← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

المبحث الأول: تحريم الذهب المُحلَّق وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل

стр. 842

قال عمر ﵁ لزياد بن حدير: (هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين). أخرجه الدارمي (٢٢٠)

стр. 843

المبحث الأول: تحريم الذهب المُحلَّق وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: المُحلَّق في اللغة: (موضع حلق الرأس بمنى) (١)، قال الأزهري: (وأنشد: كلا وربِّ البيت والمُحلَّق، وقال الله جل وعز: ﴿آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾) (٢)، وقال الفرزدق: (بمَنْزِلَةٍ بينَ الصَّفا كنْتُما بهِا … وزَمْزمَ والمَسْعَى، وعندَ المُحلَّقِ) (٣). (والمُحلَّق من الإبل: الموسوم بحلْقة في فخذه، أو في أصل أذنه) (٤)، وفي معجم اللغة العربية المعاصرة (٥) ذكروا في معنى مُحلَّق: الـ (مُشَكَّل من حلقات، أو أجزاء، أو أقسام شبيهة بالحَلَقَة) (٦)، فالمحلَّق على ذلك مأخوذة من الحَلْقة وهي: (كل شيء استدار، كحلْقة الحديد والفضة والذهب … وقد حكى سيبويه في الحلْقة فتح اللام، وأنكرها ابن السكيت وغيره) (٧).

стр. 844

- أما الذهب المُحلَّق؛ فهذا اصطلاحٌ ابتدأه الألباني (ت ١٤٢٠) فيما يظهر سنة (١٣٧١) هـ (١)، ولم أقف عليه بعد البحث عند من سبقه من العلماء (٢)، في كتب التفسير والحديث، والشروح والغريب، والفقه ومذاهبه، و اللغة ومعاجمها. - ويقصد الألباني بالذهب المحلق: (الذي يُحيط، [و] يصبح حلْقة حول العضو) (٣)، ومن أمثلته: (خاتم الذهب … ومثله السوار والطوق من الذهب) (٤). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. نُقل الإجماع على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة للرجال والنساء في الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمالات، كما سبق في المبحث الخامس من الطهارة. ٢. … (واتفقوا على إباحة تحلي النساء بالفضة ما لم يكثر منها، واتفقوا على إباحة تختم الرجال بالفضة، واتفقوا على إباحة تحلى النساء بالجوهر والياقوت) (٥).

стр. 845

٣. قال ابن عبدالبر: (وأما التختم بالذهب؛ فلا أعلم أحداً من أئمة الفتوى أجاز ذلك للرجال) (١)، وقال: (ولا خلاف بين العلماء أن التختم بالذهب جائز للنساء، وقد جاء في كراهيته للنساء حديث شاذ منكر) (٢)، وذهب بعض المعاصرين إلى تحريم تختم النساء بالذهب أو لبسهن الإسوارة أو الطوق ونحوه من الذهب المشكّل على شكل حلْقة، وحُكم على قولهم بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 846

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: القائل بهذا الرأي من المعاصرين هو: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) (١) ﵀.

стр. 847

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه ونحوه من الألفاظ، ومن ذلك: - محمد بن إبراهيم (ت ١٣٨٩) بقوله: (بعض الناس ذهب إلى المنع من تحلي النساء بالذهب، وكتب في ذلك، وهذا خلاف ما في الأحاديث المصرحة بذلك. والذي كتب في ذلك ناصر الدين الألباني ـ وهو صاحب سنة ونصرة للحق ومصادمة لأهل الباطل، ولكن له بعض المسائل الشاذة، من ذلك هذه المسألة وهو عدم إباحته) (١). - وعبدالله بن حميد (ت ١٤٠٢) بقوله: (عنده شيء من الشذوذ في بعض مؤلفاته، يقول: المرأة مايجوز أن تلبس الحلي و أنها ممنوعة … وخالف إجماع الأمة في إباحة الحلي للنساء مما جرت به العادة، والأحاديث صريحة في هذا) (٢). - وإسماعيل الأنصاري (ت ١٤١٧) في رسالته"إباحة التحلي بالذهب المحلّق للنساء": (رأيت إخراج هذا البحث في كتاب مستقل؛ لئلا يغتر بكلام الألباني من هو خالي الذهن من حكم هذه المسألة، فيقع فيما وقع فيه الألباني من الشذوذ ومخالفة الإجماع) (٣).

стр. 848

- وقال عبدالمحسن العباد تحت عنوان: (موقف أهل السنَّة من العالم إذا أخطأ أنَّه يُعذر فلا يُبدَّع ولا يُهجَر)، فذكر بعض العلماء ثم قال: (ومن المعاصرين الشيخ العلاَّمة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني، لا أعلم له نظيراً في هذا العصر في العناية بالحديث وسعة الاطِّلاع فيه، لَم يسلم من الوقوع في أمور يعتبرها الكثيرون أخطاء منه)، وعدّ أموراً منها: (وكذا تحريمه الذهب المحلَّق على النساء، ومع إنكاري عليه قوله في هذه المسائل، فأنا لا أستغني وأرى أنَّه لا يستغني غيري عن كتبه والإفادة منها) (١). - وقال مصطفى العدوي: (الفتوى الغريبة التي صدرت من الشيخ الفاضل ناصر الدين الألباني، ألا وهي فتواه بتحريم الذهب المحلّق على النساء، تلكم الفتوى التي لم يسبق إلى مثلها -فيما نعلم- … نأمل أن يرجع الشيخ الكريم عن فتواه) (٢).

стр. 849

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بجواز الذهب المُحلًّق للنساء: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١). وجه الاستدلال: - أنه (ذكر سبحانه أن الحلية من صفات النساء) (٢)، (وأباح لهن الحلية بإطلاق، فدخل في ذلك الذهب المحلّق، وغير المحلّق) (٣)، قال مجاهد بن جبر: (رُخّص للنساء في الحرير، والذهب ثم قرأ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾) (٤).

стр. 850

- قال إلكيا الهراسي (ت ٥٠٤) في تفسير الآية: (فيه دليل على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه، والأخبار في ذلك لا تحصى) (١). ٢/ واستدلوا: بحديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأُحلَّ لإناثهم» (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث فيه عموم مستفاد من الاستغراق في قوله: «الذهب»، فـ (لم يستثن من الذهب شيئاً، محلقاً ولا غير محلق) (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الحديث (من حيث دلالته ليس على عمومه، بل قد دخله التخصيص في بعض أجزائه، فالذهب بالنسبة للنساء حلال إلا أواني الذهب كالفضة، فهن يشتركن مع الرجال في التحريم اتفاقاً،

стр. 851

وكذلك الذهب المحلق على الراجح عندنا، عملاً بالأدلة الخاصة المحرمة) (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن تخصيص الذهب المحلق من الإباحة جاء بأدلة لا تخلو من ضعف في الثبوت، أو الدلالة، وسيأتي مناقشة ذلك في أدلة القول الآخر. ٣/ ومن أدلتهم: حديث ابن عباس ﵁ المتفق عليه في موعظة النساء في العيد، وفيه أنهن جعلن: (يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال) (٢)، قال البخاري: (قال عبد الرزاق: الفتخ: الخواتيم العظام كانت في الجاهلية) (٣)، وجاء في الصحيحين أيضاً عن عطاء في حديثه عن جابر: (تلقي فتَخَها، ويلقين) (٤). وجه الاستدلال: أن الخاتم والفتَخ مما كانت تلبسه النساء، و هما مما وُضع على شكل حلْقة، ولم ينكر عليهن النبي ﷺ ذلك، وقد ترجم البخاري لحديث ابن عباس في أحد المواضع، بقوله: (باب الخاتم للنساء، وكان على عائشة، خواتيم ذهب) (٥).

стр. 852

ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - (أولًا: ليس في الحديث التصريح بأن تلك الحلي كانت من الذهب، وعليه فلا تعارض بينها وبين الأحاديث المحرمة. - ثانيًا: لإثبات نسخ التحريم بالأحاديث المبيحة، لا بد من التحقق من تأخر هذه الأحاديث، ودون ذلك خرط القتاد، بل العكس هو الصواب، لما يأتي. - ثالثًا: لو فرضنا أنه جاء في حديث أو أحاديث التصريح بذلك، فينبغي أن يحمل ذلك على الأصل الأول، وهو الإباحة، ثم طرأ عليها ما أخرجها من هذا الأصل إلى التحريم، بدليل أحاديث التحريم، فإن مثل هذه الأحاديث لاتصدر من الشارع في الغالب، إلا لرفع ذلك الأصل؛ وهو الإباحة في الأمور التي نص على تحريمها، ولذلك يقول علماء أصول الفقه: "إذا تعارض حاظر ومبيح، قدم الحاظر"، وفي هذه الحالة لا يلزمنا أن نثبت تأخر النص المحرم على النص المبيح؛ لأن النص المحرم يتضمن في الواقع الإشارة إلى رفع ما تضمنه النص المبيح كما هو ظاهر) (١). ويمكن الجواب عن ذلك: - أما كون الخاتم والفتخ لم يُصرّح في الأحاديث بأنها من الذهب، فهذا صحيح، ولكن الحديث يحتمل ذلك ولا ينفيه، وهناك ماهو نصٌ في الذهب كما في الدليل الثالث. - وأما النسخ؛ فحديث: «أحل لإناثهم» فيه إشارة للنسخ، يؤيده قول

стр. 853

مجاهد: (رُخّص للنساء في الحرير، والذهب)، والرخصة تكون بعد حظر وتدل على رفعه، يؤكد ذلك أن الإباحة هو فهم السلف قاطبة، كما سيأتي في الدليل الرابع. - قال ابن مفلح بعد أن ذكر تحريم الذهب: (ما يدل لهذا القول من الأخبار= يُحمل بتقدير صحتها على تحريم سابق؛ لصحة أحاديث الإباحة وتأخرها) (١). - أما إعمال الحاظر على المبيح؛ فهذا ترجيح، والترجيح فيه فرضٌ للتعارض، وهو غير متحقق هنا؛ لأن من شروط تحقق التعارض: (التساوي في الثبوت … [و] التساوي في القوة) (٢)، والنهي معارض بما هو أقوى منه، ولم يطرد الشيخ، فقد سبق له ترجيح المبيح على الحاظر في الأخذ من اللحية؛ لمعارضة الحاظر بما هو أقوى من عمل السلف، فليكن ذلك هنا. ٤/ الدليل الرابع على جواز الذهب المحلق للنساء، حديث عائشة ﵂، قالت: قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتمٌ من ذهب فيه فصٌ حبشي، فأخذه النبي ﷺ بعود ببعض أصابعه معرضاً عنه، ثم دعا أمامة بنت أبي العاص، ابنة ابنته، فقال: «تحلَّي بهذا يا بُنيّة» (٣)، ويؤيده قول القاسم بن محمد: (والله لقد رأيت عائشة تلبس المعصفرات، وتلبس خواتم الذهب) (٤).

стр. 854

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ألبس أمامة خاتماً من ذهب؛ ولم يكن ليلبسها ماحرّمه على نساء أمته، وهذا مافهمته أعرف النساء به ﷺ ، في حياته وبعد مماته، حيث تحلّت بخاتم الذهب، والقاسم وُلد بعد وفاته ﷺ ، وتربى في حجر عمته عائشة، فعُلم تأخر وقوعه منها. ونوقش هذا الاستدلال: - أما تحليته لأمامة؛ فلا يتم الاستدلال به (إلا بعد أمرين: الأول: إثبات أن أمامة كانت بالغة. والثاني: إن ذلك كان بعد تحريم الذهب على النساء … بل الظاهر أنه كان قبل التحريم) (١). - وأما أثر عائشة ﵂؛ فهذه رواية عبدالعزيز بن محمد، و (رواه غير عبد العزيز بلفظ: "كانت تلبس الأحمرين: المذهب والمعصفر". أخرجه ابن سعد أيضاً: وأخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عمرو به، وهذا الإسناد أصح؛ لأن سليمان هذا أحفظ من عبد العزيز) (٢). - وعلى فرض ثبوت لبسها لخاتم الذهب (فهو محمول على الذهب المقطع وهو جائز لهن اتفاقاً) (٣)، وليس فيه (أن عائشة لبسته على علم منه ﷺ بل فيه أن القاسم بن محمد رآها تلبسه، فمعنى ذلك أن لبسها إياه إنما كان بعد وفاته ﷺ ؛ لأن القاسم لم يدركه ﷺ (٤).

стр. 855

- وقد يخفى على عائشة بعض السنة (فكم من سنن فعلية وأقوال نبوية خفيت على كبار الصحابة ﵃ (١)، وقد كانت ترى أن الأقراء هي الأطهار (وقد ثبت في السنة أن القرء إنما هو الحيض) (٢) فهذا قد خفي عليها. - بل قد تخالف حديثها؛ كما جاء في فتخات الورِق التي كانت تلبسها، ولا تؤدي زكاتها والوعيد على ذلك، و (قد ورد عن عائشة نفسها ما يعارض هذا الحديث … أن عائشة كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة. سنده صحيح جداً … فهذه مخالفة صريحة عن عائشة ﵂ لحديثها، فإذا جاز في حقها ذلك، فبالأحرى أن تخالف حديث غيرها لم تروه هي) (٣). وأجيب عن المناقشة: - بأن النبي ﷺ وصحابته كانوا يروضون صغارهم على الطاعات لا على المحرمات، ولم يقبل النبي أن يأكل الحسن من تمر الصدقة وهو صغير وقال له: «كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟» (٤)، هذا فيما هو جائز للمحتاج، فكيف بما هو محرم مطلقاً، أفيتصور أن النبي ﷺ (يدرّب ابنة ابنته عليه) (٥)؟!. - أما قوله: (قبل التحريم)؛ فلا يوافق أنه كان هناك تحريم أصلاً، وعلى فرض وجوده، فمن أين له أن التحريم هو المتأخر، كيف

стр. 856

والصحابة لم يفهموا ذلك، وفعل عائشة المتأخر يدل على ذلك (١). - وأما مخالفة عبدالعزيز بن محمد لسليمان بن بلال المذكورة، فلايُسلم بها وليس بين (تلبس المذهب) و (تلبس خواتم الذهب) تعارض، فالثاني فيه زيادة بيان لا تعارض الرواية التي قبلها، وقد جزم البخاري بأنها تلبس (خواتيم الذهب) فلو كان هذا الحرف عنده محل شذوذ، أو نكارة لمرّضه، أو أعرض عنه. - والشيخ من (منهجه في السلسلة الصحيحة التوفيق بين الروايات ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وها أنا ذاكر لك مثالاً لم يخالف فيه راوٍ راوياً غيره، بل خالف ثمانية أو أكثر من الثقات والأثبات، ومع ذلك فقد صحح الشيخ ناصر حديثه) (٢). - وعلى فرض التعارض فإن مورد الروايتين مختلف (٣)، فقوله: (تلبس المذهب) في لباس المُحرِمة (٤)، وقوله: (تلبس خواتم الذهب) في الرد على من ادعى تحريم الذهب (٥). - أما حمله للأثر على الذهب المقطع؛ فهو تحكم مخالف للظاهر،

стр. 857

وأما فرض الاحتمالات على فعل عائشة وأنها قد يخفى عليها السنة، فيقال: لم ندع العصمة للصحابة ﵃، وماوجد من مخالفة أحد الصحابة للسنة، فقد وجد من يردها منهم، كقول بعضهم في متعة الحج، ونكاح المتعة، والتطبيق في الصلاة وغيرها، وكلام الشيخ سيكون متوجهاً لو أوجد منكراً على عائشة ومخالفاً لها، ولم يوجد (١). - وفي خصوص مسألتنا أيضاً، أُنكر على من لم يعرف تحريم الذهب على الرجال، ولم يُنكر على عائشة، فقد أخرج البخاري أن ابن مسعود ﵁: (التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب، فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم، فألقاه) (٢). ٥/ والدليل الخامس على جواز الذهب المحلق وغيره للنساء، هو الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. قال الجصاص (ت ٣٧٠): (الأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي ﷺ والصحابة أظهر وأشهر من أخبار الحظر، ودلالة الآية أيضا ظاهرة في إباحته للنساء، وقد استفاض لبس الحلي للنساء منذ لدن النبي ﷺ والصحابة إلى يومنا هذا، من غير نكير من أحد عليهن،

стр. 858

ومثل ذلك لا يعترض عليه بأخبار الآحاد) (١). ٢. وقال البيهقي (ت ٤٥٨): (هذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة) (٢). ٣. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (ولا نعلم خلافاً بين علماء الأمصار في جواز تختم الذهب للنساء، وفي ذلك ما يدل على أن الخبر المروي … في نهي النساء عن التختم بالذهب، إما أن يكون منسوخاً بالإجماع، وبأخبار العدول في ذلك على ما قدمنا … أو يكون غير ثابت) (٣)، وقال: (ومعلوم أن التختم من اللباس وقد جاء عنه نص النهي عن التختم بالذهب وأجمعوا أنه للنساء مباح فلم يبق إلا الرجال) (٤)، (ولا خلاف بين العلماء أن التختم بالذهب جائز للنساء، وقد جاء في كراهيته للنساء حديث شاذ منكر) (٥). ٤. وقال إلكيا الهراسي (ت ٥٠٤): (فيه دليل على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه، والأخبار في ذلك لا تحصى) (٦). ٥. وقال النووي (ت ٦٧٦): (يجوز للنساء لبس الحرير، والتحلي بالفضة، وبالذهب بالإجماع) (٧)، وقال: (أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب جميعاً؛ كالطوق، والعقد، والخاتم، والسوار … وكل ما يعتدن لبسه، ولا خلاف في

стр. 859

شئ من هذا، وأما لبسها نعال الفضة والذهب ففيه وجهان) (١)، وقال: (أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء) (٢). ٦. وقال الطيبي (ت ٧٤٣): (أجمعوا على إباحة خاتم الذهب للنساء) (٣). ٧. وقال ابن الملقن (ت ٨٠٤): (قام الإِجماع على إباحة خاتم الذهب للنساء) (٤). ٨. وقال ابن حجر (ت ٨٥٢): (فالنهي عن خاتم الذهب، أو التختم به، مختص بالرجال دون النساء؛ فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء) (٥). ٩. وقال الهيتمي (ت ٩٧٤) عن الذهب والحرير للنساء: (لأنهما حلالان لهن إجماعاً) (٦). ١٠. وقال محمد بن عبدالهادي السندي (ت ١١٣٨): (لولا الإجماع لكان الظاهر أن يقال: أولاً كان الذهب حلالاً للكل، ثم حرم على الرجال فقط، ثم حرم على النساء أيضاً، وقول ابن شاهين: أنه كان أولاً حلالاً للكل، ثم أبيح للنساء دون الرجال، باعتبار النسخ مرتين، مع أن العلماء على أنه إذا دار الأمر بين نسخ واحد ونسخين لا يحكم بنسخين، فإن الأصل عدم النسخ، فتقليله أليق بالأصل، لكن الإجماع ها هنا داع إلى اعتبار النسخين، والله تعالى أعلم) (٧).

стр. 860

١١. وقال الشوكاني (ت ١٢٥٠): (من أعظم الأدلة الدالة على ترجيح أحاديث التحليل ما روي من أنه قد قام الإجماع على ذلك) (١). ١٢. وقال الشنقيطي (ت ١٣٩٣): (لا يخفى أن الفضة والذهب يمنع الشرب في آنيتهما مطلقاً، ولا يخفى أيضاً أنه يجوز لبس الذهب والحرير للنساء ويمنع للرجال. وهذا مما لا خلاف فيه; لكثرة النصوص الصحيحة المصرحة به عن النبي ﷺ ، وإجماع المسلمين على ذلك، ومن شذ فهو محجوج بالنصوص الصريحة، وإجماع من يعتد به من المسلمين على ذلك) (٢)، وقال عن حديث سعيد بن أبي هند عن أبي موسى في إباحة الحرير والذهب للنساء: (ولو فرضنا أنه لم يسمع منه فالحديث حجة; لأنه مرسل معتضد بأحاديث كثيرة … وبإجماع المسلمين) (٣). ١٣. وقال ابن باز (ت ١٤٢٠): (ونقل غير واحد الإجماع على جواز لبس المرأة الذهب) (٤). ونوقش الاستدلال بالإجماع: - أن الإجماع على غير المعلوم في الدين بالضرورة مما لا يمكن تصوره فضلاً عن وقوعه (٥)، ولهذا قال أحمد: (من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا).

стр. 861

- ولو سُلّم به، فلا يمكن أن يوجد إجماع صحيح على خلاف سنة صحيحة، دون وجود ناسخ صحيح كما في مسألتنا؛ فلو كان الحديث الذي ادُعي أنه مجمع على تركه وأنه منسوخ، ولم نعلم ناسخه، لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ، وهذا باطل. - ثم إن الإجماع المنقول منقوض، فقد خالف في المسألة: أبوهريرة كما صح عنه أنه قال لابنته: (لا تلبسي الذهب إني أخشى عليك اللهب)، وحكى البغويُ الخلاف في هذه المسألة، فإنه بعد أن ذكر إباحة خاتم الذهب للنساء، وتحليهن به عند الأكثرين قال: (وكره ذلك قوم)، وهي كراهة التحريم في اصطلاح السلف، ويحتمل التحريم أيضاً من قول عمر بن عبدالعزيز حين قال لابنته: (إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك … ) (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: - أما قول الإمام أحمد؛ فقبل الجواب عنه، يحسنُ إيراده بتمامه، ومعرفة سياقه، فقد قال عبدالله: (سمعت أبي يقول: ما يدعي الرجل فيه الإجماع هذا الكذب، من ادعى الاجماع فهو كذب؛ لعل الناس قد اختلفوا، هذا دعوى بشر المريسي، والأصم، ولكن لا يعلم الناس يختلفون، أو لم يبلغه ذلك، ولم ينته إليه، فيقول: لا يعلم الناس اختلفوا) (٢).

стр. 862

- فيقال أولاً: إن الإمام أحمد يحتج بالإجماع ونص على ذلك في مسائل، قال القاضي أبويعلى: (الإِجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمَّةُ على الخطأ، وقد نص أحمد ﵀ على هذا) (١)، وقال أبو الوفاء ابن عقيل: (والإجماع حجة مقطوع بها، فإذا اتفق الفقهاء على حكم حادثة، كانت حجة معصومة ودلالة قطعية متبعة، نص عليه صاحبنا أحمد بن حنبل) (٢). - وأما تكذيب الإمام لدعوى الإجماع كما في رواية عبدالله، (وكذلك نقل المروذي عنه، أنه قال: "كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمعوا؟! إذا سمعتهم يقولون: أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لم أعلم لهم مخالفاً جاز"، وكذلك نقل أبو طالب عنه: أنه قال: "هذا كذب، ما علمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافاً، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس"وكذلك نقل أبو الحارث: "لا ينبغي لأحد أن يدعي الإِجماع، لعل الناس اختلفوا"، وظاهر هذا الكلام أنه قد منع صحة الإِجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنما قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأنه قد أطلق القول بصحة الإِجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث) (٣). - قال أبو الخطاب الكلوذاني: (كلام أحمد أراد به في حق من لا معرفة له بأقوال الناس، ولا عناية له بالاستخبار عن المذاهب، إذا

стр. 863

قال ذلك فهو كذب كبشر والأصم. أو قال ذلك على وجه الورع؛ ولهذا قال في رواية أبي طالب: لا أعلم فيه اختلافاً، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس) (١)، قال ابن عقيل: (وإنما تأولنا هذه الرواية؛ لأنه قد حقق الإجماع في عدة مواضع) (٢). - ومن المواضع التي احتج فيها أحمد بالإجماع، ماجاء في رواية عبدالله وأبي الحارث: (في الصحابة إذا اختلفوا لم يُخْرَج من أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا، له أن يخرج من أقاويلهم؟ [قال أحمد] هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا) (٣)، وقال أبو داود: (سمعت أحمد، قيل له: إن فلانا قال: قراءة فاتحة الكتاب يعني خلف الإمام مخصوص من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٤)، فقال: عمن يقول هذا؟! أجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة) (٥)،، في رواية الحسن بن ثواب، قال: (أذهب في التكبير من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: بالإِجماع، عمر، وعلي، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد الله بن عباس) (٦)، وقد سبق النقل عن أحمد في نجاسة الدم. - فهو يحتج بالإجماع، و (الذي أنكره أحمد دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة، أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون

стр. 864

الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة … ثم هذا منه نهي عن دعوى الإجماع العام النطقي، وهو كالإجماع السكوتى أو إجماع الجمهور من غير علم بالمخالف … وإنما فقهاء المتكلمين كالمريسي والاصم يدعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين) (١). - وقد ذكر أحمد في سياق كلامه بعض المبتدعة، الذين يشهرون سيف الإجماع في مقابل السنن، فرد أحمد على مثل إجماعاتهم التي يدعونها، قال ابن تيمية: (يعني الإمام أحمد ﵁ أن المتكلمين في الفقه من أهل الكلام إذا ناظرتهم بالسنن والآثار قالوا: هذا خلاف الإجماع، وذلك القول الذي يخالف ذلك الحديث لا يحفظونه إلا عن فقهاء المدينة وفقهاء الكوفة مثلاً، فيدعون الإجماع من قلة معرفتهم بأقاويل العلماء، واجترائهم على رد السنن بالآراء) (٢). - قال ابن القيم: (وليس مراده بهذا استبعاد وجود الإجماع، ولكن أحمد وأئمة الحديث بُلوا بمن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبين الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها) (٣)، (ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدم

стр. 865

جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده) (١). - وقد سبق في كتاب الصلاة، تعليق ابن تيمية على اشتراط ابن حزم اليقين للإجماع، وتشديده في اشتراط العلم بعدم المخالف، فقال في نقده: (فمن ادَّعى الإجماع في الأمور الخفية بمعنى أنه يعلم عدم المنازع، فقد قفا ما ليس له به علم، وهؤلاء الذين أنكر عليهم الإمام أحمد، وأما من احتج بالإجماع بمعنى عدم العلم بالمنازع، فقد اتبع سبيل الأئمة، وهذا هو الإجماع الذي كانوا يحتجون به في مثل هذه المسائل) (٢). - وقال ابن تيمية: (ولا تعبأ بما يفرض من المسائل ويدعي الصحة فيها بمجرد التهويل، أو بدعوى أن لا خلاف في ذلك، وقائل ذلك لا يعلم أحداً قال فيها بالصحة فضلاً عن نفي الخلاف فيها، وليس الحكم فيها من الجليات التي لا يعذر المخالف فيها. وفي مثل هذه المسائل قال الإمام أحمد، من ادعى الإجماع فهو كاذب، فإنما هذه دعوى بشر وابن علية يريدون أن يبطلوا السنن بذلك) (٣). - ففي كلام أحمد: الحث على استخدام الورع، والتحذير من نفي الخلاف ممن قصر علمه، أو الجزم بالإجماع في الأمور التي قد تخفى، وليس فيه نفي وقوع الإجماع، وعلق الشاطبي على كلام ابن تيمية الأخير في توجيه كلام أحمد: (ففي هذا الكلام إرشاد لمعنى ما نحن فيه، وأنه لا ينبغي أن ينقل حكم شرعي عن أحد من أهل

стр. 866

العلم إلا بعد تحققه والتثبت؛ لأنه مخبر عن حكم الله، فإياكم والتساهل! فإنه مظنة الخروج عن الطريق الواضح إلى البنيات) (١). - فهذا هو كلام أحمد بفهم أصحابه الحنابلة، وبجمع لفظه مع تطبيقه، أضف إلى ذلك بتطبيقات الحنابلة الكثيرة واستدلالهم بالإجماع في كتبهم دون نكير له، لكن هناك من أبعد في فهم كلام أحمد، وأجرى عبارته على ظاهرها دون شرحها بفعله وفهم أصحابه، قال الزركشي: (قال أصحابه: وإنما قال هذا على جهة الورع؛ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأن أحمد قد أطلق القول بصحة الإجماع في مواضع كثيرة، وأجراه ابن حزم الظاهري على ظاهره)، قلت: وتمسك بظاهرها الشوكاني (٢)، والألباني. - وأما أثر أبي هريرة ﵁؛ فقد أخرجه عبدالرزاق، أن أبا هريرة، كان يقول لابنته: (لا تلبسي الذهب، فإني أخاف عليك حرَّ اللهب) (٣)، وهو غير صريح في تحريم الذهب، بل هو محتمل لتخفف أبي هريرة من الدنيا، ورغبته في عدم التنعم فيها، لئلا يُسأل عنه، وتعويد أهله ومن تحت يده على ذلك، يؤكد ذلك أن أباهريرة روى عن النبي ﷺ أنه قال: «يا أبا هريرة، هلك

стр. 867

المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا - ثلاث مرات: حثا بكفيه عن يمينه وعن يساره وبين يديه -، وقليل ما هم» (١)، وجاء عن أبي هريرة موقوفاً: (المكثرون في النار إلا من قال هكذا وهكذا، وأشار بكفيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ثم قال: وقليل ما هم) (٢)، فكان أبو هريرة لا يأبه في الدنيا حتى إن النبي ﷺ قال له: «ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟» فقال: أسألك أن تعلمني مما علمك الله … الحديث (٣)، وفي الصحيحين: (كنت امرأً مسكيناً، ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم) (٤). - ومن المظاهر التي تؤكد ذلك الزهد عند أبي هريرة ﵁، ماروي من أنه لما قدم معاوية يريد الحج، تلقاه أناس من أهل المدينة، فقيل لأبي هريرة: ألا تركب، فتلقى أمير المؤمنين؟ فقال: (إني

стр. 868

أكره أن أركب مركباً لا أكون فيه ضامناً على الله) (١)، وقوله: (هذه الكُنَاسَة مَهْلَكة دنياكم وآخرتكم) (٢)، قال ابن كثير: (يعني الشهوات وما يأكلونه) (٣). - ومن ذلك الأثر الذي معنا، فإن ذلك زهد منه، ولذلك قرائن مضى بعضها، وما سيأتي أوضح، فقد جاء في رواية أن ابنته قالت له: (إن الجواري يعيّرنني، يقلن: إن أباك لا يحليك الذهب، فقال: قولي لهن: إن أبي لا يحليني الذهب يخشي على حر اللهب) (٤)، فلو كان محرّماً عنده لأنكر على النساء لبسهن للحرام الذي انتشر بينهن حتى عيّرن من لم يلبسه. - وجاء في رواية أخرى أنه قال: (يا بنية لا تلبسي المذهب، إني أخشى عليك اللهب، ولا تلبسي الحرير إني أخشى عليك الحريق) (٥)، فهاهو يمنع ابنته من الحرير أيضاً، مما يدل على منعه ذلك تزهداً وتقللاً من النعيم الذي يُسأل عنه المرء. - ومن الاحتمالات ماقاله الذهبي: (وكأنه كان يذهب إلى تحريم الذهب على النساء أيضاً، أو أن المرأة إذا كانت تختال في لبس

стр. 869

الذهب وتفخر، فإنه يحرم، كما فيمن جر ثوبه خيلاء) (١)، وقال إسماعيل الأنصاري. (نقلنا في أول المقدمة عن "سير النبلاء" مايدل على أن قول أبي هريرة ليس نصاً في تحريمه الذهب على النساء) (٢). - وأيّاً ما ماكان فجميع الروايات فيها إطلاق منعها من الذهب دون تقييد بالمحلق، وهذا لا يقول به الألباني، بل يقيده بالمحلق وليس له سلف في ذلك. - وأما قول البغوي: (كره ذلك قوم) وحملُ الكراهية في كلامه على التحريم؛ فلا يُسلّم به، فالبغوي خرج على الدنيا وقد ألّف الناس في أصول الفقه، واستقرت الاصطلاحات، وللبغوي كتاب في الفقه المذهبي اسمه "التهذيب في فقه الإمام الشافعي"، وعلى فرض إرادته للتحريم، فإنه لم يذكر من القوم إلا أباهريرة، وسبق الجواب عن رأيه وأنه غيرصريح في التحريم. - وأما أثر عمر بن عبدالعزيز؛ فليس فيه ذكرٌ للذهب، وهذا هو المنقول عنه، قال عمرو بن المهاجر: (بعثت إليه ابنته بلؤلؤة وقالت له: إن رأيتَ أن تبعث إلي بأخت لها حتى أجعلها في أذني؟ فأرسل إليها بجمرتين، ثم قال لها: إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك، [بعثت] إليك بأخت لها) انتهى (٣).

стр. 870

- فالمذكور هو اللؤلؤ، وتأويله باللؤلؤ المُذهّب فيه تكلف، ثم هي تُجعل في الأذن وليست محلّقة، وهذه جائزة على رأي الألباني وإن كانت ذهباً خالصاً، ثم إن هذا محمول على زهد عمر وورعه مع نفسه وأبنائه. - يؤكد ذلك ماجاء في المصدر نفسه عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: (كان عمر يصلي العتمة، ثم يدخل على بناته فيسلّم عليهن، فدخل عليهن ذات ليلة فلما أحسسنه وضعن أيديهن على أفواههن ثم تبادرن الباب، فقال للحاضنة: ما شأنهن قالت إنه لم يكن عندهن شيء يتعيشنه إلا عدس وبصل، فكرهن أن تشم ذلك من أفواههن، فبكى عمر، ثم قال لهن: يا بناتي ما ينفعكن أن تعشين الألوان، ويمر بأبيكن إلى النار، قال: فبكين حتى علت أصواتهن ثم انصرف) (١). - ومما لم يذكره الألباني قول ابن مفلح: (في إباحة الحرير والذهب للنساء عند الجمهور لا إجماعاً) (٢)، ثم ذكر أثر أبي هريرة ﵁ وسبق الجواب عنه، وذكر أثراً للحسن وهذا نصه: (وروى مبارك بن فضالة عن الحسن أنه كره الذهب للنساء) (٣)، وأظنه قد نقله عن ابن حزم في المحلى حيث قال: (ومن طريق وكيع عن مبارك هو ابن فضالة، عن الحسن: أنه كره الذهب للنساء، واحتج أهل هذه المقالة بخبر من طريق الحسن أن رسول الله ﷺ قال: -يعني النساء - «أهلكهن الأحمران الذهب والزعفران» وهذا مرسل لا حجة فيه) (٤).

стр. 871

- وهذه الطريق عن الحسن ذكرها ابن حزم في المحلى في أربعة مواضع لم أقف على متونها عند غيره، وبعد بحث فالظاهر أنها منقولة من مصنف وكيع وليس من كتاب الزهد المطبوع، ولم يصل المصنف إلينا، وقد كان مصنفاً مشهوراً قال عبدالله بن أحمد: (قال أبي في حديثه: حدثنا به وكيع في المصنف عن سفيان … ) (١)، وفي فتح الباري لابن رجب جاء هذا العزو: (وكيع في كتابه) في أكثر من خمسين موضعاً، وفي فتح الباري لابن حجر جاء هذا العزو: (وكيع في مصنفه) في ستة مواضع، أما قول ابن حزم: (ومن طريق وكيع) فكثير جداً. - وعلى كل حال، فالإسناد الذي ذكره ابن حزم وابن مفلح عن الحسن يرويه مبارك بن فَضَالة عن الحسن هكذا بالعنعنة، وقد وُصف مبارك بالتدليس الكثير والتسوية (٢)، فلا يقبل من روايته إلا ماصرّح فيه بالتحديث، قال أبو زرعة: (يدلس كثيراً، فإذا قال حدثنا فهو ثقة) (٣)، وقال يحيى القطان: (ولم أقبل منه شيئا إلا

стр. 872

شيئا يقول فيه: حدثنا) (١)، وقال عبدالرحمن بن مهدي: (كنا نتتبع من حديث مبارك بن فضالة ما يقول فيه حدثنا الحسن) (٢)، وسئل الإمام أحمد: (مبارك بن فضالة أحب إليك أو الربيع؟ فقال: مبارك إذا قال: سمعت الحسن … وتركه عبد الرحمن؛ لأنه كان يروي أقاويل للحسن، يأخذها من الناس، قال الحسن، وقال الحسن، فتركه) (٣)، وقال أحمد: (مبارك كان يدلس عن الحسن) (٤)، وقال أبوداود: (كان مبارك بن فضالة شديد التدليس … إذا قال مبارك: ثنا فهو ثبت) (٥). - فهذا قول الأكابر فيما لم يصرح فيه مبارك بالتحديث كما في الرواية التي معنا، أما ماصرّح فيه بالتحديث؛ فإن ماتفرّد به ليس بمقبول مطلقاً، ولذا قال الدارقطني: (مبارك بن فضالة ليّن كثير الخطأ، بصري، يعتبر به) (٦)، وقد ذكره ابن حبان في الثقات لكنه

стр. 873

قال: (وكان يخطئ) (١). - وعلى فرض ثبوت الرواية، فإنها غير صريحة في التحريم، ويرد عليها ما ورد على أثر أبي هريرة ﵁، قال إسماعيل الأنصاري: (ونُقل عن أبي هريرة والحسن البصري أنهما منعا بنتيهما من الذهب مطلقاً، إما على سبيل الورع، أو لدفع الخيلاء والكبر، أو لغير ذلك، ولم ينقل عن أحد من السلف القول بالتفرقة بين المحلق وغير المحلق الذي زعمه الألباني) (٢). المسألة الثانية: أدلة القائلين بتحريم الذهب المحلّق: أبرز ما استدل به الألباني على تحريم الذهب المحلّق على النساء: ١/ حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يُحلِّق حبيبَه حلْقة من نار، فليجعل له حلْقة من ذهب، ومن أحب أن يُطوّق حبيبه طوقاً من نار، فليطوّقْه طوقاً من ذهب، ومن أحب أن يُسوِّر حبيبه سواراً من نار، فليسوره سواراً من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها» (٣).

стр. 874

وجه الاستدلال: - أن قوله: «حبيبه» (فعيل بمعنى مفعول وهو يشمل الرجل والمرأة كما يقال: رجل قتيل وامرأة قتيل، وهذا معلوم في اللغة وقد جاء في رواية: «حبيبته» بصيغة التأنيث في حديث أبي موسى الآتي الإشارة إليه قريبا إن شاء الله) (١). - و (ذكر الطوق والسوار من الذهب والمعروف أن هذا من زينة النساء لا الرجال في ذلك الزمان! فيكون المراد بالحديث النساء أيضاً، والرجال من باب أولى) (٢). - ولا يصح حمل الحديث على الرجال؛ لإباحة الفضة في آخره مطلقاً وهذا مالا يقول به الجمهور؛ (لأنهم يحرمون استعمال الفضة على الرجال كتحريم الذهب عليهم فتعين أن المراد بالحديث النساء وثبت المراد) (٣).

стр. 875

ونوقش الاستدلال: - بأن الحديث ضعيف، وسبب ضعفه هو تفرد أَسِيدِ بن أبي أَسِيدٍ البرَّاد (لم يوثّقه أحد منْ المتقدّمين المعتبرين، وغاية ما نقل عنهم قول الدارقطنيّ: يُعتبر به، وذكره ابن حبّان فِي "الثقات") (١)، وفي تخريج الحديث بيان ضعفه، وفي أول الحديث ماهو منكر من تحريم الذهب المحلَّق، لايقبل فيه مثل هذه الرواية التي فيها نزول في الرتبة. - وعلى فرض ثبوت الحديث، فمن الذي فَهِم من السلف تحريم الذهب المحلّق على النساء، وهل فات الأمة هذا الحكم المهم، ثم تتابعوا على تحلية نساءهم بما هو محرّم، حتى فُهم هذا الحكم في عصرنا؟! هذا كاف في ردّ كل مايستدل به هنا، فليُستحضر في كل مناقشة، فـ (أمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك؛ فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ؛ فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كافٍ) (٢). - وعلى فرض أن الخلاف هنا سائغ، فالأدلة محتملة ولها دلالات، فإن قوله: «عليكم بالفضة» يدل على أن التزهيد في أول الحديث

стр. 876

كان في الذهب مطلقاً، وذكر المُحلق إنما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. - وهذا التحريم العام للذهب إنما هو في حق الرجال، وبذلك يتفق هذا الحديث مع إجماع العلماء، مع قوله: «حبيبَهُ» بالتذكير، ومع قوله: «عليكم بالفضة» فإن الفضة يُتوسع فيها للرجال مالا يتوسع في الذهب، وماحرم منها على الرجال لعلة التشبه بالنساء لايختص بالفضة. - وحمل لفظ: «حبيبه» على التأنيث مخالف للأصل وهو قليل في الاستعمال؛ (لأن حبيياً فعيل بمعنى مفعول، والقاعدة أن فعيلاً بمعنى مفعول إذا استعمل استعمال الأسماء، أي بأن لم يتبع موصوفه لحقته التاء للمؤنث، نحو هذه ذبيحة، ونطيحة … أي: مذبوحة الخ، وإذا لم يستعمل استعمال الأسماء، كما هنا لم تلحقه التاء إلا نادراً، فيقال: مررت بامرأة جريح، أي مجروحة، فـ"حبيبه" هنا للذكر، بمعنى محبوبه؛ إذ لو كان المراد به المؤنث لقيل: "حبيبته"، فلا يطلق "حبيب" في هذا الحديث إلا على الذكر، ولا ينبغي حمل الحديث على النادر … فما ذكره الشيخ الألباني من أن "حبيبه" يشمل المرأة، فليس على ما ينبغي) (١)، وهذا متناسق مع ماسبق من حديث أبي موسى: «حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي»، وبذلك تجتمع النصوص (٢). - ثم إن دلالة: «يُحلّق … يطوّق … يسوّر» على الصغير أقرب من دلالتها على الكبير؛ لأنه هو الذي يُلبَس غالباً، والكبير يلبس

стр. 877

بنفسه، فيكون مسوقاً للصبيان، كما يؤمر بالصلاة والصيام وينهى عن الخمر والفواحش ليعتاد الامتثال، ويكون معنى الحديث: من أحب تطويق حبيبه الصغير بطوق من نار فليعوده على لبس الذهب في صغره يصعب عليه أن ينفك عنه في كبره (١). - وقد جاء مايؤيد ذلك عن عمر الفاروق ﵁، فقد دخل عليه عبد الرحمن بن عوف ومعه ابنه إسماعيل، (وعليه قميص من حرير، وقُلبان من ذهب، فشق القميص، وفك القُلبين، وقال اذهب [بهما] إلى أمك) (٢)، وقد روي في الحديث: «من أحب أن يسور ولده بسوار من نار فليسوره بسوار من ذهب، ولكن الفضة اعملوا بها كيف شئتم» (٣)، قال أبو نعيم: (والحديث لو ثبت عن النبي ﷺ ، يعني به الذكور من الأولاد، فأما الإناث فقد أباح لهن التحلي بالذهب ولبس الحرير) (٤). - وعلى فرض التسليم بصحة الحديث وأن المراد به النساء، فإن ذلك منسوخ، أو إن هذا في حق من لاتؤدي زكاته على القول

стр. 878

بوجوب زكاة الحلي، أو في حق من تظهره وتفخر به؛ لأنه مظنة الخيلاء، وهذا الجواب الأخير بما فيه من الاحتمالات الثلاثة يمكن وروده في كل حديث استدل به الشيخ الألباني في المسألة. ٢/ واستدل أيضاً بحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله ﷺ وفي يدها فتخ (١) … فجعل رسول الله ﷺ يضرب يدها (٢)، فدخلت على فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله ﷺ ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إلي أبو حسن (٣)، فدخل رسول الله ﷺ والسلسلة في يدها فقال: «يا فاطمة، أيغُرُّك (٤) أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار»، ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها، واشترت بثمنها غلاماً … فأعتقته، فحُدث بذلك، فقال: «الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار» (٥).

стр. 879

وجه الاستدلال من هذا الحديث (١): أن في لوم النبي ﷺ لابنته فاطمة، وضربه يد ابنة هبيرة (نص قاطع على أن الضرب كان من أجل الخواتيم، بدليل تعقبه ﷺ الضرب بهذا التهديد الشديد: «أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟!» (٢).

стр. 880

ونوقش الاستدلال بأمور منها: - أن الحديث ضعيف، قال ابن القطان عن حديث يحيى بن أبي كثير عن زيد: (والناس قد قالوا: إنها منقطعة … وليس لحديث ثوبان هذا عيب غير ذلك، على أن يحيى يقول فيه: حدثني زيد بن سلام، ولكنه مع ذلك مخوف فيه الانقطاع، ولعله كان إجازة زيد بن سلام، فجعل يقول: حدثنا زيد بن سلام، وكان الأكمل أن يقول: " إجازة ") (١). - وعلى فرض ثبوته وهو الظاهر (٢)، فدلالته تحتمل أموراً، والأمر الواضح فيه أنه ﷺ جوّز بيعها للسلسة وجوّز للمشتري شراءها، وهذا فرع عن صحة التملك والاستعمال، أما ضربه ليد ابنة هبيرة ولومه لفاطمة فله احتمالات، وقد ترجم النسائي للخبر بـ: (الكراهية للنساء في إظهار الحلي والذهب). - قال ابن حزم: (يمكن أن يكون ﵊ ضرب يديها؛ لأنها أبرزت عن ذراعيها ما لا يحل لها إبرازه، أو لغير ذلك مما هو ﵊ أعلم به. - وأما قوله: «أيسرك أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدك سلسلة من نار» فظاهر اللفظ الذي ليس يفهم منه سواه أنه ﵊ إنما أنكر إمساكها إياها بيدها، ليس في لفظ الخبر نص بغير هذا، ولا دليل عليه، وليس فيه أنه ﵊ نهاها عن لباسها ولا عن تملكها، هذا لا شك فيه.
следующие страницы →