← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

يدار كهيئة الرقيق زكى ثمنه) (١)، فمذهب عطاء في وجوب الزكاة كمذهب غيره كما في مصنف ابن أبي شيبة عن عطاء، والزهري، ومكحول، قالوا: (ليس في الجوهر شيء إلا أن يكون لتجارة) (٢). - وأما قول ابن عمر، فلفلظ الزكاة (في هذا السياق لايفهم منها إلا الزكاة المعهودة؛ لأنها حقيقة شرعية) (٣). - والاعتراض عليه بأن قوله ليس بحجة، فالجواب عنه، أن الاستدلال هنا ليس بقول ابن عمر مجرداً، بل من وجهين سبق الإشارة إليهما، وهما: - الأول أن في قوله: (كان فيما كان من مال في رقيق، أو في دواب، أو بزٍّ يُدار لتجارة، الزكاة كل عام)، فالتحديد بكل عام له حكم الرفع (٤)؛ والثاني أن قوله: (ليس في العروض زكاة إلا أن تكون للتجارة) ليس له مخالف من الصحابة كما سبق إثباته، فيكون إجماعاً، كما سيأتي تحقيقه في الدليل الآتي. ٤/ الدليل الرابع هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع على وجوب زكاة عروض التجارة غير واحد من العلماء: ١. قال أبوعبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤): (أموال التجار عندنا، وعليه

стр. 912

أجمع المسلمون أن الزكاة فرض واجب فيها) (١). ٢. وقال ابن المنذر (ت ٣١٩): (وأجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول) (٢). ٣. وقال الطحاوي (ت ٣٢١): (روي عن عمر وابن عمر زكاة عروض التجارة من غير خلاف) (٣). ٤. وقال الجصاص (ت ٣٧٠): (وروي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أيضاً زكاة، العروض، ولم يرو عن غيرهم من السلف خلافه، فصار إجماعاً) (٤). ٥. وقال الخطابي (ت ٣٨٨): (روى سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التي يعدونها للبيع، وقد ذكره أبو داود في كتاب الزكاة، ثم هو عمل الأمة، وإجماع أهل العلم) (٥). ٦. وقال الباجي (ت ٤٧٤): (هذا كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بذلك إلى عماله وأصحاب جوائزه، وأخذ رزيق به الناس في زمانه، وهذا مما يحدث به في الأمصار، ولم ينكر ذلك عليه أحد، ولا يعلم أحد تظلم منه بسببه، والناس متوافرون في ذلك الزمان من بقايا الصحابة وجمهور التابعين ممن لا يحصى كثرة، فثبت أنه إجماع) (٦).

стр. 913

٧. وقال البغوي (ت ٥١٦): (قال داود: زكاة التجارة غير واجبة، وهو مسبوق بالإجماع) (١). ٨. وقال ابن العربي (ت ٥٤٣): (ولم يصح فيه خلاف عن السلف) (٢). ٩. وقال ابن قدامة (ت ٦٢٠): (عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، قال: أمرني عمر، فقال: أد زكاة مالك. فقلت: ما لي مال إلا جعاب وأدم. فقال: قومها ثم أد زكاتها. رواه الإمام أحمد، وأبو عبيد. وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعاً) (٣). ١٠. وقال المجد ابن تيمية (ت ٦٥٢) عن وجوب الزكاة في عروض التجارة: (هو إجماع متقدم) (٤). ١١. وقال أبو العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨): (روي عن حماس قال: مر بي عمر فقال: أد زكاة مالك فقلت: مالي إلا جعاب وأدم فقال قومها ثم أد زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع) (٥). ١٢. وقال الشنقيطي (١٣٩٣): (فقد رأيت ثبوت أخذ الزكاة من عروض التجارة عن عمر، ولم يعلم له مخالف من الصحابة، وهذا النوع يسمى إجماعا سكوتياً، وهو حجة عند أكثر العلماء) (٦)، وقال: (وآثار وردت بذلك عن بعض الصحابة ﵃، ولم يعلم أن أحداً منهم خالف في ذلك، فهو إجماع سكوتي) (٧).

стр. 914

١٣. وقال ظفر التهانوي (ت ١٣٩٤) (١): (ابن حزم وإمامه داود بن علي الظاهري محجوجان بإجماع من قبلهما) (٢). ١٤. وقال ابن جبرين (ت ١٤٣٠): (إجماع الأمة من كل مذهب ثابت على أن عروض التجارة فيها زكاة) (٣). ١٥. وفي فتاوى اللجنة الدائمة: (اشتهر ما ذكر عن الصحابة ﵃ ولم ينكر فكان إجماعاً) (٤). ونوقش الاستدلال بالإجماع بأمور: - بعدم التسليم باتفاق الصحابة فـ (قد جاء خلاف ما روي عن عمر، وابن عمر عن غيرهما من الصحابة ﵃ … عن ابن جريج أخبرني نافع الخوزي قال: كنت جالساً عند عبد الرحمن بن نافع إذ جاءه زياد البواب فقال له: إن أمير المؤمنين -يعني ابن الزبير- يقول: أرسل زكاة مالك. فقام فأخرج مائة درهم، وقال له: اقرأ ﵇، وقل له: إنما الزكاة في الناض. قال نافع: فلقيت زياداً فقلت له: أبلغته. قال: نعم، قلت: فماذا قال ابن الزبير. فقال: قال: صدق) (٥)، قال ابن جريج: قال لي عمرو بن دينار: (ما أرى

стр. 915

الزكاة إلا في العين) (١). - و (عن عبد الله بن عون قال: أتيت المسجد وقد قرئ الكتاب، فقال صاحب لي: لو شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز في أرباح التجار ألا يعرض لها حتى يحول عليها الحول) (٢). - قال ابن حزم: (فهذا ابن الزبير، وعبد الرحمن بن نافع وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز، وقد روي أيضاً عن عائشة، وذكره الشافعي عن ابن عباس، وهو أحد قولي الشافعي) (٣). - ويحتمل أن عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة هو قول لعطاء (فقد قال إبراهيم الصائغ: سئل عطاء: تاجر له مال كثير في أصناف شتى، حضر زكاته أعليه أن يقوم متاعه على نحو ما يعلم أنه ثمنه فيخرج زكاته؟ قال: لا ولكن ما كان من ذهب أو فضة أخرج منه زكاته وما كان من بيع أخرج منه إذا باعه. أخرجه ابن زنجويه في كتابه "الأموال" … بسند حسن) (٤). - ونقلُ ابن المنذر للإجماع (ليس بصحيح، فأول من يخالف في ذلك الظاهرية وهم فرقة من فرق الإسلام) (٥) كما قال الشوكاني،

стр. 916

(ولو سلمناه لما قامت به حجة؛ إلا على من يقول بحجية الإجماع) كما قال صديق خان (١). وأجيب عن هذه المناقشة بأمور: - أما خبر ابن الزبير بالإسناد الذي ذكره ابن حزم فقد قال التهانوي: (أولا يستحي ابن حزم، حيث يجهل المعروفين من الرجال ويحتج بالمجهولين؟ فإن نافع بن الخوزي لم نعرفه، ولم نجد له ترجمة في شيء من كتب الرجال)، قال أحمد شاكر: (: (لم أعرفه ولم أجد له ترجمة) (٢)، وزياد البواب أيضاً لم أعرفه ولم أقف له على ترجمة. - وعلى التسليم بثبوته، فأين ذكر التجارة فيه؟ (ومن أين عرف أن ابن الزبير كان طلب منه زكاة عروض التجارة؟) (٣)، وسياق عبدالرزاق لهذا في (باب لازكاة إلا في الناض) وهو المقابل للدين وماقبله من الآثار ومابعده كلها في زكاة الدين، (ومعناه: إنما الزكاة في النقد لافي الدين حتى يستوفى) (٤)، ولو كان المراد إسقاط زكاة عروض التجارة (لرد ابن الزبير مائة درهم التي أخذها من غير حقها ولم يكن كذلك) (٥)، وبطل بذلك معارضة إجماع الصحابة. - وأما قول عمرو بن دينار: (ما أرى الزكاة إلا في العين)؛ فهو

стр. 917

تعليق منه على أثر ابن الزبير السابق، ومؤكد للمعنى الذي ذكر في المراد به، ومراده بالعين مايقابل الدين، فـ (العين: لفظ مشترك في نحو من عشرين مسمى، والمراد هنا: المال الحاضر، والدين: ما كان في الذمة) (١)، و (أكثر استعمال الفقهاء للأعيان فيما يقابل الديون، وهي الأموال الحاضرة نقداً كانت أو غيره) (٢)، فهو كالمروي عن عائشة وعكرمة وعطاء من قولهم: (ليس في الدين زكاة) (٣)، وهي مسألة خلافية. - أما ماذكره عن عمر بن عبدالعزيز أن عبد الله بن عون قال: (أتيت المسجد وقد قرئ الكتاب، فقال صاحب لي: لو شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز في أرباح التجار ألا يعرض لها حتى يحول عليها الحول)، فمن هو صاحب ابن عون؟! - وعلى تسليم ثبوته، فـ (لاحجة له فيه، بل هو حجة عليه، فإنه أوجب الزكاة في أموال التجارة بعد أن يحول عليها الحول) (٤). - والعجب من ابن حزم كيف يتمسك بمثل هذا، وهو يعرف أن عمر بن عبدالعزيز كتب لزريق بن حيان: (أن انظر من مرّ بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم، مما يديرون من التجارات، من كل أربعين ديناراً، ديناراً) (٥)، وهذا أصح وأظهر عن عمر، وقد ذكره ابن حزم في زكاة الذهب، وأعرض عنه هنا.

стр. 918

- وعمر بن عبدالعزيز لم يتفرد بذلك، قال أبوعبيد: (وهو عندنا على ما قال عمر بن عبد العزيز، أنه لا زكاة في الربح أيضا حتى يحول عليه الحول، وقد كان الليث يقول نحو هذا) (١). - وأما قول ابن حزم: (وقد روي أيضاً عن عائشة، وذكره الشافعي عن ابن عباس، وهو أحد قولي الشافعي) (٢)، فهو معارض بقول ابن المنذر: (أجمع عامة أهل العلم على أن في العروض التي مُلكت للتجارة الزكاة إذا حال [عليها] الحول. وممن روينا هذا القول عنه عمر بن الخطاب، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس) (٣). - وأما قول ابن عباس، فقد سبق تحرير رأيه في وجوب زكاة التجارة، والذي ذكره الشافعي عن ابن عباس مما يخالف ذلك فقد ضعّفه، قال البيهقي: (الذي روى عن ابن عباس أنه قال: لا زكاة في العروض. فقد قال الشافعي: في كتابة القديم إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف) (٤)، قال النووي: (وأما قول ابن عباس فهو ضعيف الإسناد، ضعفه الشافعي ﵁ والبيهقي وغيرهما) (٥). - وإن صح عنهما عدم وجوب زكاة العروض فهو محمول على عرض القنية وليس عرض التجارة، قال ابن عبدالبر: (وقد روي عن ابن عباس وعائشة أنه لا زكاة في العروض، قال سفيان: عن

стр. 919

ابن أبي ذئب، عن القاسم، عن عائشة قالت: ليس في العروض صدقة، وهذا لو صح كان معناه عندنا أن لا زكاة في العروض إذا لم يرد بها التجارة … وكذلك قول كل من روي عنه من التابعين لا زكاة في العروض على هذا محمله) (١)، وقال بعد أن ذكر بعض الأحاديث والآثار: (لهذا ومثله قلنا إن الذي روي عن عائشة وابن عباس في أن لا زكاة في العروض إنما ذلك إذا لم يرد بها التجارة) (٢). - وقال البيهقي عن قول ابن عباس: (يحتمل أن يكون معنى قوله -إن صح-: لا زكاة في العرض، أي: إذا لم يرد به التجارة) (٣)، قال النووي: (ليجمع بينه وبين الأحاديث والآثار السالفة، ولما روى ابن المنذر عنه من وجوب زكاة التجارة) (٤)، (هذا لو كان لها أسانيد معتبرة أو مقاربه؛ فكيف وحالها كما عرفت؟!) (٥). - وأما عطاء فقد سبق توضيح مذهبه وأنه لايخالف في وجوب زكاة التجارة، وقوله: (لا زكاة في عرض لا يدار إلا الذهب والفضة)، وقوله في البزّ: (إن كان يدار كهيئة الرقيق زكى ثمنه)، وأن مذهبه في وجوب الزكاة كمذهب غيره كما في مصنف ابن أبي شيبة عن عطاء، والزهري، ومكحول، قالوا: (ليس في الجوهر شيء إلا أن يكون لتجارة) (٦)، وقد قال ابن عبدالبر: (قول ابن عباس: لا زكاة في العروض، إنما هو في عروض القنية كقول سائر العلماء، وأما

стр. 920

ما ذكره عن عطاء وعمرو بن دينار فقد أخطأ عليهما وليس ذلك بمعروف عنهما) (١). - وأما الإمام الشافعي فقد قال الجويني: (قال الصيدلاني: قد تردد الشافعي في القديم في زكاة التجارة. وهذا لم يحكه عن القديم غيره، فلا التفات إليه)، وقد حكاه بعض من تأخر عن الجويني، فقال الروياني: (نص الشافعي في كتبه القديمة والجديدة: على وجوب الزكاة في عروض التجارة، وقال في موضع من القديم: من الناس من قال: لا زكاة فيها وروي ذلك عن ابن عباس ﵁ وهو القياس) (٢)، ولايصح نسبة القول بعدم الوجوب إلى الشافعي ولا إلى ابن عباس. - قال النووي: (نصوص الشافعي ﵁ القديمة والجديدة متظاهرة على وجوب زكاة التجارة، قال أصحابنا: قال الشافعي ﵁ في القديم: اختلف الناس في زكاة التجارة فقال بعضهم: لا زكاة فيها، وقال بعضهم: فيها الزكاة وهذا أحب إلينا، هذا نصه، … فمنهم من قال: في القديم قولان في وجوبها، ومنهم من لم يثبت هذا القديم، والمشهور للأصحاب الاتفاق على أن مذهب الشافعي ﵁ وجوبها، وليس في هذا المنقول عن القديم إثبات قول بعدم وجوبها، وإنما أخبر عن اختلاف الناس وبين أن مذهبه الوجوب بقوله: وهذا أحب إلي) (٣).

стр. 921

- وأما الظاهرية فهم وإن كانوا من الأمة إلا أن الإجماع القديم سابق لهم، فلا عبرة بخلافهم، وبخاصة فيما خالفوا فيه القياس، ولايعلم من سبق داود إليه، قال الذهبي: (لا ريب أن كل مسألة انفرد بها، وقطع ببطلان قوله فيها، فإنها هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص، وسبقه إليها صاحب أو تابع، فهي من مسائل الخلاف، فلا تهدر) (١)، وفي مسألة سابقة (٢) لخصت القول في خلاف الظاهرية بأن ماقبل الظاهرية من إجماع فهو إجماع باقٍ لايخرمه مخالفة الظاهرية، و كل قول ليس لهم فيه سلف، أو كان سبب خلافهم اعتمادهم على أصل مبتدع فهو هدر. - وقد شنّع ابن تيمية على الظاهرية في بعض أصولهم، فقال: (ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر … وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا) (٣)، ولعل هذا النقل عن ابن تيمية يكون مدخلاً إلى الدليل الخامس. ٥/ ومن أدلتهم على وجوب زكاة عروض التجارة من المعقول: القياس. - (أما القياس الذي اعتمده الجمهور: فهو أن العروض المتخذة

стр. 922

للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق) (١)، وتوضيحاً لذلك: - فإن (الأثمان لما كانت على ضربين: منها: ما لا تجب فيه الزكاة، وهو الحلي المعد لاستعمالٍ مباحٍ. ومنها: ما تجب فيه الزكاة، وهو ما عدا ذلك. والماشية على ضربين: منها: ما لا تجب فيه الزكاة، وهي المعلوفة، ومنه: ما تجب فيه الزكاة، وهي السائمة. وجب أيضًا أن تكون العروض على ضربين: منها: ما لا تجب فيه الزكاة، وهو ما لا يكون للتجارة. ومنها: ما تجب فيه الزكاة، وهو ما أعد للتجارة. ووجه المشابهة بينهما: أنه مالٌ: يطلب فيه النماء، فوجبت فيه الزكاة، كالأثمان والسائمة) (٢).

стр. 923

ونوقش هذا الاستدلال: - بأن قولهم: (إن الزكاة فيما ينمى، فدعوى كاذبة متناقضة؛ لأن عروض القنية تنمى قيمتها كعروض التجارة ولا فرق. - فإن قالوا: العروض للتجارة فيها النماء. قلنا: وفيها أيضاً الخسارة، وكذلك الحمير تنمى، ولا زكاة فيها عندهم، والخيل تنمى، ولا زكاة فيها … ) (١). ويمكن الجواب عن ذلك: بأن نمو التجارة نمو حقيقي بالأرباح كنمو السائمة بنتاجها، وتعرضها للخسارة كتعرض السائمة للتلف، والعمدة في الفرق بين التجارة وما ذكره من الحمير والخيل أن الصحابة أجمعوا على زكاة التجارة ولم يجمعوا على ماذكر مع ورود الأدلة الخاصة بالعفو عن زكاتها، بل (لا أعرف قائلاً من أهل العلم يقول بوجوب الزكاة في الحمير لغير تجارة واستغلال) (٢). المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم وجوب زكاة عروض التجارة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من

стр. 924

الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (٢)، وما ورد كذلك من العفو عن صدقة الخيل والحمير (٣). وجه الاستدلال: - أن النبي ﷺ أسقط الزكاة عما دون ما ذكر في حديث أبي سعيد (فمن أوجب زكاة في عروض التجارة فإنه يوجبها في كل ما نفى عنه ﵇ (٤). - (ومن أوجب الزكاة في عروض التجارة فإنه يوجبها في الخيل، والحمير، والعبيد، وقد قطع رسول الله ﷺ بأن لا زكاة في شيء منها إلا صدقة الفطر في الرقيق؛ فلو كانت في عروض التجارة، أو في شيء مما ذكر ﵇ زكاة إذا كان لتجارة لبيّن ذلك بلا شك؛ فإذ لم يبينه ﵇ فلا زكاة فيها أصلاً) (٥). - وقوله ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (ظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال) (٦). - (وقد صح الإجماع المتيقن على أن حكم كل عرض كحكم الخيل، والحمير، والرقيق، وما دون النصاب من الماشية،

стр. 925

والعين … وصح بالنص ألا زكاة في الخيل، ولا في الرقيق، ولا في الحمير، ولا فيما دون النصاب من الماشية والعين، وصح الإجماع من كل أحد على أن حكم كل عرض في التجارة كحكم هذه. فصح من ذلك ألا زكاة في عروض التجارة بالإجماع المذكور. وقد صح الإجماع أيضا على أنه لا زكاة في العروض) (١). ونوقش هذا الاستدلال: - أما حديث أبي سعيد فهو في بيان النصاب، وهذا معمول به في عروض التجارة أيضاً، فنصابها نصاب الفضة المذكور في الحديث، أو نصاب الذهب. - وأما العفو عن صدقة الفرس والحمير فهذا حق؛ لأنها مما يقتنى غالباً وعروض القنية لاتجب فيها الزكاة، و (أجرى العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين سائر العروض كلها على اختلاف أنواعها مجرى الفرس والعبد إذا اقتنى ذلك لغير التجارة) (٢)، فـ (الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال العلماء كافة من السلف والخلف) (٣). - وفي الحديث إشارة إلى ذلك حيث قال: «فرسه … عبده» بصيغة الإفراد فمال التجارة في الغالب جمع، (فهو محمول على ما ليس للتجارة، ومعناه لا زكاة في عينه بخلاف الأنعام) (٤)، قال ابن

стр. 926

قدامة: (خبرهم المراد به زكاة العين، لا زكاة القيمة … على أن خبرهم عام وخبرنا خاص، فيجب تقديمه) (١). - و (زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخص به عموم هذا الحديث) (٢). - وفي استدلال الظاهري بهذا الحديث على عدم [وجوب] الزكاة في عروض التجارة، نقض لأصله في القياس، حيث قاس غير العبد والخيل والحمير عليها، و (نقض لأصله في الاحتجاج بالظاهر; لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾) (٣)، فـ (هذا فرسه وعبده لازكاة فيه بهذا الحديث، فغيره من أمواله ما تنفي عنه الزكاة وماتخرجه من عموم القرآن، وكذلك إن كان عنده أفراس وعبيد، والنبي ﷺ إنما نفى الزكاة عن فرس وعبد، وعلى أصله لاينفى إلا مانفى فيبقى الباقي تحت العموم) (٤). - (فالواجب على أصل أهل الظاهر أن تكون الزكاة تؤخذ من كل مال ما عدا الرقيق والخيل؛ لأنهم لا يقيسون على الخيل والرقيق ما كان في معناهما من العروض، ولا إجماع في إسقاط الصدقة عن العروض المبتاعة للتجارة، بل القول في إيجاب الزكاة فيه نوع من الإجماع، وفي هذا كله وما كان مثله أوضح الدلائل على تناقضهم فيما قالوه ونقضهم لما أصلوه) (٥). ٢/ واستدلوا على عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة بالبراءة

стр. 927

الأصلية (١)، (وقد كانت التجارة في عصره ﷺ قائمة في أنواع ما يتجر به ولم ينقل عنه مايفيد ذلك) (٢)، فـ (البراءة الأصلية مستصحبة حتى يقوم دليل ينقل عنها) (٣). ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال: - بأن دليل البراءة الأصلية متأخر في الرتبة، وإنما يستقيم الاستدلال به عند عدم المعارض الراجح، فهي آخر مدار الفتوى، (لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل) (٤)، وقد أقام الجمهور الأدلة التي نصبها الشارع للدلالة على وجوب زكاة عروض التجارة. - قال ابن عبدالبر: (احتجاج أهل الظاهر في هذه المسألة ببراءة الذمة عجب عجيب؛ لأن ذلك نقض لأصولهم ورد لقولهم وكسر للمعنى الذي بنوا عليه مذهبهم في القول بظاهر الكتاب والسنة؛ لأن الله قال في كتابه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولم يخص مالاً من مال، وظاهر هذا القول يوجب على أصوله أن تؤخذ الزكاة من كل مال إلا ما أجمعت الأمة أنه لا زكاة فيه من الأموال، ولا إجماع في إسقاط الزكاة عن عروض التجارة بل القول في إيجاب الزكاة فيها إجماع من الجمهور الذين لا يجوز الغلط عليهم ولا الخروج عن جماعتهم؛ لأنه مستحيل أن يجوز الغلط في التأويل على جميعهم) (٥)

стр. 928

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بعدم وجوب زكاة عروض التجارة إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته لإجماع الصحابة، فقد صح عن عمر وابنه عبدالله وابن عباس ﵃ إيجاب الزكاة في عروض التجارة، مع اشتهار هذا الأمر بأخذ الخلفاء، كما أرسل عمر الفاروق ﵁ من يأخذ الزكاة من التجار، ولم يعترض أحد من الصحابة، وأرسل عمر بن عبدالعزيز (ت ١٠١) عماله لأخذ الزكاة من التجار، ولم يُعترض عليه (والملأ الملأ، والوقت الوقت) (١)، (وهذا مما يحدث به في الأمصار، ولم ينكر ذلك عليه أحد، ولا يعلم أحد تظلم منه بسببه، والناس متوافرون في ذلك الزمان من بقايا الصحابة وجمهور التابعين ممن لا يحصى كثرة) (٢). ولا يعرف من قررّ عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة قبل داود (ت ٢٧٠) ومن بعده ابن حزم الظاهريان، ثم الشوكاني وصديق خان، فالألباني والوادعي، والله أعلم.

стр. 929

المبحث الثالث: عدم وجوب زكاة الأوراق النقدية وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 930

قال الشاطبي في الموافقات (٥/ ١٣٦ - ١٣٨): (زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليداً له … [و] لا يصح اعتمادها خلافاً في المسائل الشرعية)، وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ١٣٣): (فإذا عرف أنها زلة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين، فإنه اتباع للخطأ على عمد، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه، وكلاهما مفرط فيما أمر به).

стр. 931

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الأوراق والوَرَق: جمع وَرَقة، (وأصله ورق الشجر … والوَرَق: المال، من قياس ورق الشجر؛ لأن الشجرة إذا تحات ورقها انجردت كالرجل الفقير، قال: إِلَيْكَ أَدْعُو فَتَقَبَّلْ مَلَقِي … وَاغْفِرْ خَطَايَايَ وَثَمِّرْ وَرَقِي) (١). والنقد في اللغة: (يدل على إبراز شيء وبروزه) (٢)، قال في العين: (النَّقْدُ: تمييز الدراهم، وإعطاؤكها إنساناً وأخذها) (٣). والنقد عند الفقهاء: (عبارة عن الذهب والفضة … وأيضاً خلاف النسيئة) (٤)، والغالب إطلاق النقد على (العملة من الذهب والفضة، ويقال لهما النقدان) (٥). - وقيل في تعريف النقد بأنه: (كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل) (٦)، و (وهو أقرب تعريف للنقد يمكن أن يكون جامعاً مانعاً) (٧)، (ثم إن النقد

стр. 932

أصبح تعريفه الآن متفقاً عليه لدى علماء الاقتصاد والمال بأنه الشيء الذي يلقى قبولاً عامًا كوسيط للتبادل) (١). - ومن محترزات التعريف قولهم: (عاماً) احترازا من وسيط التبادل الذي يكون قبوله خاصاً؛ كالشيكات، والسندات الإذنية، والكمبيالات، وتعبيرهم بـ (يلقى) بالمضارع دون الماضي (لقي)، احتراز من العملات السابقة التي بطل التعامل بها عرفاً أو نظاماً (٢)، والقبول العام للتبادل (سواء كان للندرة الكامنة في نفسه كالذهب والفضة، أو كان للثقة والحكم السلطاني كالأوراق النقدية) (٣). - وهذا التعريف الجامع للنقد أشار إليه الإمام مالك، وقرره أبو العباس ابن تيمية، حيث قال مالك: (لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين، لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظِرة) (٤)، وقال ابن تيمية: (وأما الدرهم والدينار فما

стр. 933

يعرف له حد طبعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به؛ بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثماناً؛ بخلاف سائر الأموال فإن المقصود الانتفاع بها نفسها؛ فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت) (١). - وقد (مرّ النظام النقدي القائم الآن بمراحل تاريخيه، تطور فيها من حال إلى حال حتى وصل إلى ما نحن عليه الآن، وما زال يتطور حتى يتنبأ بعض رجال الاقتصاد أن نصل في وقت قريب إلى الحال التي لا نحتاج أن نحمل نقودًا حين نتسوق) (٢). - و (من المعلوم أن التعامل بالورق بدلاً عن الذهب والفضة أمر قد حدث بعد عصور الأئمة الأربعة، وعصور تدوين الفقه الإسلامي،

стр. 934

وما انتشرت إلا في القرن الثامن عشر ميلادياً فقط، ولهذا لم يكن لأحد الأئمة ﵏ رأي فيها، ومنذ أن وجدت وعلماء المسلمين مختلفون في تقييمها وفي تحقيق ماهيتها ما بين كونها سندات عن ذهب أو فضة، أو عروض تجارة، أو نقد بذاتها) (١)، أو هي ملحقة بالفلوس. - (فبعضهم يرجح في ذلك جانب المعنى أو المقصد، ومنهم من يرجح جانب اللفظ أو الصورة فمن قال: إن القراطيس المالية التي تدعى "بنك نوت" (٢)، ويطلق عليها بعض العرب لفظ "الأنواط" (٣)، هي من عروض التجارة، وجعل التعامل بها كبيع

стр. 935

العرض بمثله أو بالنقد، فقد بالغ في الوقوف عند ظاهر الصورة، فالعروض قيمتها ذاتية وهذه لا قيمة لها في ذاتها، ومن قال: إنها في حكم السندات والسفاتج راعى الصورة أيضًا من جهة والمعنى من أخرى، ووجه قوله: إنها أوراق تؤخذ في مقابلة نقد، ويسترجع مثل ذلك النقد بإعادتها، وغفل عن الفرق الكبير بينها وبين السندات بالمعنى الفقهي، وهو أن السند يكون بدين على شخص معين، وهذه القراطيس تروج في الأسواق المالية، فيشترى بها من كل أحد كالنقدين بلا فرق) (١). - وأختم هذه المقدمة بالتفريق بين الأوراق النقدية والفلوس التي ذكرها الفقهاء في كتبهم؛ لأن هناك من ألحق الأوراق النقدية بها في الحكم، ومنهم من جعل الأوراق النقدية من الفلوس (٢)، والحقُّ أن بينهما فروقاً. - فالفلوس هي: (قطع من النحاس أو الصفر ونحوهما، من المعادن المسكوكة التي يتعامل بها في المحقرات) (٣)، فهي عملة مساعدة بجانب العملة الرائجة من النقدين، وجعلت (من النقود الزهيدة القيمة، الرخيصة المعدن كالنحاس) (٤). - (و قد نشأت هذه الفلوس نظراً لاحتياج الناس إلى تقييم الأشياء

стр. 936

التي يصعب تقييمها بالذهب و الفضة، و ذلك نظراً لشدة رخص هذه الأشياء، و ارتفاع قيمتي الذهب و الفضة على خفة وزنهما، فصعب تقييم هذه الأشياء الرخيصة بالذهب و الفضة، فكانت الفلوس المصنوعة من المعادن الرخيصة لتكون قيَماً لهذه الأشياء) (١)، وأشار إلى ذلك المعنى السرخسي حين قال: (ألا ترى أن الفلوس تروج تارة وتكسد أخرى، وتروج في ثمن الخسيس من الأشياء دون النفيس بخلاف النقود) (٢)، وارتبط ذلك المعنى بالإفلاس الذي يذكره الفقهاء في باب الحجر؛ لأن من ملكها فكأنه لم يملك شيئاً لقلة جدواها ويسير نفعها (٣). - وهذا سياق تاريخي لطيف ذكره المقريزي (ت ٨٤٥) بقوله: (لما كانت في المبيعات محقرات تقل عن أن تباع بدرهم، أو بجزء منه، احتاج الناس من أجل هذا في القديم والحديث من الزمان إلى شيء سوى الذهب والفضة، يكون بإزاء تلك المحقرات، ولم يسمّ أبداً ذلك الشيء الذي جعل للمحقرات نقداً البتة، فيما عرف من أخبار الخليقة، ولا أقيم قط بمنزلة أحد النقدين، واختلفت مذاهب البشر وآراؤهم فيما يجعلونه بإزاء تلك المحقرات، ولم يزل بمصر

стр. 937

والشام وعراقي العرب والعجم وفارس والروم في أول الدهر وآخره، ملوك هذه الأقاليم، لعظمهم وشدة بأسهم، ولعزة ملكهم، وكثرة شأوهم، وخنزوانية (١) سلطانهم، يجعلون بإزاء هذه المحقرات نحاساً يضربون منه قطعاً صغاراً تسمى فلوساً لشراء ذلك، ولا يكاد يوجد منها إلا اليسير، ومع ذلك فإنها لم تقم أبداً في شيء من هذه الأقاليم، بمنزلة أحد النقدين قط. - وقد كانت الأمم في الإسلام وقبله، لهم أشياء يتعاملون بها بدل الفلوس كالبيض، والكسر من الخبز، والورق، ولحاء الشجر، والودع الذى يستخرج من البحر ويقال له: الكورى وغير ذلك … وكانت الفلوس لا يشترى بها شيء من الأمور الجليلة، وإنما هى لنفقات الدور، ومن أنعم النظر في أخبار الخليفة عرف ما كان الناس فيه بمصر والشام والعراق من رخاء الأسعار، فيصرف الواحد العدد اليسير من الفلوس في كفاية يومه) (٢). - فالفلوس (يتفق الفقهاء والمؤرخون على أنها أدنى ما يتعامل به من المال) (٣)، ونص على ذلك محمد نجيب المطيعي بقوله عن الفلوس: (أدنى ما يتعامل من المال، ويسمى في الشام قرشاً، وفى العراق فلساً، وفى مصر والسودان مليماً، وفي الحجاز ونجد هللة، وفى اليمن بقشة، وفى المغرب والجزائر بيزا أو بسيطة، وفي اليونان دراخما، وفى اليابان ين، وفى انجلترا وأمريكا بنس) (٤). - قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (الفلوس الحديدية لا يتعامل

стр. 938

بها بالعرف الجاري قديماً وحديثاً، إلا في المحقرات فلا يشترى بها شيء له بال بخلاف الأوراق، فدل على أنها أقرب للفضة من الفلوس) (١)، فالذهب والفضة كانت للأشياء التي لها بال، فلما عسر استعمالهما في الاحتياجات الرخيصة لغلاء معدنهما، أوجد الناس هذه الفلوس وتعاملوا بها زمناً مع دينار الذهب ودرهم الفضة، ثم حلّت الأوراق النقدية محل الدينار والدرهم والفلس. - ولم يكن يتصوّر الفقهاء أن يحل شيء محل الذهب والفضة في النقدية، وعبّر بعضهم عنهما بأنهما خلقا للثمنية (٢)، وهذا التصور سببٌ في قصر العلة الربوية عند بعض العلماء، وعدم القياس عليهما، كمن عبّر عن علة الربا فيهما بأنها الثمنية الغالبة كما هو المشهور عند الشافعية (٣)، قال المقريزي الشافعي: (ولا يعلم في

стр. 939

خبر صحيح ولا سقيم عند أمة من الأمم، ولا طائفة من طوائف البشر، أنهم اتخذوا أبدا في قديم الزمان ولا حديثه نقدا غيرهما) (١) أي: الذهب والفضة. وبعد هذه المقدمة المختصرة المهمة، فهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع: ١. … (تجب الزكاة في الذهب والفضة بالإجماع … وسواء فيهما المسكوك، والتبر، والحجارة منهما، والسبائك وغيرها من جنسها إلا الحلي المباح على أصح القولين) (٢). ٢. … (وأما المعادن: فإن الأمة مجمعة بلا خلاف من أحد على أن الصفر، والحديد، والرصاص، والقزدير (٣) لا زكاة في أعيانها، وإن كثرت) (٤).

стр. 940

٣. أما الأوراق النقدية (فجنس الورق بغض النظر عن أنواعه مال متقوم مدخر مرغوب فيه، يباع ويشترى وينتفع به … وهو لاشك بهذا الاعتبار عرض من أجناس العروض له حكمها) (١). ٤. و (محل النقاش فيما إذا عمدت الجهات المختصة إلى نوع من جنس الورق فأخرجت للناس منه قصاصات صغيرة مشغولة بالنقش والصور والكتابات، وقررت التعامل بها كنقد وتلقاها الناس بالقبول) (٢)، فعامة العلماء المعاصرين على أن لها حكم النقدين في وجوب الزكاة، وحكي إجماعاً، وخالف بعضهم، وحُكم على قولهم بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 941

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: في بدايات ظهور الأوراق النقدية، قال به: أحمد الخطيب (١) (ت ١٣٣٤) (٢)، وأفتى به عليش المالكي (ت ١٢٩٩) (٣).

стр. 942

ولا أعرف من يقول به الآن إلا الأحباش (١)، ولايخفى أن الأوراق النقدية مرّت بمراحل وتطوّرات لا ينبغي إغفالها عند دراسة القول ورتبته، وستأتي الإشارة إليها.

стр. 943

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع المحكي، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع. ٢/ النص على شذوذه ونحوه من الأوصاف، ومن ذلك: - عطية سالم (ت ١٤٢٠) بقوله: (يقال لمن لا يرى الزكاة في الأوراق النقدية: أنه يترتب عليه باطل خطير، وهو تعطيل ركن الزكاة، وحرمان المسكين من حقه المعلوم في أموال الأغنياء، وما ترتب عليه باطل; فهو باطل) (١). - ابن عثيمين (ت ١٤٢١) بقوله: (الأوراق النقدية هذه تعرفون أنها حدثت أخيراً، وأنها لا تعرف فيما سبق، فاختلف العلماء في شأنها … فمنهم من يقول: إنها مثل الثياب لا يجري فيها الربا، ولا تجب فيها الزكاة … ولا شك أن هذا القول باطل ولا عبرة به) (٢)، وقال أيضاً: (هذا القول لا أظن أن قدم عالم تستقر عليه، لما يلزم عليه من هذا اللازم الباطل، ألاَّ ربا بين الناس اليوم؛ لأن غالب تعاملهم بالأوراق النقدية، وألا زكاة على من يملك الملايين من هذه الأوراق ما لم يعدها للتجارة) (٣). - أ. د. وهبة الزحيلي (ت ١٤٣٦) بقوله: (القول بعدم الزكاة فيها لاشك بأنه اجتهاد خطأ؛ لأنه يؤدي في النتيجة البينة ألاّ زكاة على أخطر

стр. 944

وأهم نوع من أموال الزكاة، فيجب قطعاً أن تزكى النقود الورقية) (١). - و عبدالله المنيع بقوله: (في القول بعرضية الأوراق النقدية تفريط لاحد له، وذلك بفتح أبواب الربا على مصراعيها، وإسقاط الزكاة عن غالب الأموال المتمولة في وقتنا هذا (٢)، يتضح التفريط وتظهر بشاعة هذه النظرية، وتعين إنكارها والبراءة منها … لاشك أن هذه النظرية وماتستلزمه من أحكام مثار إنكار، وحق لمن أنكرها أن يبالغ في إنكارها) (٣). - وفي الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: (للحبشي العديد من الفتاوى الشاذة القائلة بجواز التحايل في الدين … كما يجيز للناس ترك زكاة العملة الورقية بدعوى أنها لا علاقة لها بالزكاة) (٤).

стр. 945

- وفي موقع الدرر السنية العلمي: (للأحباش فقه شاذ لم يسبقهم إليه أحد ونذكر هنا أمثلة على هذا الشذوذ الفقهي: … ٢ ـ إسقاط الزكاة في العملة الورقية وإيجابها في الذهب والفضة فقط) (١).

стр. 946

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب زكاة الأوراق النقدية (١): استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٣). وجه الاستدلال: عموم الآية يدخل فيه الأوراق النقدية (٤)، لأنها من جملة الأموال، بل هي أهم الأموال اليوم وأكثرها رواجاً، وحلّت محل النقدين في كل تعامل كما يوضحه الدليل الآتي.

стр. 947

٢/ ومن أدلتهم: قياس الورق النقدي على النقدين من الذهب والفضة، والجامع بينها هو: أداء الورق النقدي لجميع وظائف النقدين، فهي مقياس للقيم، ومستودع للثروة والادخار، ولها قوة في إبراء الذمم من الديون، وكل الناس تثق بتبادلها والتعامل بها (١)، ومن ذلك أنها: (تُدفع مهرًا، فتستباح بها الفروج شرعًا دون أيّ اعتراض، وتدفع ثمنًا، فتنقل ملكيّة السلعة إلى دافعها بلا جدال، وتدفع أجرًا للجهد البشريّ فلا يمتنع عاملٌ أو موظّفٌ من أخذها جزاءً على عمله، وتدفع بها دية في القتل الخطأ، أو شبه العمد، فتبرئ ذمّةَ القاتل، ويرضى أولياء المقتول، وتُسْرَقُ فيستحقّ سارقها عقوبة السرقة بلا مراء من أحد، وتُدّخر وتُملك، فيعدّ مالكها غنيًّا بقدر ما يملك منها، فكلما كثرت في يده عظم غناه عند الناس، وعند نفسه، ومعنى هذا كلّه أن لها وظائف النقود الشرعيّة، وأهمّيّتها، ونظرة المجتمع إليها) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن قياسها على النقدين قياس مع الفارق؛ لرواج ذات النقدين في كل بلد، بخلاف الورق فالتعامل به في الدولة التي اعترفت بها فقط. - ولأن الورق ثمنيته ليست لازمة بل تحتمل الزوال؛ لأنها ثبتت بالاصطلاح فتزول بالاصطلاح، وأما الذهب والفضة فلا تسقط قيمتهما.

стр. 948

- ولأن قيمة الورق ترتفع وتنخفض فهو كالعروض، وقيمته في أمر خارج عنه لا في نفسه فهو أشبه بالطوابع، بخلاف الذهب والفضة فقيمتهما ثابتة و ذاتية (١). ويمكن الجواب عن المناقشة: - أن القياس إذا كان الجامع فيه أقوى من الفارق، والعلة ظاهرة منضبطة، فلا يقدح فيها وصف طردي أو علة ضعيفة يظهر للناظر فيها فرق؛ لأنها ليست بعلة أصلاً (٢). - والورق النقدي ثمن لكل الأشياء اليوم، عند كل الناس دون تردد، بل لا يعرف أكثرهم نقوداً غيرها، و الثمنية هي العلة التي ألحقت الورق بالنقدين وهي متحققة. - أما الأوصاف الأخرى التي فيها فرق بين الأصل والفرع فتسقط عند تنقيح المناط، ومع ذلك فإن الجواب عنها هو الآتي: - أما كون الورق يروج في كل بلدة اعترفت به فقط، فهذا مرجعه إلى اختلاف جهات الإصدار، وإلا فالورق رواجه والتعامل به بدل الذهب والفضة أصبح في كل بلد، مع إمكان صرف الورق ببدله من العملة الرائجة في كل بلد تختلف جهة إصدارها عن الأخرى. - وأما كون الورق ثمنيته ليست لازمة، فهذا لا أثر له، لأن هذا الحكم الطارئ على الورق بالثمنية لايختص به، بل هو في كل ما

стр. 949

اتخذه الناس ثمناً، فلا يتقيد بالورق ولا بالجلد ولا بالمعدن، ومتى وجدت الثمنية المطلقة وجد هذا الحكم، لأن (الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل، بها ولهذا كانت أثماناً … والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت) (١). - وأما ارتفاع قيمة الورق وانخفاضه، فهذا غير مختص بالورق، فالذهب والفضة قيمته في انخفاض وارتفاع مستمر، والفضة تغيرها أظهر فقد كان دينار الذهب يساوي عشرة دراهم ووصل إلى خمسة وثلاثين درهماً. - والتغاير في عملات الورق يعود إلى اختلاف جهات الإصدار في الاحتياط والتساهل، وما تتخذه من أسباب لإحلال الثقة بها، ووضع بلادها الاقتصادي، وما تكون عليه الدولة من قوة وسعة سلطان، فلذلك كانت كل عملة جنساً يختلف عن جنس عملة البلد الآخر تبعاً لتعدد الإصدار، كما أن الذهب والفضة جنسان لاختلاف أحدهما عن الآخر في قيمتهما (٢). - ولا يمكن اعتبارها من العروض أو الطوابع؛ لأنها لم تسك عروضاً وإنما سكت لتحل محل النقدين وتؤدي وظائفهما، ولأن الطوابع تستعمل في أشياء مخصوصة وإذا استعملت مرة بطل مفعولها، بخلاف الأوراق النقدية (٣).

стр. 950

- فالكلام في قيمة الورق حال التعامل به لا حال إبطال التعامل به، على أن الورق له قيمة في ذاته، ترتفع بما ربط بها من منفعة كالثمنية أو كتابة علم نافع فيها (١). ٣/ الدليل الثالث هو الإجماع، ولم أقف على من نقله إلا محمد تقي العثماني (٢) بقوله: (تجب الزكاة على الأوراق النقدية بالإجماع) (٣). - والشيخ يعرف الخلاف بل قد حكاه، لكنه يرى فيما يظهر أن حقيقة الأوراق اختلفت من زمن إلى زمن، وما كان محل خلاف فيما سبق لم يعد الآن من يقول به لاختلاف الحقيقة، فمما قاله: (لا شك أنها كانت وثائق للديون في مبدأ أمرها، ولذلك أفتى كثير من العلماء بأنها سندات ديون وليست أموالاً ولا أثماناً … وكذلك أفتى كثير من علماء الهند في القرن السابق بكون هذه الأوراق وثائق دين … ولكن كان هناك في الوقت نفسه ثلة من العلماء والفقهاء، يعتبرون هذه الأوراق أموالاً، كأثمان عرفية … ولو أردنا أن نحاكم بين هذين الرأيين، فإني أرى أن كلا الرأيين مصيب بالنسبة إلى أزمنة مختلفة، فقد شرحنا عند بيان تاريخ النقود ما مر على هذه الأوراق من تطورات، فلا شك أنها كانت في بداية أمرها سندات
следующие страницы →