Полный текст (202 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ثقل ساقي ابن مسعود في الميزان
بل وخذوا هذه البشارة، وخذوا هذا الوسام الذي سأختم به أوسمة الشرف التي علقها النبي ﷺ بيديه على صدر ابن مسعود ﵁؛ ليلقى الله جل وعلا بها في الآخرة، خذوا هذه البشارة، ووالله لو لم يخرج ابن مسعود من الدنيا إلا بها لكفته شرفاً وفخراً في الدنيا، وعزاً ورفعة ومكانة عند الله في الآخرة، ماذا قال الحبيب ﷺ في حق ابن مسعود؟ والحديث رواه أحمد والبزار والطبراني وهو حديث حسن.
(صعد ابن مسعود ﵁ يوماً شجرة الأراك يجتني سواكاً، فهبت ريح، فجعلت الريح تكفؤه) كان ضعيف البنية قوي الإيمان، كان فقيراً غني اليقين، ألم أقل في أول اللقاء: إنه الضعيف القوي الفقير الغني؟! وسوف نرى الآن الثالثة: إنه المؤمن القوي النقي الأبي، جعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم، فقال النبي ﵊: (مما تضحكون؟ قالوا: نضحك من دقة ساقيه يا رسول الله! أتدرون ماذا قال الحبيب ﷺ ؟! قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد) الله أكبر!
стр. 107
أمانة ابن مسعود في الجاهلية قبل الإسلام
ذلكم هو الغلام الذي كان يرعى الأغنام بالأمس القريب لسيد من سادات مكة في شعب من شعابها، واستمعوا إليه وهو يحدثنا بسعادة عن أول لقاء له مع أستاذه ومعلمه المصطفى ﷺ .
ففي حديث صحح إسناده الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، في ترجمته لـ عبد الله بن مسعود ﵁، يقول ابن مسعود: كنت أرعى الأغنام لـ عقبة بن أبي معيط في شعاب مكة، فمر علي يوماً رسول الله وأبو بكر، فقال النبي ﷺ لهذا الغلام الأمين: هل من لبن يا غلام! أي: هل عندك من لبن لتكفينا؟ فقال الغلام: نعم -ولكن انظروا ماذا قال- ولكني مؤتمن! انظروا إلى هذه العبارة التي قالها ابن مسعود في الجاهلية قبل الإسلام! ولكني مؤتمن، فظلت هذه العبارة مع ابن مسعود بمثابة البوصلة التي تحدد اتجاه حياته إلى أن لقي الله جل وعلا.
ولكني مؤتمن، لا أستطيع أن أقدم لكم اللبن، انظروا إلى الأمانة! في جاهليته أمين، فما ظنكم بأمانته بعد أن شرح الله صدره بالإسلام، ولكني مؤتمن! فقال النبي ﷺ : فهل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قال: نعم، ومتى كانت الشاة التي لم ينز عليها الفحل تدر لبناً؟! قال: ائتني بها، فأتاه بشاة لم ينز عليها الفحل، فمسح النبي ﷺ ضرعها، ودعا الله جل وعلا، فدر الضرع باللبن، فجاءه الصديق بإناء مجوف، فملأه النبي ﷺ باللبن وشرب وسقى أبا بكر وسقى الغلام، والغلام ينظر في دهشة واستغراب إلى هذه المعجزة! نعم، وإنها لمن أهون المعجزات، وسوف يرى هو بعينيه بعد ذلك العجب العجاب، فهو الذي روى كما ورد في صحيح مسلم أنه قال: والله إنكم لتعدون الآيات عذاباً، وإن كنا لنعدها بركة على عهد رسول الله ﷺ ، فوالذي نفس محمد بيده لقد كنا نجلس لنأكل مع رسول الله فنسمع تسبيح الطعام في يديه ﷺ ! فنظر الغلام بدهشة واستغراب لشاة لا تدر لبناً؛ لأنه لم ينز عليها الفحل بعد، وإذ بها تدر اللبن، ثم يقول النبي ﷺ للضرع: اقلص، فقلص الضرع أمام عيني هذا الغلام المبارك! فذهب هذا الغلام الكريم إلى النبي ﷺ ولم يكن يعرفه، فقال له: يا عماه! علمني من هذا القول الذي قلت، فمسح النبي رأسه وقال: إنك غلام معلم، ألم أقل: إنه الغلام المعلم؟! إي والله إنه الغلام المعلم، لم يقل: إنك غلام ستتعلم، وإنما قال: إنك غلام معلم، وبالفعل لم يمض غير قليل وإذ بهذا الفتى وإذ بهذا الغلام المعلم يسمع بخبر النبي ﷺ فيذهب إليه لينطق شهادة الحق: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ليكون من السابقين الأولين الذين أسلموا قبل أن يدخل النبي دار الأرقم بن أبي الأرقم.
стр. 108
ابن مسعود أول من جهر بالقرآن في مكة بعد رسول الله ﷺ
إنه ابن مسعود ﵁ وأرضاه، ولم يمض غير قليل وإذ به يذهب إلى النبي ﵊، ويقول: يا رسول الله! ألا تقبلني خادماً لك؟ فيقبله النبي ﵊، ومن يومها ينتقل هذا الغلام هذه النقلة الكبيرة من رعاية الأغنام إلى خدمة سيد الأنام، هكذا بدون مقدمات، من رعاية الأغنام لكافر من كفار مكة إلى خدمة الحبيب المصطفى ﷺ ، بل ولم يمض غير قليل وإذ بهذا الفتى الذي لم يكن يجرؤ بالأمس القريب أن يمر على مجلس فيه شريف من أشراف مكة إلا مطأطئ الرأس حثيث الخطى، هاهو يتحول اليوم بعد لحظات معدودات إلى إعصار مدمر! وإلى بوق سماوي مزلزل! يتحول إيمانه ويقينه في قلبه إلى شيء يدمر كبرياء سادة قريش وكبرائها! ها هو الغلام الأجير الفقير المغمور ينطلق ليقف على رءوس أشراف مكة في وضح النهار حول بيت الله جل وعلا فيرفع صوته العذب الحلو بسورة الرحمن؛ ليكون هذا الغلام الأجير الفقير المغمور أول مسلم على ظهر هذه الأرض يجهر بالقرآن في مكة بعد رسول الله ﷺ .
ولندع شاهد عيان ينقل لنا هذا المشهد المثير، هذا المشهد الذي رواه بطوله ابن هشام في سيرته، ورواه مختصراً الإمام ابن حجر في الإصابة، ورواته ثقات، يقول الزبير بن العوام ﵁: اجتمع أصحاب النبي ﷺ يوماً في مكة، وما زالوا مضطهدين في هذا الوقت، وما زالوا مشردين فقالوا: قريش لم تسمع القرآن يشهر لها به قط، فهل من رجل يسمعهم القرآن؟ أتدرون من الذي أجاب بنعم؟! إنه هذا الغلام الفقير، الذي كان بالأمس القريب راعياً لأغنام سيد من سادات مكة، فقال ابن مسعود: أنا، فقال أصحاب النبي ﷺ : نريد واحداً له عشيرة تمنعه وتحميه إن أراد به أهل مكة شراً، فقال ابن مسعود: دعوني، فإن الله سيمنعني ويحميني، وانطلق ابن مسعود ﵁ وأرضاه في اليوم التالي في وقت الضحى، حتى أتى مقام إبراهيم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- ووقف ليقرأ القرآن بصوته الحلو العذب الرقيق، وبدأ بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، رافعاً به صوته، والمشركون يجلسون حول الكعبة، وظل يقرأ سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١-٤] فنظر سادة قريش إلى بعضهم البعض وقالوا: ماذا يقول ابن أم عبد؟! تباً له إنه يتلو بعض ما جاء به محمد! إلى هذا الحد من الجرأة! يتلو على مسامعنا وبين أيدينا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ، فقاموا إليه وضربوا وجهه ضرباً شديداً عنيفاً حتى سال الدم الشريف على وجهه الأنور، وانطلق بهذه الدماء الطاهرة إلى أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: هذا والله ما خشيناه عليك يا ابن مسعود، أتدرون ماذا قال هذا الغلام الضعيف القوي؟! قال: والله ما كان أعداء الله أهون في عيني من اليوم، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً، فقالوا: كلا، فلقد أسمعتهم ما يكرهون.
стр. 109
ابن مسعود يقتل أبا جهل يوم بدر
ذلكم هو الغلام المعلم أيها الأحبة! هذا هو ابن مسعود ﵁، الذي يتحول هذا التحول الكبير، بل لقد كان له يوم بدر مشهد مذكور، فلقد ورد في صحيح البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال يوم بدر: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فقال ابن مسعود: أنا يا رسول الله! فانطلق ابن مسعود بسيفه، فوجد أبا جهل قد قتله ابنا عفراء ﵄، فقال له ابن مسعود: أنت أبو جهل؟! فاحتقر أبو جهل -وهو يموت ويحتضر- ابن مسعود وأصحابه، فقال: وهل فوق رجل قتلتموه أو قتله قومه؟! يقول ابن مسعود ﵁ كما في رواية الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، والحق أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، فالحديث فيه انقطاع، إلا أن بقية رجال أحمد رجال الصحيح، وله شواهد بمعناه تقويه كما ذكرت آنفاً.
قال ابن مسعود لـ أبي جهل: هل أخزاك الله يا عدو الله؟! فأخذ سيفه وضربه فلم يغن فيه شيئاً، فبصق أبو جهل في وجه ابن مسعود، وقال: خذ سيفي فاجتز رأسي به! فأخذ ابن مسعود سيفه وقطع به رأسه وذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بمقتل أبي جهل، فقال النبي: (آلله الذي لا إله إلا هو؟! آلله الذي لا إله إلا هو؟!!) أي: أقتل أبو جهل حقاً؟! قالها النبي ﷺ مرتين، فخرج مع عبد الله بن مسعود فلما رآه قال النبي ﷺ : (الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله! ثم قال ﷺ : هذا كان فرعون هذه الأمة) قتله ابن مسعود ﵁ وأرضاه.
من كان يصدق أن ابن مسعود الفقير الأجير هو الذي سيقتل أبا جهل؟! ها هو الإسلام يمنحه مكان فقره غنى، ومكان ضعفه قوة وإرادة تقهر جبابرة قريش، ومكان انزوائه وانعزاله في شعب من شعاب مكة مكانة عالية خفاقة تعانق كواكب الجوزاء، هذا هو الإسلام الذي حول هؤلاء من رعاة للغنم إلى سادة وقادة لجميع الدول والأمم.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 110
ابن مسعود وزيراً لبيت مال الكوفة ومعلماً لأهلها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: وهكذا لم يتأخر ابن مسعود ﵁ عن غزوة من الغزوات، بل لقد شهد الغزوات كلها مع رسول الله ﷺ ، وظل هكذا مع صاحبيه الجليلين الكريمين أبي بكر وعمر ﵄، حتى أرسله عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة وقال لهم: لقد أرسلت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود وزيراً، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما، ثم قال: فوالله الذي لا إله إلا هو لقد آثرتكم بـ عبد الله على نفسي.
وانطلق ابن مسعود وزيراً لبيت مال الكوفة، وأخرج ما في جعبته المترعة من علوم القرآن والسنة، فعلم أهل الكوفة، حتى إن الإمام السرخسي رحمه الله تعالى قال: لقد بلغ عدد من تعلم على يد ابن مسعود وعلى يد أصحابه ما يقرب من أربعة آلاف عالم! إنها مدرسة ابن مسعود ﵁، فقد حول كثيراً من أهل الكوفة إلى علماء، علمهم القرآن والحديث، وكان وزيراً أميناً لبيت مال المسلمين، ألم أقل لكم: إنه كان أميناً في جاهليته قبل إسلامه؟! ألم يقل للنبي ﷺ : إني مؤتمن، فما ظنكم به بعد الإسلام!
стр. 111
لا حقيقة لما افتراه المغرضون من خلاف بين ابن مسعود وعثمان
وبالرغم من ذلك -حتى لا أطيل عليكم- فإن الموتورين والمجرمين والمغرضين لم يتركوا ابن مسعود إلا وقد شوهوا صورته وأساءوا إلى سمعته، ونسجوا مسرحية هزلية خلافية حقيرة بين ابن مسعود وبين ذي النورين عثمان بن عفان فقالوا وخاضوا في بحار هائجة في تاريخ هؤلاء الصحب الكرام، فغرقوا وأغرقوا وضلوا وأضلوا، وأساءوا ولم يحسنوا، وإنه ينبغي لمن اقتحم هذا المجال ليتحدث عن هؤلاء الصحب الكرام أن يكون سليم العقيدة، أميناً في النقل، مخلصاً في القصد، وأن ينظر بدقة فاحصة إلى أغراض الموتورين والكذابين والوضاعين الذين يريدون بكل الأساليب أن يشوهوا صورة أصحاب النبي ﷺ .
قال اليعقوبي المؤرخ الشيعي المحترق قال: لقد استدعى عثمان عبد الله بن مسعود من الكوفة، فلما دخل عليه ابن مسعود -وكان عثمان يخطب على المنبر- قطع عثمان خطبته وقال: لقد دخلت عليكم دابة سوء! فتكلم ابن مسعود كلاماً شديداً! فأمر عثمان بإخراجه من المسجد! فجروه من رجله، فكسر له ضلعان! أعوذ بالله! ما هذا الكذب؟! وما هذا الهراء في حق الصحب الكرام ﵃ وأرضاهم؟! وابن مسعود هو الذي خطب في الكوفة يوم أن أُمِّرَ عثمان وخلف عمر ﵃ جميعاً، فقال: لقد اجتمعنا نحن أصحاب محمد ﷺ فلم نأل عن خيرنا -أي: فلم ننصرف عن خيرنا- وأعطينا الإمارة والخلافة لخيرنا بعد عمر، وهو عثمان ﵁ وأرضاه.
بل وقال هذا الشيعي المحترق: إن ابن مسعود رفع يديه ودعا وقال: اللهم إنك عظيم العفو عظيم التجاوز، فلا تتجاوز عن عثمان! والله إن هذا لا يحدث من آحاد المسلمين الشرفاء الأتقياء، فهل نتوقع أن يحدث ذلك من رجل أقرب الناس سمتاً وهدياً ودلاً بالنبي ﷺ ؟! وهل نتوقع ذلك من ذي النورين الذي ضحى بحياته حتى لا تهرق قطرة دم واحدة في مدينة رسول الله ﷺ ؟!
стр. 112
ابن مسعود يترك رأيه لرأي عثمان
لقد ربط الله بين هذه القلوب وملأها بالحب والمودة والرحمة، وإن أعظم الأدلة على ذلك في عجالة: أن ابن مسعود لما علم أن عثمان قد أتم الصلاة بمنى صلى بأصحابه أربع ركعات، فقال تلاميذه: ألم تحدثنا أن النبي ﷺ صلى ركعتين وأبو بكر وعمر؟! قال: وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان إماماً للمسلمين، فخشيت أن أخالفه، فإن الخلاف شر كله، بل وخرج ابن مسعود ليهدئ من ثورة الأصحاب الذين غضبوا لما أتم عثمان الصلاة في منى، فقابله عبد الرحمن بن عوف وقال: هل سمعت يا أبا عبد الرحمن؟! لقد أتم عثمان الصلاة فصليت بأصحابي ركعتين، فقال ابن مسعود لـ عبد الرحمن بن عوف ﵃ جميعاً، ولكني صليت بأصحابي أربع ركعات، وخشيت أن أخالف عثمان فإن الخلاف شر كله، فقال عبد الرحمن: أما الآن فسوف أفعل ما قلته يا أبا عبد الرحمن.
إنها قلوب طاهرة مطهرة تميل مع الشرع حيث مال، وتنطلق مع الحق حيث راح وحيث انطلق لا تشوبها شائبة من شوائب الأحقاد والضغائن ألبتة، إنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، بل ويقابل عثمان ابن مسعود في منى، والحديث رواه البخاري ومسلم فيقول عثمان: يا أبا عبد الرحمن! ينادي على ابن مسعود، يا أبا عبد الرحمن! إن لي إليك حاجة، فيقول: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فيقول عثمان ﵁ لـ ابن مسعود: هلا نزوجك بكراً تذكرك ما كان قد مضى؟! انظروا إلى هذه الدعابة بين عثمان وبين ابن مسعود، فقال ابن مسعود: أما وقد قلت ذلك، فلقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) .
وذهب عثمان إلى ابن مسعود على فراش الموت، فقال له: يا ابن مسعود! من أي شيء تشكو؟ قال: أشكو ذنوبي، ابن مسعود يقول: أشكو ذنوبي! قال: أي شيء ترجو؟ قال: رحمة ربي، قال: أي شيء تخاف؟ قال: أخاف عذاب الله، قال: هل أدعو لك الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: هل آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه يا أمير المؤمنين!
стр. 113
وصية ابن مسعود عند موته
وأختم هذا اللقاء أيها الأحبة! بوصية خالدة من وصايا ابن مسعود ﵁، حيث كان يذكر بها أصحابه ويذكرنا بها من بعدهم فيقول: (إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن عمل خيراً يوشك أن يحصد خيراً، ومن عمل شراً يوشك أن يحصد شراً، فمن وقي فالله تعالى وقاه، ومن أعطاه الله فالله تعالى أعطاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة) .
رضي الله عن عبد الله بن مسعود، وصلى الله على أستاذه ومعلمه، وجمعنا بهم في دار كرامته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه.
اللهم اجزه عنا خير ما جازيت مصلحاً أو صالحاً، اللهم اجمعنا بهم مع نبيك ﷺ .
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، ووفقهم جميعاً للعمل بكتابك، والاقتداء بنبيك ﷺ ، وارزقهم اللهم البطانة الصالحة الناصحة، أنت ولي ذلك والقادر عليه، برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا محمد فإن الله جل وعلا قد أمركم بذلك في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 114
مصابيح الهدى - مصعب بن عمير
عظمة الأجيال فرع عن عظمة قادتها ومربيها، فما بالك بجيل قائده ومربيه وأستاذه المصطفى ﷺ ! إنه الجيل الذي أيس الزمان أن يحتضن مثله! إنه جيل الصحابة الأبرار، أمثال مصعب بن عمير، الذي صدق الله ما عاهده عليه، أول سفير في الإسلام، رحل إلى المدينة داعية ومعلماً لأهلها، فأسلم على يديه جمع من أهل المدينة الذين نصر الله بهم الإسلام، وهو حامل الراية في بدر وأحد، وقد حملها بحق حتى أكرمه الله بالشهادة، فرضي الله عنه وأرضاه.
стр. 115
إنهم تلاميذ محمد ﷺ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى أن لا نعبد إلا إياه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيله حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكبد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علّم الجاهل، وقوم المعوج، وأمن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى.
أيها الأحبة! ما كان حديثاً يفترى، ولا فتوناً يتردد، ذلك الحديث الذي روى به التاريخ أبناء أعظم ثلة ظهرت في دنيا العقيدة والإيمان، إنها حقائق تبرز كل ما كان لأصحاب النبي ﷺ من عظمة وروعة وسمو، وإن الإنسان ليقف مأخوذاً مدهوشاً أمام تاريخ هذه الثلة الكريمة المباركة، وأمام ما أنجزته في هذه الفترة الوجيزة التي لا تساوي في حساب الزمن شيئاً.
أجل! لقد دمروا العالم القديم بأعظم امبراطورياته وصولجانه وحولوه في وقت قليل إلى كثيب مهيل.
أجل! لقد شيدوا بآيات القرآن وكلماته عالماً جديداً يهتز نضرة، ويتألق عظمة، ويتفوق روعة وسمواً وكمالاً واقتداراً.
أجل! كيف استطاعوا في مثل سرعة الضوء أن يضيئوا ضمير الإنسان بحقيقة التوحيد، ولكن سيزول العجب، وتتوارى الدهشة خجلاً وحياءً إذا ما علمنا أن الذي رباهم وأن الذي علمهم هو أستاذ البشرية، ومعلم الإنسانية محمد ﷺ ، فهو الذي ملأ قلوبهم إيماناً ويقيناً وصدقاً وإخلاصاً وعزماً، وجعل حياتهم تتفجر روعة ونسكاً وإنتاجاً وعملاً.
إنه ابن عبد الله! ومن لكل هذا سواه؟ فلقد عاشوا معه، ورأوا رأي العين كل فضائله ومزاياه، رأوا طهره وعفته رأوا صدقه وأمانته رأوا حنانه ورحمته رأوا عقله وبيانه رأوا رجلاً عظيماً شامخاً شاهقاً علياً، لا يدرون هل استطال رأسه وارتفع إلى كواكب الجوزاء فعانقها، أم اقتربت منه كواكب الجوزاء فتوجته! إنه ابن عبد الله الذي زكاه ربه في كل شيء! زكاه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] .
وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] .
وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] .
وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] .
وزكاه في طهره فقال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢] .
وزكاه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] .
وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] .
وزكاه في معلمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] .
وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] .
بأبي هو ﷺ .
فهيا بنا أحبتي في الله لنعيش هذه الدقائق مع تلميذ تربى على يد هذا الأستاذ الكبير والمعلم العظيم.
هيا أيها الأحبة لنعيش مع شاب آخر بعد أن عشنا في اللقاء الماضي مع معاذ بن جبل، فهيا لنعيش اليوم مع شاب آخر نقدمه لشباب الصحوة الإسلامية بصفة خاصة، نقدمه لهؤلاء الشباب قدوة طيبة، ومثلاً أعلى في وقت قلت فيه القدوة من ناحية، وقدم فيه الفارغون والتافهون والساقطون ليكونوا القدوة والمثال من ناحية أخرى.
وكما ذكرت فهؤلاء الذين تعتز بهم أممهم، وتقدمهم لأبنائها على أنهم القدوة وعلى أنهم المثال لو وضعوا إلى جوار عظمائنا ورجالنا وأبناء ديننا وإسلامنا لكانوا بمثابة الشمعة التي جاءت لتضيء في حضرة الشمس في رابعة النهار! هذا إن أحسنا الظن بهم.
هؤلاء الذين يفخرون ويعتزون بهم، ويكرمونهم على شاشات التلفاز في الليل والنهار، وشتان شتان بين نور السهى وشمس الضحى ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨] .
стр. 116
إسلام مصعب بن عمير في دار الأرقم
أيها الأحبة! تعالوا بنا لنلقي السمع والبصر والفؤاد، بين يدي أول الدعاة، وسيد التقاة، الذي ترك الدنيا بمتاعها من أجل الآخرة ونعيمها، الذي رضي بالهجرة بعد القرار، وقبل الجوع بعد الشبع، واطمأن للفقر بعد الغنى، واستبشر واطمأن بالعذاب بعد النعيم، إنه غرة فتيان قريش، وأوفاهم شباباً وبهاءً ونضرة وجمالاً، إنه لؤلؤة ندواتها، وزهرة شبابها، وأعطر رجالها، وقطب الرحى بين أبنائها.
إنه الفتى الريان المدلل، المترف المنعم، الذي نال من تدليل وحب أبويه ما لم ينله شاب آخر في مكة كلها، فلقد عاش في بيت غني ثري من بيوت مكة شرفها الله، فاكتنفته النعمة من كل ناحية ومن كل جانب، وفي يوم من الأيام يسمع هذا الفتى المنعم نبأ الدعوة الجديدة التي جاء بها محمد ﷺ ، والتي بدأ خبرها يسري في مكة كسريان الماء بين الصخور والحجارة، يسمع الفتى الخبر، ويسمع كلاماً جديداً على عقله، يسمع الكلام الذي بدأ يردده الناس عن محمد ﷺ ، إنه كلام يحرك العقول الذكية، ويخاطب الفطر السليمة النقية، فيه قوة تبهر العقل النقي، وتمس الروح الصافية، وتنادي أعماق الوجدان.
ومن هنا أيها الأحبة! ومن هذه الساعة دخل هذا الشاب النقي صراعاً رهيباً مع نفسه، بين بيئته الجاهلية بكل موروثاتها: من نعيم وجاه، وملك وثراء وبذخ، وحسب وشرف ونسب وبين هذا الحق الأبلج الذي بدأ يسمعه لأول مرة يخاطب أعماق وجدانه: ما هذا الهراء؟! ما هذه الأصنام؟! ما هذه التماثيل التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر؟! هل هذا الكون خلقته هذه الأصنام؟ هل هذه الأصنام هي التي تستحق أن تعبد؟! كلا، إنه هراء، فلا بد من البحث عن الحق والحقيقة، وإذ بهذه الحقيقة تتجلى في كلمات محمد بن عبد الله ﷺ الذي جاء ليخرج الناس من ظلمات الشرك ومجاهل الوثنية إلى أنوار التوحيد والإيمان.
ولكن لم يطل الصراع، ولم يدم التردد، فها هو الفتى الكريم يخطو أولى خطواته على الطريق إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، لقد انفتح عقله ووجدانه للحق، وسرى النور إلى قلبه.
ها هو الفتى الكريم يأخذ مكانه بين الصحب الكرام في دار الأرقم بن أبي الأرقم، ولم يكد الحبيب ﷺ يقرأ آيات القرآن وتنساب الآيات الكريمة من قلب محمد بن عبد الله متألقة على شفتيه نوراً ولؤلؤاً، وإذ بهذه الآيات تأخذ طريقها إلى القلوب مباشرة قبل الأسماع، وهل هناك قارئ يوصل القرآن إلى القلوب غير محمد بن عبد الله ﷺ .
وتجد الآيات طريقها إلى قلب هذا الفتى الكريم المبارك؛ ليكون فؤاده في هذه الليلة الكريمة هو الفؤاد الموعود بكل خير، وسرعان ما تمتد يد الحبيب ﷺ برحمة وشفقة وحنان لتلامس هذا الصدر المتوهج، وهذا الفؤاد المتوثب، ليحس الفتى بسكينة عميقة بعمق المحيطات والأنهار، ولأول مرة وإذ بالكلمات تسابق شفتيه وتتردد مشرقة يردد الشهادتين بين يدي رسول الله ﷺ ، ودموع الخشوع والفرح تنحدر على وجنتيه كحبات لؤلؤ إنه الفتى الذي تحول في لمح البصر من أقصى مجاهل الوثنية إلى أقصى رحاب التوحيد والإيمان! إنه مصعب الخير، مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه.
ويخفي مصعب إسلامه عن أهله وعن قومه، كما كان يفعل المسلمون آنذاك التزاماً مع المنهج الحركي للدعوة الإسلامية في طورها السري، ولكن لم يستطع مصعب أن يخفي إسلامه لفترة طويلة من الزمن؛ لأنه لا يستطيع أن يخفي سيم الإيمان على وجهه؟! هل يستطيع أن يخفي سيم الإيمان التي أشرقت على وجهه وتحولت وترجمت فوراً إلى سلوك وواقع حياة؟! هل يستطيع أن يكتم مشاعره نحو ذلك النور الذي ملأ عليه قلبه ووجدانه وحياته؟! هل يستطيع أن يخفي عزوفه واحتقاره لتلك الأوثان والأصنام والمعبودات المزيفة؟! هل يملك أن يرجع يوماً واحداً إلى فساد الوثنية والجاهلية ولهوها وضلالها؟! كلا، فلقد خلع مصعب بن عمير منذ أول ساعة من ساعات إيمانه خلع رداء الجاهلية كله، على عتبة دار الأرقم بن أبي الأرقم.
وهكذا أيها الأحباب! فإن الإيمان والجاهلية بجميع صورها لا يمكن على الإطلاق أن يجتمعان في قلب واحد، لذا لفت الله العقول الذكية والقلوب التقية إلى هذا فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] ، فلابد من التخلية قبل التحلية، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] ، فإن شرح الله صدرك للحق فينبغي أن تنابذ الجاهلية بجميع صورها وشتى أشكالها وألوانها، أما أن نعيش للإسلام بلون، ونعانق الجاهلية في ألوانها الأخرى فهذا لا يصح بحال، ولا يتفق الإيمان والوثنية أو وصورة من صور الجاهلية في قلب واحد مطلقاً.
стр. 117
صبر مصعب ﵁ على الشدة والبلاء
خلع مصعب رداء الجاهلية كله على عتبة دار الأرقم بن أبي الأرقم، واختار طريق الإيمان بكل محنه وآلامه، فهو الذي رأى بعينيه المعذبين من المؤمنين والموحدين يحرقون بالنار، ويمنعون من الطعام والشراب، ويلقون أشد الأذى ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢-٣] .
ليس الإيمان كلمة تقال باللسان، ولكن الإيمان حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء.
ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، بل الإيمان ابتلاء، واختبار، فطريق محفوف بالأشواك وممهد بالابتلاءات والمحن، وليس طريقاً ممهداً بالزهور والورود والرياحين: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] .
اختار مصعب طريق الإيمان بكل محنه وآلامه، ولكن كان ولابد أن يواجه مصعب الخير المحنة برجولة ليثقل إيمانه وليزداد يقينه، وسبحان الله! ستعجبون إذا علمتم أن الذي تولى المحنة، وأن الذي تولى تعذيب مصعب هي أمه خناس بنت مالك! التي كانت تتمتع بقوة في شخصيتها إلى حد ترهب فيه كل الرهبة.
هذه المرأة القوية المتعجرفة التي كبتت كل مشاعر الأمومة في قلبها، واستعلت على كل ذرة عطف وحنان لابنها وحبيبها، وقامت بنفسها لتحكم قيوده وأغلاله، بعدما أظهر إسلامه، وحبسته في مكان قصي من دارها، ومنعت عنه المال والمتاع.
لماذا؟ ليرجع إلى دين الجاهلية وليترك دين الحق والتوحيد، ولكن أنى للقلوب التي رأت النور أن تهوى الضلال؟! وهكذا اطمأن مصعب الخير ورضي بهذا العذاب وهذا البلاء! عجب! أعطر فتيان مكة! وأنعم فتيان مكة يترك النعيم! ويترك الجاه والثراء! ويترك المتاع والأموال! يترك الدنيا كلها من أجل الله جل وعلا ورسوله والدار الآخرة! يا له من درس لمن تركوا ميادين دعوتهم، وراحوا يلهثون وراء الكراسي الزائلة، والمناصب الفانية، وأفتوا بغير ما يرضي الله جل وعلا! يا له من درس؛ فإن الكراسي إلى زوال، وإن المناصب إلى فناء، وإن الدنيا بأسرها حطام زائل.
يتنازل مصعب عن كل هذا ليلبس هذا الفتى المنعم أخشن الثياب، وليجوع يوماً ويشبع يوماً بعد أن كان في الأمس القريب إن مر في طريق في مكة قالوا: لقد مر من هذا الطريق مصعب بن عمير.
أعطر الفتيان، وأنضر الشباب، وأبهى الشباب حلة، يلبس أخشن الثياب، ويجوع يوماً ويشبع يوماً؟! إنها التضحية! إنها قصة فداء! إنه شرف لجميع بني الإنسان، إنه مصعب الخير ﵁ وأرضاه.
إنه يعلم يقيناً أن الدنيا بزخارفها وسلطانها إلى زوال وفناء، فمهما طالت دنياك -أيها الحبيب- فهي قصيرة، ومهما عظمت دنياك فهي حقيره؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر أيا عبد كم يراك الله عاصيا حريصاً على الدنيا وللموت ناسياً أنسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسياً ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقياً ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى ذنوب والمعاصي كما هيا يلبس أخشن الثياب، ويأكل الجلد مع أستاذه ومعلمه ﷺ وورق الشجر، ولكن روحه التي سمت بالعقيدة، ووجهه الذي أشرق بالإيمان قد جعل منه إنساناً يملأ الأعين جلالاً، ويملأ القلوب محبة وتقديراً، ويملأ النفوس هيبة ووقاراً.
أيها الأحبة! في وسط هذه المحن يبزغ نور جديد يبدد الظلام، ويجدد الأمل في صحراء مكة المفقرة، نفر من الأنصار يبايعون النبي ﷺ بيعة العقبة الأولى، تلك البيعة الكريمة المباركة التي حطمت جدران سوداء، حجبت عن الدنيا أنواراً للآخرة.
إنها تلك البيعة الكريمة المباركة التي راحت تصرخ في هذا الإنسان الذي التحف بقشور الوثنية المظلمة لتنادي في أعماقه وتقول له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ، فاعبده وحده، واسجد له وحده، وسبحه وحده، وانظر إليه وحده، واحلف به وحده.
تلك البيعة الكريمة المباركة التي راحت تصرخ في أعماق هذا الإنسان الذي تمرغ يتمرغ في أوحال الرذيلة والمعصية، وتقول له: لا تدس أنفاس حياتك برائحة البغايا المنتنة! تلك البيعة الكريمة التي راحت لتلاحق ذلك الرجل الذي يمضي نحو المقابر كالغضب، وتقول له: ويحك وتهزه من كتفيه بعنف وتقول له: قف، إلى أين أنت ذاهب؟! ما هذا الذي تحمله على ظهرك، إنه ما زال حياً! إنها ابنتك نبض حياتك، ثمرة فؤادك، شريانك ودمك، ما الذي جنته لتهيل عليها التراب وهي حية! وهي تبلل قبرها بدموع تناشدك ذرة من رحمة، وبقية من حنان! إنها البيعة المباركة التي أشرقت بشمس جديدة على الدنيا!
стр. 118
مصعب بن عمير أول داعية إلى الإسلام في المدينة
وحمل الأنصار هذه الدعوة، وصاروا يسابقون بها الريح، وينطلقون من مكة إلى المدينة بهذا النور الجديد، وبهذه الحياة الجديدة، ولكن سرعان ما يبعثون إلى النبي ﷺ أن أرسل إلينا يا رسول الله رجلاً من أصحابك يدعو الناس بكتاب الله جل وعلا، فإنه أحرى أن يتبع -والحديث حسن- فينظر النبي ﷺ في وجوه أصحابه، من يختار لهذه المهمة الصعبة العسيرة؟ من يختار لهذه الأمانة الكبيرة إن رسول الله ﷺ يعلم يقيناً أن هذا الذي سيختاره سيجعل بين يديه مصير الإسلام في المدينة فالمدينة هي الأمل المرتقب بعد صدود أهل مكة، وغلاظة أهل الطائف.
إذاً: وبلا مبالغة إن هذه القضية هي أخطر قضية للإسلام حينذاك.
من يختار ﷺ ؟! ويختار الحبيب أول الدعاة وسيد التقاة مصعب الخير ﵁ وأرضاه، فهو الذي تمرس وصبر على البلاء.
لقد هاجر ﵁ إلى الحبشة مرتين وتحمل الأذى، ونجح في الاختبار نجاحاً بقوة واقتدار، إذاً: فلتذهب يا مصعب الخير إلى المدينة المنورة لتعلم الناس الإسلام، ولتفقه الناس في دين الله جل وعلا، ولتقرأ القرآن عليهم غضاً طرياً -اسمعوا- ولتقوم بدور رسول الله في مكة في المدينة المنورة.
يا سبحان الله! أي شرف هذا، وأي مكانة هذه التي يتبوأها مصعب؟ يقوم بدور رسول الله في مكة في المدينة المنورة؟! نعم، فهو الداعية الذي كان مثلاً وقدوة ونستحق بجدارة أن نرفع رءوسنا لتعانق السماء ولنقول: إنه داعية رباه محمد بن عبد الله ﷺ ! أيها الأحبة! ويذهب مصعب وهو يعي رسالته، ويقدر أمانته، وينطلق إلى المدينة المنورة، وينزل ضيفاً على أسعد بن زرارة ﵁ وأرضاه.
لماذا؟ لأن مصعباً لا يملك مالاً ولا أهلاً ولا بيتاً ولا دابة ولا سلاحاً، بل إن الدعوة وهي ماله، وهي بيته، وهي دابته، وهي سلاحه، ولا يملك شيئاً إلا أن يدعو، وكذلك أقول لإخواني من الدعاة: نحن لا نملك إلا الدعوة، ولا نملك إلا القلوب، فنتعلم من هذه الدروس، ولذا فإننا نركز على هذا لا لمجرد التسلية والاستمتاع، وإنما ليربى الجيل على أخبار وسير هؤلاء الأطهار.
стр. 119
نجاح مصعب في دعوته وإسلام سادات المدينة على يديه
أيها الأحبة! ولقد نجح سفير الإسلام الأول في المدينة المنورة نجاحاً منقطع النظير، وحول مصعب ﵁ المدينة المنورة إلى جنان خضراء، فلقد أشرقت عليها حياة جديدة أشرقت عليها شمس التوحيد، ولكن من يحملون في صدورهم صخوراً وحجارة أزعجهم هذا الإيمان وهذا النور، وضيق عليهم أنفاس حياتهم تلك البهجة، فراحوا إلى سيدهم سعد بن معاذ ليضع حداً لهذا الأمر الذي استفحل، والحديث حسن بشواهده كما رواه ابن سعد وابن إسحاق.
فانظروا إلى هذا الحوار الكريم الذي دار بين سفير الإسلام الأول، وبين سيدين من سادات القوم، بين أسيد بن حضير وبين سعد بن معاذ، وكانا ما زالا على الشرك.
وصل الخبر إلى سعد، فقال لـ أسيد: لا أبا لك يا أسيد! ألا تذهب إلى هذين الرجلين الذين أقبلا علينا في ديارنا ليسفها ضعفاءنا، ازجرهما وانههما، فأخذ أسيد بن حضير حربته وانطلق إلى مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة اللذين ذهبا إلى حائط في دار بني ظفر في رحلة إلى دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، وها هو مصعب الخير وأسعد بن زرارة يجلسان مع مجموعة ممن أسلموا لله جل وعلا في ذلك الحائط، ويأتي أسيد ويركز حربته ويقف عليهما متشتماً قائلاً: ما الذي جاء بكما إلى ديارنا لتسفها ضعفاءنا؟! اخرجا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة! وينظر مصعب نظرة مبتسمة نظرة مشفقة حانية إلى سيد القوم ويقول له: أوتجلس فتسمع مني، فإن كان خيراً قبلته، وإن كان فيه شيئاً تكرهه عزلنا عنك ما تكره، فقال أسيد: والله لقد أنصفت، فركز حربته وجلس بين يدي مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه، ويدعوه مصعب للإسلام، ويقرأ عليه آيات القرآن التي لو تنزلت على الجبال لصدعتها، فتتنزل آيات القرآن على قلب أسيد كحبات الندى على الزهرة الظمأى، ويتفتح ذلك القلب النقي، وتشرق تلك الفطرة السليمة، ويقول أسيد بن حضير كما قال أسعد ومصعب: والله لقد عرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم.
فقال أسيد بن حضير: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، ما تصنعون إن أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ فقالا: تغتسل، وتطهر ثوبيك، وتشهد شهادة الحق، وتصلي لله ركعتين.
فقام أسيد بن حضير الذي كان منذ لحظات إعصاراً يزمجر، وزلزالاً يدوي ويصرخ قام ليتحول إلى عصفور مبلل بماء المطر إلى حبات ندى إلى نسمات هواء وادعة تمر على الوجه في فصل الربيع بأنفاس الزهور، يقوم هذا الأسد الذي كان يزمجر، ويقوم مسرعاً ليغتسل ويطهر ثوبيه ويشهد شهادة الحق بين يدي الداعية العظيم، ويركع لله ركعتين، ثم ينظر إلى أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير ويقول: إن ورائي رجلاً هو سيد قومه لو اتبعكما لم يبق واحد من قومه بعد اليوم إلا على الإسلام، وإني سأرسله إليكما الآن.
وينطلق أسيد بن حضير، ويتحرك لدين الله فوراً، فليس هناك وقت للجلوس وللسكون، وإنما قام ليتحرك فوراً لدين الله جل وعلا بعد أن شرح الله صدره، ويذهب إلى سعد، وينظر إليه سعد بن معاذ، ويقول لقومه: أحلف بالله أن أسيد بن حضير قد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، ماذا فعلت يا أسيد؟ قال: نهيتهما وزجرتهما، ولم أر بهما بأساً، وأجاباني إلى كل ما أريد، وقالا لي: إن رأيت شيئاً تكرهه عزلنا عنك ما تكرهه، ولكني سمعت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وقد علموا أنه ابن خالتك ليخفروك -أي: لينقضوا عهدك- فغضب سعد بن معاذ وقام غاضباً لما سمع من خبر بني حارثة، وأخذ الحربة من أسيد بن حضير، وقال: ما أراك فعلت شيئاً، وانطلق سعد بن معاذ غاضباً إلى مصعب بن عمير وصاحبه ﵁ وأرضاه، فوقف عليهما متشتماً، وقال لـ أسعد بن زرارة وهو ابن خالته: يا أبا أمامة! والله لولا ما بيني وبينك من قرابة ما رمت هذا مني، فقال له مصعب: أوتجلس فتسمع مني فإن رأيت خيراً قبلته، وإن رأيت ما تكره عزلنا عنك ما تكره.
قال: والله لقد أنصفت، وركز الحربة وجلس بين يدي الداعية الكبير العظيم الحليم الصبور ﵁ وأرضاه، فيعرض عليه مصعب الإسلام، ويقرأ مصعب عليه القرآن، وكانت فطرهم سليمة نقية تقية سرعان ما تتفتح إلى الحق كتفتح الزهرة لحبات الندى التي تتنزل عليها في يوم شديد الظمأ شديد الحرارة، فنظر سعد بن معاذ إلى الداعية الكبير وقال: والله ما أحسن هذا الكلام وأجمله، فما تصنعون إذا أدرتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
стр. 120
إسلام سعد بن معاذ وقومه
فقال له: تغتسل وتطهر ثوبيك، وتشهد شهادة الحق، وتصلي ركعتين، فقام سعد بن معاذ فاغتسل وطهر ثيابه، وشهد شهادة الحق بين يدي مصعب، وصلى لله ركعتين، ومن هنا بدأ يتحرك لدين الله على الفور، فلا وقت للراحة والسكون والهدوء، ولا مكان للمكاتب المكيفة والفراش الوثير.
وينطلق سعد بن معاذ إلى قومه إلى بني عبد الأشهل فيقول: يا قوم! ما تعلمون رأيي فيكم؟ فقالوا: أنت سيدنا، وأيمننا نقيبة، وأفضلنا رأياً، فيقول سعد بن معاذ: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فلم تمر الليلة على دار بني عبد الأشهل إلا وقد أسلم كل رجل وامرأة، وشهد الجميع أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
لك الله يا مصعب الخير، ورضي الله عنك يا من ذكرك عطر للحياة.
أسأل الله جل وعلا أن يجزي عنا مصعب بن عمير خير ما جزى صالحاً أو مصلحاً، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 121
من لواء الدعوة إلى لواء الجهاد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! والله كم كانت سعادة النبي ﷺ بداعيته العظيم الكريم المبارك، يوم أن رجع مصعب في العام التالي مباشرة، بوفد من المسلمين يتكون عددهم من سبعين مؤمن ومؤمنة، وهو الذي ذهب إليهم من بضعة أشهر، ولم يكن هناك إلا اثنا عشر رجلاً يوحدون الله جل وعلا في المدينة المنورة، عاد بسبعين دفعة واحدة يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ .
ويهاجر النبي ﷺ إلى المدينة بعد أن غرس فيها مصعب شجرة الإسلام وتعهدها بالرعاية والعناية، فأينعت وأثمرت.
ماذا أثمرت؟ أثمرت دولة للإسلام تمنعه وتحميه، وحينئذٍ أرادت قريش أن تقضي على الموحدين حتى في المدينة المنورة، وانطلقت الشرارة الأولى للجهاد في سبيل الله بغزوة بدر الكبرى، وينظر النبي ﷺ مرة أخرى من يرفع لواء الجهاد، ولن يجد النبي ﷺ إلا من رفع لواء الدعوة قبل ذلك، يرى النبي ﷺ مصعب بن عمير ليدفع إليه لواء الجهاد مرة أخرى، وإن من عرف وسبر غور ميادين القتال يعلم أن اللواء هو البوصلة التي باتجاهها يتحدد مصير المعركة، فإن كان اللواء خفاقاً عالياً، وصاحب اللواء يزأر من حين إلى حين بتكبيرة ترج عرض الميدان رجاً ارتفعت المعنويات، وإن سقط اللواء ونكس نكست المعنويات على الفور.
وينطلق مصعب بن عمير ليرفع لواء الجهاد بعد أن رفع لواء الدعوة، وينصر الله جنده، ويعز الله هؤلاء الفقراء الحفاة العراة الجياع، ويتبعثر المشركون والسادة في أرض الصحراء كتبعثر الفئران.
стр. 122
إكرام الله لمصعب بالشهادة في غزوة أحد
لم يمض عام على بدر وإذ بقريش تجمع رجالها وترفع المعنويات، وتقوم بتعبئة رهيبة للثأر لما حصل في بدر.
ويخرج جيش جرار ويلتقي جيش التوحيد بجيش الشرك في أحد، ويتخلى الرماة عن أمر رسول الله ﷺ ، وينزلون من على ظهر الجبل ليجمعوا الغنائم بعد ما رءوا أهل الشرك يفرون، ولكن هذا كان مخالفة لأمر النبي ﷺ فغير دفة المعركة، وإذ بهم يرون خالد بن الوليد ﵁ ينقض انقضاض الأسد مع جموع من الفرسان، لتتحول كفة المعركة بين غمضة عين وانتباهتها، وينتشر الذعر والرعب بين صفوف المسلمين، ولما رأى المشركون ذلك جعلوا هدفهم الأوحد رسول الله ﷺ ، ويلتفت مصعب إلى الأمر ويعرف الخبر، ويرفع اللواء خفاقاً عالياً، ويزأر كالأسد في عرينه، وترتفع صيحات التكبير، وإنما يريد بذلك أن يلفت أنظار الأعداء إليه حتى لا يصلوا إلى النبي ﷺ ، فينقض عليه الفارس ابن قمئة ليطعن مصعباً ﵁ طعنة في يمينه، فيقع اللواء فيأخذ مصعب اللواء بشماله، فيطعنه طعنة أخرى فيقطع يده اليسرى، فينقض مصعب ﵁ على اللواء بعضديه ليضل اللواء خفاقاً عالياً شاهقاً! فينقض عليه الفارس مرة أخرى ليطعنه في صدره، فيسقط اللواء ويسقط كوكب الشهداء، يسقط مصعب ﵁ وأرضاه.
أيها الأحباب! وبعد انتهاء المعركة -بإيجاز شديد- يأتي الحبيب ﷺ ليتفقد أحوال الشهداء، ويقف أمام جثة حمزة التي مثل بها تمثيلاً فضيعاً، ويبكي بكاء طويلاً، وتنزل الدمعات غزيرة من عيني رسول الله ﷺ ، وبالرغم من أن كل الأبطال الذين سقطوا كانوا يمثلون الطهر والعفاف والعظمة، إلا أن النبي ﷺ وقف أمام جثمان سيد الدعاة وسيد الشهداء وأول السفراء مصعب بن عمير ويقول النبي ﷺ : ( ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] ) .
اللهم هيئ لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه! اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين! اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم خذ بأيديهم إليك، اللهم وفق ولاة أمورهم وحكامهم للعودة إلى كتابك وسنة نبيك ﷺ .
اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام والتميكن للموحدين، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد يا رب العالمين.
اللهم اقبلنا وتقبلنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمرنا الله جل وعلا بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 123
مصابيح الهدى - خديجة بنت خويلد
القدوة الصالحة في تاريخ أسلافنا الأماجد ليست محصورة في الرجال، فإن هناك من النساء اللواتي كملن من لو وزنت بآلاف الرجال لرجحت بهم، ومن تلك النساء العظيمات الكاملات أم المؤمنين خديجة بنت خويلد زوج رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، إنها أول الناس إسلاماً، وهي التي واست رسول الله ﷺ بنفسها ومالها، وهي التي أقرأها الله السلام وبشرها بالجنة، وهي أم أولاد رسول الله ﷺ ، فرضي الله عنها وأرضاها.
стр. 124
الإسلام أعطى المرأة حقها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمّن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم وكما آمنا به ولم نره، فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، وأوردنا بفضلك وكرمك ورحمتك حوضه الأصفى، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نرد ولا نظمأ بعدها أبداً، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره، إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وزكى الله هذه الأنفس، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين وسيد الدعاة في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! هذا هو لقاؤنا العاشر مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ولا زلنا بفضل الله جل وعلا نطوف مع حضراتكم في بستان سير أصحاب النبي ﷺ ، ذلكم البستان المبارك، الذي لا ينقطع عبيره، ولا ينتهي شذاه، ولا تذبل أزهاره، ولا تموت وروده، ومن ثَم فمن الصعوبة بمكان أن نقف أمام جميع زهرات هذا البستان، لنستنشق عبيرها، ولنسعد بجمالها ونضرتها وبهائها، أجل! من الصعب أن نتحدث عن جميع هؤلاء الصحب الخيار؛ لأنهم عمر الزمن ونبض الحياة، ومن المحال أن نحسب أنفاس الزمن وأن نقدر نبض الحياة! فاسمحوا لي أيها الأحبة في الله، بعد أن قدمنا في اللقاءات الماضية نماذج مشرقة من القدوة الصالحة الطيبة، والمثل العليا لشباب الصحوة الإسلامية خاصة، ولجميع أبناء الأمة عامة، اسمحوا لي أن نكتفي بهذا القدر من الصحب الكرام رضوان الله عليهم جميعاً، لنقدم من اليوم وفي اللقاءات المقبلة -إن قدر الله لنا البقاء واللقاء- نماذج أخرى مشرقة من القدوة الطيبة، والمثل العليا لأخواتنا المسلمات، لأصل العز والشرف، لمربية الأجيال، ومخرجة الأبطال، هذه اللؤلؤة المكنونة، والدرة المصونة، للمسلمة التي تربعت على عرش حيائها طيلة القرون الماضية، تهز المهد بيمينها وتزلزل عروش الكفر بشمالها، للقلعة الشامخة أمام طوفان الباطل والكذب، لهذه المسلمة العظيمة، التي رفعت بيمينها كتاب ربها، وبشمالها لواء سنة نبيها ﷺ ، في وقت خطط فيه أعداء الإسلام في الليل والنهار، وشنوا حملة وحرباً شرسة ضارية على المرأة المسلمة، وراحوا يخططون لها في كل لحظة وفي كل وقت وحين؛ للزج بها في مواقع الفتنة، ومستنقع الرذيلة الآسن، تنفيذاً عملياً لقولتهم الخبيثة الخطيرة التي تقول: كأس وغانية يفعلان في تحطيم الأمة الإسلامية ما لا يمكن أن يفعله ألف مدفع! فلقد علم أعداء ديننا أن أصل العز في هذا المجتمع الإسلامي، وأن ركن السيادة والطهارة والعفة هو المرأة المسلمة، فراحوا يخططون لها في الليل والنهار؛ ليقوضوا صرح هذا المجتمع الإسلامي، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولكن ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] ، ولكن ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ، ولكن ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] .
وها نحن نرى الصحوة الإسلامية المباركة في جميع أنحاء العالم يمدها كل يوم فتيات في عمر الورود، زانهن حجاب أصاب أعداء الإسلام من الغرب والشرق وأفراخهم في بلاد المسلمين بالذهول والطيش والجنون والشرود! فها نحن الآن نرى حملة شرسة وحرباً علنية على كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، لا سيما على هذا الشباب النقي الطاهر، الذي أعلن تمسكه بكتاب الله وشرع رسول الله، وعلى هؤلاء الفتيات الطاهرات العفيفات، اللائي تزين بحجاب رب الأرض والسماوات.
ولكن أيها الأحبة! أقولها بملء فمي: إن الله جل وعلا سيظهر دينه، وسيعلي كلمته، وسينصر نبيه ﷺ ، هذا وعد الله، والله لا يخلف وعده، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] .
стр. 125
خديجة نموذج للأسبقية
تعالوا بنا أيها الأحبة لنعيش في هذه الدقائق المعدودات، ولنقدم لأختنا المسلمة القدوة الصالحة، والمثل الأعلى، تعالوا بنا لنعيش في هذه الدقائق مع رمز الوفاء، وسكن سيد الأنبياء، مع أول صديقة في عالم المؤمنات، مع أول من صلت لله مع رسول الله، مع أول من أنجبت الولد لحبينا المصطفى ﷺ ، مع أول من بشرت بالجنة، مع أول من نزل جبريل ليبغلها من ربها السلام، مع رمز الوفاء، ونهر الرحمة، وينبوع الحنان، مع القلعة الشامخة: قلعة الإسلام والإيمان، إنها أمنا أم المؤمنين خديجة بنت خويلد عليها من ربها الرحمة والرضوان.
أعيروني القلوب والأسماع، فوالله الذي لا إله غيره إني أرى الكلمات تتوارى خجلاً وحياء أمام هذه القلعة الشامخة، وأمام هذه الزوجة الصابرة الوفية المخلصة، أمام خديجة ﵂ وأرضاها، تلك المرأة التقية النقية الطاهرة، التي لقبت بالطاهرة في الجاهلية قبل الإسلام، آمنت بالحبيب المصطفى حين كفر به الناس، وصدقت الحبيب المصطفى حين كذبه الناس، وواست الحبيب المصطفى بمالها حين حرمه الناس.
стр. 126
ترجمة موجزة لخديجة وزواج النبي ﷺ بها
من هي خديجة أيها الأحباب؟! وما الذي تعرفه نساء المسلمين عن خديجة؟ وما الذي نعرفه عن أمنا ﵂ وأرضاها؟ إنها سكن الحبيب المصطفى ﷺ ، وبلسم آلامه، وشفاء جراحه وأتعابه.
خديجة ذلك العلم، ذلكم الشرف، خديجة التي نشأت في مكة المكرمة شرفها الله في بيت شرف وحسب ومال، وتزوجت أول الأمر في شبابها بـ عتيق المخزومي، وما لبث أن مات عنها، فتزوجت مرة أخرى بـ أبي هالة التميمي ورزقها الله جل وعلا منه الولد، فرزقت منه بـ هند بن أبي هالة ربيب النبي ﷺ ورضي الله عنه وأرضاه، وبعدما مات زوجها الثاني أعرضت خديجة ﵂ عن الزواج، وظلت أيّماً حتى بلغت الأربعين من عمرها، وكانت هذه المرأة العاقلة الشريفة تتاجر بأموالها، وتستأجر من الصالحين والصادقين من يتاجر لها بالمال، عن طريق المضاربات التي أقرها الإسلام بعد ذلك.
وسمعت خديجة عن صدق محمد بن عبد الله قبل البعثة، وقبل الرسالة، فلقد شهد اجتماع مكة في دار الندوة لمحمد ﷺ بالصدق والأمانة قبل أن يبعث، يوم أن دخل عليهم وهم يختلفون: من الذي سيضع الحجر الأسود في مكانه، ويوم أن التفتت الأنظار وشخصت تجاه الباب، وإذ بهم يرون محمداً ﷺ ، فهتفوا جميعاً على لسان رجل واحد: لقد دخل عليكم محمد الأمين، لقد أطلق أهل مكة في دار الندوة على محمد لقب الأمين قبل البعثة.
فلما سمعت خديجة عن أمانته وعن صدقه وعن عفته؛ أرسلت إليه ليتاجر بمالها، ولبى النبي ﷺ ذلك تلبية لرغبة عمه أبي طالب، وذهب النبي ﵊ ليتاجر لـ خديجة بمالها، وعاد غلامها ميسرة -الذي لا نعلم عنه شيئاً في الإسلام كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة- ليحدثها عن أمانة محمد، وعن صدق محمد، وعن وفاء وإخلاص وبر محمد بن عبد الله ﷺ .
ودب الحب في قلب خديجة ﵂ لهذا الصدق وهذه الشيم وتلك الأخلاق الكريمة التي سمعت في رسول الله ﷺ .
وقد أجمعت الروايات كلها على: أن خديجة ﵂ هي التي خطبت رسول الله ﷺ ؛ لتتشرف بالزواج منه، ولن نقف طويلاً عند هذه الأحداث الصغيرة، وذهب النبي ﷺ إلى خديجة ﵂ ليخطبها مع أعمامه، وعلى رأسهم حمزة وأبو طالب، ووقف أبو طالب عم النبي ﷺ ليخطب خديجة ﵂، وكان من أروع ما قاله أبو طالب حيث قام خطيباً: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وفرع إسماعيل، وجعلنا حجبة البيت وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً، ثم إن هذا ابن أخي محمد بن عبد الله ﷺ الذي لو وزن به أي شريف من أشراف مكة شرفاً وعقلاً ونبلاً وفضلاً لرجحه محمد، ومحمد من قد عرفتم، وقد جاء اليوم يخطب خديجة، فله رغبة فيها، ولها رغبة فيه، وما أحببتم من الصداق فعلي.
هذه هي خطبة أبي طالب.
فقام عمها عمر بن أسد، ونظر إلى أبي طالب وقال: هو الفحل لا يقدح أنفه.
أي: هو الكريم الذي لا يرد.
стр. 127
خديجة نموذج للزوجة المسلمة
تزوج الحبيب بـ خديجة ﵂، وكان زواجاً ميموناً كريماً مباركاً، ضربت فيه خديجة ﵂ أروع الأمثلة للبر والصبر والوفاء والكرم والجود والإيثار، فوالله ما سمع منها رسول الله كلمة تغضبه قط.
استمعن أيتها المسلمات! استمعي أيتها الأخت المسلمة! يا من يعيش معها زوجها في قلق وهم وغم واضطراب! يا من تتفنن كل يوم في إيلام قلب زوجها! وتعكر صفو حياته، استمعي إلى بر الزوجة المخلصة، واستمعي إلى وفاء الزوجة المثالية والقدوة الطاهرة الطيبة، تعلمن يا مسلمات! من أمكن خديجة ﵂ وأرضاها، تلك المرأة التي ملأت حياة النبي ﷺ فرحاً وسروراً، وراحة وحبوراً، وأمناً وأماناً، وسكينة وهدوءاً، وإيماناً واطمئناناً، تعلمن أيتها المسلمات من خديجة ﵂ وأرضاها.
تزوج النبي ﵊ بها وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وهي في الأربعين من عمرها كما قال جمهور أهل العلم.
ظللت السعادة على هذا البيت، وضربت الصابرة أروع الأمثلة في البر والوفاء، فهي الغنية، وزوجها الفقير الذي كان يعمل عندها يوماً من الأيام، هل قالت له يوماً: يا فقير؟! هل قالت له يوماً: يا من عملت عندي؟! تعلمي أيتها المسلمة الموظفة التي تمتن على زوجها في الليل والنهار، تعلمن من خديجة ﵂ وأرضاها، والله ما قالت له قط كلمة تجرحه، ولا كلمة تؤذيه، ولا كلمة تغضبه، وإنما يوم أن سعدت وشرفت بزواجها منه ﷺ وضعت مالها كله بين يديه، وأسلمت له قلبها وعقلها وروحها وبيتها واستقرارها، وأحبت كل ما أحبه رسول الله ﷺ ، وأبغضت كل ما أبغضه رسول الله، وتلك هي أركان الوفاء وبنود البر، وبنود الإيثار، ورحم الله المودودي حين قال: إن الحياة الزوجية إن خلت من المودة والرحمة أصبحت كالجسد الميت إن لم يدفن فاح عفنه ونتنه.
стр. 128
فضائل خديجة ﵂
ظللت الأبوة الرحيمة هذا البيت، وأنعشت الأمومة الكريمة أنفاس هذا البيت، ما ظنكم بأب هو رسول الله، وبأم هي خديجة الطاهرة صاحبة الشرف والعقل والكمال؟! أجل! إنه وسام سيد الرجال لـ خديجة، ألم يقل النبي ﷺ -واسمعوا إلى هذا المثال، وإلى هذه المنقبة يا عباد الله! والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري -: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) .
وفي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران، خير نسائها خديجة بنت خويلد) والراجح كما قال الحافظ ابن حجر: أن المقصود بقوله ﷺ : (خير نسائها) أي: خير نساء زمانها، فـ مريم بنت عمران خير نساء زمانها، وخديجة بنت خويلد خير نساء زمانها بشهادة من لا ينطق عن الهوى ﷺ .
إن خديجة لم تبلغ هذه المنزلة الرفيعة عند رسول الله ﷺ فحسب، وإنما بلغت خديجة هذه المنزلة الرفيعة عند ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، هل سمعت يا عبد الله بامرأة أنزل الله جل وعلا جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ ؛ ليبغلها من ربها جل وعلا السلام؟! إنها خديجة ﵂، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: أتى جبريل إلى النبي ﷺ فرأى خديجة مقبلة، فقال جبريل ﵇: (يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتت فأقرئها السلام من ربها ومني) فإذا أتت فأقرئها السلام ممن؟! من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، والله إن الحلق ليجف، وإن القلب ليخشع، وإن الجوارح لتسكن أمام هذا السلام الإلهي الكريم من الله جل وعلا، وعلى لسان من؟! على لسان جبريل، إلى لسان من؟! إلى لسان محمد ﷺ ، إلى من؟! إلى خديجة ﵂، (يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت فأقرئها السلام من ربها ومني) أي: ومن جبريل، وانظروا إلى فقهها، انظروا إلى عقلها، انظروا إلى علمها، انظروا إلى ذكائها وفطنتها، ما قالت: وعلى الله السلام، انظروا إلى كمال العقل والفطنة والذكاء، اسمعوا ماذا قالت خديجة العالمة الذكية العاقلة، فقد ورد في سنن النسائي: (إن الله هو السلام، ومنه السلام -فالسلام اسم من أسمائه-، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته) .
يا له من علم! هل انتهت البشارة والمنقبة والفضيلة عند هذا الحد؟! كلا.
فتعالوا بنا لنقرأ الحديث كله، ولنستمع إلى الفضل كله، قال جبريل: (يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتت فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب - أي: من لؤلؤة مجوفة- لا صخب فيه ولا نصب) .
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فهل أسمعت النبي ﷺ يوماً صخباً؟! هل أسمعت النبي ﷺ يوماً ضجيجاً؟! هل رفعت صوتها يوماً على حبيب الله ﷺ ؟! كلا، وإذا كان ذلك كذلك فإن الجزاء من جنس العمل، فليكن بيت خديجة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، هدوء كامل وراحة تامة؛ نظير ما أسعدت النبي ﷺ بالهدوء والراحة التامة.
стр. 129
خديجة أم أولاده ﷺ
وأتم الله السعادة لهذا البيت الكريم بعدما أنجبت خديجة لرسول الله ﷺ الولد، فأنجبت: القاسم، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وهناك خلاف في عبد الله الذي لقب بـ الطيب والطاهر كما ذكر علماء السلف المحققين، وخيمت السعادة على هذا البيت، بل وضم هذا البيت المبارك إلى جوار هذه الصفوة الكريمة من أبناء الحبيب ﷺ هند بن أبي هالة، الذي رزق الله به خديجة من زوجها الثاني أبي هالة التميمي، وضم هذا البيت المبارك علي بن أبي طالب، وضم هذا البيت المبارك زيد بن حارثة، وضم هذا البيت المبارك أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ .
وكفى خديجة شرفا ًوفضلاً أن هذا البيت هو أول بيت وحد الله في الأرض، وهو أول بيت صلى لله جل وعلا، وهو أول بيت تلي فيه كتاب الحق ﷻ .
стр. 130
تثبيت خديجة لرسول الله ﷺ في بداية نزول الوحي
ومن هذا البيت انتشر ضياء ونور الإسلام على الدنيا كلها، وبدأ طور جديد في حياة خديجة مع رسول الله ﷺ ، ففي الأربعين من عمره الشريف المبارك بدأت إرهاصات النبوة تتوالى، وكان أول ما بدأ به النبي ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا كانت مثل فلق الصبح كما ورد في صحيح البخاري، وحبب الله للنبي ﷺ الخلوة والعزلة، فأحبت خديجة الخلوة والعزلة؛ لأنها تحب كل ما يحبه رسول الله، وهكذا الزوجة الصالحة، طالما أن زوجها ما أحب إلا طاعة الله ، وما أحب شيئاً فيه معصية لله ولرسوله، فلتحب الزوجة كل ما يحبه الزوج، أحبت الخلوة والعزلة، وكان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى غار حراء بعيداً عن ضوضاء مكة، وبعيداً عن أصوات الشرك، وعن مشاهد القرابين التي تقدم للآلهة المكذوبة المدَّعاة؛ ليتفكر ويتدبر في غار حراء؛ تمده زوجته الصابرة الوفية بالطعام والشراب الذي يحتاج إليه.
وفي ليلة كريمة مباركة من ليالي شهر رمضان المبارك خشع جبل النور بصخوره وحبات رماله وذرات ترابه، بل وخشع الكون كله بوحوشه وهوامه ودوابه، بل وكأن كواكب السماء قد تركت أفقها البعيد ونزلت لتعانق جبل النور في هذه الليلة الكريمة المباركة.
ما الذي حدث؟ وما الذي جرى؟! إنه جبريل أمين وحي السماء يتنزل -لأول مرة- على جبل النور، على قلب الحبيب المصطفى ﷺ ، فها هو يدق على باب الغار ليضم الحبيب ﷺ ضمة شديدة، ثم يرسله ويقول له: (اقرأ، فيقول الحبيب: ما أنا بقارئ، فيضمه جبريل ويغطه بشدة ثم يرسله ويقول: اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ، ثم يضمه الثالثة ثم يرسله فيقول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١-٤] ) وتركه جبريل وانصرف.
وعاد الحبيب ﷺ إلى سكنه، عاد الحبيب إلى مصدر راحته، عاد الحبيب إلى مصدر شفائه وطمأنينته وسكينته، عاد إلى خديجة، عاد إلى هذا البيت الآمن المطمئن، عاد وهو يرجف فؤاده وهو يقول: (زملوني زملوني) ، فزملته الزوجة الصابرة الوفية ﵂، وانتظرت حتى هدأ روعه، ولما ذهب عنه الروع ذهبت إليه؛ لتستفسر منه الخبر، وهو يقول: (لقد خشيت على نفسي يا خديجة!) ما الذي جرى؟! فيقص عليها النبي ﷺ الخبر، فماذا قالت؟ هل فزعت؟! هل خافت؟! هل ضربت وجهها؟! هل رفعت صوتها؟! إنما سكبت الطمأنينة والهدوء والأمن والأمان في قلبه وهي تقول له: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق، والله لا يخزيك الله أبداً) .
ولم تكتف الصابرة التقية الطاهرة بذلك، وإنما أخذت رسول الله ﷺ وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر، وكان يقرأ الكتاب العبراني، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فذهبت إليه خديجة وقالت له: يا ابن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ماذا ترى يا ابن أخي! فقص عليه النبي ﷺ ما رأى، فقال ورقة: هذا والله الناموس الذي أنزله الله على موسى، ليتني فيها جذعاً -أي: شاباً صغيراً- ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك! فقال النبي ﵊: (أومخرجي هم؟! قال: نعم، ما من أحد جاء بمثل ما جئت به إلا عودي) .
وما لبث أن توفي ورقة، وفتر الوحي، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 131
صبر خديجة ﵂ ووفاؤها للنبي ﵊
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! وهكذا مرحلة جديدة في حياة خديجة مع النبي ﷺ ، لا سيما بعدما فتر الوحي ونزل عليه بعد ذلك قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:١-٥] ، نزل عليه صدر سورة المدثر فبدأ النبي ﷺ يدعو إلى الله ﵎، ولاقى من أصناف العذاب والاضطهاد والبلاء ما تنوء بحمله الجبال الراسيات، وكان في كل مرة يرجع إلى بيته النقي التقي ليجد في بيت خديجة ﵂ وأرضاها السكينة.
أيها الأحبة! ضربت خديجة ﵂ أروع الأمثلة في الصبر على البلاء، والوفاء لزوجها، والإيثار، والجود، والمحبة، والإخلاص، والكرم، وكانت تشد من أزره، وتقف خلفه ليدعو إلى الله جل وعلا، حتى بلغ البلاء أقصاه، ودخل المسلمون في حصار اقتصادي رهيب، وهي دندنة قديمة حديثة من أهل الكفر والشرك على أهل التوحيد والإيمان في كل زمان ومكان، فرض على المسلمين حصار اقتصادي رهيب من المشركين في مكة، واستمر هذا الحصار ثلاثة أعوام، ودخل في هذا الحصار مع رسول الله ﷺ زوجته الصابرة الوفية خديجة ﵂، وقدمت كل ما تملك من مال، واتصلت بابن عمها وابن خالها ليأتي بالطعام للمسلمين المحاصرين في هذا الشعب، الذين أكلوا ورق الشجر مع رسول الله ﷺ ، فما صدهم ذلك عن دين الله جل وعلا، ولا عن نصرة رسول الله ﷺ .
وأخيراً -أيها الأحباب- نصر الله عبده وعباده، وأخرجهم من هذا الحصار، وقد انتصروا انتصاراً إيمانياً كبيراً على أنفسهم، وعلى ذواتهم، وعلى الوقوف إلى جوار نبيهم، وعلى نصرة نبيهم ﷺ .
стр. 132
وفاة خديجة ﵂
ولم تلبث الزوجة الصابرة الوفية الطاهرة أن لبت نداء ربها جل وعلا بعد الخروج من هذه المقاطعة الاقتصادية؛ لتلقى الله ﵎ مبشرة ببشارة رسول الله ﷺ بالجنة: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤-٥٥] ، وحزن الحبيب ﷺ عليها حزناً يفتت الأكباد، بل ونزل بنفسه إلى قبرها، وكان أول قبر ينزل إليه الرسول ﷺ ليدفنها الحبيب ﷺ بيديه.
ووالله إن كانت فارقته بجسدها فما فارقت قلب حبيبنا ونبينا ﷺ ، حتى دبت الغيرة بعد موتها في قلب عائشة التي أحبها ﷺ ، ورد في الصحيحين من حديثها ﵂ قالت: (ما غرت من أحد من نساء النبي ما غرت من خديجة قط، من كثرة ما كان النبي ﷺ يذكرها، وربما كان يذبح الشاة ويهدي لصديقات خديجة، وربما قلت له -هكذا تقول عائشة -: ألا يوجد في الدنيا امرأة إلا خديجة؟! فقال لها النبي ﷺ : إنها كانت وكانت -أي: ظل يعدد النبي محاسنها، وقال لها: ولقد رزقني الله منها الولد) ، وفي رواية في صحيح مسلم: أنه ﷺ قال لـ عائشة يوماً: (لقد رزقت حب خديجة) .
هذا هو رمز الوفاء، وهذا هو سكن سيد الأنبياء، هذا رمز الإخلاص، هذه هي القدوة الطيبة والمثل الأعلى الذي نقدمه للمسلمات وللمؤمنات لا سيما بعد سنوات التيه والتغريب التي رأت المرأة المسلمة فيها ببصرها إلى الكافرات والماجنات، واستمعت المسلمة فيها إلى أدعياء التحرر والتبرج والسفور من أعداء الإسلام في الشرق الملحد وفي الغرب الكافر، أو من أفراخهم الذين تربوا في مدارسهم في بلاد المسلمين.
فيا أيتها المسلمة! هذه هي القدوة، وذلكم هو المثال، فلتعودي مرة أخرى لتنظري ببصر، ولتنظري بقلب، ولتنظري بعقل إلى هذه القدوات الصالحات الطيبات الطاهرات؛ لتشقي طريق المجد والعزة والكرامة مرة أخرى من جديد.
نسأل الله جل وعلا أن يصلح نساءنا، وأن يبارك لنا في ذرياتنا، وأن يجعلهم قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك ومولاه.
اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أقر أعيينا بنصرة الإسلام، اللهم أقر أعيينا بعز الإسلام والمسلمين، أنت ولي ذلك والقادر عليه يا رب العالمين.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
стр. 133
مصابيح الهدى - عائشة بنت أبي بكر الصديق
عائشة ﵂ زوجة النبي ﷺ وابنة الصديق ﵁ هي معلمة العلماء، ومؤدبة الأدباء، وبليغة الفصحاء، ومحدثة الفقهاء، إنها الحصان الرزان المبرأة من السماء، إنها حبيبة سيد المرسلين، والمبشرة بصحبته في جنة رب العالمين، نشأت ونبتت في حقل الإسلام، وسقيت بماء الوحي على يد أبيها أبي بكر وحبيبها محمد ﷺ ، وقد ابتليت بلاءً عظيماً أثبتت فيها قوة إيمانها، وعظيم صبرها، واستحقت أن يذكرها ربها في كتابه، ولذلك فحبها دين، وبغضها نفاق.
стр. 134
ومضات من حياة أم المؤمنين عائشة ﵂
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله! وأسأل الله جل وعلا أن يطهر هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وأن يزكي هذه الأنفس، وأن يشرح هذه الصدور، وأن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! هذا هو لقاؤنا الحادي عشر مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ولا زلنا -بفضل الله جل وعلا- نطوف مع حضراتكم في بستان سير أصحاب المصطفى ﷺ ، ذلكم البستان الذي لا ينتهي عبيره، ولا ينقطع شذاه، ولا تذبل أزهاره، ولا تموت وروده، ولا يمل المتجول بين أغصانه وأشجاره وأزهاره أبداً.
ومن ثم فلقد جاءني في اللقاء الماضي بعض الأحبة، وقالوا: بقي كثير من الصحابة كنا نتمنى أن نسعد بالحديث عنهم، قبل أن تبدأ حديثك عن أمهات المؤمنين وعن الصحابيات رضوان الله عليهن، فذكرت أحبابي بما ذكرت في أول لقاء لنا من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، حيث قلت: إنه ليس من الصعوبة أن نقطف زهرة وحيدة في وسط صحراء مقفرة، ولكن من الصعوبة بمكان أن نقتطف زهرة في وسط حديقة غناء، تضم كل أنواع الزهور، وتشمل كل ألوان الورود، وتحوي كل أصناف العبير، لذا، فلو توقفت مع أصحاب النبي ﷺ لاحتجنا والله إلى سنوات طوال، وليس ذلك مبالغة.
لماذا؟ لأن أصحاب الحبيب المصطفى هم عمر الزمن، ونبض الحياة، ومن المحال أن نحسب أنفاس الزمن، وأن نقدر نبض الحياة.
وهذه السلسلة -أيها الأحبة- ليست خاصة بأصحاب النبي رضوان الله عليهم جميعاً وحدهم، وليست تاريخاً ولا سرداً للسيرة، وإنما نقدمها في عجالة سريعة للعظة والعبرة من ناحية، ولتقديم القدوة الصالحة الطيبة من ناحية أخرى؛ ليتربى عليها جيل الصحوة المباركة في وقت قدم فيه التافهون والساقطون والفارغون؛ ليكونوا القدوة والمثال، ولذا فإني لن أتوقف طويلاً أيضاً مع أمهات المؤمنين ومع الصحابيات رضوان الله عليهن، لننتقل بعد ذلك للحديث عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى في عصور التابعين ومن بعدهم، فتعالوا بنا قبل أن تطاردنا عقارب الساعة؛ لنلقي السمع والبصر والفؤاد بين يدي الصديقة بنت الصديق، والعتيقة بنت العتيق، والحبيبة بنت الحبيب البكاء الرقيق.
إننا اليوم على موعد مع معلمة العلماء، ومؤدبة الأدباء، وبليغة الفصحاء، ومحدثة الفقهاء، إنها الحصان الرزان المبرأة من السماء، إنها حبيبة سيد المرسلين، والمبشرة بصحبته في جنة رب العالمين، إنها أمنا عائشة أم المؤمنين عليها من الله الرحمة والرضوان.
أعيروني القلوب والأسماع -أيها الأحبة- فليست هذه اللقاءات خاصة بنسائنا فحسب، وإنما كل كلمة في هذه اللقاءات للرجال قبل النساء، وللنساء قبل الرجال، فهي هامة لكل مسلم ومسلمة في وقت لا نعرف فيه إلا القليل القليل عن هؤلاء الأطهار، وعن هؤلاء الأبرار الأخيار، وفي الوقت الذي صم الإعلام آذاننا وأعمى أبصارنا بسير وتاريخ الأقزام، فعلينا أن نعرف تاريخ هؤلاء، وأن نقف أمام سيرتهم، ولذا فإني أرى بأنه من الواجب علينا أن ندرس سيرهم، وسيرة الصحابيات رضوان الله عليهن؛ لنتعرف على ديننا، فهؤلاء هم الذين حولوا القرآن والإسلام إلى واقع حي، وإلى مجتمع متحرك منظور.
стр. 135
زواج عائشة من النبي ﷺ
إننا اليوم على موعد مع عائشة، وما أدراكم ما عائشة؟! إنها حبيبة الحبيب ﷺ ! إنها المرأة التي ولدت في الإسلام، في بيت الصدق والتوحيد والإيمان، في بيت صديق هذه الأمة الأكبر أبي بكر ﵁ وأرضاه! إنها الزهرة التي نشأت ونبتت في حقل الإسلام، وسقيت بماء الوحي على يد صديق الأمة ابتداءً، ثم بعد ذلك على يدي رسول هذه الأمة ﷺ .
أيها الأحبة! إنها عائشة بنت أبي بكر ﵂ وأرضاها، التي جاء الملك إلى النبي ﷺ في النوم فرآها النبي ﷺ مرتين أو ثلاثاً، ويقول له الملك في كل مرة: هذه امرأتك هذه زوجتك، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة، قالت: قال النبي ﷺ : (أريتك في المنام مرتين أو ثلاثاً) أي: أراني الله إياك في المنام مرتين أو ثلاثاً.
وفي رواية أخرى في الصحيحين أيضاً: (أريتك في المنام ثلاث ليال، جاء بك الملك في سرقة من حرير -بفتح السين والراء والقاف، وهي القطعة- فيقول لي الملك: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك فإذا أنت فيه، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه) ، وأمضاه الله جل وعلا؛ فتزوجها الحبيب المصطفى ﷺ بعدما قدم المدينة المنورة -زادها الله تكريماً وتشريفاً- وهي بنت تسع سنين، وكانت الفتاة في هذا السن في أرض الجزيرة وفي ذلك الوقت تصلح لأن تكون زوجة ناضجة عاقلة واعية، فتزوجها النبي ﷺ في المدينة وهي بنت تسع سنين ﵂ وأرضاها، فنشأت لا ترى إلا النبي أمامها، فسكن النبي ﷺ في قلبها، وأحبت النبي حباً شديداً، وحق لها ذلك، فمن يُحب إذا لم يحب رسول الله ﷺ ؟! وبادلها الحبيب ﷺ هذا الشعور النبيل الكريم، وأحبها النبي ﷺ حباً شديداً أعلنه أكثر من مرة في صراحة ووضوح، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص، أن عمراً سأل النبي ﷺ يوماً وقال: (أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) ، يقول الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء: وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، أن النبي ﷺ قد أحب أفضل رجال الأمة، وأفضل نساء الأمة -أي: بعد خديجة ﵂ وما كان النبي ﷺ ليحب إلا طيباً، وحري بمن أبغض حبيبي رسول الله أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله.
стр. 136
مكانة عائشة عند الصحابة الكرام
لقد عرف الصحابة رضوان الله عليهم لـ عائشة قدرها، فكانوا يتحرون بهداياهم لرسول الله ﷺ يوم عائشة، فإذا أراد صحابي أن يهدي إلى النبي ﷺ هدية أخرها إلى أن يأتي النبي بيت عائشة، فيذهب إلى النبي ﷺ ليقدم له الهدية في بيتها، والحديث رواه البخاري ومسلم.
تقول عائشة ﵂: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة -أي: اجتمع نساء النبي إلى أم سلمة - وقلن لها: يا أم سلمة! إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإننا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري يا أم سلمة رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يعطوه الهدية حيث ما كان وحيث ما بات، فذهبت أم سلمة واشتكت إلى النبي ﷺ فأعرض عنها رسول الله، فلما عاد إليها في نوبتها الثانية ذكرت أم سلمة ذلك للنبي ﷺ فأعرض عنها رسول الله، فلما ذهب إليها في المرة الثالثة ذكرت أم سلمة ذلك للنبي ﷺ فقال لها: (يا أم سلمة! لا تؤذيني في عائشة، فوالله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها) .
وفي رواية في الصحيحين: (أن زوجات النبي ﷺ أرسلن إليه مرة أخرى فاطمة -ابنته- رضوان الله عليها، فذهبت فاطمة إلى النبي ﷺ في بيت عائشة، فقالت له: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فنظر إليها النبي ﷺ وقال: أي بنية؟ ألست تحبين ما أحب؟ قالت: بلى يا رسول الله، قال: فأحبي هذه) أي: عائشة ﵂ وأرضاها.
ولذلك -أيها الأحباب- حملت شدة وشظف العيش أمهات المؤمنين ﵅ أن يطلبن من رسول الله أن يوسع عليهن في النفقة، والرسول ﷺ كما هو معروف لا يعيش عيشة الملوك والأكاسرة والقياصرة، وإنما يعيش الحبيب مع زوجاته عيشة متقشفة، فقد كان يمر على بيوت النبي ﷺ الشهر والشهران ولا يوقد في بيت من بيوت الحبيب نار -أي: لا يطهون طعاماً- فلما سئلت عائشة ﵂: فماذا كنتم تأكلون إذاً؟ قالت: كنا نعيش على الأسودين: التمر والماء.
بل لقد ورد في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ خرج يوماً من بيته ما أخرجه من بيته إلا الجوع، فمر على أبي بكر وعمر، فسألهما: ما الذي أخرجكما؟ قالا: والله ما أخرجنا إلا الجوع يا رسول الله! فنظر إليهما الحبيب وقال: والله ما أخرجني إلا الذي أخرجكما) .
اشتكى نساء النبي ﷺ هذه المعيشة وهذا الضيق، وسألن النبي ﷺ أن يوسع عليهن في النفقة، فغضب النبي ﷺ غضباً شديداً، واعتزل نساءه شهراً كاملاً، إلى أن نزلت عليه آية التخيير من الله جل وعلا، فأمر الله نبيه أن يخير نساءه بين الدنيا وزينتها مع فراق رسول الله ﷺ ، وبين الصبر معه على ضيق الحال مع الثواب العظيم في الدار الآخرة.
تقول عائشة: فلما خير النبي ﷺ نساءه بدأ بي، كما ورد في صحيح البخاري ومسلم: (لما أمر رسول الله أن يخير نساءه أو أزواجه بدأ بي، فقال لي: يا عائشة! إني ذاكر لك أمراً فما عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك -تقول عائشة بدلال: وقد علم أن أبواي لم يكونا ليأمراني بفراقه- تقول: فقرأ عليَّ النبي ﷺ آية التخيير ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨-٢٩] ، فلما استمعت عائشة إلى هذه الآية قالت له: في أيّ شيء أستأمر أبواي يا رسول الله! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة) .
تقول عائشة: وفعل أزواج النبي ﷺ مثلما فعلت.
وهذه -أيها الأحبة- منقبة عظيمة وفضيلة كبيرة لـ عائشة، تبين كمال عقلها، وصحة رأيها مع صغر سنها.
стр. 137
عائشة وقصة الإفك
إن أعظم منقبة وأجل فضيلة لـ عائشة ﵂ هي تلك الشهادة الربانية التي لا تمحوها الأيام والأعوام، وكيف تمحى أو تنسى وقد جعلها الله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة؟! إنها الشهادة ببراءتها وطهرها وعفتها ونقائها من الله جل وعلا، بعد هذه الفتنة القاسية والمحنة المزلزلة التي تعرضت لها عائشة مع رسول الله ﷺ ! أيها الأحبة! أعيروني القلوب والأسماع لنستمع إلى عائشة ﵂ وهي تقص علينا هذه المأساة المروعة، وهذه الفتنة القاسية المدمرة، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين نسائه -أي: أجرى القرعة بين النساء- فأيتهن خرج سهمها خرجت مع رسول الله ﷺ ، فأقرع بيننا النبي ﷺ في غزوة من الغزوات -وهي غزوة بني المصطلق- فوقع السهم علي، فخرجت مع النبي الله ﷺ بعدما أنزلت آية الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه.
والهودج: هو المحمل الذي يوضع على ظهر البعير لتركب فيه النساء ليكون أستر لهن، فكانت تحمل في الهودج، ويرفع الهودج وهي فيه، وينزل الهودج وهي فيه على ظهر البعير.
تقول: فلما انتهى النبي ﵊ من الغزو وقفل راجعاً إلى المدينة، ودنونا منها، آذن الرسول ﷺ ليلةً بالرحيل، وتخلفت عائشة ﵂ خلف الجيش لقضاء شأنها.
أي: لقضاء حاجتها، ولما تأخرت عائشة ﵂ جاء الرهط الذين كانوا يحملون الهودج ويقودون لها بعيرها، فحملوا الهودج ووضعوه على ظهر البعير، وهم لا يعلمون أنها ليست بداخله، فجاءت عائشة ﵂ إلى المكان فلم تجد فيه مجيباً ولا داعٍ.
تقول: فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني وسيرجعون إليّ في مكاني الذي كنت فيه، تقول: فغلبتني عيني فنمت -نامنت في مكانها- وكان صفوان بن المعطل السلمي ﵁ قد أمره النبي ﷺ أن يتأخر خلف الجيش ليأتي بسقط الجيش في مسيره.
تقول: فلما رآني صفوان رأى سواد إنسان نائم.
أقبل إليها، فعرفها، وكان يراها قبل نزول آية الحجاب.
تقول: فاستيقظت من نومي باسترجاعه -أي: انتبهت من نومي على صوته وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون- عندما عرف أنها زوج نبيه ﷺ .
تقول: فخمرت وجهي بجلبابي -خمرت، أي: غطيته- فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما كلمني كلمة، وما سمعت غير استرجاعه -أي: قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون- فأناخ لي صفوان الراحلة، فركبت عليها، وانطلق يقود بي الراحلة حتى أدركنا الجيش، وقد نزلوا معرسين في نحر الظهيرة -أي: في وقت حر الظهيرة الشديد- فلما رآها رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول قال: من هذه؟ قالوا: إنها عائشة، فقال رأس النفاق: زوج نبيكم باتت مع رجل حتى الصباح وجاء يقودها؟ والله ما نجت منه ولا نجا منها.
قولة عفنة، خبيثة! إنها القلوب المريضة التي تريد أن تلوث صورة الإسلام المتمثلة في أطهر قدوة وأعظم مثال، في محمد ﷺ , وآل بيته الطيبين الطاهرين.
وطار المنافقون بهذه الفرية العظيمة، وهذه القولة الخبيثة الخطيرة، وتلقفتها القلوب المنافقة، والألسنة المريضة، وبدأت تموج وتزداد وتنتشر، وماجت المدينة بعد وصول الجيش إليها شهراً كاملاً بهذه الفرية العظيمة خاضت في شرف الحبيب المصطفى وفي عرض ابن عبد الله ﷺ ، والمسكينة عائشة لا تعلم عن الأمر شيئاً.
الله أكبر! رسول الله يتهم في عرضه، وشرفه، وفي عائشة التي أحبها من كل قلبه! رسول الله يتهم في طهارة بيته، وهو الطاهر الذي فاضت طهارته على جميع العالمين! رسول الله يتهم في صيانة حرمته وهو القائم على صيانة الحرمات في أمته! يتهم الحبيب ﷺ في شرفه وعرضه، بل وفي رسالته، يوم يرمى في عائشة ﵂! وها هي المسكينة الطاهرة العفيفة النقية التقية التي تربت في بيت الصدق والطهر والعفاف، في بيت صديق الأمة الأكبر، ها هي عائشة الزهرة التي تفتحت في حقل الإسلام، وسقيت بماء الوحي على يد رسول الله تتهم في عرضها تتهم في شرفها! وها هو أبوها ذلكم التقي النقي الأواب الخاشع الرقيق يعصر قلبه الألم، ويحطم ضلوعه الحزن! ما هذا؟ إنه خبر يهدهد الجبال، ويحطم الصخور الصماء، ويفتت الحجارة الصلبة! ابنة أبي بكر تتهم في شرفها وعرضها؟ ومن هي ابنته؟ إنها زوج حبيبه، وزوج رسوله، وزوج نبيه وأستاذه ﷺ .
يتألم الصديق ويتعالى على أحزانه المدمرة، ويقول بمنتهى الحسرة والمرارة: (والله ما رمينا بهذا في الجاهلية، أفنرمى به في الإسلام) .
وها هو الصحابي الجليل العلم صفوان بن المعطل يتهم في دينه حينما يتهم بخيانة نبيه ورسوله ﷺ ! أيُّ ابتلاء هذا؟ وأيُّ محنة وأيُّ مصيبة هذه؟ وأيُّ فتنة هذه التي ابتلي بها رسول الله وعائشة ﵂ وأرضاها؟!! ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢-٣] .
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] .
تقول عائشة ﵂: فلما قدمنا المدينة مرضت شهراً كاملاً، وأنا لا أسمع من حديث الإفك شيئاً، حتى خرجت يوماً لقضاء حاجتي مع أم مسطح، وكانوا لا يتخذون الكنف -أي: بيوت الخلاء- في البيوت ولا قريباً من البيوت، فأخبرتها أم مسطح بن أثاثة التي سقط في هذه الهاوية مع أهل الإفك بما يتحدث به الناس، فصدمت عائشة ﵂ وقالت: أوتحدث الناس بهذا؟! تقول: وكنت لا يريبني شيئاً من هذا إلا أنني لا أرى الرسول ﷺ يعاملني بلطفه الذي كنت أراه منه حينما أشتكي، وكان يدخل عليّ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم فقط، ولا يتكلم ولا يلاطفني ولا يلاعبني.
فدخلت عائشة ﵂، فلما دخل عليها النبي مسلماً وهو يقول: كيف تيكم؟ نظرت إليه والبكاء يفتت كبدها، وقالت: يا رسول الله! أتأذن لي في أن أذهب إلى أبواي.
تقول: وما طلبت ذلك إلا لأني أريد أن أتيقن الخبر، هل تحدث الناس بذلك؟! تقول: فذهبت إلى بيت أبواي فقلت: يا أماه! ماذا يتحدث الناس؟ فقالت أمها تخفف عليها: هوني عليك يا ابنتي، فوالله ما كانت امرأة وطيئة قط ولها ضرائر إلا وأكثرن في حقها، فبكت عائشة ﵂ وعلمت أن الأمر حق، وأن الأمر واقع، وأن الناس يتكلمون في شرفها وعرضها، وهي من؟ زوج من؟ بنت من؟ أخت من؟ إنها بنت أبي بكر، وزوج رسول الله ﷺ .
تقول: فبكيت بكاء زاد مرضي، وصدع قلبي، وكاد كبدي أن يتفتت من البكاء، وجلس عندي أبواي، وكادت فتنة خطيرة أن تحدث بين الأوس والخزرج بسبب هذا الحديث الخطير، وهذا الإفك المرير.
تقول: وبينما أنا جالسة عند أبواي وهما يعلمان أن البكاء فالق كبدي، إذ استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فدخلت وجلست معي تبكي، وبكيت معها، تقول: وبينما نحن كذلك دخل علينا رسول الله ﷺ ، فجلس عندي وكانت أول مرة يجلس فيها عندي بعد حادثة الإفك، فجلس النبي ﵊، فحمد الله وأثنى على الله، وتشهد شهادة الحق ثم قال: يا عائشة! إنه بلغني عنك كذا وكذا، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا ألم بذنب وتاب إلى الله تاب الله عليه، بأبي هو وأمي ﷺ هذه بشرية الحبيب أيها الأحباب! تقول: فلما انتهى النبي ﷺ من مقالته قلص دمعي فلا أجد دمعة واحدة في عيني.
ونظرت إلى أبيها إلى أبي بكر ﵂ وهي تقول: يا أبت! أجب رسول الله عن مقالته، فيقول الصديق الرقيق الذي يعصر قلبه الألم، يقول لها: والله يا بنية ما أدري ماذا أقول لرسول الله، فتنظر هذه الطاهرة البريئة العفيفة إلى أمها وتقول: يا أماه! أجيبي رسول الله عن مقالته، فتقول أمها: والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله ﷺ ، فنظرت الصديقة الطاهرة إليهم جميعاً وقالت: والله إني لبريئة، ولو قلت لكم ذلك لم تصدقوني، ولو قلت لكم غير ذلك ستصدقونني، ووالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا ما قاله أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] .
لك الله يا عائشة، ورحماك رحماك يا ألله! رحماك رحماك يا ألله! رحماك رحماك يا ألله! تقول: ثم وليت بوجهي واضطجعت على فراشي، والبكاء يفتت كبدي، والألم يعصر قلبي، ووالله إني لأعلم أني لبريئة، وأن الله مبرئي ببراءة، ولكني ما كنت أظن أن الله تعالى سينزل وحياً يتلى في حقي، فلشأني في نفسي كان أحقر من أن ينزل الله فيّ قرآناً يتلى.
تقول: ولكني كنت أرجو الله أن يري النبي ﷺ رؤيا يبرئني الله جل وعلا فيها، تقول: ووالله لم يبرح أحد مكانه، ولم يتحرك رسول الله من مجلسه، وإذ به يتنزل عليه الوحي، وتأخذه الشدة، حتى أن جبينه ليتحدر عليه العرق مثل الجمان -أ
стр. 138
نزول الوحي بتبرئة الصديقة ﵂
عباد الله! لحكمة يعلمها العليم الحكيم، انقطع الوحي شهراً كاملاً ولم ينزل الله آية واحدة في شأن حادثة الإفك على قلب حبيبه المصطفى، والنبي ﷺ يتلوى من الألم، ومن الحزن، ومن هذا البلاء، فنزل الوحي، وشخصت الأبصار، وانقطعت الأنفاس، وهمس الجميع، والكل ينتظر هل نزلت براءة عائشة؟ تقول عائشة ﵂: فلما سري عن النبي ﷺ ، سري عنه وهو يضحك، وكانت أول كلمة نطق بها رسول الله أن نظر إليّ وقال: أبشري يا عائشة! لقد برأك الله .
الحمد لله الذي يسمع ويرى، الحمد لله الذي يعلم السر وأخفى، الحمد لله الذي يسمع دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء! أبشري يا عائشة لقد برأك الله من فوق سبع سماوات، لا برؤيا وإنما بوحي يتلى، بل وسيظل يتلى إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها! أبشري يا عائشة! لقد برأك الله .
فقالت أمها: الحمد لله، قومي يا عائشة إلى رسول الله -أي: قومي إليه فاشكريه- فقالت: لا والله، والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي من السماء.
يا له من يقين عجيب! لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي.
وجلس الحبيب المصطفى ﷺ ليتلو على أسماعها لأول مرة براءتها من فوق سبع سماوات: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذ ِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:١١-٢٠] .
وكان الصديق ﵁ يعطي النفقة لـ مسطح بن أثاثة لقرابته وفقره، فلما تكلم في عائشة، قال الصديق: والله لا أعطيه النفقة بعد اليوم أبداً، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] فلما سمعها الصديق قال: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، وأعطى النفقة مرة أخرى لـ مسطح ﵁ وغفر له، وقال الصديق: (والله لا أنزعها منه أبداً) .
وهكذا أيها الأحباب خرجت عائشة من هذه المحنة بهذه المنقبة وهذه الفضيلة، وزادت مكانتها في قلب الحبيب المصطفى، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 139
وفاة النبي ﷺ في بيت عائشة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
وهكذا أيها الأحبة! ظلت عائشة في قلب النبي ﷺ ، وشاء الله جل وعلا الذي جمع بين قلبيهما أن يجمع بين ريقهما في أول يوم من أيام الآخرة للنبي ﷺ وآخر يوم من أيام الدنيا.
تقول عائشة ﵂، كما ورد في الصحيحين: مات رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه عند الموت، فبينما أنا مسندة رسول الله ﷺ دخل عليَّ عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك، فوجدت النبي ﷺ ينظر إليه، وقد علمت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك يا رسول الله؟ فأشار النبي برأسه: أن نعم، تقول: فأخذته فلينته، ثم نفضته، ثم طيبته، ودفعته إلى النبي ﷺ ، فاستن به أطيب ما كان مستناً قط، وكانت بين يديه ركوة من ماء يدخل يده فيها ويمسح العرق عن جبينه -الأزهر الأنور- وهو يقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) ، ثم تقول: وإذ به يرفع يده ويقول: (بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى) ، ثم سقطت يده، فعلمت أنه ﷺ قد مات.
مات الحبيب على صدرها، وبين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها، فيا لها من فضيلة عظيمة! ولم تمض إلا أشهر معدودات بعد سنتين ونصف بل أقل، وتصاب عائشة بمصاب لا يقل عن المصاب الأول حزناً وألماً، فلقد نام أبوها الصديق هو الآخر على فراش الموت، ودخلت عليه الصديقة ﵂ وهي تقول: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فكشف أبو بكر الغطاء عن وجهه وقال: لا يا بنية! لا تقولي هذا، وإنما قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ، وأوصاها الصديق أن يدفن في بيتها، إلى جوار حبيبه المصطفى ﷺ .
مات الصديق ﵁، وظهرت عبقرية الصديقة، وظهر علمها ومكانتها، وظهر فقهها ومكانتها الحديثية يبن الصحابة في عهد عمر وعثمان ﵃ أجمعين.
حتى كان أبو موسى الأشعري ﵁ يقول: ما أشكل علينا نحن أصحاب محمد ﷺ حديث قط إلا وجدنا عند عائشة منه علماً.
ظهرت مكانتها العلمية، وتفرغت للعلم ولرواية الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، حيث روت أكثر من ألفين حديث عن النبي ﷺ ، وتفرغت للعلم وللتدريس، وكان كبار الصحابة يرجعون إليها في عهد عمر وعثمان.
стр. 140
حقيقة ما وقع بين عائشة وعلي ﵄
وفي عهد علي في أول خلافته قامت الفتنة -فتنة وقعة الجمل- التي ندمت عليها أمنا ﵂ ندماً شديداً.
وأود في عجالة أن أنبه إلى اتهام باطل اتهمت به عائشة ﵂، وشحنت به بعض كتب التاريخ والسير، ألا وهو أن عائشة هي التي ذهبت إلى الكوفة والبصرة لتجييش الجيوش للخروج على علي ولحربه، وهذا افتراء باطل وكاذب، وإن أعظم دليل على كذب هذا: ما رواه الطبري بسند صحيح عن الأحنف بن قيس أنه قال: ذهبت إلى المدينة النبوية فرأيت الناس قد اجتمعوا في وسط المسجد النبوي، والناس يحاصرون عثمان ﵁، فلقيت طلحة والزبير فقلت لهما: والله ما أرى عثمان إلا مقتولاً، فإن قتل فمن تأمراني أن أبايع؟ فقال طلحة والزبير: عليك أن تبايع علياً.
يقول الأحنف بن قيس: فعدت إلى مكة فلقيت عائشة ﵂، فبلغنا خبر مقتل عثمان، فقلت: يا أماه! من تأمريني أن أبايع؟ فقالت عائشة: عليك بـ علي.
يقول الأحنف: فعدت إلى المدينة فبايعت علياً ثم رجعت إلى البصرة مرة أخرى.
أما ذهابها إلى الكوفة والبصرة فقد شرحته قبل ذلك مفصلاً في اللقاء الرابع من هذه السلسلة في خطبة علي بن أبي طالب ﵁، وما ذهبت إلا متأولة، تريد الصلح والإصلاح بين المسلمين، وجمع كلمتهم، متأولة بقول الله جل وعلا: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤] إلا أنه وقع عكس ما كانت تتمناه وتريده تماماً، حتى كانت إذا ذكرت يوم الجمل تبكي، ويبلل البكاء خمارها وتقول: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة!
стр. 141
عائشة على فراش الموت
وفي شهر رمضان في السنة الثامنة والخمسين من الهجرة نامت الصديقة على فراش الموت، ودخل عليها ابن عباس ﵄، فأبت أول الأمر أن يدخل عليها، فقال لها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن: يا أماه! إنه ابنك، وخير صالحي أمتك وبنيك، يودعك ويسلم عليك، فقالت: ائذن له إن شئت.
وهذه رواية أحمد وابن سعد في الطبقات، وأبي نعيم في الحلية، وسندها صحيح.
فلما دخل عليها ابن عباس ﵁ بشرها وزكّاها.
وفي رواية البخاري قال لها: كيف تجدينك يا أماه؟ فقالت عائشة: بخير إن اتقيت، فقال ابن عباس: أنت بخير إن شاء الله، أنت زوج رسول الله ﷺ ، والبكر الذي لم يتزوج بكراً غيرك، وأنت زوجة رسول الله ﷺ في الجنة، فقالت له عائشة ﵂: يا ابن عباس! لا حاجة لي في تزكيتك، والله لوددت أني كنت نسياً منسياً.
وهكذا أيها الأحباب! فارقت روحها هذا الجسد الطاهر؛ لتسعد مرة أخرى سعادة أبدية بصحبة الحبيب المصطفى، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، في جنات ونهر، فلقد ورد في صحيح البخاري من حديث عمار بن ياسر ﵁ أنه ﵁ قال: (إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة) .
رضي الله عن عائشة، وصلى الله وسلم وبارك على نبيها وأستاذها ومعلمها، ورضي الله عن أبيها، ونسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بهم في دار كرامته، ومستقر رحمته.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا شقياً ولا محروماً.
اللهم أصلح حكام المسلمين، وأصلح علماء المسلمين، وأصلح شباب المسلمين، وأصلح نساء المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا، فإن الله جل وعلا قد أمرنا بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 142
مصابيح الهدى - عمر بن عبد العزيز
عمالقة الإسلام ورجاله لا يحصرهم زمان ولا مكان، وإن كانوا في زمن النبوة أكثر عدداً، وأعلى شأناً، إلا أن هناك من سار على منهجهم واقتفى أثرهم، ومن أولئك: عمر بن عبد العزيز، ذلك الرجل الذي جدد في الأمة عهد الخلفاء الراشدين، ذلك الرجل الذي حكم فعدل، ذلك الرجل الذي دخل الخلافة غنياً وخرج فقيراً! إنه عمر بن عبد العزيز الذي اختفى الفقراء في عصره، وأمن الناس في زمانه، فرضي الله عنه وأرضاه، وأسكنه فسيح جناته.
стр. 143
عمالقة الإسلام لا يحصرهم زمان ولا مكان
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! بعد طول غياب نعاود مرة أخرى حديثنا عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ونحن اليوم على موعد مع رجل لا ينتمي لعصر الوحي تاريخياً، ولكنه نقل عصر الوحي بكل قيمه ومثله وفضائله إلى دنيا هائجة مائجة مفتونة مضطربة، وقد نجح في ذلك نجاحاً يأخذ العقول ويبهر الألباب! إننا اليوم على موعد مع رجل ومع مثل رائد من أروع الأمثلة دلالة على صفاء عنصر هذه الأمة، وعلى نقاء معدنها، وسرعة رجوعها إلى الحق إذا وجدت رائداً يقودها على السواء، غير منحرف بها، ولا ضال معها، فهي تسير معه، وتتبع ظله، وترتفع به من حضيض وهدتها آخذة طريقها إلى السمو الإيماني، والقيادة الربانية، والمكانة العلية التي اختارها لها ربها ، فلقد استطاع رائدنا وقدوتنا وبطلنا اليوم، استطاع بصدق إيمانه، وعمق يقينه، وصفاء نفسه ونقاء سريرته، وشدة ورعه وزهده وخوفه من الله ، استطاع أن يضع يده على موطن الداء الذي استشرى في أمته، واستطاع أن يستل جرثومته بيد بيضاء نقية، فعادت الأمة مرة أخرى وكأنها تعيش في عصر النبوة من جديد! ليس في عشرين عاماً ولا في عشرة أعوام، وإنما في عامين ونصف إلا قليلاً! إننا اليوم على موعد مع حفيد الخلافة والملك، إنه رضيع المباهج والنعيم، ريان الشباب، وناعم الإهاب، وفواح العطور والعبير، أجل! فإن هذا الشاب التقي الورع كان قبل خلافته يضمخ ثيابه بأغلى وأرقى العطور، ويسكن أعلى القصور، ويركب الصافنات الجياد، ويلبس أبهى الحلل، ويأكل أشهى الطعام، وهاهو ذاته يتحول في التو واللحظة بعد أن أعلن خليفة للمسلمين، يتحول هذا الشاب ابن السادسة والثلاثين -لا أقول: ابن الستين ولا ابن السبعين- يتحول في اللحظة إلى زاهد ناسك تقي عابد ورع، يترك متاع الدنيا، ويزهد في كل ملذات الحياة، ويدخل على زوجته التقية النقية الوفية الصابرة، وهي من هي؟! هي بنت الخليفة والخليفة جدها أخت الخلائف والخليفة زوجها يدخل عليها بطلنا وقدوتنا اليوم ويخيرها بين أمرين: بين أن ترد كل ما تملك من متاع وجواهر وحلل إلى بيت مال المسلمين، وأن تعيش معه من اليوم عيشة الزهد والورع والكفاف! أو أن يسرحها سراحاً جميلاً! فتختار الذكية النقية التقية هذا البطل وهذا العملاق على متاع الدنيا الزائل! ولم لا؟! وبطلنا وقدوتنا اليوم حفيد فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب، إنه معجزة الإسلام، وولد الإسلام العزيز عمر بن عبد العزيز.
أيها الأحبة! والله إن الصعوبة التي تواجهني الآن وأنا أتحدث عن هذا العملاق لتتمثل في: ماذا أقول وماذا أدع، من هذا الحشد الهائل من الحقائق الناصعة التي ترويها لنا سيرة هذا الورع التقي القوي النقي، وإن كانت الحكمة العربية القديمة تقول: من أخصب تخير، أي: من وجد الأرض الخصبة تخير المرعى، فإني أجدها الآن تنقلب عليَّ، إني أجدها الآن: من أخصب تحير!
стр. 144
ترجمة موجزة لعمر بن عبد العزيز
ماذا أقول، وماذا أدع عن هذا التقي النقي العابد الورع؟! فلنطالع نبأ هذا التقي النقي من أوله.
لقد روت لنا كتب التاريخ والسير أن فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ قد حرم في خلافته خلط اللبن بالماء، وفي ليلة من الليالي المظلمة الشاتية الممطرة والناس نيام، ولكن أنى للنوم أن يعشى عمر! فخرج عمر بن الخطاب يتفقد أحوال الرعية، وأمام بيت من بيوت الناس سمع عمر بن الخطاب حواراً جميلاً جذاباً بين أم وفتاتها التقية النقية الزاهدة الورعة: الأم تقول لفتاتها: هيا يا بنيتي أسرعي وامزجي اللبن بالماء قبل أن يطلع علينا الصباح! والبنت التقية تجيب أمها وتقول: يا أماه! ألم ينه أمير المؤمنين عمر عن مزج اللبن بالماء؟! فتقول الأم لفتاتها: يا بنيتي! إن الناس يمزجون، وما يدري أمير المؤمنين بنا الآن؟ فترد الفتاة الورعة التقية وتقول لأمها: يا أماه! إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فرب أمير المؤمنين يرانا! واغرورقت عينا عمر بدموع الغبطة والسرور والفرح، وأطلق ساقيه للريح يجري إلى داره، يا عاصم! من عاصم؟ عاصم بن عمر، يا ولدي! اذهب إلى هذا البيت الفلاني وتزوج بهذه الفتاة الورعة التقية، فإني والله أرجو الله أن يخرج منها فارساً يقود العرب والمسلمين! إنها عبقرية فاروق الأمة ﵁ وأرضاه.
ويستجيب الولد لرغبة أبيه، ويتزوج عاصم بن عمر ﵄ بهذه الفتاة المراقبة لله جل وعلا، وتنجب له هذه الفتاة فتاة أسموها ليلى وكنوها بـ أم عاصم، فتزوجت أم عاصم هذه رجلاً من خيار بني أمية يقال له: عبد العزيز بن مروان، فولدت لـ عبد العزيز هذا الشاب التقي النقي الزاهد العابد الورع عمر بن عبد العزيز، ولدته بالمدينة المنورة سنة ستين للهجرة، وقيل: ولد عمر بن عبد العزيز بمصر بمدينة حلوان سنة إحدى وستين للهجرة.
إنها ذرية كريمة بعضها من بعض، فهذا الشبل من ذاك الأسد!
стр. 145
طلب عمر بن عبد العزيز للعلم وثناء العلماء عليه
ونشأ عمر في هذه البيئة المترفة، في قصور الملك والنعيم، فأبوه عبد العزيز بن مروان الذي كان والياً على مصر حينذاك، واستمر على ولاية مصر عشرين عاماً، والخليفة الأموي خليفة المسلمين هو الوليد بن عبد الملك بن مروان، وهو ابن عم عمر بن عبد العزيز ﵁.
نشأ عمر في هذه البيئة، في بيئة القصور، في بيئة الخلافة والإمارة والملك والجاه والنعيم والسلطان، ولكنه شب ونشأ نشأة عجيبة لفتت إليه جميع الأنظار، فلقد ذهب هذا الولد في مقتبل عمره إلى أبيه الوالي والأمير وقال: يا أبتِ! دعني أذهب إلى المدينة المنورة لأجلس بين يدي علمائها وفقهائها، ولأتأدب بآدابهم، فأذن الوالي لولده، وانطلق هذا الغلام إلى المدينة المنورة، وعكف في أول أمره على حفظ القرآن الكريم، فأنهى حفظه في زمن قياسي أذهل الجميع في المدينة، ثم بعد ذلك انكب هذا الغلام على طلب العلم، وعلى طلب الفقه والسنة حتى قال في حقه الصحابي الجليل أنس بن مالك، وقد طال به العمر وصلى يوماً وراء هذا الشاب، وراء عمر بن عبد العزيز، فقال أنس بن مالك صاحب رسول الله ﷺ : والله ما صليت صلاة وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله من هذا الغلام.
إنه عمر بن عبد العزيز! وقال في حق عمر الإمام العلم إمام التفسير مجاهد بن جبر الذي عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، قال مجاهد: جئنا لنعلم عمر بن عبد العزيز فما عدنا حتى تعلمنا منه.
وقال عنه الإمام الفقيه العلم الليث بن سعد، ما التمسنا علم شيء إلا وجدنا عند عمر بن عبد العزيز أصله وفرعه وما كان العلماء عنده إلا تلامذة! انظروا إلى شهادات هؤلاء الأعلام، هؤلاء الأفذاذ، وما كان العلماء عند عمر إلا تلامذة.
следующие страницы →