← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: المقصود بهذا المبحث: إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة، فمن صلّى العيد مع المسلمين هل تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر معاً؟ بمعنى: هل للمكلف إذا شهد صلاة العيد ألا يصلي بعدها إلا صلاة العصر؟ هذا هو المراد بحثه. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد … ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف) (١). ٦. والمعذورون عن شهود الجمعة إن (تركوا الظهر وصلوا الجمعة أجزأتهم بالإجماع) (٢) يعني: أجزأتهم عن الظهر. ٢. أما من لم يحضر الجمعة فعليه أن يصلي الظهر عند العلماء عامة وحُكي إجماعاً، ونُسب لبعض السلف سقوط الجمعة والظهر عمن صلى العيد (٣)، ورجحه بعض المعاصرين، و قد حُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 772

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) (١)، و سيد سابق (ت ١٤٢٠) (٢). وقد سبقهما إلى هذا القول من المتأخرين: المغربي (ت ١١١٩) (٣)، والشوكاني (ت ١٢٥٠) (٤).

стр. 773

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه ونحوه من الألفاظ، ومن ذلك: - ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (وعطاء وابن الزبير موافقان للجماعة في غير يوم عيد، فكذلك يوم العيد في القياس والنظر الصحيح، هذا لو كان قولهما اختلافاً يوجب النظر، فكيف وهو قول شاذ وتأويله بعيد، والله المستعان وبه التوفيق) (١)، وقال: (وإن كان لم يصل مع صلاة العيد غيرها حتى العصر فإن الأصول كلها تشهد بفساد هذا القول؛ لأن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يسقط أحدهما بالآخر فكيف أن يسقط فرض لسنة حضرت في يومه هذا ما لا يشك في فساده ذو فهم) (٢)، وقال: (أما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة= فقول بيّن الفساد وظاهر الخطأ، متروك مهجور لا يعرج عليه)، وقال: (وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير وعطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار ولم يقل به أحد منهم … لا وجه فيه عند جماعة الفقهاء وهو عندهم خطأ إن كان على ظاهره … وعلى أي حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأ وليس على الأصل المأخوذ به) (٣). - وقال ابن رشد (ت ٥٩٥): (وأما إسقاط فرض الظهر والجمعة التي

стр. 774

هي بدله لمكان صلاة العيد فخارج عن الأصول جداً) (١). - وقال صاحب عون المعبود (٢)، عن قول الشوكاني: (هذا قول باطل، والصحيح ما قاله الأمير اليماني في سبل السلام) (٣). - وابن باز (ت ١٤١٨) بقوله: (سقوط الجمعة والظهر عمن حضر العيد فيما إذا وقع العيد يوم الجمعة، وهذا أيضاً خطأ ظاهر) (٤). - واللجنة الدائمة بقولهم: (القول بأن من حضر صلاة العيد تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر ذلك اليوم قول غير صحيح، ولذا هجره العلماء وحكموا بخطئه وغرابته؛ لمخالفته السنة وإسقاطه فريضة من فرائض الله بلا دليل) (٥).

стр. 775

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب صلاة الظهر على من لم يصلّ الجمعة وصلى العيد في ذلك اليوم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١)، وحديث عبادة بن الصامت ﵁ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» (٢)، ويشهد له حديث المعراج وفيه قال الله :

стр. 776

«يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة» (١)، وحديث أنس أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ فقال ﷺ : «اللهم نعم» (٢). وجه الاستدلال: - أن الدلوك هو الزوال، ومنه يبدأ وقت الظهر التي هي فرض الوقت، وعموم الآية يتناول يوم العيد إذا وافق الجمعة (٣). - وصلاة خمسة فروض في اليوم والليلة ثابت بدليل قاطع يقيني، لا يسقط فرض منها إلا بيقين، وصلاة الجمعة هي فرض يومها، والمعذور عنها فرضه الظهر. - و (الله افترض صلاة الجمعة في يوم الجمعة على كل من في الأمصار، من البالغين الذكور الأحرار، فمن لم يكن بهذه الصفات ففرضه الظهر في وقتها فرضاً مطلقاً، لم يختص به يوم عيد من غيره) (٤). - فـ (الترخيص في الجمعة لا يسقط الظهر … وإنما جعل الله الجمعة عوضاً عن الظهر، فإذا رخص في العوض لم يرخص في المعوض عنه) (٥). - و (لأن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يَسقط أحدهما بالآخر، فكيف أن يَسقط فرض لسنة حضرت في يومه) (٦)، ف (الجمعة [أو الظهر] من فرائض الأعيان، فلا تسقط بصلاة العيد

стр. 777

التي هي نفل على قول البعض، وفرض على الكفاية على قول البعض) (١). ٢/ الدليل الثاني: الإجماع. - وقد حكاه ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (إجماع المسلمين قديماً وحديثاً: أن من لا تجب عليه الجمعة، ولا النزول إليها لبعد موضعه عن موضع إقامتها -على حسب ما ذكرنا من اختلافهم في ذلك- كله مجمع أن الظهر واجبة لازمة على من كان هذه حاله، وعطاء وابن الزبير موافقان للجماعة في غير يوم عيد فكذلك يوم العيد في القياس والنظر الصحيح) (٢). - والصنعاني (ت ١١٨٢) بقوله: (الظهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء، والجمعة متأخر فرضها، ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعاً) (٣). - وابن قاسم (١٣٩٢) بقوله عن صلاة الجمعة: (وهي فرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقية الوقت لم تصح؛ لأنهم صلوا ما لم يخاطبوا به، وتركوا ما خوطبوا به كما لو صلوا العصر مكان الظهر، وتلزمهم الجمعة، ولا يعارض فرض الظهر ليلة الإسراء تأخير فرض الجمعة بعده، فإنها إذا فاتت وجب الظهر إجماعًا، فهو بدل عنها إذا فاتت) (٤).

стр. 778

ويناقش الاستدلال بالإجماع: بعدم التسليم به، لمخالفة ابن الزبير ﵁، وعطاء. ويمكن الجواب عن المناقشة: - أن المنقول من (فعل ابن الزبير وما نقله عطاء من ذلك وأفتى به … قد اختلف عنه) (١)، وفيه اضطراب، سيأتي تحقيقه في دليل القول الآخر، وإذا ثبت أنه لم يترك الظهر ولم يفت عطاء بنحو ذلك، لم يكن لمن قال بسقوطها مع الجمعة على من صلى العيد سلف. - فمعتمد عطاء ومن بعده هو ما نُقل عن ابن الزبير. المسألة الثانية: أدلة القائلين بسقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد إذا وافقت يوم الجمعة: استدلّ أصحاب هذا القول بأثر عبدالله بن الزبير: ١/ فعن ابن جريج، قال: قال عطاء: اجتمع يوم جمعة، ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: (عيدان اجتمعا في يومٍ واحد)، فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر (٢).

стр. 779

وجه الاستدلال: بأن قوله: (لم يزد عليهما حتى صلى العصر) (ظاهره أنه لم يصل الظهر، وفيه أن الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر) (١). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن هذا الأثر (في متنه اضطراب) (٢)، وتفرد فيه مخالفة في رواية عن عطاء عن ابن الزبير، وعطاء (قد اختلف عنه) (٣)، فعنه رواية ليس فيها مخالفة، ووقع في الروايات: (اضطراب واضح بيّن، وتعارض ظاهر) (٤)، ولبيان الاختلاف، فهذا الأثر رواه عن ابن الزبير ﵁ ثلاثة: عطاء -واختلف عليه-، ووهب ابن كيسان (مولى ابن الزبير)، وأبو الزبير المكي. - أما رواية عطاء فرواها عنه ثلاثة: منصور بن زاذان (ثقة ثبت)، وعبدالملك بن جريج (ثقة فقيه)، والأعمش (ثقة حافظ)، والأخيران موصوفان بالتدليس، والرواية التي فيها إشكال واستُنكر متنها هي في رواية ابن جريج فقط، وسأبدأ بها:

стр. 780

- أما رواية ابن جريج فرواها عنه: عبدالرزاق، و أبوعاصم (الضحاك بن مخلد)، أما رواية عبدالرزاق فقد أخرجها عن ابن جريج، قال عطاء: (إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد، فليجمعهما فليصل ركعتين قط حيث يصلي صلاة الفطر، ثم هي هي حتى العصر)، ثم أخبرني عند ذلك قال: (اجتمع يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمان ابن الزبير، فقال ابن الزبير: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً بجعلهما واحداً، وصلى يوم الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر، ثم لم يزد عليها حتى صلى العصر) (١). قال: (فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك، وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه). قال: (ولقد أنكرت أنا ذلك عليه وصليت الظهر يومئذ). قال: (حتى بلغنا بعد أن العيدين كانا إذا اجتمعا كذلك صليا واحدة)، وذكر ذلك عن محمد بن علي بن حسين أخبر أنهما كانا يجمعان إذا اجتمعا. قالا: إنه وجده في كتاب لعلي، زعم) (٢). - وأما رواية أبي عاصم: فرواها عنه يحيى بن خلف (صدوق)، وعمرو بن علي (ثقة ثبت)، أما رواية يحيى فلفظها: (اجتمع يوم جمعة، ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر) (٣)، وهي نحو رواية عبدالرزاق.

стр. 781

- وقد حصل في هاتين الروايتين زيادة ليست في سائر الروايات وهي: نفي الزيادة عن ركعتي العيد حتى صلى العصر، وهي محل النكارة، وقوله: (لم يزد عليهما … ) من قول عطاء، وانفردت رواية عبدالرزاق عن سائر الروايات بتفقهات لعطاء، وبذكر إنكار الفقهاء على ابن الزبير، وإنكار عطاء عليه أولاً، وبذكر مثل فعل ابن الزبير لمحمد بن علي بن حسين ولعلي. - ورواه أيضاً عن أبي عاصم: عمرو بن علي (ثقة حافظ) ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: (اجتمع يوم فطر ويوم جمعة زمن ابن الزبير فصلى ركعتين، فذكر ذلك لابن عباس فقال: أصاب) (١)، وليس فيها نفي للزيادة عن الركعتين، وليس فيها إلا قول ابن عباس: (أصاب) دون السنة، وهذه الرواية أصح من رواية يحيى بن خلف. - والروايات السابقة كلها عن ابن جريج عن عطاء، وكل رواية فيها زيادة واختلاف، والرواية الأولى والثانية، فيهما نفي الزيادة عن ركعتي العيد، والرواية الثالثة عن ابن جريج وافقت سائر الروايات عن عطاء بعدم ذكر نفي صلاة الظهر. - ورواه عن عطاء أيضاً -كماسبق-: الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: (صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد، في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: «أصاب السنة» (٢)، وهذه الرواية مقاربة للرواية الأخيرة، وفيها زيادة: أنهم

стр. 782

لم يتركوا الظهر لقول عطاء: (فصلينا وحداناً)، (أي منفردين) (١)، وفيها إقرار ابن عباس له، وأنه أصاب السنة فرفعه. - ورواه عن عطاء أيضاً: منصور بن زاذان عن عطاء، قال: (اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير، فصلى بهم العيد، ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعاً) (٢)، وهذه الرواية فيها شبه بالرواية التي قبلها، وفيها زيادة: تصريح أن ابن الزبير خرج وصلى بهم الظهر، واتفقت الروايات الثلاث الأخيرة بأنها: ليس فيها نفي للزيادة عن ركعتي العيد. - والاضطراب عن عطاء والتعارض (حيث جزم بأن ابن الزبير لم يصلّ شيئا فيما بين صلاة العيد وصلاة العصر، وأنه لم يخرج للناس لما اجتمعوا له لصلاة الجمعة، ثم هو ينقل عنه أنه خرج فصلى بالناس الظهر أربعاً) (٣). - (والأشبه عندي -والله أعلم بالصواب- أن تكون رواية الأقدم سماعاً من عطاء هي الأقرب للصواب (٤)، ثم إن عطاء نسي بعد ذلك فحدث به على التوهم، كما أنه فهم منه خلاف ما عليه الناس

стр. 783

في هذه المسألة، وعطاء قد حكي عنه أنه تغير في آخر عمره، ومنصور بن زاذان أقدم وفاة من الأعمش وابن جريج بقرابة عشرين سنة) (١). - و (رواية منصور تزيل الإشكال وترفع اللبس، فإن رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي، والنفي قد يكون سببه الوهم والنسيان من قِبَل عطاء نفسه، بخلاف الإثبات، لاسيما مع تقدم سن منصور راويه عن عطاء) (٢). - وعدم النفي هي رواية الأكثر عن عطاء، ولها متابعة عالية، وهي رواية وهب بن كيسان قال: (اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فأخّر الخروج، ثم خرج فخطب، فأطال الخطبة، ثم صلى ولم يخرج إلى الجمعة، فعاب ذلك أناس عليه، فبلغ ذلك عند ابن عباس فقال: «أصاب السنة» فبلغ ابن الزبير، فقال: شهدت العيد مع عمر، فصنع كما صنعت) (٣)، وفي هذه الرواية زيادة منكرة وهي تقديم الخطبة على

стр. 784

الصلاة ولذلك قال ابن خزيمة: (قول ابن عباس: أصاب ابن الزبير السنة، يحتمل أن يكون أراد سنة النبي ﷺ ، وجائز أن يكون أراد سنة أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، ولا أخال أنه أراد به أصاب السنة في تقديمه الخطبة قبل صلاة العيد؛ لأن هذا الفعل خلاف سنة النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر) (١). - قلت: ولعل هذا الحرف من أوهام عبدالحميد بن جعفر فقد لخّص الحافظ حاله بقوله: (صدوق رمي بالقدر، وربما وهم) (٢). - وأصح منه عن وهب بن كيسان ما رواه عنه هشام بن عروة عن وهب قال: (اجتمع عيدان في يوم، فخرج عبد الله بن الزبير فصلى العيد بعدما ارتفع النهار، ثم دخل فلم يخرج حتى صلى العصر) قال هشام: فذكرت ذلك لنافع، أو ذكر له فقال: ذكر ذلك لابن عمر، فلم ينكره (٣)، وليس في هذه الرواية ذكر لتقديم الخطبة، وهذه الرواية هي الأصح من هذا الوجه (٤)، كما أن رواية هشيم عن منصور عن عطاء هي الأصح من طريق عطاء، ورجال الطريقين رجال الصحيحين، وليس فيهما نفي لصلاة الظهر، بل في رواية هشيم إثبات لصلاة الظهر، فرواية هشام هي المقدمة من طريق وهب، ورواية هشيم هي المقدمة من طريق عطاء.

стр. 785

- وجاء الأثر مختصراً من طريق ثالث عن ابن الزبير: وهو طريق أبي الزبير المكي، فقد قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، في جمع ابن الزبير بينهما يوم جمع بينهما قال: سمعنا ذلك أن ابن عباس قال: (أصاب عيدان اجتمعا في يوم واحد) (١). - وبعد هذه الروايات وبيان الاختلاف فيها، فإنه لم يرد النفي إلا في طريق ابن جريج عن عطاء واختلف عنه، ولا يصح إسقاط فريضة ثابتة برواية مضطربة فيها تفرد و نكارة، وأكثر الرويات وأصحها ليس فيها نفي لصلاة الظهر وغاية ما فيها الترخيص في الجمعة بعد العيد. - ويشهد لهذا المعنى ماروي عن النبي ﷺ من حديث زيد بن أرقم وحديث أبي هريرة ﵃ في اجتماع الجمعة مع العيد وما فيها من الترخيص بالجمعة، دون نفي صلاة الظهر، قال علي بن المديني: (في هذا الباب غير ما حديث عن النبي ﷺ بإسناد جيد) (٢). - وعلى فرض التسليم، بأن ابن الزبير ﵁ اكتفى بصلاته للعيد عن الجمعة والظهر، فإن هذا تأويله كما قال الخطابي: (أما صنيع ابن الزبير فإنه لا يجوز عندي أن يحمل إلاّ على مذهب من يرى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال) (٣)، وقال ابن عبدالبر: (وقد روى فيه قوم، أن صلاته التي صلاها لجماعة ضحى يوم العيد، نوى بها

стр. 786

صلاة الجمعة، على مذهب من رأى أن وقت صلاة العيد ووقت الجمعة واحد) (١)، كما قال ابن عبدالهادي: (هذا الَّذي فعله ابن الزُّبير يدلُّ على جواز فعل الجمعة في وقت العيد، وأنَّها تجزئ عن العيد والظُّهر) (٢). - وتجويز الجمعة قبل الزوال من مفردات الحنابلة (٣)، وعندهم إجزاء الجمعة عن العيد والظهر لا عكس ذلك، قال ابن قدامة: (وإن قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد، فقد روي عن أحمد، قال: تجزئ الأولى منهما، فعلى هذا تجزئه عن العيد والظهر، ولا يلزمه شيء إلى العصر … فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط العيد، والظهر، ولأن الجمعة إذا سقطت مع تأكدها، فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدم العيد فإنه يحتاج إلى أن يصلي الظهر في وقتها إذا لم يصل الجمعة) (٤). - وسقوط الجمعة بالعيد من مفردات الحنابلة أيضاً، لكنهم لا يسقطون الظهر بذلك كما في التنبيه الذي في آخر كلام ابن قدامة السابق، وغيره من كتب الحنابلة (٥).

стр. 787

- ولما قال المجد ابن تيمية الحنبلي: (إنما وجه هذا أنه رأى تقدمة الجمعة قبل الزوال، فقدمها واجتزأ بها عن العيد) (١)، تعقبه الشوكاني بقوله: (لا يخفى ما في هذا الوجه من التعسف) (٢)، قلت: لا تعسف فيها، وبخاصة مع الرواية التي فيها تقديم الخطبة على الصلاة وهذه صفة صلاة الجمعة، وقد سبق الكلام عليها. - وتأويل الخطابي اعتُرض عليه أيضاً، فقال العيني: (قول الصحابة: (ثم رحنا إلى الجُمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً) يُنافي تأويل الخطابي من قوله: (يُشبه أن يكون … ) إلى آخره؛ لأنهم لو لم يتحققوا أن الّتي صلاها عيد لما راحُوا إلى الجمعة بَعْدها، ولم يُصلوا الظهر بعدها وُحْداناً، وأيضاً: حديث زيد بن أرقم يؤيدُ ما قلناه؛ لأن قضية ابن الزبير مثل قضية النبي ﵇ بعينها وذكر زيد فيها: «صلى العيد ثم رخص في الجُمعة». وأيضا قول ابن عباس: «أصاب السُّنَّة» أراد بها هذه) (٣). - ومثل هذا الاعتراض يرجع إلى اضطراب الرواية عن ابن الزبير، وكل تأويل يمكن أن يورد عليه اعتراض من رواية غيرها، وما تقدم من الترجيح بين الروايات أسلم. - وأختم بما قاله الصنعاني: (ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة، وليس ذلك بنصٍّ قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله، فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيداً، على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية

стр. 788

غير صحيح، لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله، بل في قول عطاء: إنهم صلوا وحداناً، أي: الظهر، ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه) (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فالذي يظهر أن نسبة القول بسقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد -إذا وافقت يوم الجمعة- إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته للإجماع، ومخالفته للنصوص القطعية الموجبة لصلاة الظهر أو الجمعة، ولم يعارضها إلا رواية في أثر لابن الزبير ﵁ أكثر الروايات عنه وأصحها لم ترد فيها، مع اضطراب في متنه، ومخالفته للأصول، واحتماله للوجوه، والتعلق بمثل هذا الدليل في الأحكام فيه ما فيه، (فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع، بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث، ولم يخرج البخاري ولا مسلم بن الحجاج منها حديثاً واحداً، وحسبك بذلك ضعفاً لها) (٢). فلا يعارض ما هو قطعي الثبوت والدلالة، بما هو مضطرب وغير صريح، (وعلى كل تقدير فالأدلة الشرعية العامة، والأصول المتبعة، والإجماع القائم على وجوب صلاة الظهر على من لم يصل الجمعة من المكلفين) (٣)، والله أعلم.

стр. 789

المبحث السادس عشر: مشروعية الاقتصار على خطبة واحدة في العيد وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 790

(لو التزمنا ألا نحكم بحكمٍ إلا حتى نجد فيه نصّاً لتعطلت الشريعة، فإن النصوص فيها قليلة، فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك؟! وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة). القرطبي ﵀ الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٨٩)

стр. 791

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: من أنواع الخطبة: خطبة الجمعة، والعيد، والاستسقاء، وقد يكون قبل الخطبة صلاة كالعيد، وقد يكون بعدها صلاة كالجمعة، وقد لا يكون معها صلاة كخطبة عقد النكاح. وقال الإمام مالك: (الخطب كلها، خطبة الإمام في الاستسقاء والعيدين ويوم عرفة والجمعة، يجلس فيما بينها يفصل فيما بين الخطبتين بالجلوس، وقبل أن يبتدئ الخطبة الأولى يجلس ثم يقوم يخطب، ثم يجلس أيضاً ثم يقوم يخطب) (١)، وقال الشافعي عن قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس، قال الإمام الشافعي: (وكذلك خطبة الاستسقاء وخطبة الكسوف، وخطبة الحج، وكل خطبة جماعة) (٢)، وكل الخطب المذكورة ليست هي محل البحث، وإنما مدار البحث والتحرير هو عدد خطبة العيد. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (قال غير واحد: اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا نعلم قائلاً بوجوبها) (٣)، وخطبة الجمعة التي

стр. 792

هي واجبة، ذهب الجمهور إلى أن الواجب فيها خطبة واحدة، والثانية مسنونة (١). ٢. والعلماء المتقدمون على أن المستحب في خطبة العيد هو خطبتان كالجمعة، بلا خلاف في ذلك كما قيل، وذهب بعض المعاصرين إلى أن السنة أن تكون خطبة العيد خطبة واحدة، و قد حُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 793

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) (١)، وابن عثيمين (١٤٢١) (٢)،

стр. 794

ومقبل الوادعي (ت ١٤٢٢) (١). ويحتمل أن يكون قد سبقهم من المتأخرين الصنعاني (ت ١١١٥) (٢)، -رحم الله الجميع-.

стр. 795

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذه ونحوه: - د. صبري عبدالمجيد (١) بقوله: (هذه المسألة التي شذّ فيها المعاصرون، فخالفوا الاتفاق فيها، وعلى القائمة الأئمة الأربعة، والعجيب الذي ينبغي للمعاصرين الانتباه إليه: هو أن المذاهب الأربعة لم يشذ فيها قول واحد فصرح بالخطبة الواحدة للعيد) (٢). - أ. د. أحمد الخليل بقوله: (يعتبر هذا القول ضعيف جداً … أو ساقط … كون واحد متأخر مثل الصنعاني ذهب إلى هذا المذهب، وأئمة المسلمين في القرون المتعاقبة لم يذهبوا إليه دليل على سقوطه) (٣). - د. صالح بن عبدالله العصيمي بقوله: (خطبتا العيد، لايثبت فيهما

стр. 796

حديث، لكن لايعرف أحد من أهل الإسلام قال ولا فعل خطبة واحدة إلا في القرن الخامس عشر، هذا يدل على أنّ فعله بدعة، لا أن فعل الناس بدعة … لم يعرف في الدين إلا أن العيد له خطبتان، وكل فقيه من كل مذهب في كل بلد يذكر هذا) (١).

стр. 797

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بأن المشروع في العيد خطبتان: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ بأثر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس» (١)، وبما جاء عن جابر ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى، فخطب قائماً ثم قعد قعدة ثم قام» (٢)، وبحديث ابن عمر ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يخطب الخطبتين وهو قائم، وكان يفصل بينهما بجلوس» (٣).

стр. 798

ونوقش هذا الاستدلال: - بأن أثر عبيد الله (ضعيف غير متصل، ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء، والمعتمد فيه القياس على الجمعة) كما قال النووي (١). - وأما حديث ابن عمرفـ (هذا الحديث في خطبتي الجمعة بدليل رواية خالد بن الحارث حدثنا عبيد الله به ولفظه: «كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً … » الحديث أخرجه مسلم، فقوله في الكتاب: «الخطبتين» اللام فيه للعهد وليست للاستغراق) (٢)، (وقد أشار إليها البخاري في "صحيحه" بالترجمة للحديث بقوله: "باب: القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة"، مع أن الحديث عنده ليس فيه القيد المذكور) (٣). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - بأن الخطبتين للعيد هو ماجرى به عمل المسلمين، في الأعصار والأمصار المختلفة دون نكير، ويقرره الفقهاء من مختلف المدارس، وهو أقوى من النقل الآحاد للسنة. - أما القول بأن: (المعتمد فيه القياس) فغير مسلّم به، فأكثر العلماء لايستدلون في هذه المسألة بالقياس، بل فيهم من لايرى القياس

стр. 799

مطلقاً كابن حزم (١)، وفيهم من يضيق القياس في العبادات، فليس القياس هو المعتمد هنا، بل العمل المتواتر (إذ الاقتداء بالأفعال أبلغ من الاقتداء بالأقوال) (٢). - (فهذا من العمل المتوارَث بين المسلمين، ينقله العلماء الأوائل مقرين له، ويذكرونه في التراجم وفي كتب الفقه على اختلاف العصور، والبلدان، والمذاهب) (٣). - وهو كما قال الشافعي: (من الأمور العامة التي يُستغنى فيها عن الحديث) (٤)، وكما قال ابن تيمية: (بعض ما يشتهر عند أهل المغازي ويستفيض أقوى مما يروى بالإسناد الواحد) (٥)، فكيف بما استفاض عند العلماء قاطبة، وفيهم المحدثون والفقهاء، وهم أكثر تحريّاً ودقة من أهل المغازي. - وهذه الاستفاضة والتوارث في هذا الحكم، استدل بها بعضهم كما قال المرغيناني (ت ٥٩٣): ("ثم يخطب بعد الصلاة خطبتين " بذلك

стр. 800

ورد النقل المستفيض) (١)، قال ابن الهمام معلّقاً: (لا شك في ورود النقل مستفيضاً بالخطبة، أما بالتنصيص على الكيفية المستمرة فلا) (٢)، وقال الزيلعي (ت ٧٤٣): (ولو خطب خطبة واحدة، أو لم يجلس بينهما، أو بغير طهارة أو غير قائم، جازت لحصول المقصود وهو الذكر والوعظ، إلا أنه يكره لمخالفة التوارث) (٣). - وفي مسألة أخرى قال الشوكاني عن مشروعية استقبال الخطيب في خطبة الجمعة: (وأحاديث الباب وإن كانت غير بالغة إلى درجة الاعتبار فقد شد عضدها عمل السلف والخلف على ذلك)، وقبله ابن رجب بعدما ذكر اتفاق العلماء على استحباب التكبير المقيد أيام التشريق قال: (هذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليهِ لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النبي ﷺ ، بل يُكتفى بالعمل به) (٤)، وهذا مثل مسألتنا فالاتفاق والاستفاضة العملية على استحباب الخطبتين كاف، كما في الدليل الآتي. ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع: كما فُهم من كلام ابن حزم وابن قدامة، ونقله بعض المعاصرين (٥): ١. قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (فإذا سلم الإمام قام فخطب الناس خطبتين يجلس بينهما جلسة، فإذا أتمهما افترق الناس، فإن خطب قبل

стр. 801

الصلاة فليست خطبة، ولا يجب الإنصات له، كل هذا لا خلاف فيه إلا في مواضع نذكرها إن شاء الله تعالى) (١)، ولم يذكر خلافاً في هذه الجملة، إلا فيما أحدثه بنو أمية من تقديم الخطبة على الصلاة. ٢. وقال ابن قدامة (ت ٦٢٠): (خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين، إلا عن بني أمية) (٢)، يعني: أنهم خالفوا في تقديم الخطبتين، ونفي الخلاف عن أن المشروع في العيد خطبتين محتمل، ويؤيده أنه لم يذكر خلافاً فيها (٣). ٣. وقال ابن باز (ت ١٤٢٠): (العلماء ألحقوا العيد بالجمعة في الخطبتين، فلا ينبغي العدول عن هذا) (٤)، وقال: (وعلى هذا العلماء والأخيار، ومن خطب خطبة واحدة للعيد، فيذكر باتباع العلماء والأخيار، وأنهم لم يخطبوا خطبة واحدة وإنما خطبوا خطبتين) (٥). ٤. وقال ابن عثيمين (ت ١٤٢١): (وقوله: «خطبتين» هذا ما مشى عليه الفقهاء ﵏ أن خطبة العيد اثنتان) (٦). ٥. وقال أ. د. خالد المصلح: (قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد

стр. 802

من أهل العلم منهم ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٩٣). ولم أقف مع طول البحث على من قال بأن خطبة العيد خطبة واحدة لا من أهل العلم المتقدمين ولا فقهاء المذاهب ولا غيرهم من أهل العلم إلا ما قد يفهم من كلام الصنعاني (١). ٦. وقال حمد الحمد (٢): (المستحب أن يخطب للعيد بخطبتين لا بخطبة واحدة هذا باتفاق الفقهاء) (٣)، وقال: (عمل أهل العلم على ذلك، ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة فتكون المسألة إجماعاً) (٤). ٧. وقال أ. د. أحمد الخليل: (المشروع في خطبة العيد أن يخطب خطبتين، وقد اتفق على هذا الفقهاء … في الحقيقة الصنعاني والقول الذي مال إليه شيخنا، فيه مخالفة للإجماع، مهما بحثت لا تجد أن أحداً يقول بسنية أن تكون خطبة واحدة، وهو أمر معهود ومعروف من القديم) (٥).

стр. 803

٨. وقال مصطفى السليماني: (والعلماء على أن للعيد خطبتين) (١)، وقال: (السلف من فقهاء الأمة على أنها خطبتان … فإذا كان هذا قول المذاهب الأربعة، وأئمتها والمشاهير من علمائها، وانضم إلى ذلك فقهاء الأمصار، فيعتمد على هذا الاتفاق الذي نقله ابن حزم ﵀، مع أنه ممن يرد كثيراً من دعاوى الإجماع) (٢). ٩. وقال د. صبري عبدالمجيد: (بقي لنا النظر إلى عمل السالفين من أئمة الدين، فوجدناهم قد اتفقوا على أنهما خطبتان، ولم أرَ واحداً منهم نص على أنها خطبة واحدة ولو من طريق ضعيف) (٣). ١٠. وقال د. صالح بن عبدالله العصيمي: (لايُعرف أحد من أهل الإسلام قال ولا فعل خطبة واحدة إلا في القرن الخامس عشر … لم يعرف في الدين إلا أن العيد له خطبتان، وكل فقيه من كل مذهب في كل بلد يذكر هذا) (٤). ونوقش الاستدلال بالإجماع (٥): - بأن الخطبة الواحدة للعيد هو مذهب عطاء، ونقله عن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، كما أخرج عبدالرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: متى كان من مضى يخرج أحدهم من بيته يوم الفطر للصلاة؟ فقال: (كانوا يخرجون حتى يمتد الضحى فيصلون، ثم

стр. 804

يخطبون قليلاً سويعة-يقلل خطبتهم- قال: لا يحبسون الناس شيئاً، قال: ثم ينزلون فيخرج الناس، قال: ما جلس النبي ﷺ على منبر حتى مات، ما كان يخطب إلا قائماً، فكيف يخشى أن يحبسوا الناس؟ وإنما كانوا يخطبون قياماً لا يجلسون إنما كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يرتقي أحدهم على المنبر فيقوم كما هو قائماً لا يجلس على المنبر حتى يرتقي عليه، ولا يجلس عليه بعدما ينزل، وإنما خطبته جميعاً وهو قائم، إنما كانوا يتشهدون مرة واحدة الأولى، قال: لم يكن منبر إلا منبر النبي ﷺ ، حتى جاء معاوية حين حج بالمنبر فتركه، قال: فلا يزالون يخطبون على المنابر بعد) (١). - وذكر بعضهم أن الإجماع منقوض بما ذكره المرداوي: (خطبة العيدين في أحكامها كخطبة الجمعة في أحكامها غير التكبير مع الخطيب … واستثنى جماعة من الأصحاب أنها تفارق الجمعة في الطهارة، واتحاد الإمام والقيام، والجلسة بين الخطبتين، والعدد، لكونها سنة لا شرط للصلاة في أصح الوجهين) (٢).

стр. 805

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما أثر عطاء فإنه مرسل، وعطاء ولد في خلافة عثمان فلم يدرك أبابكر ولا عمر، ولا روى عن عثمان ﵃، ومراسيله قال عنها الإمام أحمد: (ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد) (١). - وعلى فرض ثبوته، ففيه إثبات للخطبتين حين قال: (إنما كانوا يتشهدون مرة واحدة الأولى)، فقوله: (الأولى) يعني: في الخطبة الأولى، ويقابله الخطبة الثانية. - والأثر سياقه في إنكار الجلوس أثناء الخطبة، كما قال جابر بن سمرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ ، كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» (٢)، وكما جاء عن كعب بن عجرة ﵁ أنه: (دخل المسجد وعبد الرحمن ابن أم الحكم يخطب قاعداً، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) (٣). - برهان ذلك: أن عطاء ذكر فعل معاوية في مقابل فعل النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، ومعاوية أول من أحدث الجلوس أثناء الخطبة كما قال الشعبي: (أول من أحدث القعود على المنبر معاوية) (٤)، وقال الشعبي: (إنما خطب معاوية قاعداً، حيث كثر شحم

стр. 806

بطنه ولحم) (١)، قال ابن رجب: (كان في زمن بني أمية من يخطب جالساً، وقد قيل: أن أول من جلس معاوية، قاله الشعبي والحسن وطاوس، وقال طاوس: الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة) (٢). - و مما يشبه مرسل عطاء =المراسيل الثلاثة الآتية، فلتفهم على سياقها: أ/ فعن قتادة: (أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً، ثم فعل ذلك عثمان حتى شق عليه القيام فكان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم أيضا فيخطب، فلما كان معاوية خطب الأولى جالساً، ثم يقوم فيخطب الآخرة قائماً) (٣). ب/ وعن سليمان بن موسى: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً لا يقعدون، إلا في الفصل بين الخطبتين، وأول من جلس معاوية، فلما كان عبد الملك خطب قائماً، وضرب برجله على المنبر وقال: هذه السنة، فلما طال عليه الأمر جلس بعد) (٤)، أخرجهما عبدالرزاق وترجم لهما: (باب الخطبة قائماً). ج/ وعن طاووس قال: (خطب رسول الله ﷺ قائماً، وأبو بكر قائماً، وعمر قائماً، وعثمان قائماً، وأول من جلس على

стр. 807

المنبر معاوية بن أبي سفيان) (١)، أخرجه ابن أبي شيبة وترجم له: (من يخطب قائماً). - وأما الاعتراض على الإجماع بماذكره المرداوي فهذا وهم وخطأ، فليس في كلام المرداوي ما يستحب به الخطبة الواحدة، بل غاية ما فيه نفي اشتراط الجلسة بين الخطبتين، وأن الجلسة بين الخطبتين سنة في العيد وواجبة في الجمعة، وهذا أحد الفروق بين الجمعة والعيد، وقد سبق أن خطبة العيد أصلاً ليست واجبة. - وهنا تنبيه مهم وهو أنه لاتلازم بين عدم الجلوس بين الخطبتين، وبين الفصل بين الخطبتين، قال ابن قدامة وهو يتحدث عن خطبة الجمعة: (فإن خطب جالساً لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة، وكذلك إن خطب قائماً فلم يجلس. قال ابن عبد البر: ذهب مالك، والعراقيون، وسائر فقهاء الأمصار إلا الشافعي، أن الجلوس بين الخطبتين لا شيء على من تركه) (٢)، وبه يرد على من توهم أن ما جاء في بعض الآثار من الخطبة على الدابة أنه يلزم منه أن تكون خطبهم واحدة لا فصل فيها، والله أعلم. المسألة الثانية: أدلة القائلين بمشروعية الاقتصار على خطبة واحدة في العيد: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منه: ١/ حديث ابن عباس ﵄ قال: «شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل

стр. 808

الخطبة» (١)، وحديث ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة» (٢)، و حديث جابر بن عبدالله ﵄ قال: «إن النبي ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة» (٣). وجه الاستدلال: أن (من نظر في السنّة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أن النبي ﷺ لم يخطب إلا خطبة واحدة) (٤)، فهي خطبة واحدة لظاهر قوله: (الخطبة) فإنها تصدق على الواحدة، و (لعدم ورود الدليل) (٥) على الخطبتين. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور (٦): - بأن الأدلة سياقها في بيان تقدّم الصلاة على الخطبة وليس في عدد الخطبة، ولذلك قال النووي عن حديث ابن عباس: (فيه دليل

стр. 809

لمذهب العلماء كافة أن خطبة العيد بعد الصلاة) (١)، ولم يتطرق لعدد الخطبة، وقال: (خطبة العيد) ولم يقل: (خطبتي العيد)، والدليل إذا سيق لمعنى فلا يستدل به في غيره (٢)؛ وهذا عند الترجيح بتعارض الدليل مع ماهو أقوى منه كالدليل الخاص أو عمل المسلمين ونحوهما (٣). - وقوله: (الخطبة) ليست صريحة في كونها واحدة، كما قال ﷺ «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً» (٤)، فقوله: (الخطبة) يعم الخطبتين، ولو قال رجل بعد صلاة الجمعة: استمعت إلى الخطبة، وهو يقصد الخطبتين كان كلامه صحيحاً، فيكون المراد بالخطبة هنا الجنس، أي: جنس الخطبة. - ثم إن الصحابة ذكروا في هذه الأحاديث ونحوها ما شاهدوا فيه مخالفة لخطبة الجمعة، أو تنبيه على ماخالف الناس فيه السنة، فتجدهم نقلوا في العيد: - أن الصلاة قبل الخطبة. - و أنها لا يؤذن لها ولا يقام. - وأنه لاصلاة قبلها ولا بعدها. - والتكبيرات الزوائد في ركعتي العيد.

стр. 810

- وأمره للنساء بالخروج وتخصيصهن بالوعظ. - وهكذا يلاحظ نقل ماهو جديد عن صلاة الجمعة، وماعدا ذلك فهو على ما في الجمعة (١)، ومنها الخطبة (لجريان العمل عليها بينهم، كما هو بين أئمة الرواية والدراية عن سلفهم عن سلفهم، وأكبر برهان على ذلك أنه لم ينقل قول واحد أنها خطبة واحدة، في مقابل اتفاقهم أنها خطبتان) (٢). - ومما يدل على نحو هذا الصنيع أن ابن المنذر ذكر بعض الأحكام في كتاب العيدين ثم أحال على ما لم يذكره إلى ما ذكره في الجمعة، ومنها الخطبة، فقال: (وقد ذكرنا في كتاب الجمعة أبواباً من كتاب الخطبة تركت إعادتها في هذا الموضع) (٣). - وهناك ما هو أظهر من استدلالهم مما يدل على الخطبتين، وهو ماجاء عن ابن جريج عن عطاء عن جابر ﵁ قال: «إن النبي ﷺ قام فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناس بعد، فلما فرغ نبي الله ﷺ نزل فأتى النساء، فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة» قلت لعطاء: أترى حقا على الإمام الآن: أن يأتي النساء فيذكرهن حين يفرغ؟ قال: إن ذلك لحق عليهم وما لهم أن لا يفعلوا) (٤)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: «شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يُجلّس الرجال بيده، ثم أقبل يشُقّهم، حتى أتى النساء مع بلال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ
следующие страницы →