← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

كان في الذهب مطلقاً، وذكر المُحلق إنما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. - وهذا التحريم العام للذهب إنما هو في حق الرجال، وبذلك يتفق هذا الحديث مع إجماع العلماء، مع قوله: «حبيبَهُ» بالتذكير، ومع قوله: «عليكم بالفضة» فإن الفضة يُتوسع فيها للرجال مالا يتوسع في الذهب، وماحرم منها على الرجال لعلة التشبه بالنساء لايختص بالفضة. - وحمل لفظ: «حبيبه» على التأنيث مخالف للأصل وهو قليل في الاستعمال؛ (لأن حبيياً فعيل بمعنى مفعول، والقاعدة أن فعيلاً بمعنى مفعول إذا استعمل استعمال الأسماء، أي بأن لم يتبع موصوفه لحقته التاء للمؤنث، نحو هذه ذبيحة، ونطيحة … أي: مذبوحة الخ، وإذا لم يستعمل استعمال الأسماء، كما هنا لم تلحقه التاء إلا نادراً، فيقال: مررت بامرأة جريح، أي مجروحة، فـ"حبيبه" هنا للذكر، بمعنى محبوبه؛ إذ لو كان المراد به المؤنث لقيل: "حبيبته"، فلا يطلق "حبيب" في هذا الحديث إلا على الذكر، ولا ينبغي حمل الحديث على النادر … فما ذكره الشيخ الألباني من أن "حبيبه" يشمل المرأة، فليس على ما ينبغي) (١)، وهذا متناسق مع ماسبق من حديث أبي موسى: «حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي»، وبذلك تجتمع النصوص (٢). - ثم إن دلالة: «يُحلّق … يطوّق … يسوّر» على الصغير أقرب من دلالتها على الكبير؛ لأنه هو الذي يُلبَس غالباً، والكبير يلبس

стр. 877

بنفسه، فيكون مسوقاً للصبيان، كما يؤمر بالصلاة والصيام وينهى عن الخمر والفواحش ليعتاد الامتثال، ويكون معنى الحديث: من أحب تطويق حبيبه الصغير بطوق من نار فليعوده على لبس الذهب في صغره يصعب عليه أن ينفك عنه في كبره (١). - وقد جاء مايؤيد ذلك عن عمر الفاروق ﵁، فقد دخل عليه عبد الرحمن بن عوف ومعه ابنه إسماعيل، (وعليه قميص من حرير، وقُلبان من ذهب، فشق القميص، وفك القُلبين، وقال اذهب [بهما] إلى أمك) (٢)، وقد روي في الحديث: «من أحب أن يسور ولده بسوار من نار فليسوره بسوار من ذهب، ولكن الفضة اعملوا بها كيف شئتم» (٣)، قال أبو نعيم: (والحديث لو ثبت عن النبي ﷺ ، يعني به الذكور من الأولاد، فأما الإناث فقد أباح لهن التحلي بالذهب ولبس الحرير) (٤). - وعلى فرض التسليم بصحة الحديث وأن المراد به النساء، فإن ذلك منسوخ، أو إن هذا في حق من لاتؤدي زكاته على القول

стр. 878

بوجوب زكاة الحلي، أو في حق من تظهره وتفخر به؛ لأنه مظنة الخيلاء، وهذا الجواب الأخير بما فيه من الاحتمالات الثلاثة يمكن وروده في كل حديث استدل به الشيخ الألباني في المسألة. ٢/ واستدل أيضاً بحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله ﷺ وفي يدها فتخ (١) … فجعل رسول الله ﷺ يضرب يدها (٢)، فدخلت على فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله ﷺ ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إلي أبو حسن (٣)، فدخل رسول الله ﷺ والسلسلة في يدها فقال: «يا فاطمة، أيغُرُّك (٤) أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار»، ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها، واشترت بثمنها غلاماً … فأعتقته، فحُدث بذلك، فقال: «الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار» (٥).

стр. 879

وجه الاستدلال من هذا الحديث (١): أن في لوم النبي ﷺ لابنته فاطمة، وضربه يد ابنة هبيرة (نص قاطع على أن الضرب كان من أجل الخواتيم، بدليل تعقبه ﷺ الضرب بهذا التهديد الشديد: «أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟!» (٢).

стр. 880

ونوقش الاستدلال بأمور منها: - أن الحديث ضعيف، قال ابن القطان عن حديث يحيى بن أبي كثير عن زيد: (والناس قد قالوا: إنها منقطعة … وليس لحديث ثوبان هذا عيب غير ذلك، على أن يحيى يقول فيه: حدثني زيد بن سلام، ولكنه مع ذلك مخوف فيه الانقطاع، ولعله كان إجازة زيد بن سلام، فجعل يقول: حدثنا زيد بن سلام، وكان الأكمل أن يقول: " إجازة ") (١). - وعلى فرض ثبوته وهو الظاهر (٢)، فدلالته تحتمل أموراً، والأمر الواضح فيه أنه ﷺ جوّز بيعها للسلسة وجوّز للمشتري شراءها، وهذا فرع عن صحة التملك والاستعمال، أما ضربه ليد ابنة هبيرة ولومه لفاطمة فله احتمالات، وقد ترجم النسائي للخبر بـ: (الكراهية للنساء في إظهار الحلي والذهب). - قال ابن حزم: (يمكن أن يكون ﵊ ضرب يديها؛ لأنها أبرزت عن ذراعيها ما لا يحل لها إبرازه، أو لغير ذلك مما هو ﵊ أعلم به. - وأما قوله: «أيسرك أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدك سلسلة من نار» فظاهر اللفظ الذي ليس يفهم منه سواه أنه ﵊ إنما أنكر إمساكها إياها بيدها، ليس في لفظ الخبر نص بغير هذا، ولا دليل عليه، وليس فيه أنه ﵊ نهاها عن لباسها ولا عن تملكها، هذا لا شك فيه.

стр. 881

- وقد يمكن أنه ﵊ علم أنها لم تزكها وكانت مما تجب فيه الزكاة كما قال : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. - والله أعلم لأي وجه أنكر كون السلسلة في يدها ﵂ إلا أنه ليس فيه ألبتة تحريم لباسها لها، بل فيه نصاً: أنه ﵊ أباح لها ملكها يقيناً لا شك فيه؛ لأنه جوّز بيعها للسلسلة، وجوّز للمشتري لها منها شراءها. - وأما إمساكها باليد الذي في هذا الخبر إنكاره فقد نسخ بيقين لا شك فيه، لإيجاب رسول الله ﵌ الزكاة في الذهب وإباحته ﵊ بيع الذهب بالذهب مثلا بمثل، وزنا بوزن … ولا خلاف في أن إيجاب الزكاة في الذهب وإباحة بيعه بالذهب مثلا بمثل باق إلى يوم القيامة لم ينسخ. - وأما قوله ﵊ إذ بلغه بيع فاطمة ﵂ السلسلة الذهب وابتياعها بثمنها غلاما فأعتقته «الحمد لله الذي أنقذ فاطمة من النار»، فالذي لا شك فيه، فهو أنه قد صح عن رسول الله ﵌ … قال «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من النار حتى فرجه بفرجه»، فنحن على يقين من أن الله تعالى أنقذها من النار بعتقها للغلام.

стр. 882

- ومن ادعى أنه إنما أنقذها من النار ببيعها السلسلة فقد قفا ما لا علم له به، وقال ما لا دليل له عليه، ولا برهان عنده بصحته، وما ليس في الخبر منه نص، ولا دليل إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث. - وقد جاء في كراهة مس حلي الذهب أثر صحيح … عن عائشة أم المؤمنين قالت قدمت على رسول الله ﵌ حلية من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي قالت: «فأخذه رسول الله ﵌ بعود معرضاً أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنت أبي العاص ابنة زينب فقال: تحلي بهذا يا بنية». - فهذا رسول الله ﵌ قد كره مس خاتم الذهب فلعله كرهه لفاطمة أيضاً، ومع ذلك حلاه أمامة بنت أبي العاص) (١). - وقال الخطابي: (يشبه أن يكون إنما كره استعمال الكثير منه؛ لأن صاحبه ربما ضن بإخراج الزكاه منه فيأثم ويحرج، وليس جنس الذهب بمحرم عليهن كما حرم على الرجال قليله وكثيره) (٢). - ومما يحتمله الحديث أن: (ذلك كان قبل نزول فرائض الزكاة، أو على أن المنع من لبسه للتباهي والتفاخر، أو على أنه فيما لم تؤد زكاته، أو على خوف الافتتان به، والانشغال عن أمور الدين، وما يخص فاطمة ﵂، فلأنه ﷺ كان يأخذ أهل بيته بالعزيمة، وبما هو خير وأفضل) (٣).

стр. 883

- كما أرشد فاطمة لما هو خير لها من الخادم لما جاءت تسأله إياه، وكما جاء في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: «إن كنتم تحبون حلية الجنة، وحريرها فلا تلبسوها في الدنيا» (١). - وقد التزم الشيخ بظاهر الحديث الأخير فقال: (بقي الحرير وحده مباحاً لهن إباحة مطلقة لم يستثن منه شيء، نعم قد استثنى من جنس المباح لهن أمهات المؤمنين، فقد صح عنه ﷺ أنه منع أهله منه) (٢)، ثم ذكر حديث ثوبان، لكن الحديث على هذا الفهم أيضاً فيه المنع من عموم الحلية من ذهب أو فضة وقد أقره الشيخ واعتمده (٣)، لكن هذا التخصيص مشكلٌ جداً إن لم يُفهم بسياقه ومجموع النصوص ومافهمه السلف، وقد سبق إثبات تحلّي عائشة. - ولئن خصص الشيخ خبر عقبة، وحرّم الحرير والذهب على أهل النبي ﷺ ، فيلزمه ذلك أيضاً في هذا الحديث الذي يثبته وهو حديث عام: «ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر» (٤) فلم

стр. 884

يخص في الحديث أهله، وقد نقل الشيخ بعد أن أثبته تأويله، وأنه محمول على من تظهره تبختراً و فتنة للرجال، ولم يجعله على ظاهره (١)، وهو المراد هنا في حديث ثوبان أنه ليس على ظاهره الذي تفرّد بفهمه، والله أعلم. ٣/ واستدل أيضاً على تحريم الذهب المحلق بحديث عائشة ﵂ قالت: رأى النبي ﷺ في يدي قُلبين ملويّين بذهب، فقال: «ألقيهما عنك، واجعلي قلبين من فضة، وصفريهما بزعفران» (٢)، وفي لفظ: «ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا، لو نزعت هذا، وجعلت مسكتين من ورق، ثم صفرتهما بزعفران كانتا حسنتين» (٣)، وحديث أم سلمة-﵂ قالت: دخل النبي ﷺ وعلي شعرات من ذهب، فأعرض عني فقلت: يا رسول الله ألا تنظر إلى زينتي،

стр. 885

فقال: «عنها أعرض»، فقطعتها، «فأقبل إلي بوجهه» (١). وجه الاستدلال: - أن (في هذا الحديث [حديث أم سلمة]، وما قبله [حديث عائشة] دلالة واضحة على تحريم السوار والطوق والحلقة من الذهب على النساء، وأنهن في هذه المذكورات كالرجال في التحريم، وإنما يباح لهن ماسوى ذلك من الذهب المقطع؛ كالأزرار والأمشاط ونحو ذلك من زينة النساء) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بضعف الحديثين فحديث عائشة قال عنه النسائي: (هذا غير محفوظ)، وحديث أم سلمة منقطع وله متابعة ضعيفة لاتقويه (٣). - وعلى فرض ثبوته، فحديث عائشة ﵂ فيه كما في رواية النسائي: «ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا» وهي (لاتفيد تحريماً قاطعاً فمثل ذلك مثل قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لفاطمة وجاءت تسأله خادماً: «ألا أدلك على ماهو خير لك من خادم تسبحين وتحمدين وتكبير … » الحديث. فهل في هذا تحريم الخادم؟! - ولا أدري لماذا أخّر الشيخ-عفا الله عنه- رواية النسائي والخطيب

стр. 886

وقدّم رواية السرقسطي مع أن الحديث واحد ومخرجه واحد، ثم إني ألزم الشيخ هنا بلازم أخذه على نفسه ألا وهو جمع طرق الحديث وضم ألفاظه وجمع شمله (١) … - ففي رواية النسائي والخطيب: «ألا أدلك على خير من ذلك» فهذه الجملة تفيد وتشعر أن قوله ﵇: «ألقيهما عنك» محمول على الكراهة وليس على التحريم، وقد كان النبي ﷺ يمنع أهله الحلية … وذلك منه ﵇ اختيار للأفضل والأكمل لأهل بيته) (٢)، ولذلك قال ابن حزم: (وهذا الخبر حجة لنا؛ لأنه ليس في هذا الخبر أنه ﷺ نهاها عن مسكتي الذهب، إنما فيه: أنه ﵊ اختار لها غيره، ونحن نقول بهذا) (٣). - وكذلك الرواية في حديث أم سلمة (ليس فيها نص على التحريم بل إنما فيها الإرشاد إلى ماهو الأفضل من ترك تلك الزينة، وقد كان النبي ﷺ يمنع أهله التوسع في كثير من المباحات ليؤثروا الآخرة على الدنيا) (٤). - وأخيراً فالمعتمد أن هذه الأحاديث وغيرها بين نظر العلماء على مر الأزمان ولم يفهموا منها مافهم الشيخ الألباني، وهي محمولة عند العلماء على محامل خلاصتها كما قال المنذري: (هذه الأحاديث التي ورد فيها الوعيد على تحلي النساء بالذهب تحتمل وجوهاً من

стр. 887

التأويل، أحدها: أن ذلك منسوخ، فإنه قد ثبت إباحة تحلي النساء بالذهب، الثاني: أن هذا في حق من لا يؤدي زكاته دون من أداها … الثالث: أنه في حق من تزينت به وأظهرته … الرابع من الاحتمالات: أنه إنما منع منه في حديث الأسورة والفتخات لما رأى من غلظه؛ فإنه مظنة الفخر والخيلاء) (١)، زاد ابن القيم احتمالاً خامساً بقوله: (طائفة سلكت بها مسلك التضعيف وعللتها كلها) (٢). - والإجماع المحكي الذي تبين حفظه، يقوي القول بالنسخ كما قال ابن شاهين: (كان في أول الإسلام يلبس الرجال الخواتيم الذهب، وغير ذلك، وكان الحظر قد وقع على الناس كلهم، ثم أباحه رسول الله ﷺ للنساء دون الرجال، فصار ما كان على النساء من الحظر مباحاً لهم فنسخت الإباحة الحظر) (٣)، وقال البيهقي: (باب سياق أخبار تدل على إباحته للنساء)، ثم ذكر أربعة أحاديث، ثم قال: (فهذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة، والله أعلم) (٤)، وقال الشوكاني: (ومن أعظم الأدلة الدالة على ترجيح أحاديث التحليل … أنه قد قام الإجماع على ذلك … الواجب هاهنا المصير إلى القول بالنسخ … أو المصير إلى التأويل … أو المصير إلى التعارض البحت على تسليم عدم إمكان التأويل، وحينئذ يتحتم ترجيح أحاديث التحليل على أحاديث التحريم؛ لكثرتها ولكونها

стр. 888

صريحة في الحل، وللإجماع على العمل بها وترك ما عارضها، وللإجماع أيضًا على تحليل الحرير للنساء، وهو قرين الذهب في تلك الأحاديث) (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بتحريم الذهب المحلّق على النساء إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته الإجماع الصحيح، ولم يثبت بعد البحث قول معتبر يصح أن تُخرم به الإجماعات المنقولة عن علماء الأمة، ولايُعرف من قال بهذا القول قبل الألباني (ت ١٤٢٠)، والله أعلم.

стр. 889

المبحث الثاني: عدم وجوب زكاة عروض التجارة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 890

(والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله). ابن تيمية ﵀ مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٦)

стр. 891

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: العُرُوض في اللغة: جمع عَرْض (بسكون الراء، وهو كل ما كان من المال غير نقد; وجمعه عُروض. فأما العَرَض بفتح الراء، فما يصيبه الإنسان من حظه من الدنيا) (١)، قال الأزهري: (أما العرض بسكون الراء فما خالف الثمنين: الدنانير والدراهم، من متاع الدنيا وأثاثها، وجمعه عروض. فكل عَرْض داخل في العَرَض، وليس كل عَرَض عَرْضاً) (٢)، فبينهما عموم وخصوص، و (كل شيء فهو عرْض سوى النقدين، أي الدراهم والدنانير فإنهما عين) (٣). ومن إرادة العموم في القرآن قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٤)، وفي السنة قوله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس» (٥)، قال ابن حجر: (قال أبو عبد الملك البوني، فيما نقله ابن التين عنه قال: اتصل بي عن شيخ من شيوخ القيروان أنه قال: العَرَض بتحريك الراء الواحد من العروض التي يتجر فيها، قال وهو خطأ؛ فقد قال الله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾، ولا خلاف بين أهل اللغة في أنه ما يعرض فيه، وليس هو أحد العروض التي يتجر فيها، بل واحدها عرْض بالإسكان وهو ما سوى النقدين) (٦).

стр. 892

وفي "غلط الضعفاء من الفقهاء": (ويقولون لواحدِ العُرُوضِ من الأمتعة: "عَرَضٌ"، بفتح الراء. وصوابُهُ: عَرْضٌ، بإسكانِ الراء) (١)، ولايخرج معنى العرْض في الاصطلاح عن المعنى اللغوي (٢)، وأنها: (غير الأثمان من المال، على اختلاف أنواعه، من النبات والحيوان والعقار وسائر المال) (٣)، وعرْض التجارة أعم الأموال الزكوية (٤). والمقصود بعروض التجارة في الزكاة: (كل ما قصد الاتجار فيه عند تملكه بمعاوضة محضة) (٥)، وقيل هي: (ما يعد لبيع وشراء لأجل ربح غير النقدين غالباً) (٦). والعروض عند المالكية على قسمين: عرْض إدارة، وعرْض احتكار (٧)، (والمراد بالمدير: من يبيع عروضه بالسعر الحاضر ثم يخلفها بغيرها، ولا يرصد نفاق سوق ليبيع، ولا كساده ليشتري فيه، كما يفعله أرباب الحوانيت والجالبون للسلع من البلدان) (٨) و (كأهل الأسواق،

стр. 893

فيجعل لنفسه شهراً في السنة فينظر فيه ما معه من العين، ويقوّم ما معه من العروض ويضمه إلى العين، ويؤدي زكاة ذلك إن بلغ نصاباً بعد إسقاط الدين إن كان عليه، وأما غير المدير وهو الذي يشتري السلع وينتظر بها الغلاء؛ فلا زكاة عليه فيها حتى يبيعها، فإن باعها بعد حول أو أحوال زكى الثمن لسنة واحدة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: يزكي كل عام وإن لم يبع، وهو عندهما مخير بين إخراج الزكاة من العروض أو قيمتها) (١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. … (مما اتفقوا على أنه لا زكاة فيه: كل ما اكتسب للقنية لا للتجارة، من جوهر، وياقوت، ووطاء، وغطاء، وثياب، وآنية نحاس؛ أو حديد، أو رصاص، أو قزدير، وسلاح، وخشب، ودروع وضياع، وبغال، وصوف، وحرير، وغير ذلك) (٢).

стр. 894

٢. و (الحلي المتخذ بنية التجارة تجب زكاته بإجماع، سواء كان لرجل أو امرأة) (١). ٣. وحكي الإجماع على وجوب زكاة عروض التجارة، (ومنع ذلك أهل الظاهر) (٢)، فلم يروا في عروض التجارة زكاةً، وتبعهم على ذلك بعض المعاصرين، وحُكم على رأيهم بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 895

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: الألباني (ت ١٤٢٠) (١)، ومقبل الوادعي (ت ١٤٢٢) (٢). وقد سبقهما من المتأخرين الشوكاني (ت ١٢٥٠) (٣)، وتبعه: صديق حسن خان (ت ١٣٠٧) (٤).

стр. 896

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه ونحوه من الأوصاف، ومن ذلك: أبوعبيد القاسم (ت ٢٢٤) بقوله: (أموال التجار عندنا، وعليه أجمع المسلمون أن الزكاة فرض واجب فيها، وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا) (١). - والخطابي (ت ٣٨٨) بقوله: (احتج … بعض أهل الظاهر ممن لا يرى الزكاة في أموال التجارة … ثم هو عمل الأمة وإجماع أهل العلم، فلا يعد قول هؤلاء معهم خلافاً) (٢). - وابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (وقد شذَّ داود فلم ير الزكاة في العروض) (٣)، وقوله: (وأما داود بن علي فإنه شذ عن جماعة الفقهاء فلم ير الزكاة فيها على حال اشتريت للتجارة أو لم تشتر للتجارة) (٤). - وابن تيمية (ت ٧٢٨) بقوله: (والأئمة الأربعة وسائر الأمة إلا من شذ متفقون على وجوبها في عرض التجارة) (٥). - والزركشي (٧٧٢) بقوله: (عن ابن عمر ﵄: ليس

стр. 897

في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة. رواه البيهقي. مع أن ذلك قد حكاه ابن المنذر إجماعاً، وإن كان قد حكي فيه خلاف شاذ عن داود ونحوه، والله أعلم) (١). - ومحمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣) بقوله: (فتحصل أن جميع ما ذكرناه من طرق حديث أبي ذر، وحديث سمرة بن جندب المرفوعين، وما صح من أخذ عمر زكاة الجلود من حماس، وما روي عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وظاهر عموم الآية الكريمة، وما فسرها به مجاهد، وإجماع عامة أهل العلم إلا من شذّ عن السواد الأعظم= يكفي في الدلالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة) (٢). - وعبدالله المنيع بقوله: (فالقول بأن الزكاة غير واجبة في عروض التجارة قول شاذ) (٣)، وقال: (ولقد نُبش هذا القول من مقبرته قبل -أربعين عاماً-فانقض للرد عليه … وانتهى الأمر بإعادة هذا القول الشاذ إلى قبره ودفنه، ولكن في عصر الحرية الفكرية الفوضوية وجد من يجد في نبشه طريقاً للشهرة والظهور) (٤). - وفي فتاوى اللجنة الدائمة: (إنما نفى ابن حزم وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لأنه لا يقول بتعليل الأحكام، والقول بعدم تعليل الأحكام وأنها لم تشرع لحكم قول باطل … وعلى هذا فمن منع زكاة ما لديه من عروض التجارة فهو مخطئ) (٥).

стр. 898

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب زكاة عروض التجارة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٣). وجه الاستدلال: - هو ما صح عن مجاهد في قول الله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: (من التجارة) (٤)، و (عموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال; لأن قوله تعالى: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ ينتظمها … ويُحتج بظاهر الآية على من ينفي إيجاب الزكاة في العروض) (٥)، (ولا شك أن ما ذكره مجاهد داخل في عموم الآية) (٦). - وقد ترجم لهذه الآية الإمام البخاري فقال: (باب صدقة الكسب والتجارة؛ لقوله تعالى … ) (٧) فأورد الآية، والبيهقي ترجم لها

стр. 899

بقوله: (باب زكاة التجارة) (١). - وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (وهذا عام فيحمل على عمومه إلا ما خصه الدليل) (٢)، كما قال الباجي. - وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ﴾ عموم أيضاً، (ومال التجارة أعم الأموال (٣)، فكانت أولى بالدخول) (٤)، و (أولى بالإيجاب) (٥). ٢/ واستدلوا بحديثين: حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع» (٦)، وحديث أبي ذرٍّ ﵁ مرفوعاً وفيه: «وفي البزِّ صدقته» (٧)، وقول

стр. 900

ابن عمر ﵄: (كان فيما كان من مال في رقيق، أو في دواب، أو بزٍّ يُدار لتجارة، الزكاة كل عام) (١). وجه الاستدلال: - حديث سمرة ﵁ (هذا نصٌّ؛ لأن الذي نعده للبيع هو عروض التجارة) (٢)، وفي حديث أبي ذر ﵁ أوجب في البزّ الصدقة (والبز يطلق على الثياب المعدة للبيع عند البزازين، وزكاة العين لا تجب في الثياب، فتعين الحمل على زكاة التجارة) (٣)، (ولا خلاف أنها لا تجب في عينه، وثبت أنها تجب في قيمته) (٤).

стр. 901

- وأما قول ابن عمر فله حكم الرفع كما قال ابن عبدالبر: (ما كان ابن عمر ليقول مثل هذا من رأيه؛ لأن مثل هذا لا يدرك بالرأي) (١)، وفي قوله: (كان فيما كان) إشارة إلى أن هذا الحكم كان عليه العمل في زمن التشريع. ونوقش هذا الاستدلال: - (أما حديث سمرة فساقط؛ لأن جميع رواته ما بين سليمان بن موسى، وسمرة ﵁ مجهولون لا يعرف من هم) (٢)، وحديث أبي ذر (إسناده غير صحيح مداره على موسى بن عبيدة الربذي) (٣)، قال البخاري عن موسى: (قال يحيى كنا نتقي حديثه تلك الأيام وقال أحمد منكر الحديث) (٤). - (ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة؛ لأنه ليس فيه: أن تلك الصدقة هي الزكاة المفروضة؛ بل لو أراد ﵇ بها الزكاة المفروضة لبين وقتها، ومقدارها، وكيف تُخرج، أمن أعيانها، أم بتقويم، وبماذا تقوّم؟ ومن المحال أن يكون ﵇ يوجب علينا زكاة لا يبين كم هي، ولا كيف تؤخذ. - وهذه الصدقة لو صحت لكانت موكولة إلى أصحاب تلك السلع؛ كما حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك، ثنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا مسدد، ثنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزة قال: مر بنا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة»،

стр. 902

فهذه صدقة مفروضة غير محدودة، لكن ما طابت به أنفسهم، وتكون كفارة لما يشوب البيع مما لا يصح من لغو وحلف) (١). - وحديث أبي ذر ﵁ (فيه لفظة اختلفت النسخ فيها وهي: «البز» فهي في بعضها البز بفتح الموحدة والزاي المعجمة وقد صرح بذلك موسى بن عبيدة وقد علمت ضعفه وفي بعضها "البر" بالباء المضمومة والراء المهملة ولم يتبين لنا ولا لكثيرين قبلنا أيهما الأرجح وهذا كما قال صديق خان في "الروضة": "مما يوجب الاحتمال فلا يتم الاستدلال". قلت: هذا لو صح الحديث فكيف به وهو ضعيف؟!) (٢). وأجيب عن هذه المناقشات: - بأن حديث سمرة سكت عنه أبوداود والمنذري وهذا تحسين منهما، وحسّنه ابن عبدالبر، وقال الشيخ أحمد شاكر ردّاً على ابن حزم: رواته معروفون ذكرهم ابن حبان في الثقات. - وحديث أبي ذر صححه الحاكم وذكر له الحافظ عدة طرق ضعيفة، قال في إحداها: هذا إسناد لابأس به، وقد تأيد الحديثان بالعمومات، وبعمل الصحابة، وإجماع السلف، مع مايعضدهما من النظر الصحيح والقياس السليم (٣).

стр. 903

- أما حمل ابن حزم الصدقة في الحديث على غير الزكاة، فهذا (خلاف الظاهر، بل خلاف لما صرح به من تسميته زكاة في بعض الأحاديث والآثار) (١). - لأن المتبادر من كلمة "الصدقة" هو الزكاة. فقد صحت الأحاديث الكثيرة بتسميتها صدقة، وإذا عرفت ب"أل" كما في الحديث، انصرف إلى اللفظ المعهود، وهو الزكاة (٢). - كما قال الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣)، قال الإمام الشافعي: (ما أخذ من مسلم فهو زكاة، والزكاة صدقة، والصدقة زكاة وطهور أمرهما ومعناهما واحد، وإن سميت مرة زكاة ومرة صدقة، هما اسمان لها بمعنى واحد، وقد تسمي العرب الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وهذا بيّن في كتاب الله ، وفي سنة رسول الله ﷺ ، وفي لسان العرب) (٤). - وحديث التجار ليس فيه (دليل على ما ادعوه؛ لأنه إنما أمرهم في هذا الحديث بشيء من الصدقه غير معلوم المقدار في تضاعيف الأيام ومر الأوقات، ليكون كفارة عن اللغو والحلف) (٥)، و (أنه ينبغي للتجار أن يلازموا الصدقة في كثير من أوقاتهم؛ لما لا يخلو من الأيمان، والمواعيد الكاذبة، فيكفرونها بها) (٦)، فهي كفارة مستحبة وليست صدقة واجبة.

стр. 904

- وابن حزم قال عن هذه الكفارة: (فهذه صدقة مفروضة غير محدودة)، فأوجب الكفارة ولم يوجب الزكاة، فإذا كان على التاجر من الصدقة المفروضة غير المحددة -كما يقول ابن حزم نفسه- مايكون كفارة لمايشوب، فكيف يُعفَى مما هو مفروض على عامة المسلمين؟. - وأما لفظ البر أو البز (فالجواب هو ما قدمنا عن النووي، من أن جميع رواته رووه بالزاي، وصرح بأنه بالزاي البيهقي، والدارقطني) (١)، فالبرتصحيف، وأما البز فـ (لا يقال تصحيف؛ لأنه نُقل مضبوطاً بالزاي) (٢)، مما يدل على حفظ هذا الوجه. ٣/ ومن الأدلة على وجوب زكاة عروض التجارة، أثر أبي عمرو بن حِمَاس (٣)، عن أبيه حماس (٤)، أنه كان يبيع الأدم والجعاب (٥)، وأن عمر قال له: (يا حِماس أدِّ زكاة مالك)، فقال: والله ما لي مال إنما أبيع الأدم والجعاب، فقال: (قوّمه و أدِّ زكاته) (٦)، وقول

стр. 905

ابن عمر ﵁: (ليس في العروض زكاة الا أن تكون للتجارة) (١)، وقول ابن عباس: (لا بأس بالتربص حتى يبيع، والزكاة واجبة عليه) (٢). وجه الاستدلال: قال الطحاوي: (روي عن عمر وابن عمر زكاة عروض التجارة من غير خلاف)، وقال ابن المنذر: (وممن روينا هذا القول عنه عمر بن الخطاب، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس) (٣)، قال البيهقي: (وقد

стр. 906

حكى ابن المنذر عن عائشة وابن عباس مثل ما روينا عن ابن عمر، ولم يحك خلافهم عن أحد) (١). ونوقش هذا الاستدلال بأمور: - (أما حديث عمر؛ فلا يصح؛ لأنه عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه، وهما مجهولان) (٢). - (وأما حديث ابن عباس … [فـ] لا دليل فيه على إيجاب الزكاة في عروض التجارة، وهو خارج على مذهب ابن عباس المشهور عنه في أنه كان يرى الزكاة واجبة في فائدة الذهب، والفضة، والماشية حين تستفاد، فرأى الزكاة في الثمن إذا باعوه … - عن جابر بن زيد أبي الشعثاء عن ابن عباس: أنه قال في المال المستفاد: يزكيه حين يستفيده، وقال ابن عمر: حتى يحول عليه الحول (٣)، وقد بين هذا عطاء: وهو أكبر أصحابه … ) (٤). - فعن ابن جريج قال: قال لي عطاء: (لا صدقة في لؤلؤ، ولا في زبرجد، ولا ياقوت، ولا فصوص ولا عرض ولا شيء لا يدار فإن كان شيء من ذلك يدار ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع) (٥).

стр. 907

- (وأما خبر ابن عمر: فصحيح؛ إلا أنه لا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ وكم قضية خالفوا فيها عمر، وابنه) (١). - (ومع كونه موقوفاً غير مرفوع إلى النبي ﷺ فإنه ليس فيه بيان نصاب زكاتها ولا ما يجب إخراجه منها، فيمكن حمله على زكاة مطلقة غير مقيدة بزمن أو كمية، وإنما بما تطيب به نفس صاحبها، فيدخل حينئذ في عموم النصوص الآمرة بالإنفاق) (٢). والجواب عن هذه المناقشة: - أما أثر عمر ﵁ فقول ابن حزم بأن حماساً وابنه مجهولان، تعقبه أحمد شاكر بقوله: (كلا بل هما معروفان ثقتان) (٣)، (وكم من معروف قد جهله) (٤) ابن حزم. - وعلى فرض التسليم بجهالتهما فابن حِماس (جهالة مثله لا تضر حيث لا يوجد من جرحه، أو طعن فيما ساقه من متن؛ على أن ابن حبان قد ذكره في "الثقات"، والله أعلم، وأمّا أبوه حماس؛ فقد قال الحافظ: "هو مخضرم، كان رجلًا كبيرًا في عهد عمر وذكره ابن حبان في "الثقات") (٥)، وقال ابن تيمية: (اشتهرت القصة بلا منكر) (٦). - وقد سبق في تخريج الأثر أن الإمام أحمد احتج به، واعتمده الشافعي، ونقل ابن حجر عن الدارقطني أنه قال في رجاله: (كلهم ثقات)، وجوّد إسناده ابن كثير، وصححه ابن الملقن.

стр. 908

- فإن لم يُسلّم بذلك، فلهذا الأثر عن عمر شاهدان قويان: الأول صححه ابن حزم، وهو عن عبد الرحمن بن عبد القاري، قال: كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب، فكان إذا خرج العطاء: (جمع أموال التجار، ثم حسبها شاهدها وغائبها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب) (١). - والآخر عن زياد بن حدير، قال: (استعملني عمر على العشر فأمرني أن آخذ من تجار المسلمين ربع العشر) (٢). - والآخر يشبه ماصح عن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب لزريق (٣) بن حيان: (أن انظر من مرّ بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من

стр. 909

أموالهم، مما يديرون من التجارات، من كل أربعين ديناراً، ديناراً. فما نقص، فبحساب ذلك. حتى يبلغ عشرين ديناراً. فإن نقصت ثلث دينار، فدعها ولا تأخذ منها شيئاً) (١). - قال ابن عبدالبر: (معلوم عند جماعة العلماء أن عمر بن عبد العزيز كان لا ينفذ كتاباً ولا يأمر بأمر ولا يقضي بقضية إلا عن رأي العلماء الجلة ومشاورتهم والصدر عما يجمعون عليه ويذهبون إليه ويرونه من السنن المأثورة عن النبي ﷺ وعن أصحابه المهتدين بهديه المقتدين بسنته وما كان ليحدث في دين الله ما لم يأذن الله له به مع دينه وفضله … وقد روي عن عمر بن الخطاب ما يدل على أن عمر بن عبد العزيز طريقه سلك في ذلك) (٢)، وقال ابن العربي: (عمر بن عبدالعزيز كتب بأخذ الزكاة من العروض، والملأ الملأ، والوقت الوقت) (٣). - وأما مذهب ابن عباس ﵁، فنص كلامه أن الزكاة واجبة على التاجر: (والزكاة واجبة عليه) وهذا هو المطلوب، وظاهره الترخيص في تأخير زكاتها حتى يبيع العروض: (لابأس بالتربص حتى يبيع). - وقوله هذا يقابله من قال بالتقويم كل عام، وليس إسقاط الزكاة مما يقابله، وهذا هو سياق الأثر كاملاً وهو ظاهر فيما ذكرت، قال أبو

стр. 910

عبيد: (عن جابر بن زيد أنه قال في مثل ذلك (١): "قوّمه بنحو من ثمنه يوم حلّت فيه الزكاة، ثم أخرج زكاته، على أن ابن عباس كان يقول: لا بأس بالتربص حتى يبيع، والزكاة واجبة عليه") (٢)، فقول جابر بن زيد: (على أن ابن عباس كان يقول) هو تفريع على ما سبق من كلامه. - أما قول عطاء: (ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع)؛ فليس فيه عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة، وهذا سياق الأثر تاماً عند عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لي عطاء: (الصدقة في تبر الذهب، وتبر الفضة إن كان يدار، وإن كان لا يدار، وإن كان مسبوكاً موضوعاً، وإن كان في حلي امرأة، قال: ولا صدقة في اللؤلؤ، ولا زبرجد، ولا ياقوت، ولا فصوص، ولا عرض لا يدار، فإن كان شيء من ذلك يدار ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع) (٣)، ففيه وجوب الزكاة في الذهب والفضة وحليهما مطلقاً، وعدم وجوب الزكاة في اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والفصوص إلا إن كانت عروض تجارة ففيها الزكاة في ثمنها إذا بيعت، ولم يعتبر الحول كمذهب ابن عباس. - ومما يوضح مذهبه أيضاً قوله لابن جريج: (لا زكاة في عرض لا يدار إلا الذهب والفضة، فإنه إذا كان تبراً موضوعاً وإن كان لا يدار زكي) (٤)، وعن ابن جريج قال: قال عطاء في البزّ: (إن كان

стр. 911

يدار كهيئة الرقيق زكى ثمنه) (١)، فمذهب عطاء في وجوب الزكاة كمذهب غيره كما في مصنف ابن أبي شيبة عن عطاء، والزهري، ومكحول، قالوا: (ليس في الجوهر شيء إلا أن يكون لتجارة) (٢). - وأما قول ابن عمر، فلفلظ الزكاة (في هذا السياق لايفهم منها إلا الزكاة المعهودة؛ لأنها حقيقة شرعية) (٣). - والاعتراض عليه بأن قوله ليس بحجة، فالجواب عنه، أن الاستدلال هنا ليس بقول ابن عمر مجرداً، بل من وجهين سبق الإشارة إليهما، وهما: - الأول أن في قوله: (كان فيما كان من مال في رقيق، أو في دواب، أو بزٍّ يُدار لتجارة، الزكاة كل عام)، فالتحديد بكل عام له حكم الرفع (٤)؛ والثاني أن قوله: (ليس في العروض زكاة إلا أن تكون للتجارة) ليس له مخالف من الصحابة كما سبق إثباته، فيكون إجماعاً، كما سيأتي تحقيقه في الدليل الآتي. ٤/ الدليل الرابع هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على وجوب زكاة عروض التجارة غير واحد من العلماء: ١. قال أبوعبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤): (أموال التجار عندنا، وعليه

стр. 912

أجمع المسلمون أن الزكاة فرض واجب فيها) (١). ٢. وقال ابن المنذر (ت ٣١٩): (وأجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول) (٢). ٣. وقال الطحاوي (ت ٣٢١): (روي عن عمر وابن عمر زكاة عروض التجارة من غير خلاف) (٣). ٤. وقال الجصاص (ت ٣٧٠): (وروي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أيضاً زكاة، العروض، ولم يرو عن غيرهم من السلف خلافه، فصار إجماعاً) (٤). ٥. وقال الخطابي (ت ٣٨٨): (روى سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التي يعدونها للبيع، وقد ذكره أبو داود في كتاب الزكاة، ثم هو عمل الأمة، وإجماع أهل العلم) (٥). ٦. وقال الباجي (ت ٤٧٤): (هذا كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بذلك إلى عماله وأصحاب جوائزه، وأخذ رزيق به الناس في زمانه، وهذا مما يحدث به في الأمصار، ولم ينكر ذلك عليه أحد، ولا يعلم أحد تظلم منه بسببه، والناس متوافرون في ذلك الزمان من بقايا الصحابة وجمهور التابعين ممن لا يحصى كثرة، فثبت أنه إجماع) (٦).

стр. 913

٧. وقال البغوي (ت ٥١٦): (قال داود: زكاة التجارة غير واجبة، وهو مسبوق بالإجماع) (١). ٨. وقال ابن العربي (ت ٥٤٣): (ولم يصح فيه خلاف عن السلف) (٢). ٩. وقال ابن قدامة (ت ٦٢٠): (عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، قال: أمرني عمر، فقال: أد زكاة مالك. فقلت: ما لي مال إلا جعاب وأدم. فقال: قومها ثم أد زكاتها. رواه الإمام أحمد، وأبو عبيد. وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعاً) (٣). ١٠. وقال المجد ابن تيمية (ت ٦٥٢) عن وجوب الزكاة في عروض التجارة: (هو إجماع متقدم) (٤). ١١. وقال أبو العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨): (روي عن حماس قال: مر بي عمر فقال: أد زكاة مالك فقلت: مالي إلا جعاب وأدم فقال قومها ثم أد زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع) (٥). ١٢. وقال الشنقيطي (١٣٩٣): (فقد رأيت ثبوت أخذ الزكاة من عروض التجارة عن عمر، ولم يعلم له مخالف من الصحابة، وهذا النوع يسمى إجماعا سكوتياً، وهو حجة عند أكثر العلماء) (٦)، وقال: (وآثار وردت بذلك عن بعض الصحابة ﵃، ولم يعلم أن أحداً منهم خالف في ذلك، فهو إجماع سكوتي) (٧).

стр. 914

١٣. وقال ظفر التهانوي (ت ١٣٩٤) (١): (ابن حزم وإمامه داود بن علي الظاهري محجوجان بإجماع من قبلهما) (٢). ١٤. وقال ابن جبرين (ت ١٤٣٠): (إجماع الأمة من كل مذهب ثابت على أن عروض التجارة فيها زكاة) (٣). ١٥. وفي فتاوى اللجنة الدائمة: (اشتهر ما ذكر عن الصحابة ﵃ ولم ينكر فكان إجماعاً) (٤). ونوقش الاستدلال بالإجماع بأمور: - بعدم التسليم باتفاق الصحابة فـ (قد جاء خلاف ما روي عن عمر، وابن عمر عن غيرهما من الصحابة ﵃ … عن ابن جريج أخبرني نافع الخوزي قال: كنت جالساً عند عبد الرحمن بن نافع إذ جاءه زياد البواب فقال له: إن أمير المؤمنين -يعني ابن الزبير- يقول: أرسل زكاة مالك. فقام فأخرج مائة درهم، وقال له: اقرأ ﵇، وقل له: إنما الزكاة في الناض. قال نافع: فلقيت زياداً فقلت له: أبلغته. قال: نعم، قلت: فماذا قال ابن الزبير. فقال: قال: صدق) (٥)، قال ابن جريج: قال لي عمرو بن دينار: (ما أرى

стр. 915

الزكاة إلا في العين) (١). - و (عن عبد الله بن عون قال: أتيت المسجد وقد قرئ الكتاب، فقال صاحب لي: لو شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز في أرباح التجار ألا يعرض لها حتى يحول عليها الحول) (٢). - قال ابن حزم: (فهذا ابن الزبير، وعبد الرحمن بن نافع وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز، وقد روي أيضاً عن عائشة، وذكره الشافعي عن ابن عباس، وهو أحد قولي الشافعي) (٣). - ويحتمل أن عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة هو قول لعطاء (فقد قال إبراهيم الصائغ: سئل عطاء: تاجر له مال كثير في أصناف شتى، حضر زكاته أعليه أن يقوم متاعه على نحو ما يعلم أنه ثمنه فيخرج زكاته؟ قال: لا ولكن ما كان من ذهب أو فضة أخرج منه زكاته وما كان من بيع أخرج منه إذا باعه. أخرجه ابن زنجويه في كتابه "الأموال" … بسند حسن) (٤). - ونقلُ ابن المنذر للإجماع (ليس بصحيح، فأول من يخالف في ذلك الظاهرية وهم فرقة من فرق الإسلام) (٥) كما قال الشوكاني،
следующие страницы →