى أي حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأ وليس على الأصل المأخوذ به) (٣). - وقال ابن رشد (ت ٥٩٥): (وأما إسقاط فرض الظهر والجمعة التي

стр. 774

هي بدله لمكان صلاة العيد فخارج عن الأصول جداً) (١). - وقال صاحب عون المعبود (٢)، عن قول الشوكاني: (هذا قول باطل، والصحيح ما قاله الأمير اليماني في سبل السلام) (٣). - وابن باز (ت ١٤١٨) بقوله: (سقوط الجمعة والظهر عمن حضر العيد فيما إذا وقع العيد يوم الجمعة، وهذا أيضاً خطأ ظاهر) (٤). - واللجنة الدائمة بقولهم: (القول بأن من حضر صلاة العيد تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر ذلك اليوم قول غير صحيح، ولذا هجره العلماء وحكموا بخطئه وغرابته؛ لمخالفته السنة وإسقاطه فريضة من فرائض الله بلا دليل) (٥).

стр. 775

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب صلاة الظهر على من لم يصلّ الجمعة وصلى العيد في ذلك اليوم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١)، وحديث عبادة بن الصامت ﵁ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» (٢)، ويشهد له حديث المعراج وفيه قال الله :
следующие страницы →