← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب زكاة الأوراق النقدية (١): استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٣). وجه الاستدلال: عموم الآية يدخل فيه الأوراق النقدية (٤)، لأنها من جملة الأموال، بل هي أهم الأموال اليوم وأكثرها رواجاً، وحلّت محل النقدين في كل تعامل كما يوضحه الدليل الآتي.

стр. 947

٢/ ومن أدلتهم: قياس الورق النقدي على النقدين من الذهب والفضة، والجامع بينها هو: أداء الورق النقدي لجميع وظائف النقدين، فهي مقياس للقيم، ومستودع للثروة والادخار، ولها قوة في إبراء الذمم من الديون، وكل الناس تثق بتبادلها والتعامل بها (١)، ومن ذلك أنها: (تُدفع مهرًا، فتستباح بها الفروج شرعًا دون أيّ اعتراض، وتدفع ثمنًا، فتنقل ملكيّة السلعة إلى دافعها بلا جدال، وتدفع أجرًا للجهد البشريّ فلا يمتنع عاملٌ أو موظّفٌ من أخذها جزاءً على عمله، وتدفع بها دية في القتل الخطأ، أو شبه العمد، فتبرئ ذمّةَ القاتل، ويرضى أولياء المقتول، وتُسْرَقُ فيستحقّ سارقها عقوبة السرقة بلا مراء من أحد، وتُدّخر وتُملك، فيعدّ مالكها غنيًّا بقدر ما يملك منها، فكلما كثرت في يده عظم غناه عند الناس، وعند نفسه، ومعنى هذا كلّه أن لها وظائف النقود الشرعيّة، وأهمّيّتها، ونظرة المجتمع إليها) (٢). ونوقش هذا الاستدلال: - بأن قياسها على النقدين قياس مع الفارق؛ لرواج ذات النقدين في كل بلد، بخلاف الورق فالتعامل به في الدولة التي اعترفت بها فقط. - ولأن الورق ثمنيته ليست لازمة بل تحتمل الزوال؛ لأنها ثبتت بالاصطلاح فتزول بالاصطلاح، وأما الذهب والفضة فلا تسقط قيمتهما.

стр. 948

- ولأن قيمة الورق ترتفع وتنخفض فهو كالعروض، وقيمته في أمر خارج عنه لا في نفسه فهو أشبه بالطوابع، بخلاف الذهب والفضة فقيمتهما ثابتة و ذاتية (١). ويمكن الجواب عن المناقشة: - أن القياس إذا كان الجامع فيه أقوى من الفارق، والعلة ظاهرة منضبطة، فلا يقدح فيها وصف طردي أو علة ضعيفة يظهر للناظر فيها فرق؛ لأنها ليست بعلة أصلاً (٢). - والورق النقدي ثمن لكل الأشياء اليوم، عند كل الناس دون تردد، بل لا يعرف أكثرهم نقوداً غيرها، و الثمنية هي العلة التي ألحقت الورق بالنقدين وهي متحققة. - أما الأوصاف الأخرى التي فيها فرق بين الأصل والفرع فتسقط عند تنقيح المناط، ومع ذلك فإن الجواب عنها هو الآتي: - أما كون الورق يروج في كل بلدة اعترفت به فقط، فهذا مرجعه إلى اختلاف جهات الإصدار، وإلا فالورق رواجه والتعامل به بدل الذهب والفضة أصبح في كل بلد، مع إمكان صرف الورق ببدله من العملة الرائجة في كل بلد تختلف جهة إصدارها عن الأخرى. - وأما كون الورق ثمنيته ليست لازمة، فهذا لا أثر له، لأن هذا الحكم الطارئ على الورق بالثمنية لايختص به، بل هو في كل ما

стр. 949

اتخذه الناس ثمناً، فلا يتقيد بالورق ولا بالجلد ولا بالمعدن، ومتى وجدت الثمنية المطلقة وجد هذا الحكم، لأن (الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل، بها ولهذا كانت أثماناً … والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت) (١). - وأما ارتفاع قيمة الورق وانخفاضه، فهذا غير مختص بالورق، فالذهب والفضة قيمته في انخفاض وارتفاع مستمر، والفضة تغيرها أظهر فقد كان دينار الذهب يساوي عشرة دراهم ووصل إلى خمسة وثلاثين درهماً. - والتغاير في عملات الورق يعود إلى اختلاف جهات الإصدار في الاحتياط والتساهل، وما تتخذه من أسباب لإحلال الثقة بها، ووضع بلادها الاقتصادي، وما تكون عليه الدولة من قوة وسعة سلطان، فلذلك كانت كل عملة جنساً يختلف عن جنس عملة البلد الآخر تبعاً لتعدد الإصدار، كما أن الذهب والفضة جنسان لاختلاف أحدهما عن الآخر في قيمتهما (٢). - ولا يمكن اعتبارها من العروض أو الطوابع؛ لأنها لم تسك عروضاً وإنما سكت لتحل محل النقدين وتؤدي وظائفهما، ولأن الطوابع تستعمل في أشياء مخصوصة وإذا استعملت مرة بطل مفعولها، بخلاف الأوراق النقدية (٣).

стр. 950

- فالكلام في قيمة الورق حال التعامل به لا حال إبطال التعامل به، على أن الورق له قيمة في ذاته، ترتفع بما ربط بها من منفعة كالثمنية أو كتابة علم نافع فيها (١). ٣/ الدليل الثالث هو الإجماع، ولم أقف على من نقله إلا محمد تقي العثماني (٢) بقوله: (تجب الزكاة على الأوراق النقدية بالإجماع) (٣). - والشيخ يعرف الخلاف بل قد حكاه، لكنه يرى فيما يظهر أن حقيقة الأوراق اختلفت من زمن إلى زمن، وما كان محل خلاف فيما سبق لم يعد الآن من يقول به لاختلاف الحقيقة، فمما قاله: (لا شك أنها كانت وثائق للديون في مبدأ أمرها، ولذلك أفتى كثير من العلماء بأنها سندات ديون وليست أموالاً ولا أثماناً … وكذلك أفتى كثير من علماء الهند في القرن السابق بكون هذه الأوراق وثائق دين … ولكن كان هناك في الوقت نفسه ثلة من العلماء والفقهاء، يعتبرون هذه الأوراق أموالاً، كأثمان عرفية … ولو أردنا أن نحاكم بين هذين الرأيين، فإني أرى أن كلا الرأيين مصيب بالنسبة إلى أزمنة مختلفة، فقد شرحنا عند بيان تاريخ النقود ما مر على هذه الأوراق من تطورات، فلا شك أنها كانت في بداية أمرها سندات

стр. 951

لديوان … ولكننا رأينا في تطورات هذه النقود أنها لم تبق على هذه الحالة في الأزمان الآتية) (١). - وقال الشيخ عبدالله البسام: (والآن بعد أن اختفى النقدان من الذهب والفضة من أيدي الناس، وحل محلهما في التعامل والثمنية "الورق النقدي" -أجمعت المجامع الفقهية على أنَّ الحكم منوط "بالورق النقدي"، بجامع الثمنية بينهما، فصار الحكم للعُملة الحاضرة "الورق النقدي" بكل ما يقوم به النقدان: من الزكاة، والديات، وأثمان المبيعات، وأحكام الربا، والمصارفة وغير ذلك) (٢). - وقال الشيخ عطية سالم: (ومهما يكن من نظريات في ماهيتها، فإنها باتفاق الجميع تعتبر مالا، وهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣) ; لأنها أصبحت ثمن المبيعات وعوض السلع) (٤). المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم وجوب الزكاة في الأوراق النقدية (٥): أبرز ما استدل به مما وقفت عليه: ١/ القياس على (فلوس النحاس في عدم وجوب الزكاة، بجامع أنَّ كلّاً ليس من الأعيان الزكوية) (٦) و (بجامع بيع غير نقد بقيمة زائدة عن قيمته الأصلية للرواج بالدمغة التي فيه) (٧)، (لاتحادهما في علة ارتفاع القيمة، ولا فرق بينهما إلا في الاسم والحقيقة، فاسم

стр. 952

النحاس المذكور فلوس، والورق المذكور نوط، ومدار اتحاد الحكم على اتحاد العلة فقط دون غيرها) (١). - (ويلزم من كون النوط كالنحاس المضروب في جميع أحكامه، ألا تجب الزكاة عندنا معاشر الشافعية) (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور: - أن الحكم ممنوع في الأصل وفي الفرع، أما المنع في الأصل، فشرط الأصل أن يكون منصوصاً عليه، أومتفقاً عليه (٣)، ولم يوجد لا هذا ولا ذاك، فلا نص في عدم الزكاة في الفلوس ولا اتفاق في ذلك، بل هو عند الشافعية فقط. - وقد صرح الخطيب بمخالفة الحنفية فقال: ( … خلافاً للحنفية حيث قالوا: بوجوب الزكاة في النحاس والنوط وكل ماراج رواج النقود) (٤)، فالمناقشة في الأصل قبل الفرع. - وعلى فرض التسليم بحكم الأصل، فالحكم ممنوع في الفرع، فإن بين الفلوس والأوراق النقدية من الفروق مايمتنع معه القياس والإلحاق، وقد سبق إجمال الفروق، وخلاصة الفروق المؤثرة هو الآتي: • أن الأوراق النقدية موغلة في الثمنية إيغالاً تقصر دونه الفلوس، بل

стр. 953

قد تغلّب الورق على النقدين في الثمنية، حيث يندر استعمال الناس اليوم للذهب والفضة كأثمان. • أن الفلوس كانت تستخدم في المحقرات من السلع مما تعم الحاجة إليها، بخلاف الأوراق النقدية فيُتعامل بها في كل بيع. • أن الأوراق النقدية في غلاء قيمتها كالنقدين بل بعضها أغلى من قطع الذهب، بخلاف الفلوس فقيمتها تافهة من المعادن الرخيصة غير الذهب والفضة. • أن الأوراق النقدية لو أُبطلت ثمنيتها فليست هي من العروض، بخلاف الفلوس فإنها لو أبطلت ثمنيتها فلها قيمة في نفسها كسائر العروض (١). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بعدم وجوب زكاة الأوراق النقدية [في حقيقتها التي انتهت إليها، وقيامها مقام النقدين في كل شيء] إلى الشذوذ صحيحة، ولا يعرف عالم معتبر اليوم يقول بعدم وجوبها، وهو ما استقرت عليه الفتوى، واتفقت عليه المجامع الفقهية، وانتهت إليه الرسائل العلمية المتخصصة، أما أقوال بعض من سبق في تكييف الأوراق بالسندية، أو العرضية، أو البدلية، أو إلحاقها بالفلوس، فإن هذه الأقوال لم ترد في وقت واحد، ولم تكن معنى الثمنية المستقلة واضحة في الورق، فتردد العلماء في إلحاقها. بل إن هناك من أبعد ومنع التعامل بها فقال: (الورقة المذكورة لا

стр. 954

تصح المعاملة بها ولا يصير المملوك منها أو بها عرض تجارة، فلا زكاة فيه، فإن من شروط المعقود عليه ثمناً أو مثمناً أن يكون فيه في حد ذاته منفعة مقصودة يعتد بها شرعاً) (١)، وكل قولٍ له وجهه في وقته، فإن من أطوار الأوراق أنها كانت سندات لديون، ومن أطوارها أنه كان لكل ورقة غطاء من ذهب أو فضة يمكن لحامل الورقة استبداله بها، ثم أصبح الورق أكثر من الغطاء، وألغي ذلك كله مع مرور الزمن، ووثق الناس بالورق وأصبحت هي كنزهم، ومدار تعاملهم، و مقصد طلبهم. (وبهذا نعرف أن الخلاف الفقهي في تكييفها لا يرجع إلى خلاف حقيقي، وإنما يرجع إلى الحكم عليها من خلال مراحل نموها وتطورها) (٢)، كما اختلف الفقهاء في الفلوس و (كان اختلاف الفقهاء هذا في زمن يسود فيه الذهب والفضة كعيار للأثمان، وتتداول فيه النقود الذهبية والفضية بكل حرية، ولا تستعمل الفلوس إلا في مبادلات بسيطة، وأما الآن فقد فقدت النقود المعدنية من الذهب والفضة، ولا يوجد اليوم منها شيء في العالم كله، واحتلت النقود الرمزية محلها في سائر المعاملات) (٣)، فلا يمكن أن ينقل الخلاف في حقيقة الورق بداية ظهورها، إلى الورق اليوم مع تطوّر الوظائف وتغيّر الحقائق، وحلول الأوراق محل كل نقد غيره، والله أعلم.

стр. 955

الفصل الرابع: الآراء في الصيام، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: عدم وجوب الصيام على من رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته المبحث الثاني: الاعتماد على الحساب في دخول الشهر المبحث الثالث: وجوب الكفارة دون القضاء على من جامع في نهار رمضان متعمدا المبحث الرابع: عدم وجوب القضاء في الحقنة والسعوط للصائم المبحث الخامس: تحريم صيام يوم السبت

стр. 956

(لإصابة الصواب أسباب منها: -حسن الفهم عن الله ورسوله -ونور الفهم والذكاء -وقوة الإخلاص -والاستعانة بالله في الوصول إلى الصواب -وعدم التعصب لما يقوله، أو يقوله من يعظّمه -وسرعة الرجوع إلى الحق عند اتضاح الصواب -والمقابلة بين الأقوال المتعارضة - واستيعاب ما أمكن من أدلة كل قول، ومأخذه، ووزن الأدلة والمأخذ بالموازين العادلة، وأصول الفقه المتفق عليها). ابن سعدي ﵀ المناظرات الفقهية ص (٨)

стр. 957

الفصل الرابع: الآراء في الصيام وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: عدم وجوب الصيام على من رأى هلال رمضان وحده وردّت شهادته وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 958

(كان المحدثون قديمًا هم الفقهاء، ثم صار الفقهاء لا يعرفون الحديث، والمحدثون لا يعرفون الفقه!! فمن كان ذا همة، ونصح نفسه، تشاغل بالمهم من كل علم، وجعل جل شغله الفقه؛ فهو أعظم العلوم، وأهمها). ابن الجوزي ﵀ صيد الخاطر ص (٤٤٣)

стр. 959

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الهلال في اللغة: (غُرّةُ القمَر حين يُهِلُّه النّاس في غرة الشهر) (١)، وبعبارة أوضح: (القمر في أول ظهوره) (٢)، وأصل الإهلال يدلُّ على رفع صوت و (الهلال الذي في السماء، سمي به لإهلال الناس عند نظرهم إليه مكبرين وداعين، ويسمى هلالاً أول ليلة والثانية والثالثة، ثم هو قمر بعد ذلك) (٣)، و (قيل: إذا استَدَار، وقيل: إِذا بهر ضوءه) (٤) خرج عن تسميته هلالاً وسمي قمراً. قال ابن تيمية: (الهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت، فطلوعه في السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له لا باطناً ولا ظاهراً، واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال واستهللناه) (٥). ويشرع للناس ترائي الهلال في نهاية شهر شعبان قال ابن قدامة: (يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم، ويسلموا من الاختلاف) (٦)، ونص الحنفية على أنه واجب على الكفاية (٧)، وقد كان ذلك معهوداً عند الصحابة ﵃، ومن

стр. 960

ذلك قول أنس بن مالك: (كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلاً حديد البصر، فرأيته وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، قال: فجعلت أقول لعمر، أما تراه؟ فجعل لا يراه، قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي … ) الحديث (١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها: ١. … (أجمعوا على أن الكافة إذا أخبرت برؤية الهلال أن الصيام والإفطار بذلك واجبان) (٢). ٢. ونُقل الإجماع على أنه لا يقبل في خروج رمضان شهادة أقل من اثنين عدلين (٣). ٣. أما دخول شهر رمضان فالمذهب عند الشافعية والحنابلة قبول الواحد فيه (٤)، وهو كذلك عند الحنفية إذا لم تكن السماء مصحية، أو رآه الواحد خارج المصر (٥). ٤. و (من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صامه) (٦)، كمن (كان

стр. 961

في البرية ما عنده أحد فإنه يعمل برؤيته في الصوم والفطر) (١)، ولعلهم لم يختلفوا في ذلك (٢). ٥. أما إذا رآه وحده فردّت شهادته فإنه يصوم وحده، وهو قول الأئمة الأربعة وابن حزم وأكثر العلماء (٣) وحكي إجماعاً، وجاء عن الحسن وعطاء (٤) أنه لا يصوم إلا مع الناس، وهو قول إسحاق (٥) ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية (٦)، وذهب إليه بعض المعاصرين، ووُصف هذا الرأي بالشذوذ، وهو المراد بحثه وتصحيح نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 962

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: ابن باز (ت ١٤٢٠) (١)، والألباني (ت ١٤٢٠) (٢). المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه ومناقشته في المطلب الرابع. ٢/ وصفه بالشذوذ، ولم أقف على من وصفه بالشذوذ إلا: - ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده فلم تقبل شهادته أنه يصوم؛ لأنه متعبد بنفسه لا بغيره، وعلى هذا أكثر العلماء لا خلاف في ذلك إلا شذوذ لا

стр. 963

يشتغل به) (١)، ولم أقف على من تابع أبا عمر على ذلك، و (ابن عبدالبر ممن لا يعتبر مخالفة الشاذ، وهو من أطواد الأصول والفروع) (٢)، وهو وإن لم يسمه إجماعاً، إلا إن له نظراً في مخالفة الجمهور، وقد سبق توضيح ذلك بأمثلته (٣).

стр. 964

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب الصيام على المنفرد برؤية الهلال ولو ردت شهادته: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن (من رآه فقد شهده) (٢)، و (لم يفرّق بين من رآه وحده ومن رآه مع الناس) (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن (الشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه) (٤). ويمكن الجواب عن المناقشة: - بأن هذا محل النزاع، وهو غير لازم بل منقوض بما ذكره الشيخ: (من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صامه) (٥)، وبالأسير ونحوه ممن لا يعلم اشتهار الشهر. - وسياق الآية فيمن حضر الشهر وهو مقيم صحيح، ولذا قال بعدها

стр. 965

في مقابل المقيم الصحيح: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، وليس السياق في التعريف بالشهر ومتى يكون شهراً. ٢/ حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه … » (٢)، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته … » (٣). وجه الاستدلال: - أنهما يدلان (على تعليق الحكم بالرؤية، ولا يراد بذلك: رؤية كل فرد، بل مطلق الرؤية) (٤)، و (ليس المراد رؤية الجميع بدليل الوجوب على الأعمى بالإجماع، ولما أخبر ابن عمر النبي ﷺ برؤيته أمر الناس بالصيام فالمراد رؤية البعض) (٥)، (وهو العدد الذي تثبتُ به الحقوق، وهو عَدْلان، إلا أنّه يكتفى في ثبوت هلال رمضان بعدلٍ واحد) (٦).

стр. 966

- والواحد إذا رأى الهلال فيلزمه الصوم ولو ردت شهادته و (العلم بكون هذا اليوم من رمضان حصل قطعاً؛ لوجود دليله وهو الرؤية حقيقة، إذ لا دليل فوق العيان، ولهذا كان مخاطباً بالأداء آثماً بالترك) (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته … » خطاب للجماعة وليس للأفراد (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن الجمع في الحديث (لا يمكن أن يكون معناه رؤية جميع الناس … بل المعتبر رؤية بعضهم وهو العدد الذي تثبت به الحقوق وهو عدلان لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ … إلا أن هلال رمضان يكتفى في ثبوته بعدل واحد عند أكثر أهل العلم) (٣). - و (إذا رأى الرجل هلال رمضان وحده يصوم لا يسعه غير ذلك) (٤)؛ (لأن العبد إنما يعامل الله بعلمه؛ فإذا لم يكن له علم قبل قول غيره، وهو يعلم أن هذا اليوم من رمضان) (٥)، فـ (إذا لزمه الصوم لرؤية غيره فبأن يلزمه من رؤيته وهي متيقنة أولى وأحرى) (٦)؛ (لأنه إذا رأى الهلال بنفسه فقد تعين دخول رمضان، وإذا شهد الشهود عرف ذلك بغلبة الظن) (٧).

стр. 967

- ف (يقين نفسه أبلغ من الظن الحاصل بالبينة) (١)، (لأن رؤيته متيقنة وحكم الحاكم ظاهر عليه الظن) (٢)، فهو (كما لو حكم به الحاكم) (٣) في لزوم الصوم. ٣/ ومن أدلتهم: الإجماع. وقد نقل الإجماع غير واحد من العلماء: ١. قال عبدالوهاب البغدادي (ت ٤٢٢): (إذا ترآى الناس هلال رمضان فرآه رجل واحد لزمه صومه في نفسه … ولا خلاف في ذلك) (٤). ٢. وقال البيهقي (ت ٤٨٥): (من رأى الهلال وحده وشهد به فردت شهادته، كان عليه أن يصوم إجماعاً) (٥). ٣. وقال أبو الوليد ابن رشد (ت ٥٢٠): (إذا رأى هلال رمضان وحده، فلا خلاف في أنه يجب عليه أن يصوم) (٦). ٤. وقال ابن الجوزي (ت ٥٩٧): (المتفرد برؤية الهلال إذا شهد بالرؤية فرد الحاكم شهادته لزمه الصوم من غير خلاف) (٧). - ولما قال ابن عبدالبر: (لا أعلم خلافاً في هلال رمضان أنه من رآه يلزمه الصوم إلا عطاء بن أبي رباح) (٨)، تبعه ابن رشد لكنه قال: (العلماء أجمعوا على أن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه أن يصوم، إلا عطاء بن أبي رباح) (٩).

стр. 968

ونوقش هذا الاستدلال: - قال ابن عبدالهادي متعقباً ابن الجوزي: (قول المؤلِّف: (لزمه الصَّوم من غير خلاف) غير صحيحٍ، فإن حنبلاً روى عن أحمد أنَّه لا يلزمه الصَّوم، وهو قول عطاء وإسحاق وغيرهما) (١)، فالخلاف محفوظ وقديم، قال ابن رجب: (المنصوص عنه في رواية حنبل أنه لا يصوم، وهو قول طائفة من السلف، كعطاء، والحسن، وابن سيرين، ومذهب إسحاق) (٢). - أما المروي عن الحسن البصري (ت ١١٠)، فقد جاء عنه أنه كان يقول في الرجل يرى الهلال وحده قبل الناس، قال: (لا يصوم إلا مع الناس ولا يفطر إلا مع الناس) (٣). - وأما المروي عن عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤)، فقد صحّ أن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت لو أن رجلاً رأى هلال رمضان قبل الناس بليلة، أيصوم قبلهم، ويفطر قبلهم؟ قال: (لا، إلا إن رآه الناس أخشى أن يكون شبه عليه حتى يكونا اثنين) قال: قلت: لا، إلا رآه، وسايره ساعة قال: (ولو حتى يكونا اثنين) (٤). - قال الجصاص: (فأما الحسن فإنه أطلق الجواب في أنه لا يصوم،

стр. 969

وهذا يدل على أنه وإن تيقن الرؤية من غير شك ولا شبهة أنه لا يصوم، وأما عطاء فإنه يشبه أن يكون أباح له الإفطار إذا جوّز على نفسه الشبهة في الرؤية، وأنه لم يكن رأى حقيقة، وإنما تخيل له ما ظنه هلالاً) (١)، قلت: ولعل رأي عطاء راجع إلى مذهبه في عدم الاعتداد برؤية واحد وهو ظاهر المنقول السابق عنه، وأخرج عبدالرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: (لا يجوز على رؤية الهلال إلا رجلان) (٢). - وأما مذهب إسحاق فنقله عنه تلميذه ابن المنذر (٣)، وفي مسائل الكوسج: قلت لأحمد: من رأى هلال رمضان وحده يصوم ومن رأى هلال شوال وحده يفطر؟ قال: يصوم ولا يفطر. قال إسحاق: لا يصوم ولا يفطر؛ لأن الصوم مع الجماعة (٤). - وأما الإمام أحمد فالرواية السابقة التي نقلها الكوسج هي المشهورة قال ابن تيمية: (وعليه عامة أصحابنا: أنه إذا رأى الهلال وحده؛ لزمه الصوم، وإن ردت شهادته، وإن كان فاسقاً) (٥)، (وهذا الصحيح من المذهب) (٦). - (الرواية الثانية: لا يصوم إذا انفرد برؤيته وردت شهادته، أو قلنا: لا يقبل إلا اثنان. قال في رواية حنبل في رجل رأى هلال رمضان وحده: هل ترى له أن يصوم إذا لم ير غيره؟ فقال: لا يصوم إلا

стр. 970

في جماعة الناس، ولا يفطر حتى يفطر الإِمام. وحملها أصحابنا على أنه لا يلزمه، وظاهر الرواية أنه يكره له الصوم) (١). المسألة الثانية: أدلة القائلين بعدم وجوب صيام من رأى هلال رمضان وحده وردّت شهادته: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١/ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» (٢). وجه الاستدلال: أن (هذا اليوم لم يصمه المسلمون فلا يصومه هو … فتصبح شهادته

стр. 971

لاغية في حقه وحق غيره فلا يصوم) (١). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن هذا الحديث معارض بحديث: «صوموا لرؤيته» المتفق عليه (٢)، والجمع بينهما ممكن و (الجمع واجب إذا أمكن، وهو مقدم على الترجيح) (٣): - فيُحمل: «الصوم يوم تصومون» على من لم يرَ الهلال (فهو في حق العامة) (٤)، قال الترمذي: (فسّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس) (٥) (يعني: هو عند الله مقبول) (٦)، أما من رأى الهلال فهو مخاطب ب «صوموا لرؤيته» وبقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وهذا الجمع مروي عن أبي سعيد ﵁ أنه قال: (إذا رأيت هلال رمضان؛ فصم، وإذا لم تره؛ فصم مع جماعة الناس، وأفطر مع جماعة الناس) (٧). - وحديث: «الصوم يوم تصومون .. » محمول كذلك على رفع الخطأ عن الناس في دخول الشهر وفي العيدين، فما اتفقوا عليه فهو الشهر أو العيد حكماً وإن اختلف حقيقة، وعلى ذلك ترجم بعض من أخرج الحديث، فقال ابن ماجه: (باب ما جاء في شهري العيد) (٨)، وقال

стр. 972

أبوداود: (باب إذا أخطأ القوم الهلال)، وقال البيهقي: (باب القوم يخطئون في رؤية الهلال) (١)، قال الخطابي: (معنى الحديث: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلاّ بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض فلا شيء عليهم من وزر أو عتب … ) الخ (٢). - هذا الجمع هو الموافق لما عليه عامة العلماء، وإن لم يُسلّم بالجمع فترجيح مافي القرآن والصحيحين، مقدم على ما تفرد به الترمذي مع كلام فيه. ٢/ ومن أدلتهم: أن الهلال (شرط كونه هلالاً وشهراً شهرته بين الناس واستهلال الناس به، حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد، لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به، كان حكمهم حكم سائر المسلمين) (٣). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن هذا التقرير فيه مراعاة للحقيقة اللغوية، ومعلوم أن الحقائق

стр. 973

الشرعية مقدمة عليها، وقد علّق الصوم في الشرع بالرؤية في سياق تقرير حكم دخول الشهر: «صوموا لرؤيته»، ولم يستثن رؤية من رؤية. - ولا يشترط في الاستهلال و الإهلال الشهرة المطلقة، ففي رمضان من رأى الهلال فقد استهل في حقه الشهر، ويظهر ذلك مع اختلاف البلدان والولاة فلو اختلفت رؤيتهم فلكل رؤيته، وفي الحج من أحرم فقد أهل بالحج وهو واحد. - وهذا المأخذ في اشتراط الشهرة لم أقف عليه عند أحد قبل أبي العباس ابن تيمية ﵀ وهو أن: (أن الشهر: ما اشتهر وظهر، والهلال: ما استهل به وأعلن دون ما كان في السماء من غير رؤية ولا اشتهار، فإن اسم الشهر والهلال لا يصدق بدون اشتهار رؤيته، وترتيب الفطر والنسك عليه، فما لم يكن كذلك فليس بهلال ولا شهر) (١)، ولم ينسبه ابن رجب لغير ابن تيمية. ٣/ ومن أدلتهم: أن الواحد قد (يكون عرض له غلط في الرؤية؛ فلا ينفرد عن الجماعة بمجرد ذلك، ولأنه أحد طرفي الشهر، فجاز أن يطرح فيه رؤية نفسه المردودة كالطرف الثاني … ولأنه محكوم بأنه من شعبان في حق الكافة) (٢). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن احتمال الغلط كما يرد على الواحد يرد على الاثنين، والأصل عدم طرق الاحتمالات على الظواهر بوجوه الاحتمالات إلا إن دل دليل يضعف ظاهره، و (مجرد الاحتمال إذا اعتُبر أدى إلى انخرام العادات والثقة بها) (٣).

стр. 974

- أما اطراح رؤية الواحد في الطرف الثاني من شهر رمضان وهو الفطر قبل الناس، فله مآخذ غير موجودة في الطرف الأول فلا يصح القياس، ومن المآخذ: الخوف من التهمة بالفطر نهاية رمضان، بخلاف الصوم أول الشهر فلا يدخله تهمة، والواحد في خروج الشهر لم يكمل نصاب الشهادة، بخلاف أول الشهر عند الجمهور (١). - و (كونه محكوماً به من شعبان ظاهر في حق غيره، وأما في الباطن فهو يعلم أنه من رمضان، فلزمه صيامه) (٢). ٤/ ومن الأدلة: القياس؛ «فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين، فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين) (٣)، و (شهر النحر ما علمت أن أحدا قال من رآه يقف وحده دون سائر الحاج) (٤). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بأن الوقوف والنحر له مآخذ غير موجودة في الصيام: ففي الحج الارتباط بالإمام وجماعة المسلمين في المكان والصلاة والدفع والمبيت وهو غير موجود في الصيام، والواحد في شهر الحج لا يكمل نصاب الشهادة (٥)، وتأخير النحر عن يومه الأول لايضر

стр. 975

لامتداد وقته، وقد جاء عن عائشة ﵂: (إنما يوم الأضحى يوم يضحي الإمام وجماعة الناس) قال ابن رجب: (ولا يعرف لعائشة مخالف من الصحابة) (١). - ومع ذلك فإن من رآى هلال شوال أو الحج وحده فاتباعه للجماعة وترك رؤيته إذا رُدت -وإن كان هو قول الجمهور-، إلا أنه ليس بمحل وفاق حتى يقاس عليه بل فيهما خلاف. - (فالمنفرد برؤية هلال شوال لا يفطر علانية باتفاق العلماء) (٢)، لكنه يفطر سرّاً عند الشافعية وابن حزم (٣)، وهو قول في المذاهب الثلاثة (٤). - وأما المنفرد برؤية هلال ذي الحجة فقد جاء عن سالم بن عبدالله

стр. 976

بن عمر أنه: (شهد نفر أنهم رأوا هلال ذي الحجة، فذهب بهم سالم إلى ابن هشام وهو أمير الحج فلم يقبلهم، فوقف سالم بعرفة لوقت شهادتهم، ثم دفع، فلما كان في اليوم الثاني وقف مع الناس) (١)، ومذهب الشافعية أنه يقف على رؤيته قبل الناس (٢)، وهو قول عند المالكية (٣)، و وجه عند الحنابلة (٤)، وهو رأي ابن حزم (٥).

стр. 977

المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته فإن نسبته إلى الشذوذ غير صحيحة؛ فإنه لم يخالف نصاً صريحاً، ولم يخرم إجماعاً متحققاً، وقد استند قائله إلى أدلة له فيها سلف، فهو رأي دائر بين راجح ومرجوح، وإن كان قول الجمهور أقوى فيما يظهر؛ لاعتماده على يقين الشخص، وعلى الأصرح في الدلالة والأصح في الثبوت والأقرب للسياق الذي فيه تعليق الصيام بالرؤية دون استثناء أو تعرّض لمن ردّت شهادته أو لم ترد. ومثل هذه الحالة: أن يرى الشخص الهلال ثم يرد قوله= فيه ندرة في الوقوع؛ لقلة من يترائى الهلال من مجموع الأمة، ولقلة من ترد شهادته بعد رؤيته، فهو قليل تحت قليل لا يعتبر وقوعه -لو وقع- مخالفة ظاهرة للأمة، أما إن أصبحت هذه ظاهرة كحال أهل البدع من تعمّد مخالفة جماعة المسلمين فهذا شأن آخر فيه من (الافتيات على الإمام وجماعة المسلمين، وفيه تشتيت الكلمة، وتفريق الجماعة، ومشابهة أهل البدع، كالرافضة ونحوهم، فإنهم ينفردون عن المسلمين بالصيام والفطر، وبالأعياد، فلا ينبغي التشبه بهم في ذلك) (١)، والله أعلم.

стр. 978

قال الشعبي: (إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك … ولقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليست فيه واحدة منهما: لا عقل ولا نسك). أخرجه الدارمي في السنن (٣٥٣)

стр. 979

المبحث الثاني: الاعتماد على الحساب في دخول الشهر وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 980

أي انتقاص للسلف، ولأمة محمد ﷺ إذا اعتُقد أنه يمكن إطباقهم على ترك سنة؟! قال ابن تيمية: (ولو لم يكن في الأئمة من استعمل هذه السنن الصحيحة النافعة لكان وصمة على الأمة ترك مثل ذلك والأخذ بما ليس بمثله لا أثراً ولا رأياً). مجموع الفتاوى (٢١/ ١٥)

стр. 981

المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ: الحِسَابُ في اللغة: (استعمال العدد) (١)، وهو مصدر حسَبَ يحسُب حِساباً وحِسابةً وحِسبة (٢)، قال الله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٣)، قال ابن كثير: (فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام) (٤). والحساب في الاصطلاح لا يخرج عن الحساب في المعنى اللغوي، وهو في كل باب وفنّ بحسبه من العد، فحساب الزكاة وحساب الفرائض مثلاً فيهما العد عن طريق أصول وقواعد يتوصل بها إلى استخراج المجهولات العددية، والحساب (منفعته: ضبط المعاملات، وحفظ الأموال، وقضاء الديون، وقسمة التركات، ويحتاج إليه في العلوم الفلكية، وفي المساحة، والطب) (٥). أما الحساب الفلكي (٦) فالمقصود به: (معرفة مسارات النجوم

стр. 982

والكواكب، وعدّ أيام سيرها، ومعرفة مواقيت سيرها، وغيابها وظهورها) (١)، والمراد بالعمل بالحساب هنا: (حساب سير القمر في منازله، لتثبيت وقت اجتماعه بالشمس ووقت انفصاله عنها، ووقت إمكانية الرؤية وعدمها، والبعد بين النيّرين، ووقت مكث الهلال في الأفق وغير ذلك حتى يمكن أن يعرف به متى يُرى الهلال في الأفق في أوائل الشهور القمرية) (٢)، (والحاسب: وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سَيره، في معنى المُنجّم: وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني) (٣)، و (إذا لم يُعمل بقول الحاسب فمن باب أحرى أن لا يعمل بقول المنجم) (٤). والحساب مقدماته ليست عقلية بل (هو مبني على أرصاد وتجارب طويلة، وتسيير منازل الشمس والقمر، ومعرفة حصول الضوء الذي فيه بحيث يتمكن الناس من رؤيته) (٥) (ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النزر اليسير) (٦)، و (من المهم أن نفرق في البداية بين نوعين من الحساب المتعلق بالهلال … :

стр. 983

١ - حساب موقع القمر الحقيقي: وهو حساب يعتمد على قوانين الجاذبية … وتبعا لهذا القانون يعرف موقع القمر بالنسبة للأرض بدقة عالية جدا، لكن هذا الموقع هو حقيقة مكان القمر، لا ما يراه الراصد بعينه … وكما نعلم أن الشارع أمرنا أن نرى الهلال كما يظهر في السماء لا كما هو على حقيقته … وهي صورة الهلال الوهمية الناتجة بسبب أثر الانكسار الجوي أو غيرها، فيكون حساب موقع القمر الحقيقي غير صالح لحساب هلال أول الشهر، بالرغم من دقته العالية … ٢ - حساب رؤية القمر: وهذا النوع يعتمد على النوع الأول من الحساب، ولكن يُضيف أثر الانكسار، ليعطينا موقع القمر كما يمكن أن يُرى بالعين المجردة … سيكون حساب أثر الغلاف الجوي بدقة عالية من الأمور شبه المستحيلة، حيث لو افترضنا وجود عاصفة رملية على بعد خمسة كيلومترات عن الراصد للهلال فإنه لن يشعر بها، وسيكون من الصعب إدخالها في حساباته للهلال … لكن هذا ليس خطأ في الحساب بل هو نقص في الفرضيات الابتدائية للحساب) (١). وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة المراد بحثها: ١. … (أجمعوا على أن الكافة إذا أخبرت برؤية الهلال أن الصيام

стр. 984

والإفطار بذلك واجبان) (١). ٢. و (لا خلاف أن الشهر العربي قد يكون ثلاثين يوماً، ويكون تسعة وعشرين) (٢). ٣. و (لا يجب شهر رمضان إلا برؤية الهلال أو بإكمال شعبان ثلاثين يومًا، وهذا مذهب كافة أهل العلم) (٣). ٤. ورؤية الهلال بالمراصد الفلكية، رؤية معتبرة وليست من الحساب كما جاء ذلك في قرار لهيئة كبار العلماء بالسعودية (٤)، وبيان للمجمع الفقهي الإسلامي (٥). ٥. أما الحساب الفلكي لإثبات الأهلة عند العلماء فقد (اتفقت كلمتهم -أو كادت- على … أنه لا يُعتبر حساب منازل القمر ولا حسابُ

стр. 985

المنجّم، إلا شيئاً يحكى في مذهب الشافعي: أنه يجوز للحاسب أو المنجّم أن يعمل في نفسه بحسابه، وإلا شيئاً آخر عندهم: أنه يجوز لغيرهما تقليدهما … ) (١)، ونسب الجواز إلى مطرف بن عبدالله (٢)، وابن سريج (٣)، وابن قتيبة (٤)، وحُكم على هذا الرأي بالشذوذ، واعتبار الحساب قال به بعض المعاصرين، بل قال بعضهم بوجوبه، وهذا الرأي هو المراد بحثه وتصحيح نسبته للشذوذ من عدمه.
следующие страницы →