← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بطنه ولحم) (١)، قال ابن رجب: (كان في زمن بني أمية من يخطب جالساً، وقد قيل: أن أول من جلس معاوية، قاله الشعبي والحسن وطاوس، وقال طاوس: الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة) (٢). - و مما يشبه مرسل عطاء =المراسيل الثلاثة الآتية، فلتفهم على سياقها: أ/ فعن قتادة: (أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً، ثم فعل ذلك عثمان حتى شق عليه القيام فكان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم أيضا فيخطب، فلما كان معاوية خطب الأولى جالساً، ثم يقوم فيخطب الآخرة قائماً) (٣). ب/ وعن سليمان بن موسى: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً لا يقعدون، إلا في الفصل بين الخطبتين، وأول من جلس معاوية، فلما كان عبد الملك خطب قائماً، وضرب برجله على المنبر وقال: هذه السنة، فلما طال عليه الأمر جلس بعد) (٤)، أخرجهما عبدالرزاق وترجم لهما: (باب الخطبة قائماً). ج/ وعن طاووس قال: (خطب رسول الله ﷺ قائماً، وأبو بكر قائماً، وعمر قائماً، وعثمان قائماً، وأول من جلس على

стр. 807

المنبر معاوية بن أبي سفيان) (١)، أخرجه ابن أبي شيبة وترجم له: (من يخطب قائماً). - وأما الاعتراض على الإجماع بماذكره المرداوي فهذا وهم وخطأ، فليس في كلام المرداوي ما يستحب به الخطبة الواحدة، بل غاية ما فيه نفي اشتراط الجلسة بين الخطبتين، وأن الجلسة بين الخطبتين سنة في العيد وواجبة في الجمعة، وهذا أحد الفروق بين الجمعة والعيد، وقد سبق أن خطبة العيد أصلاً ليست واجبة. - وهنا تنبيه مهم وهو أنه لاتلازم بين عدم الجلوس بين الخطبتين، وبين الفصل بين الخطبتين، قال ابن قدامة وهو يتحدث عن خطبة الجمعة: (فإن خطب جالساً لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة، وكذلك إن خطب قائماً فلم يجلس. قال ابن عبد البر: ذهب مالك، والعراقيون، وسائر فقهاء الأمصار إلا الشافعي، أن الجلوس بين الخطبتين لا شيء على من تركه) (٢)، وبه يرد على من توهم أن ما جاء في بعض الآثار من الخطبة على الدابة أنه يلزم منه أن تكون خطبهم واحدة لا فصل فيها، والله أعلم. المسألة الثانية: أدلة القائلين بمشروعية الاقتصار على خطبة واحدة في العيد: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منه: ١/ حديث ابن عباس ﵄ قال: «شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل

стр. 808

الخطبة» (١)، وحديث ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة» (٢)، و حديث جابر بن عبدالله ﵄ قال: «إن النبي ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة» (٣). وجه الاستدلال: أن (من نظر في السنّة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبين له أن النبي ﷺ لم يخطب إلا خطبة واحدة) (٤)، فهي خطبة واحدة لظاهر قوله: (الخطبة) فإنها تصدق على الواحدة، و (لعدم ورود الدليل) (٥) على الخطبتين. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور (٦): - بأن الأدلة سياقها في بيان تقدّم الصلاة على الخطبة وليس في عدد الخطبة، ولذلك قال النووي عن حديث ابن عباس: (فيه دليل

стр. 809

لمذهب العلماء كافة أن خطبة العيد بعد الصلاة) (١)، ولم يتطرق لعدد الخطبة، وقال: (خطبة العيد) ولم يقل: (خطبتي العيد)، والدليل إذا سيق لمعنى فلا يستدل به في غيره (٢)؛ وهذا عند الترجيح بتعارض الدليل مع ماهو أقوى منه كالدليل الخاص أو عمل المسلمين ونحوهما (٣). - وقوله: (الخطبة) ليست صريحة في كونها واحدة، كما قال ﷺ «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً» (٤)، فقوله: (الخطبة) يعم الخطبتين، ولو قال رجل بعد صلاة الجمعة: استمعت إلى الخطبة، وهو يقصد الخطبتين كان كلامه صحيحاً، فيكون المراد بالخطبة هنا الجنس، أي: جنس الخطبة. - ثم إن الصحابة ذكروا في هذه الأحاديث ونحوها ما شاهدوا فيه مخالفة لخطبة الجمعة، أو تنبيه على ماخالف الناس فيه السنة، فتجدهم نقلوا في العيد: - أن الصلاة قبل الخطبة. - و أنها لا يؤذن لها ولا يقام. - وأنه لاصلاة قبلها ولا بعدها. - والتكبيرات الزوائد في ركعتي العيد.

стр. 810

- وأمره للنساء بالخروج وتخصيصهن بالوعظ. - وهكذا يلاحظ نقل ماهو جديد عن صلاة الجمعة، وماعدا ذلك فهو على ما في الجمعة (١)، ومنها الخطبة (لجريان العمل عليها بينهم، كما هو بين أئمة الرواية والدراية عن سلفهم عن سلفهم، وأكبر برهان على ذلك أنه لم ينقل قول واحد أنها خطبة واحدة، في مقابل اتفاقهم أنها خطبتان) (٢). - ومما يدل على نحو هذا الصنيع أن ابن المنذر ذكر بعض الأحكام في كتاب العيدين ثم أحال على ما لم يذكره إلى ما ذكره في الجمعة، ومنها الخطبة، فقال: (وقد ذكرنا في كتاب الجمعة أبواباً من كتاب الخطبة تركت إعادتها في هذا الموضع) (٣). - وهناك ما هو أظهر من استدلالهم مما يدل على الخطبتين، وهو ماجاء عن ابن جريج عن عطاء عن جابر ﵁ قال: «إن النبي ﷺ قام فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناس بعد، فلما فرغ نبي الله ﷺ نزل فأتى النساء، فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة» قلت لعطاء: أترى حقا على الإمام الآن: أن يأتي النساء فيذكرهن حين يفرغ؟ قال: إن ذلك لحق عليهم وما لهم أن لا يفعلوا) (٤)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: «شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يُجلّس الرجال بيده، ثم أقبل يشُقّهم، حتى أتى النساء مع بلال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ

стр. 811

عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ حتى فرغ من الآية كلها … » الحديث (١). - والشاهد منهما موعظة النساء بعد موعظة الرجال، وظاهر هذا أنها خطبة ثانية، وقول ابن عباس: «فكأني أنظر إليه يُجلّس الرجال»، دليل على أنها (خطبة أخرى يجلس لها الرجال، أي: يستحب للرجال أن يجلسوا لها فتكون هي الخطبة الثانية) (٢). - ثم يقال وهو الأهم: مَن فهِم من السلف من هذه النصوص أن المراد منها مشروعية الخطبة الواحدة؟ وهل أخطأ السلف في فهم هذه الأحاديث؟ (وبقيت هذه السنة في غموض عن إحيائها، حتى هيأ الله لها) (٣) بعض المعاصرين ليحيوا هذه السنة؟! - ويقال كما قال الشاطبي: (هل وجد هذا المعنى الذي استنبطت في عمل الأولين أو لم يوجد؟ فإن زعم أنه لم يوجد -ولا بد من ذلك- فيقال له: أفكانوا غافلين عما تنبهت له أو جاهلين به، أم لا؟ ولا يسعه أن يقول بهذا؛ لأنه فتح لباب الفضيحة على نفسه، وخرق للإجماع، وإن قال: إنهم كانوا عارفين بمآخذ هذه الأدلة، كما كانوا عارفين بمآخذ غيرها؛ قيل له: فما الذي حال بينهم وبين العمل بمقتضاها على زعمك حتى خالفوها إلى غيرها؟ ما ذاك إلا

стр. 812

لأنهم اجتمعوا فيها على الخطأ دونك أيها المتقول، والبرهان الشرعي والعادي دال على عكس القضية، فكل ما جاء مخالفاً لما عليه السلف الصلاح؛ فهو الضلال بعينه) (١). - والفقيه ابن عثيمين مع أنه خالف في هذه المسألة ولم يذكر من سبقه، قد قال في مسألة أخرى، وهي عودة الحاج محرماً بعد تحلله إذا لم يطف للإفاضة قبل الغروب: (فحكم شرعي لم يعمل به إلا واحد من التابعين، لا يمكن أن يقال: إنه حديث صحيح؛ وذلك أن الأمة لا يمكن أن تخالف مثل هذا الحديث الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله والعمل به، لأنه من المعلوم أنه ليس كل الحجيج يطوفون طواف الإفاضة في يوم العيد) (٢)، ولعله لم يستحضر مثل هذا الكلام هنا وهو أولى (٣). - وقد صحّ عن التابعي الجليل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه قال: (يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات، ثم يخطب، وفي الثانية سبع تكبيرات) (٤)، وهو من الفقهاء السبعة

стр. 813

ومن بحور العلم، روى عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة. - وقال الإمام مالك: (من السنة أن يكبر الإمام إذا صعد المنبر في العيدين، ويكبر في الخطبة الثانية) (١). - قال الإمام الشافعي: (وبقول عبيد الله بن عبد الله نقول، فنأمر الإمام إذا قام يخطب الأولى أن يكبر تسع تكبيرات تترى لا كلام بينهن فإذا قام ليخطب الخطبة الثانية أن يكبر سبع تكبيرات تترى لا يفصل بينهن بكلام) (٢)، وهما من أتباع التابعين. - وصحّ عن إسماعيل بن أمية -فقيه مكة من أتباع التابعين ومن أصحاب نافع- أنه قال: (سمعت أنه يكبر في العيد تسعاً وسبعاً) (٣)، وترجم له عبدالرزاق: (باب التكبير في الخطبة). - وقال الإمام أحمد: (قال عبيد اللَّه: من السنة أن يكبر الإمام علَى المنبر في العيدين تسعاً قبل الخطبة، وسبعاً بعدها) (٤)، و ظاهر

стр. 814

صنيع الإمام أحمد الاحتجاج به، وقد أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة وبنحوه عند عبدالرزاق (١). - وقد قال أبوداود عن شيخه الإمام أحمد: (سمعته، سئل: إذا جاء الشيء عن رجل من التابعين، لا يوجد فيه عن النبي= يلزم الرجل أن يأخذ به؟ قال: لا، ولكن لا يكاد يجيء الشيء عن التابعين إلا ويوجد فيه عن أصحاب النبي ﷺ (٢). - وسبق ما نقله عطاء -عمن سبق- حين سئل: متى كان من مضى يخرج أحدهم من بيته يوم الفطر للصلاة؟ فكان من قوله: (إنما كانوا يتشهدون مرة واحدة الأولى) (٣)، فقوله: (الأولى) يعني: في الخطبة الأولى، ويقابله الخطبة الثانية، وانظر إلى قوة السؤال (متى كان من مضى)، وقوة مافي الجواب (إنما كانوا) ودلالتهما على الفعل العام. - فهؤلاء نجوم السنة وأعلام الأمة، في القرون الأولى، لايختلفون في الخطبتين للعيد، فمن الناس بعدهم؟!

стр. 815

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فالذي يظهر أن نسبة القول بأن المشروع في العيد الاقتصار على خطبة واحدة إلى الشذوذ صحيحة، لمخالفته للإجماع، ولما عليه عمل المسلمين في القرون المتتابعة، ولم يثبت بعد البحث مخالف يصح أن يُخرم به الإجماع، ولا يعرف عن السابقين رواية ضعيفة ولا شاذة ولا موضوعة في الاكتفاء بخطبة واحدة، وقد أطبق أهل الحديث والفقه، والأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم على القول بسنية الخطبتين، وهي من العبادات الظاهرة العامة المتكررة، فلو لم تكن الخطبتان هي السنة في العيد، لاستنكر ذلك حماة الدين الذين ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، ومن الباطل أن يكون الحق قد خفي على جميعهم ثم تظهر السنة للمتأخر بعد قرون طويلة من زمن التشريع. ولا يُعرف من قرّر القول بأن المشروع في العيد خطبة واحدة قبل المعاصرين في آخر القرن الرابع عشر الهجري، حتى الظاهرية لم يقولوا بذلك، وهو محتمل في كلام الصنعاني، و (كل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كافٍ) (١)، والله أعلم.

стр. 816

يقول سفيان الثوري: (نحن اليوم على الطريق، فإذا رأيتمونا قد أخذنا يميناً وشمالاً فلا تقتدوا بنا). أخرجه المرّوذي في أخبار الشيوخ ص (٨٢)

стр. 817

المبحث السابع عشر: جواز الزيادة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 818

(ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه). ابن عبدالهادي ﵀ الصارم المنكي (١/ ٣١٨)

стр. 819

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الجنازة في اللغة: مشتقة من الجنز وهو الستر (١)، و (الجِنازة بالكسر: السرير (٢)، والجَنازة بالفتح: الميّت) (٣)، وقيل: (الجنازة بالكسر والفتح: الميت بسريره) (٤). والمقصود بصلاة الجنازة: الدعاء للميت على صفة مخصوصة، مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم (٥)، وفي صلاة الجنازة تكبيرات، وقراءة، ودعوات، وليس فيها ركوع ولا سجود. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (التكبيرات الأربع أركان لا تصح هذه الصلاة إلا بهن وهذا مجمع عليه) (٦).

стр. 820

٢. وقال ابن حزم: (لم نجد عن أحد من الأئمة تكبيراً أكثر من سبع، ولا أقل من ثلاث) (١). ٣. وقال ابن عبدالبر: (وذكرنا أن الصحابة ﵃ كانوا يختلفون في التكبير على الجنائز من سبع إلى ثلاث، وقد روي عن بعضهم تسع تكبيرات، ثم انعقد الإجماع بعد ذلك على أربع) (٢)، وذهب بعض المعاصرين إلى مشروعية الزيادة على أربع تكبيرات، و قد حُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 821

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) (١)، وابن عثيمين (١٤٢١) (٢)، وابن جبرين (ت ١٤٣٠) (٣)، ومحمد بن علي الإثيوبي (٤).

стр. 822

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه، وقد نص على شذوذه: - ابن بطال (٤٤٩) بقوله: (واختلف الصحابة فيها من ثلاث إلى تسع، وما سوى الأربع شذوذ لا يلتفت إليه … فيحتمل أن يكون ما روى عن الصحابة من خلاف فى ذلك كان قبل اجتماع الناس على أربع، وحديث النجاشى أصح ما روى فى ذلك. وقد صلى أبو بكر الصديق على النبى ﷺ فكبر أربعًا، وصلى عمر على أبى بكر فكبر أربعًا، وصلى صهيب على عمر فكبر أربعًا، وصلى الحسن بن عليّ علَى عليّ فكبر أربعًا، وصلى عثمان على جنازة فكبر أربعًا، وعن ابن عباس وأبى هريرة والبراء مثله، فصار الإجماع منهم قولاً وعملاً ناسخًا لما خالفه) (١). - وابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة ثم اتفقوا على أربع تكبيرات وما خالف ذلك شذوذ يشبه البدعة والحدث) (٢)، وقوله: (اتفق الفقهاء أهل الفتوى بالأمصار على أن التكبير على الجنائز أربع لا زيادة على ما جاء في الآثار المسندة من نقل الآحاد الثقات، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه اليوم ولا يعرج عليه؛ فإذا كان السلف في مسألة على

стр. 823

قولين أو أكثر ثم أجمع أهل عصر في آفاق المسلمين بعدهم على قول من أقاويلهم وجب الاحتمال عليه والوقوف عنده والرجوع إليه، وهذه مسألة من مسائل الأصول) (١). - وقال ابن العربي (ت ٥٤٣) -في متابعة الإمام على الزيادة عن أربع تكبيرات-: (قال أحمد وأهل الحديث: إنه يكبر معه خمساً وسبعاً إن كبّر، لقوله: «لا تختلفوا عليه»، ولقوله: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا»، وهذه من المحدِّثة وَهلَةٌ لا مردَّ لها) (٢)، ولو لم تكن التكبيرات الزائدة على أربع عندهم جائزة ومن الصلاة، لم يجوزوا متابعة الإمام في غير الجائز والزيادة التي ليست من الصلاة.

стр. 824

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم جواز الزيادة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: أ/ حديث أبي هريرة ﵃: «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات» (١)، وحديث جابر ﵁: «أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعاً» (٢)، وحديث الشيباني عن الشعبي قال: أخبرني من شهد النبي ﷺ : «أتى على قبرٍ منبوذ (٣)، فصفهم، وكبر أربعاً»، قلت: من حدثك، قال: ابن عباس ﵄ (٤). ب/ قول أنس ﵁: (كبرت الملائكة على آدم أربعاً، وكبر أبو بكر

стр. 825

على النبي أربعاً، وكبر عمر على أبي بكر أربعاً، وكبر صهيب على عمر أربعاً، وكبر الحسن على علي أربعاً، وكبر الحسين على الحسن أربعاً) (١)، وحديث ابن عباس: «كان آخر ما كبر النبي ﷺ على الجنازة أربعاً، وكبر عمر على أبي بكر أربعاً، وكبر عبد الله بن عمر على عمر أربعاً، وكبر الحسن بن علي على علي أربعاً، وكبر الحسين على الحسن أربعاً، وكبرت الملائكة على آدم ﵇ أربعاً» (٢). ج/ وقال عمر ﵁: (كل ذلك قد كان أربعاً وخمساً، فاجتمعنا على أربع في التكبير على الجنازة) (٣)، وفي لفظ: (كل ذلك قد كنا نفعل نكبر أربعاً وخمساً،

стр. 826

فأمر الناس بأربع على الجنازة) (١)، وعن أبي وائل قال: (كانوا يكبرون على عهد رسول الله ﷺ سبعاً وخمساً وستاً -أو قال: أربعاً - فجمع عمر بن الخطاب ﵁ أصحاب رسول الله ﷺ ، فأخبر كل رجل بما رأى، فجمعهم عمر ﵁ على أربع تكبيرات كأطول الصلاة) (٢)، وجاء عن إبراهيم النخعي: (قدم رجل من أصحاب معاذ، فكبر على جنازة خمساً، فعجب منه أصحاب عبد الله، فقال عبد الله: كل ذلك قد كان أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً،

стр. 827

فاجتمعنا على أربع) (١). وجه الاستدلال: - أن هذه الأدلة فيها دلالة على أن المشروع في التكبير على الجنائز هو أربع تكبيرات، وأن (السنة التي هي أظهر من شمس النهار المروية من طريق جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما، أنه كان ﷺ يكبر على الجنائز أربعاً … فالذي ينبغي الاعتماد على ما هو الأعم الأغلب مما ثبت عنه ولا سيما بعد إجماع الصحابة ومن بعدهم عليه) (٢). - و لذلك (مرجحات أربعة: الأول: أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عدداً ممن روى منهم الخمس. الثاني: أنها في الصحيحين. الثالث: أنه أجمع على العمل بها الصحابة كما تقدم، الرابع: أنها آخر ما وقع منه ﷺ كما أخرج الحاكم من حديث ابن عباس) (٣). ونوقش هذا الاستدلال: - بأنه (لا شك أن الأربع أقوى وأصح من حيث الدليل) (٤)، لكن

стр. 828

الزيادة واردة أيضاً في المرفوع والموقوف (١)، (فلا موجب للمنع منها، والنبي ﷺ لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابه من بعده) (٢). - قال البرهان ابن مفلح: (ويمكن الجمع بينهما، فإن المداومة على أربع تدل على الفضيلة، وغيرها يدل على الجواز) (٣). - وعليه يحمل ما جاء من الاجتماع في عهد عمر ﵁ ولذلك فإن ابن مسعود -إن صح ماورد عنه هنا عن النخعي- فإن (صاحب معاذ المذكور كبر خمساً، ولم ينكر ذلك عليه ابن مسعود) (٤)، وجاء عن (زيد بن أرقم أنه كبر بعد عمر خمساً) (٥). - أما المرجحات الأربعة فـ (يجاب عن الأول من هذه المرجحات والثاني منها: بأنه إنما يرجح بهما عند التعارض، ولا تعارض بين الأربع والخمس؛ لأن الخمس مشتملة على زيادة غير معارضة. وعن الرابع: بأنه لم يثبت، ولو ثبت لكان غير رافع للنزاع؛ لأن اقتصاره على الأربع لا ينفي مشروعية الخمس بعد ثبوتها عنه، وغاية ما فيه جواز الأمرين، نعم المرجح الثالث، أعني: إجماع الصحابة على الأربع هو الذي يعول عليه في مثل هذا المقام إن صح) (٦)، ودليل الإجماع وتحريره هو دليلهم الثاني الآتي. ٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ٦. قال الطحاوي (٣٢١): (فهذا عمر ﵁ قد ردّ الأمر في ذلك إلى

стр. 829

أربع تكبيرات بمشورة أصحاب رسول الله ﷺ … كما أجمعوا عليه بعد النبي ﷺ في التوقيت على حد الخمر، وترك بيع أمهات الأولاد، فكان إجماعهم على ما قد أجمعوا عليه من ذلك حجة، وإن كانوا قد فعلوا في عهد رسول الله ﷺ خلافه. فكذلك ما أجمعوا عليه من عدد التكبير بعد النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة فهو حجة وإن كانوا قد علموا من النبي ﷺ خلافه. وما فعلوا من ذلك، وأجمعوا عليه بعد النبي ﷺ فهو ناسخ لما قد كان فعله النبي ﷺ (١). ٧. قال ابن بطال (ت ٤٤٩): (صلى أبو بكر الصديق على النبى ﷺ فكبر أربعًا، وصلى عمر على أبى بكر فكبر أربعًا، وصلى صهيب على عمر فكبر أربعًا، وصلى الحسن بن عليّ علَى عليّ فكبر أربعًا، وصلى عثمان على جنازة فكبر أربعًا، وعن ابن عباس وأبى هريرة والبراء مثله، فصار الإجماع منهم قولاً وعملاً ناسخًا لما خالفه) (٢). ٨. وقال الماوردي (ت ٤٥٠): (الأربع أصحها وأولاها … عمل الصحابة ﵃ له وانعقاد إجماعهم عليه … فكان انعقاد الإجماع مزيلاً لحكم ما تقدم من الخلاف، وكان أبو العباس بن سريج يجعل ذلك من الاختلاف المباح، وليس بعضه بأولى من بعض، وهذا قريب من مذهب ابن مسعود، وما ذكرنا من انعقاد الإجماع يبطل هذا المذهب) (٣).

стр. 830

٩. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (لا نعلم من فقهاء الأمصار أحداً قال يكبر الإمام خمساً إلا ابن أبي ليلى فإنه قال: يكبر الإمام خمساً … وهو قول زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان وعلي بن أبي طالب، إلا أن علياً كان يكبر على أهل بدر ستاً وربما كبر خمساً ويكبر على سائر الناس أربعاً … ثم انعقد الإجماع بعد ذلك على أربع) (١)، وقال: (اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة ثم اتفقوا على أربع تكبيرات) (٢)، وقال: (ما ذكرنا من إجماع الصحابة واتفاقهم على الأربع دون ما سواها، والتكبير على الجنائز أربع هو قول عامة الفقهاء إلا ابن أبي ليلى وحده فإنه قال خمساً ولا أعلم له في ذلك سلفا إلا زيد بن أرقم، وقد اختلف عنه في ذلك وحذيفة وأبو ذر وفي الإسناد عنهما من لا يحتج به) (٣). ١٠. وقال الباجي (ت ٤٧٤): (الإجماع قد انعقد على بطلان الخامسة) (٤)، وقال: (التكبيرات الأربع هي أركان صلاة الجنازة كركعات الصلاة، وبها شبهها عمر بن الخطاب حين أجمعوا على أنها أربع تكبيرات) (٥). ١١. و قال السمرقندي (ت ٥٤٠): (هذا الذي ذكرناه قول عامة العلماء

стр. 831

وعليه الإجماع، فإنه روي عن عبد الله بن مسعودأنه قال: كل ذلك قد كان -حين سُئل عن تكبيرات الجنازة- لكن رأيت الناس أجمعوا على أربع تكبيرات) (١). ١٢. وقال الكاساني (ت ٥٨٧): (ثم يكبر أربع تكبيرات وكان ابن أبي ليلى يقول: خمس تكبيرات وهو رواية عن أبي يوسف، وقد اختلفت الروايات في فعل رسول الله ﷺ فروي عنه الخمس والسبع والتسع، وأكثر من ذلك إلا أن آخر فعله كان أربع تكبيرات … فاتفقوا على ذلك فكان هذا دليلا على كون التكبيرات في صلاة الجنازة أربعا؛ لأنهم أجمعوا عليها حتى قال عبد الله بن مسعود حين سئل عن تكبيرات الجنازة: كل ذلك قد كان، ولكني رأيت الناس أجمعوا على أربع تكبيرات، والإجماع حجة) (٢). ١٣. وقال محمود البخاري (ت ٦١٦): (ما زاد على الأربع صار منسوخاً بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولا متابعة في المنسوخ) (٣). ١٤. وقال النووي (ت ٦٧٦): (كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس أم أربع أم غير ذلك، ثم انقرض ذلك الخلاف وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات، بلا زيادة ولا نقص) (٤). ١٥. وقال قاضي صفد محمد بن عبدالرحمن الدمشقي (ت بعد ٧٨٠ هـ): (وتكبيرات الجنازة أربع بالاتفاق، ويحكى عن ابن سيرين ثلاث،

стр. 832

وعن حذيفة بن اليمان خمس) (١). ١٦. وقال العيني (ت ٨٥٥): (روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال: "جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقالوا: كبَّر النبي ﵇ سبعًا وخمسًا وأربعًا، فجمعهم عمر ﵁ على أربع تكبيرات كأطول الصلاة"، فهذا إجماع فلا يجوز خلافه، والله تعالى أعلم بالصواب) (٢). ونوقش هذا الاستدلال بالإجماع: - بعدم التسليم، فالاختلاف في عدد التكبير ثابت عن السلف، قال ابن تيمية: (تارة يكبرون على الجنازة أربعاً، وتارة خمساً، وتارة سبعاً، كان فيهم من يفعل هذا وفيهم من يفعل هذا. كل هذا ثابت عن الصحابة) (٣). - فالصحابة كما قال العيني: (كبروا أكثر من أربع بعد النبي ﷺ ، فكيف يكون إجماعاً؟ وكيف يكون النسخ بعد النبي ﷺ (٤).

стр. 833

- وقال ابن حزم: (أُفٍّ لكل إجماع يخرج عنه: علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك، وابن عباس، والصحابة بالشام ﵃، ثم التابعون بالشام، وابن سيرين وجابر بن زيد وغيرهم بأسانيد في غاية الصحة، ويدعي الإجماع بخلاف هؤلاء … فمن أخسر صفقة ممن يدخل في عقله أن إجماعاً عرفه: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وخفي علمه على: علي، وابن مسعود، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وابن عباس، حتى خالفوا الإجماع؟ حاشا لله من هذا؟ - ولا متعلق لهم بما رويناه من أن عمر كبر أربعاً، وعلياً كبر على ابن المكفف أربعاً، وزيد بن ثابت كبر على أمه أربعاً، وعبد الله بن أبي أوفى كبر على ابنته أربعاً، وزيد بن أرقم كبر أربعاً، وأنساً كبر أربعاً: فكل هذا حق وصواب، وليس من هؤلاء أحد صح عنه إنكار تكبير خمس أصلاً، وحتى لو وجد لكان معارضاً له قول من أجازها، ووجب الرجوع حينئذ إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه عند التنازع، من القرآن والسنة، وقد صح أنه ﵇ كبر خمساً وأربعاً، فلا يجوز ترك أحد عمليه للآخر) (١). المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز الزيادة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعاً، وإنه كبر على جنازة خمساً، فسألته فقال: «كان رسول الله ﷺ يكبرها» (٢)، وحديث الشعبي قال: حدثني عبد الله بن معقل، أن

стр. 834

علياً، صلى على سهل بن حنيف فكبّر عليه ستاً، ثم التفت إلينا فقال: (إنه بدري)، قال الشعبي: وقدم علقمة من الشام، فقال لابن مسعود: إن إخوتك بالشام يكبرون على جنائزهم خمساً، فلو وقّتم لنا وقتاً نتابعكم عليه، فأطرق عبد الله ساعة ثم قال: (انظروا جنائزكم فكبروا عليها ما كبر أئمتكم، لا وقت ولا عدد) (١)، وجاء عن علي ﵁ أنه: (كان يكبر على أهل بدر ستاً، وعلى أصحاب رسول الله ﷺ خمساً، وعلى سائر الناس أربعاً) (٢)، وغيرها من الآثار. ونوقش هذا الاستدلال: - أما الحديث المرفوع فقد قال النووي: (هذا الحديث عند العلماء منسوخ، دل الإجماع على نسخه (٣)، وقد سبق أن ابن عبد البر وغيره نقلوا الإجماع على أنه لا يكبر اليوم إلا أربعا وهذا دليل

стр. 835

على أنهم أجمعوا بعد زيد بن أرقم والأصح أن الإجماع بعد الخلاف يصح) (١). - قال المازري: (وهذا المذهب الآن متروك لأن ذلك صار علماً على القول بالرفض) (٢)، يعني: الخمس تكبيرات (٣). وأجيب عن المناقشة: - أما الإجماع فقد سبق الجواب عنه، وأما النسخ ففعل زيد وعلي وابن مسعود متأخر و (ابن مسعود مات في حياة عثمان ﵄، فإنما ذكر له علقمة ما ذكر عن الصحابة ﵃ الذين بالشام) (٤) فكيف يكون منسوخاً؟! - قال ابن سيد الناس: (فقهاء الحجاز والعراق الذين تدور عليهم وعلى أتباعهم الفتوى يتشددون في الزيادة على أربع تكبيرات على الجنائز ويأبون من ذلك، وهذا لا وجه له؛ لأن السلف كبروا سبعًا وثمانيًا وستًّا وخمسًا وأربعًا وثلاثًا، وقال ابن مسعود: كبر ما كبر إمامك، وبه قال أحمد بن حنبل … ، وكل ما وصفت لك قد نقلته الكافة من الخلف عن السلف، ونقله التابعون عن السابقين نقلًا لا يدخله غلط ولا نسيان؛ لأنها أشياء ظاهرة معمول بها في بلدان الإسلام زمنًا بعد زمن، يعرف ذلك علماؤهم وعوامهم من عهد نبيهم ﷺ إلى هلم جرًّا، فدل على أن ذلك مباح كله وسعة ورحمة) (٥).

стр. 836

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فالذي يظهر أن نسبة القول بجواز الزيادة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة إلى الشذوذ غير صحيحة؛ لأنه لم يخالف إجماعاً صحيحاً، ولم يعارض نصّاً في المسألة، وهو فعل دائر بين فاضل و مفضول، وقد ثبت عن السلف أنهم (تارة يكبرون على الجنازة أربعاً وتارة خمساً وتارة سبعاً، كان فيهم من يفعل هذا وفيهم من يفعل هذا. كل هذا ثابت عن الصحابة … فهذه الأمور وإن كان أحدها أرجح من الآخر فمن فعل المرجوح فقد فعل جائزاً. وقد يكون فعل المرجوح أرجح للمصلحة الراجحة كما يكون ترك الراجح أرجح أحياناً لمصلحة راجحة) (١)، (ومنها التكبير على الجنائز يجوز على المشهور: التربيع والتخميس والتسبيع وإن اختار التربيع. وأما بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك ويكرهون بعضه) (٢). قال الإمام أحمد: (صلى علي ﵁ على جنارة أبي قتادة فكبر عليها سبعاً، وهو أكثر ما جاء فيه من التكبير على الجنارة فلا يزاد على السبع) (٣)، وقد سبق أن الأصح والأكثر هو الأربع، (وما جمع عمر عليه الناس أصح وأثبت، مع صحة السنن فيه عن النبي ﷺ أنه كبر أربعاً، وهو العمل المستفيض بالمدينة، ومثل هذا يحتج فيه بالعمل؛ لأنه قلّ يوم أو جمعة إلا وفيه جنازة، وعليه الجمهور) (٤)، فـ (الأربع أولى؛ لاستقرار الأمر عليها) (٥)، (والنجاشي مع كونه له مزية كبيرة اقتصر عليه

стр. 837

الصلاة والسلام في التكبير عليه بأربع) (١). ولايبعد أن تكون الزيادة خاصة بأهل بدر (٢)، أو يمكن أن تكون خاصة بأهل الفضل، قال ابن حجر: (روى سعيد بن منصور من طريق الحكم بن عتيبة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمساً وستاً وسبعاً) (٣)، وقال: (وقول علي ﵁: "لقد شهد بدراً" يشير إلى أن لمن شهدها فضلاً على غيرهم في كل شيء، حتى في تكبيرات الجنازة، وهذا يدل على أنه كان مشهوراً عندهم أن التكبير أربع، وهو قول أكثر الصحابة) (٤)، وقال الشوكاني: (في فعل علي دليل على استحباب تخصيص من له فضيلة، بإكثار التكبير عليه) (٥)، والله أعلم.

стр. 838

(وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك؛ بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم، ولا يخص أحداً بمزيد موالاة إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه). ابن تيمية ﵀ مجموع الفتاوى (١١/ ٥١٢)

стр. 839

الفصل الثالث: الآراء في الزكاة ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تحريم الذهب المحلق المبحث الثاني: عدم وجوب زكاة عروض التجارة المبحث الثالث: عدم وجوب زكاة الأوراق النقدية

стр. 840

قال الفضيل بن عياض: (ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس وكره أن يُذكر أحد بخير). جامع بيان العلم (١/ ٥٧١). قال ابن تيمية في مجموع فتاويه (١٠/ ٢١٦): (فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق).

стр. 841

المبحث الأول: تحريم الذهب المُحلَّق وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل

стр. 842

قال عمر ﵁ لزياد بن حدير: (هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين). أخرجه الدارمي (٢٢٠)

стр. 843

المبحث الأول: تحريم الذهب المُحلَّق وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: المُحلَّق في اللغة: (موضع حلق الرأس بمنى) (١)، قال الأزهري: (وأنشد: كلا وربِّ البيت والمُحلَّق، وقال الله جل وعز: ﴿آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾) (٢)، وقال الفرزدق: (بمَنْزِلَةٍ بينَ الصَّفا كنْتُما بهِا … وزَمْزمَ والمَسْعَى، وعندَ المُحلَّقِ) (٣). (والمُحلَّق من الإبل: الموسوم بحلْقة في فخذه، أو في أصل أذنه) (٤)، وفي معجم اللغة العربية المعاصرة (٥) ذكروا في معنى مُحلَّق: الـ (مُشَكَّل من حلقات، أو أجزاء، أو أقسام شبيهة بالحَلَقَة) (٦)، فالمحلَّق على ذلك مأخوذة من الحَلْقة وهي: (كل شيء استدار، كحلْقة الحديد والفضة والذهب … وقد حكى سيبويه في الحلْقة فتح اللام، وأنكرها ابن السكيت وغيره) (٧).

стр. 844

- أما الذهب المُحلَّق؛ فهذا اصطلاحٌ ابتدأه الألباني (ت ١٤٢٠) فيما يظهر سنة (١٣٧١) هـ (١)، ولم أقف عليه بعد البحث عند من سبقه من العلماء (٢)، في كتب التفسير والحديث، والشروح والغريب، والفقه ومذاهبه، و اللغة ومعاجمها. - ويقصد الألباني بالذهب المحلق: (الذي يُحيط، [و] يصبح حلْقة حول العضو) (٣)، ومن أمثلته: (خاتم الذهب … ومثله السوار والطوق من الذهب) (٤). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. نُقل الإجماع على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة للرجال والنساء في الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمالات، كما سبق في المبحث الخامس من الطهارة. ٢. … (واتفقوا على إباحة تحلي النساء بالفضة ما لم يكثر منها، واتفقوا على إباحة تختم الرجال بالفضة، واتفقوا على إباحة تحلى النساء بالجوهر والياقوت) (٥).

стр. 845

٣. قال ابن عبدالبر: (وأما التختم بالذهب؛ فلا أعلم أحداً من أئمة الفتوى أجاز ذلك للرجال) (١)، وقال: (ولا خلاف بين العلماء أن التختم بالذهب جائز للنساء، وقد جاء في كراهيته للنساء حديث شاذ منكر) (٢)، وذهب بعض المعاصرين إلى تحريم تختم النساء بالذهب أو لبسهن الإسوارة أو الطوق ونحوه من الذهب المشكّل على شكل حلْقة، وحُكم على قولهم بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.
следующие страницы →